الجرعة المميتة للأنانية

في تونس كما في مصر واليمن والجزائر وكثير من الدول العربية، بمجرد ما أشهر الشعب أنيابه في وجه حاكميه، بادر هؤلاء الحاكمون إلى اتهام «الأيادي الخارجية»، وكأنهم لا يريدون أن يفهموا أن أياديهم الداخلية هي سبب المشكلة، وأنهم أثقلوا على شعوبهم بما فيه الكفاية، وأن وقت رحيلهم قد حان.
إنهم يطلبون من شعوبهم أن تكون غبية لكي تنطلي عليها الحيلة وتستمر في تحمل رؤية زعمائها الموميائيين بوجوههم المنفوخة بالبوطوكس وشعورهم المصبوغة بالأسود والمسرحة بالسوشوار لسنوات أخرى طويلة.
إنهم يطلبون منهم أن يكونوا مواطنين صالحين، وهم عندما يطلبون منهم ذلك فإنما يقصدون أن يكونوا مواطنين صالحين لهم ولأبنائهم وعائلاتهم.
يطلبون منهم أن يكونوا شعبا معدما وصالحا، أن يدخلوا أيديهم في جيوبهم فلا يعثروا سوى على فواتير الماء والكهرباء ولائحة بأسماء الدائنين الذين يطلبونهم أحياء أو أمواتا.
يطلبون منهم أن يكونوا مظلومين وعاقلين في الوقت نفسه، حتى لا يضيفوا إلى لائحة اتهاماتهم جنحة الرجولة.
إنهم يطلبون منهم أن يتوجعوا، لكن بصمت.
يطلبون منهم أن يكونوا حزينين بملامح مسرورة للغاية، وأن يكونوا مفجعين بشكل حضاري، حتى إذا صرخوا من شدة الألم أشعل الأمل والحبور في نفوس المفجعين من أمثالهم.
يطلبون منهم أن يذهبوا إلى النوم ببال مرتاح وأفكار مرتبة كملفات السكرتيرات، حتى ولو كانوا مبعثرين عن آخرهم ولا تهتدي أيديهم إلى جيوبهم إلا بمشقة بالغة.
يطلبون منهم أن يكونوا أمناء ولا تختلط جيوب الناس بجيوبهم، وأن يوقظوا ضمائرهم إذا اختلطت عليهم الجيوب، وأن ينوموها كلما دس أحدهم يده في جيوبهم.
إنهم يطلبون منهم أن يكونوا تعساء وودودين، أن يبحثوا في أعماقهم فلا يجدوا سوى الغضب وأن يعرفوا كيف يصرفون هذا الغضب بلا حمرة في العينين ولا حدة في الأنفاس ولا عض على الأسنان.
يطلبون منهم أن يمضغوا طعامهم بفم مغلق حتى لا تتعود أنيابهم على الظهور أكثر من اللازم، فهم يخافون أنياب الجياع البارزة ويخشون ألا تجد ما تطحنه يوما فيشهرونها في وجوههم السمينة مثل سكاكين اللصوص في المنعطفات الحادة.
إنهم يطلبون منهم أن يناموا بلا أحلام، وإذا حلموا أن يحكوا عنها في الغد بشكل خاص جدا حتى لا تثير الشبهات حول النيام الآخرين الذين لا يحلمون بالليل ويؤجلون أحلامهم إلى الغد، لكي يروها وهي تتحقق أمامهم في ضوء النهار.
إنهم يطلبون منهم أن يكونوا عميانا رغم أن عيونهم أوسع من نافذة، وأن تنعدم الرؤية أمامهم كلما مر أحدهم هاربا بقسطه من الكعكة التي أعدها الشعب، وألا يفتحوا أعينهم إلا عندما يحين دورهم التاريخي في جمع الفتات، الذي هو نصيبهم النضالي جزاء بصيرتهم المتفانية في العماء.
إنهم يطلبون منهم أن يعيشوا سعداء وبسطاء، أن يفترشوا أوراق الجرائد وأن يلتهموا العناوين العريضة والمواضيع الدسمة في نشرات الأخبار. أن يقطنوا أحذيتهم وأن يرتدوا الثياب المستعملة وأن يضحكوا بانتظام على الأقل مرتين في اليوم، وأن يحزنوا بكميات معقولة حتى لا يصابوا بتضخم في القلب، فيزاحموهم على أسرتهم النظيفة في المستشفيات.
إنهم يريدون منهم أن يبكوا بين حين وآخر، لذلك يسلطون عليهم كل تلك المسلسلات والبرامج الرديئة والمنشطين الثخينين في التلفزيون.
إنهم يطلبون منهم أن يفكروا دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النزول إلى العمق، وأن يظلوا بالمقابل فوق السطح معرضين ضمائرهم لتيارات الهواء الباردة.
إنهم يطلبون منهم أن يتفانوا في أداء الواجب الوطني وأن يقنعوا بأقل الرواتب وأتفه المسؤوليات، وأن يحرقوا أعصابهم يوميا في كتابة التقارير التي لن يطالعها أحد، وأن تنشف أدمغتهم في إحصاء الأموال التي لا يعرفون البنوك التي ستسمن فيها، وأن يكون كل نصيبهم من هذه المحنة أقل بكثير من نصيب أولئك الموظفين الكبار الذين كل بطولاتهم أنهم يضعون توقيعاتهم الرديئة بأقلام حبرهم الضخمة وينصرفون لأخذ أتعابهم الأكثر ضخامة من سيغارهم الكوبي.
يطلبون منهم أن يكونوا متذمرين، لكن بقسمات مبتهجة، أن ترقد أمهاتهم في السرير بلا علاج وأن يفرحوا لمجرد أن الأمطار نزلت بكثرة هذا الموسم، أن يجدوا إشعارا بضريبة ثقيلة تحت الباب عوض أن يجدوا رسالة صديق، وأن تتبقى لديهم مع ذلك الرغبة في قراءة كتاب قبل النوم أو الجلوس قرب سرير الصغار وإسماعهم مرة أخرى حكاية ذلك الوحش الذي التهم بمفرده الغابة كلها ثم مات وحيدا بسبب التخمة.
يطلبون منهم أن يناموا باكرا ويستيقظوا باكرا لأن هذا من صفات المواطن الصالح، وهم لا يعرفون أن النوم في هذه الأيام أصبح يتطلب أدوية كثيرة واحتياطات أكثر بسبب كل الكوابيس المرعبة التي أصبحت تتسكع في أحلام الفقراء مثل القطط الضالة.
إنهم يطلبون منهم أن يكفوا عن إزعاجهم بمشاريعهم الطموحة وأفكارهم النيرة، أن يقتنعوا بأن الحرية امرأة مطلقة تنام مع الغرباء، وأن الكرامة ليست سوى ضربة حذاء ثقيل مغلفة بقفاز أبيض، وأن الشجاعة ليست سوى صورة صفراء لفارس ملثم يطعن غولا كانت معلقة على جدران المدارس الابتدائية.
إنهم يطلبون منهم أن يمنحوهم كل وقتهم وكل إعجابهم وكل مشاعرهم، لأنهم يحتاجونها جميعها ليقنعوا أنفسهم بجدوى العطور الثمينة التي يشترونها من عواصم العالم، وبجدوى تسريحات شعور زوجاتهم الناعمة وبجمالية جلستهم المتراخية على كراسيهم الوثيرة.
إنهم يطلبون منهم ألا يكونوا مبالغين وهم يحكون عن تعاستهم، أن يستعملوا الكلمات التي تليق بالنعيم الذي يرتعون فيه وأن يعرفوا حدود مياههم الإقليمية جيدا، أن يسحبوا شكواهم عندما لا يكون هناك استعداد من طرف سعادتهم لسماعها، وأن يبسطوا امتنانهم البالغ لقبولهم استقبال شعب حقير ووضيع مثلهم.
وفي الأخير، ينصحونهم بأن يعتمدوا على مواهبهم وأن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، رغم أنهم لم يتسببوا قط في خلق أي مشكل، والحل الوحيد الذي يقترحونه عليهم هو أن يدفعوا حياتهم بالتقسيط المريح من أجل تسديد الأخطاء التي ارتكبها غيرهم.
إنهم يطلبون منهم أن يتعلموا كيف يتخابثون في كلامهم، وأن يضعوا بين كل كلمة وأخرى عبارة شكر وامتنان.
إنهم يطلبون منهم أن يكونوا حريصين على حياتهم وأن يفكروا في المستقبل بجدية، ويعلمونهم في المسلسلات الرديئة كيف يصبحون رومانسيين وكيف يمكن أن تلتقي نظراتهم بنظرات فتاة في القطار فتسقط في حبهم على الفور ويتزوجونها كما يحدث في المسلسلات الرديئة التي يقدمونها لهم يوميا على مائدة الغذاء.
هكذا يصبحون مواطنين صالحين وتصير لهم زوجة وأبناء وواجبات وديون وفواتير لا تحصى وحسابات عند المحلات التجارية والصيدليات، وحسابات أخرى عويصة مع الجيران.
إنهم يطلبون من مثقفيهم أن يؤلفوا عائلة صغيرة وكتبا في أوقات الفراغ، أن يذهبوا كأي غبي مسرور إلى العروض السينمائية التي تبتز جيوب الناس.
أن يصبح لهم سطح تعيش فوقه وعتبة للفقر يعيشون تحتها.
أن ينجبوا أطفالا ويتزاحموا أمام أبواب المحلات التجارية لاقتناء الحليب الاصطناعي لهم، لأن أمهاتهم سيرفضن إلقامهم أثداءهن انسجاما مع تعاليم الحركة النسائية العالمية.
إنهم يطلبون منهم أن يأخذوا أطفالهم إلى النزهة خلال أيام الآحاد، لكي يضعوهم في حيرة من أمرهم ويجعلوهم يفكرون وقتا طويلا لماذا يقترحون عليهم دائما حديقة الحيوان.
إنهم يطلبون منهم أن يشتغلوا طوال حياتهم مثل بغال جبارة، وعندما يصلون سن التقاعد يصرفون لهم مرتبا حقيرا لا يكفي لإعالة كلب واحد من كلابهم الأنيقة.
إنهم يطلبون منهم أكثر ما يمكن من الهدوء في الأعصاب، وأقل ما يمكن من الغضب في النظرة، وتقريبا لا شيء من الكرامة.
إنهم يطلبون منهم أن يكونوا جائعين ورائعين، مضروبين ومتسامحين، عراة وشرفاء، مهشمين وكل جوارحهم تصفق لهم...
إنهم يطلبون المستحيل، إنهم ببساطة يطلبون رؤوس شعوبهم لا أقل ولا أكثر.
ولذلك فلا غرابة أن تنقلب الآية وتثور هذه الشعوب، وتصبح هي من يطالب برؤوس قادتها.
... تابع القراءة

يا الخايف من العافية رد بالك من الما

من الطبيعي، بعد كل هذه الحرائق التي تندلع هنا وهناك داخل مدن العالم العربي، أن تستنفر مصالح وزارة الداخلية عندنا رجالها تحسبا لإضرام المواطنين النار في أجسادهم للتعبير عن احتجاجهم.
ويبدو أنه بعد انتشار هذا الطقس المجوسي في المغرب، يجب أن تفكر الإدارة العامة للأمن الوطني في تجهيز رجال أمنها بوسائل إطفاء الحريق عوض الهراوات.
ولو أن «الحريك» في المغرب ليس شيئا جديدا، فأول «حراك» في التاريخ هو طارق بن زياد الذي أحرق سفن العودة عند فتحه للأندلس، لكي يمنع رجاله من التولي يوم الزحف على شبه الجزيرة الإيبيرية.
وبعده بقرون، جاء دور أحفاد طارق بن زياد لكي «يحرقوا» مراكب العودة على طريقتهم الخاصة، بحيث أصبح كل من يركب قاربا من قوارب الموت يحرق جواز سفره وأوراق هويته بمجرد ما يلمح أول ضوء على الشواطئ الإسبانية أو الإيطالية. فعملية إحراق وثائق الهوية كانت الطريقة الوحيدة أمام هؤلاء المهاجرين السريين للتخلص من جنسياتهم قبل أن يقبض عليهم حرس الحدود، وبالتالي تجنب إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
لهذا يمكن أن نقول، بدون فخر، إن «الحريك» ظهر في المغرب قبل أن يظهر في أي مكان آخر. ولو أردنا أن نحصي عدد كل المغاربة الذين احترقوا غرقا وابتلعهم البحر منذ بدء أولى رحلات الموت نحو «الفردوس المفقود»، لهالنا العدد.
وأمام البرلمان ومقرات وزارة الأسرة والصحة ومقر حزب الاستقلال، ظل المعطلون وذوو الاحتياجات الخاصة يشهرون «بيدوزات» البنزين وأعواد الثقاب لسنوات طويلة، ومنهم من نجح في إحراق نفسه قبل أن تخمده خراطيم رجال المطافئ.
ولعل الناس نسوا أن ستة من ضحايا «النجاة»، التي «خرج» فيها عباس الفاسي عندما كان وزيرا للشغل على مستقبل ثلاثين ألف شاب مغربي، انتحروا بعد ما سرق منهم المختبر دماءهم التي أعطوها للتحليل وسرقوا منهم مبالغ ملفات طلب العمل، قبل أن يكتشفوا أن القصة كلها ليست سوى عملية نصب منظمة راحوا ضحيتها، فبلغ منهم اليأس كل مبلغ وانتهوا معلقين بحبل.
هؤلاء الضحايا لا أحد عاد يتذكرهم، مثلما لا أحد عاد يتذكر ضحايا فيضانات الغرب الذين لازالوا يعيشون تحت الخيام، مثلما لا أحد عاد يتذكر ضحايا الفيضانات الأخيرة الذين ماتوا تحت الطين والماء.
مصالح الدولة والحكومة هذه الأيام مجندة جميعها لتجنب إضرام المواطنين النارَ في أجسادهم. لكن العدو الحقيقي للدولة والحكومة ليس هو النار، وإنما الماء تحديدا.
نحن اليوم على مشارف جولة جديدة من التساقطات المطرية المهمة التي قد تؤدي، لا قدر الله، إلى فيضانات في مناطق الشمال والوسط والغرب والجنوب. بالنسبة إلى الفلاحة، فهذه التساقطات تأتي في وقتها المناسب.
لكن المشكلة أن الأمطار عندنا لا تأتي على قدر البنيات التحتية.
فما الذي فعلته السلطات المحلية والمجالس المنتخبة لتجنب وقوع المغرب في الخطأ نفسه الذي ذهبنا ضحيته جميعا قبل شهرين؟ هل وضعوا مخططا للطوارئ يجنب سكان المناطق المعرضة للفيضانات خطر التعرض لنفس المصير الذي عاشوه مؤخرا؟
إن الظروف الاجتماعية والسياسية التي تعرفها بلدان الجوار، لا تسمح اليوم بأن تتعامل السلطات المحلية والمركزية مع مشكل الماء بنفس التعامل المتهاون الذي أبدته خلال الفيضانات الأخيرة.
إنهم يعتقدون مخطئين أن المشاكل ستأتيهم من النار، لكنهم ينسون أن أكبر وأخطر المشاكل هي التي يمكن أن تأتيهم بسبب الماء.
وقد رأينا كيف تسببت الفيضانات الأخيرة في إخراج أحياء بكاملها إلى الاحتجاج في الشوارع أمام وكالات شركة «ليدك»، وكيف قطع المواطنون المتضررون من الفيضانات وتهاون السلطات الطريق السيار وعرقلوا حركة المرور، فانتهوا في سجن عكاشة عوض أن ينتهي فيه المسؤولون عن الكوارث التي أصابتهم.
ولحسن الحظ أن الدولة فهمت، أخيرا، أن هؤلاء الضحايا لم يعرقلوا حركة المرور لأنهم هواة فوضى، ولكنهم فعلوا ذلك لإثارة انتباه المسؤولين إلى مساكنهم التي جرفتها المياه ومحاصيلهم التي ضاعت وأبنائهم الذين تشردوا.
وهاهو القضاء يفهم كم كان مخطئا عندما سجن هؤلاء المواطنين، فيقرر أخيرا إطلاق سراحهم.
لكنه عوض أن يعتقل المسؤولين الحقيقيين عن البناء العشوائي الذين سهلوا بناء هؤلاء المواطنين لمساكنهم خارج القانون بدون قنوات للصرف الصحي أو مجاري المياه، اعتقلوا المقدمين والشيوخ.
وكأن هؤلاء المقدمين والشيوخ كانوا يأخذون الرشاوى لإغماض أعينهم عن البناء العشوائي بمفردهم، ولم يكونوا يحملون نصيبا منها إلى مكتب القياد والباشوات والعمال والولاة.
لكن يبدو أن يد العدالة في المغرب لا تصل إلى الكبار، بل تكتفي بقطف رؤوس الصغار فقط.
كثيرون يعتقدون أن مصدر التوترات الاجتماعية، التي يعرفها العالم بأسره خلال السنوات الأخيرة، سياسي محض، مرتبط بمطالب الشعوب في العيش في واحة الديمقراطية.
الحقيقة أن هناك بلدانا عريقة في الديمقراطية كاليونان، مثلا، التي ولدت الديمقراطية بين أروقة مسارحها، والتي خرج شبابها إلى الشوارع متظاهرا محتجا، ثم مزمجرا ومحطما واجهات البنوك والمحلات التجارية.
إن السبب الرئيسي في كل التغيرات التي يشهدها العالم اليوم هو الماء. فالتقلبات المناخية التي يشهدها العالم تتسبب في كوارث طبيعية تدمر المحاصيل الزراعية. وعندما تتعرض المحاصيل الزراعية للضياع، يظهر مشكل الندرة. وهكذا تظهر المضاربات ويرتفع ثمن المنتجات الزراعية في البورصات العالمية. ومخطئ من يعتقد أن أهم بورصة في العالم هي بورصة «وول ستريت»، بل إن أهم بورصة في العالم هي بورصة القمح في كندا، وهي التي تحدد أسعار البذور وتتحكم في خبز البشرية.
وعندما ترتفع أسعار المواد الزراعية، ترتفع بالتالي تكلفة إنتاج المواد الغذائية، وهكذا ترتفع الأسعار.
وعندما ترتفع الأسعار ترتفع تكلفة المعيشة، وبالتالي يصبح صعبا على المواطنين إكمال الشهر بدون مشاكل. فتبدأ مطالب الطبقة العاملة برفع الرواتب، وينزلون إلى الشوارع وتبدأ الاحتجاجات على غلاء المعيشة، فتتحول الاحتجاجات إلى مطالبة برحيل رئيس الدولة، مثلما حدث في مصر قبل يومين.
لذلك، فالدولة والحكومة مطالبتان اليوم باتخاذ جميع الاحتياطات لاحتواء تداعيات التقلبات المناخية، لأن هذه التقلبات أصبحت سببا رئيسيا في حدوث التقلبات الاجتماعية المؤدية إلى التقلبات السياسية.
عندما نرى كيف أن الدولة والحكومة أقفلتا ملف الفيضانات الأخيرة التي ضربت المغرب دون استخلاص الدروس والعبر التي يجب استخلاصها، نفهم أن جرس الإنذار الذي رن لم يفلح في إيقاظ هؤلاء المسؤولين النائمين في العسل.
فهم ينتظرون أن تغرق المدن من جديد وتنقطع الطرق وتهوي القناطر ويموت المواطنون وتضيع ممتلكاتهم، لكي يظهروا في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية لتبرير ما وقع بتفاجئهم بوفرة التساقطات.
عندما تتجرأ لجنة التحكيم، التي اختارتها وزارة «الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة» ووضعت على رأسها بن الشيخ مدير «مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل» الذي يحتج مكونوه أمام مقره منذ شهور، على منح شركة «ليدك» جائزة «جودة الخدمات» قبل أسبوعين في مقر الوزارة بالرباط، مع كل ما اقترفته هذه الشركة من فظائع وكوارث في حق سكان الدار البيضاء الكبرى، نفهم أن الوزير الاتحادي الشامي لديه تعريف خاص لجودة الخدمات.
فهذا الوزير «القافز» ليس هو من ضاعت سيارته أو غرقت سلعته أو انهار بيته بسبب الخدمات الرديئة لهذه الشركة الفرنسية، لذلك فهو يكافئ الخدمات الرديئة لهذه الشركة بجائزة حكومية.
وهذا أكبر دليل على أن المواطن المغربي يوجد في واد بينما بعض وزراء الحكومة يوجدون في واد آخر تماما.
لقد كانت الفيضانات الأخيرة بمثابة جرس الإنذار الذي أثار الانتباه إلى النقط السوداء التي يجب على الدولة والحكومة إصلاحها حتى لا يضطر المواطنون إلى قطع حركة السير مجددا. لكن يبدو أن هذه النقط السوداء لازالت قائمة، فلم نسمع عن برنامج طوارئ معد سلفا استعدادا لاحتمال حدوث فيضانات، ولم نسمع عن تخصيص ميزانيات إضافية لأجهزة الوقاية المدنية، ولم نر برامج للتوعية في وسائل الإعلام العمومية ترشد المواطنين إلى طرق التصرف أثناء حدوث الكوارث الطبيعية.
كل ما شاهدناه هو حملة إشهارية ملونة في الجرائد والمجلات والإذاعات الخاصة قامت بها شركة «ليدك» وخصصت لها ميزانيات ضخمة لإغلاق أفواه كل الصحافيين وتكميم أفواههم عن انتقادها وفضح طرقها الإجرامية التي ستؤدي، في حالة استمرارها، إلى حدوث ما لا تحمد عقباه. آنذاك سيكون هؤلاء الصحافيون شركاء في الإثم والعدوان بصمتهم وتواطئهم وخيانتهم للأمانة الموضوعة على عاتقهم.
أما مجلس المدينة، فعوض أن يخصص سيارات لرجال الوقاية المدنية وسيارات الإسعاف، فإنه يخصص سيارات لأعضائه وأفراد عائلاتهم. وقد بلغت صفقة كراء 232 سيارة ميزانية قدرها مليار و200 مليون سنتيم. والكارثة أن المجلس لم يستفد سوى من 160 سيارة، أما البقية فلا زالت في حوزة الشركة رغم أن المجلس يؤدي ثمن كرائها من جيوب المواطنين دون استعمالها.
ووحده جودار، النائب الخامس أو السادس أو السابع للعمدة، يمتلك أربع سيارات، سيارة له وسيارة للمدام وسيارتان لابنتيه.
«تبارك الله على بنعلي ديالنا وصافي».
... تابع القراءة

مفارقات للتأمل

المتتبع النبيه لما يحدث عبر العالم هذه الأيام ويربطه بما يحدث في تونس، يخرج بخلاصة مفادها أن العالم أصبح يسير بالمقلوب. فما هو مسموح به للآخرين ممنوع على العرب والمسلمين، تحت ذريعة حمايتهم من التطرف، وذلك بممارسة الوصاية على شعوبهم وأنظمتهم على حد سواء.
والمثير في الأمر أن العالم بأسره انتبه إلى مغادرة الدكتاتور بنعلي لتونس، وباركت أمريكا «التغيير»  الذي حدث في البلد، رغم أنها تعرف أكثر من غيرها أن علي بابا هرب لكن الأربعين حرامي لازالوا جميعهم في البلد، وبعضهم في الحكومة المؤقتة ينتظرون الفرصة لكي ينتقلوا إلى الحكومة المؤبدة التي سيفرزونها من صناديق الاقتراع تحت مراقبة الأمم المتحدة، راعية الفوضى العالمية الجديدة.
لكن هذا المنتظم الدولي، الحريص على مستقبل الشعب التونسي والخائف عليه من الدكتاتورية الأصولية، والذي انشغل إعلامه ورؤساؤه بالتعليق على فرار الدكتاتور بنعلي على أطراف أصابعه خارج تونس، لم يولِ الاهتمام نفسه لعودة دكتاتور قديم اسمه «جون كلود دوفاليي» إلى بلاده التي دمرها زلزال طبيعي.
فقد عاد دكتاتور «هايتي»، الذي حكم البلاد بقبضة من حديد ونهب خيراتها طيلة سنوات، رافعا شعار إنقاذ بلاده الحبيبة من الدمار الذي حل بها، بعدما نسيتها دول العالم وانشغل كل نظام بأزمته الاقتصادية والسياسية الخاصة.
طبعا، فعودة دكتاتور سابق إلى بلاده وإعلانه عن رغبته في استعادة مقاليد الحكم لا يشكل أي إحراج بالنسبة إلى البيت الأبيض وقصر الإليزيه، المستعمر السابق لهايتي. فهذه الدولة الفقيرة تحولت إلى بلاد شبح تتفشى فيها الأمراض والأوبئة والشعوذة، ولذلك فالبيت الأبيض وقصر الإليزيه مهتمان أكثر بفرار دكتاتور تونس حاملا فوق ظهره احتياطي البلاد من الذهب.
ولعل المفارقة الغريبة في الموقف الأمريكي هي أن يشيد «أوباما»، غداة فرار الدكتاتور بنعلي، بشجاعة الشعب التونسي ووقوف الإدارة الأمريكية إلى جانب حق الشعب التونسي في «إسماع صوته للحصول على الحقوق العالمية التي يجب أن نحافظ عليها». لكن عندما يثور الشعب المصري وينزل إلى الشوارع ويطالب برحيل الرئيس حسني مبارك عن السلطة من أجل الحصول على الحقوق العالمية التي يبشر بها «أوباما» الشعب التونسي، تخرج وزيرته في الخارجية الأمريكية «هيلاري كلينتون» لكي تقول إن النظام المصري مستقر.
بعبارة أخرى، فمطالب الشعب المصري للحصول على «الحقوق العالمية» لم تجد آذانا صاغية لدى ساكن البيت الأبيض، مثلما لم تجد مطالب الشعب الفلسطيني قبله الآذان الصاغية نفسها رغم أن هذا الشعب قضى ما يزيد على 54 سنة من القهر والعذاب تحت أحذية الاحتلال الإسرائيلي المدعوم من طرف البيت الأبيض.
لماذا، إذن، تقف الإدارة الأمريكية إلى جانب حق الشعب التونسي في الحصول على «الحقوق العالمية»، في الوقت الذي ترفض فيه مباركة هذا الحق بالنسبة إلى الشعبين الفلسطيني والمصري؟
الجواب نعثر عليه في حلقات النقاش السياسي الذي تنظمه قنوات الإعلام العمومي الغربية هذه الأيام، والذي تدور أغلب محاوره حول مستقبل تونس وأية حكومة سيفرزها الصراع الدائر اليوم على قارعة الشارع بين المطالبين باقتلاع جذور الأربعين حرامي الذين تركهم وراءه علي بابا، والمطالبين بتفعيل قاعدة «عفا الله عما سلف» وقبول التعديل الحكومي الذي يعده الجنرال رشيد عمار بوصفة مقترحة من السفير الأمريكي في تونس.
أليست قمة المفارقة أن يخاطب الجنرال رشيد عمار الشعب التونسي ويقول له آمرا «أريد شارع الحبيب بورقيبة فارغا من المحتجين»، قبل أن يضيف أن «الجيش هو حامي الثورة والبلاد والعباد».
بقي فقط أن يضيف أن الجيش هو من «يحيي ويميت وإليه المصير».
في كل الدول التي تثور شعوبها يظل الجيش على الحياد، ومهمته الوحيدة هي حماية الدستور، والخضوع لخيار الشعب. وعندما يتحول الجيش إلى الآمر الناهي في ثورة ما ويشرع في إصدار الأوامر والتعليمات للشعب الذي صنع الثورة، فهذا يعني أن مقدمات الدكتاتورية بدأت تظهر من جديد. لكن هذه المرة تحت قناع التحرير وحماية البلد من الفراغ السياسي.
ما يثير في هذا النقاش الأوربي المحموم حول «مستقبل تونس» هو تخوف أغلب المتدخلين من سقوط الحكومة بين أيدي الإسلاميين التونسيين. هكذا يقترح كل واحد الوصفة السياسية لإبعادهم عن كعكة الحكم في الديمقراطية التونسية الموعودة.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو بأي حق يحشر كل هؤلاء الأوربيين المتعالمين أنوفهم في شأن داخلي يخص التونسيين وحدهم؟
هل سيكون مقبولا، مثلا، أن ينظم المثقفون والصحافيون التونسيون، الذين لم يكن أغلبهم يفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان، برامج سياسية في التلفزيون التونسي الرسمي، الذي تحول إلى «جزيرة» محلية فجأة، لمناقشة الفراغ الحكومي في دولة بلجيكا الذي سيدخل شهره السابع؟
هل سيكون مقبولا أن يطالب هؤلاء بمنع وصول الحزب المسيحي الديمقراطي، عبر صناديق الاقتراع، إلى الحكومة البلجيكية؟
ثم كيف تسمح الدول الأوربية، الحريصة على الديمقراطية والخائفة على مستقبل تونس، ببقاء دولة كبلجيكا تحتضن عاصمتها مقر الاتحاد الأوربي، بدون حكومة طيلة كل هذه الأشهر، إلى الحد الذي خرج معه 130 ألف مواطن بلجيكي إلى شوارع بروكسيل رافعين لافتات كتبوا عليها شعارات تنقل إلى العالم خجلهم من ديمقراطيتهم التي عجزت عن تشكيل مجرد حكومة؟
لماذا لم نسمع إسرائيل أو البيت الأبيض يتحدث عن هذه «الأزمة» البلجيكية ويطالب بحلها عاجلا، مع أن أعداد المتظاهرين الذين خرجوا إلى شوارع بلجيكا تضاعف أعداد المتظاهرين الذين خرجوا إلى  شوارع القاهرة أو شارع الحبيب بورقيبة في تونس؟
إن الجواب بسيط جدا. إسرائيل والبيت الأبيض ومعهما فرنسا يعتقدون أن لديهم حق التدخل والوصاية على الشعوب والأنظمة العربية، ولذلك فمجرد تفكير هذه الشعوب في التغيير بدون أخذ ضوئهم الأخضر يعتبر تطاولا على السيادة الإسرائيلية الأمريكية على المنطقة العربية.
ومن تونس والجزائر إلى لبنان، مرورا بليبيا ومصر والأردن واليمن، ليس هناك مجال لاستنشاق هواء الحرية بدون أدوات التنفس الاصطناعي التي تحمل ماركة «صنع في إسرائيل».
لاحظوا ما يحدث في لبنان اليوم. واشنطن وباريس وتل أبيب يقولون صراحة إن حكومة تضم وزراء من «حزب الله» لن تكون حكومة مرحبا بها. وهم يبررون تخوفهم من حكومة مماثلة بالاختراق الأصولي الديني للسياسة.
لكن هذا التخوف يزول عندما يتعلق الأمر بوصول حزب ديني يهودي متشدد إلى السلطة في إسرائيل. وحتى عندما يعمل الجيش الإسرائيلي بفتوى دينية يهودية متطرفة توصي بقتل الأطفال الفلسطينيين واللبنانيين للتقرب بدمائهم إلى الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لا أحد في البيت الأبيض أو الاتحاد الأوربي يشعر بالانزعاج من اجتياح الأصولية الدينية اليهودية المتطرفة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
كما لا يبدو أن هناك، وسط حملة لواء التخويف من وصول بعبع الأحزاب الإسلامية إلى السلطة في الدول العربية، من يزعجه إعلان إسرائيل عن هويتها الدينية اليهودية الخالصة وتهويدها لكل مكان في فلسطين، مما يعني ربط الجنسية الإسرائيلية باعتناق الديانة اليهودية وطرد كل من لا يدين بهذه الديانة من إسرائيل كمقدمة لإعلان الدولة العنصرية الفاشية الجديدة فوق «أرض الميعاد».
أما وصول الأحزاب المسيحية الديمقراطية والمتطرفة في أوربا إلى الحكم، عبر صناديق الاقتراع، فلا يبدو أنه يشكل هاجسا لكل هؤلاء المحللين الذين يرفعون فزاعات الخوف من وصول الأحزاب السياسية الإسلامية، عبر صناديق الاقتراع، إلى السلطة في الدول العربية.
إنهم يبدون متسامحين مع عودة التدين إلى بلدانهم تحت يافطات سياسية، فيما هم متعصبون وحاسمون عندما يتعلق الأمر بمجرد إمكانية الحديث عن احتمال وصول الأحزاب السياسية الإسلامية إلى السلطة في بعض الدول العربية.
وهذا ما يفسر صرامة وسرعة موقف وزيرة الخارجية الأمريكية حيال ما يحدث في الشارع المصري اليوم. فرغم سقوط قتلى برصاص الأمن المصري، ورغم شرعية مطالب المحتجين الذين لا يطالبون سوى بما أسماه «أوباما» بـ«الحقوق العالمية»، فقد سارعت «هيلاري كلينتون» إلى الوقوف إلى جانب النظام المصري مانحة إياه شهادة «الاستقرار».
والوصف هنا ليس عبثيا أو وليد اللحظة، فكلمة «استقرار» تريد بها وزيرة الخارجية الأمريكية الإحالة على الرغبة الأمريكية في إدامة الوضع الحالي في مصر إلى حين إيجاد بديل للمومياء حسني مبارك يكون محل ثقة ورثة اتفاقية «كامبد ديفد» سيئة الذكر.
فمن سيضمن للأمريكيين والإسرائيليين أن من سيأتي إلى القصر الرئاسي المصري محمولا على أكتاف الشعب من الشارع، سيحترم «تعهدات» مصر أمام إسرائيل، تلك التعهدات المخجلة التي تبدأ بضمان أمن إسرائيل بلعب دور كلب الحراسة على طول الشريط الذي يربطها بقطاع غزة، وينتهي بلعب دور «متعهد الحفلات» المكلف بتنظيم ولائم قمم الثرثرة في جامعة الدول العربية لتوفير الوقت اللازم لإسرائيل لكي تبيد الفلسطينيين وتنشئ دولة إسرائيل الكبرى.
ولعل أكبر المفارقات في مصر هي أن نظام مبارك يفرض على شعبها حالة الطوارئ قبل 27 عاما، بحجة أن البلد مهدد بالإرهاب، في حين أن إسرائيل، التي تحيط بها 22 دولة عربية تتهم بعضها بتحين الفرصة للانقضاض عليها، لا توجد بها حالة طوارئ. وأمريكا وأوربا تبرران هذا بكون إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
في اليوم الذي ستكون فيه هناك ديمقراطيات عربية في الشرق الأوسط، ستنتهي أسطورة «إسرائيل الديمقراطية الوحيدة» في المنطقة العربية، وبذلك ستنتهي حالة الطوارئ المفتعلة التي تستغلها هذه الأنظمة لقهر شعوبها ومصادرة حرياتها.
ولهذا السبب بالضبط، ستفعل أمريكا وإسرائيل وأوربا كل ما في وسعها لكي لا تقوم للديمقراطية قائمة في العالم العربي.
... تابع القراءة

مسامر الميدة

هناك أمثلة كثيرة في المغرب تجسد، عن قرب، ما وقع في تونس عندما نزل الشعب إلى الشارع وهرب الرئيس ثم اكتشف الشعب أن رجال هذا الأخير لا زالوا يمسكون زمام الأمور.
عندنا في المغرب، تعالت أصوات الصحافيين منددة بالسرقات التي تحصل في المكتب الوطني للمطارات، أرسل المجلس الأعلى للحسابات قضاته وأرسلت المفتشية العامة للمالية محاسبيها لكي ينجزوا تقاريرهم. وفي الأخير، اكتشفوا أن ما كانت تندد به الصحافة المستقلة كله صحيح، وأن سرقات بالملايير تمت داخل هذه المؤسسة التابعة لوزارة التجهيز والموضوعة تحت وصاية وزارة المالية.
النتيجة المنطقية كانت هي الإطاحة بمدير المكتب الوطني للمطارات، عبد الحنين بنعلو، وتعويضه بمهندس في الكهرباء اسمه دليل الكندوز. وفي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر تغييرا جذريا داخل الإدارة يعصف بأعضاء العصابة التي كانت تساند بنعلو وتسهل له سرقاته، اكتشف الجميع أن الجميع حافظ على كرسيه وامتيازاته. والوحيد الذي تخلص منه دليل الكندوز كان هو مدير أكاديمية الطيران المدني الذي ذكر اسمه ضمن السبعة عشر الذين وردت أسماؤهم في لائحة المتابعين، والذي غادر وفي جيبه شيك بقيمة 140 مليونا، ثمن مغادرته الطوعية، وراتب شهري قيمته 20 ألف درهم.
وحتى هذا «التخلص» لم يكن بهدف «تنظيف» الأكاديمية من بقايا العهد السابق، وإنما فقط لكي يمنح المدير الجديد هذا المنصب المالي السمين لصديقه الذي كان يشتغل مساعدا له في المدرسة الحسنية للمهندسين.
هكذا، وبعد كل هذه التقارير ذات الرائحة العطنة التي أزكمت أنوف قضاة المجلس الأعلى للحسابات ومفتشي المالية، وبعد كل هذه القيامة التي أعقبت إسقاط بنعلو من إدارة المكتب الوطني للمطارات، نكتشف أن المدير الجديد لم يستطع إلى اليوم تغيير «مسامر الميدة» الذي تركهم المدير السابق.
وهي رسالة موجهة إلى  جميع الأطر النظيفة، التي كانت تنتظر سقوط «نظام» بنعلو الإداري وتعويضه بنظام إداري جديد يضع الشفافية والنزاهة ضمن شروط ومعايير العمل، مفادها أن الفساد يشبه التنين، بمجرد ما تقطع رأسه تظهر له رؤوس أخرى كثيرة.
الجميع يتذكر كيف أن المدير الجديد دليل الكندوز قدم، خلال الاجتماع الذي عقده المجلس الإداري للمكتب الوطني للمطارات في 24 ديسمبر 2010 بمطار محمد الخامس مباشرة بعد نشر تقريري المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية، وبحضور كريم غلاب وزير النقل والتجهيز وممثل وزارة المالية، تصورا إداريا جديدا يقترح إنشاء مديريتين، الأولى اسمها «مديرية الصيانة» والثانية اسمها «مديرية المحاسبة والمراقبة».
واعتقد الجميع أن وعد المدير الجديد بتطبيق هذا التصور الإداري سيبدأ بمجرد تنحية الموظفين السبعة عشر الذين ذكروا في استدعاء الوكيل العام لمجلس الحسابات وتقديمهم للمحاكمة، وإعادة الاعتبار إلى الموظفين والأطر الذين حاربهم بنعلو وبرق الليل بسبب رفضهم التأشير على الصفقات المشبوهة التي استعملاها لنهب المال العام.
المفاجأة الكبيرة كانت هي أن هذه النقطة بالضبط غابت عن جدول أعمال الاجتماع. ولم يخصص لها التقرير الختامي سوى جملة وحيدة أبدى من خلالها المدير تقديره لملاحظات المجلس الأعلى للحسابات ومفتشية المالية. كل هذه الملايير المسروقة من ميزانية المكتب الوطني للمطارات لم تكن في نظر السيد المدير سوى ملاحظات بسيطة تستحق التقدير.
وهكذا مر اجتماع المجلس الإداري دون تقديم أو مناقشة التقسيم الإداري الجديد، رغم أن الكندوز كلف شركة «كابيتال كونسيلتين» بإنجاز تصور حوله بميزانية وصلت إلى 500 مليون سنتيم.
وإلى اليوم، لم يتم تعيين المسؤولين الجدد على هاتين المديريتين، كما لم يتم إنصاف الأطر النظيفة والقديمة التي همشتها وحاربتها الإدارة السابقة والفاسدة.
لنكن واضحين، إن من يحمي عصابة بنعلو وبرق الليل داخل المكتب الوطني للمطارات هو وزير النقل والتجهيز كريم غلاب، بتواطؤ مع وزير المالية صلاح الدين مزوار.
وهؤلاء الذين ذكرت أسماؤهم في استدعاء الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات، والذين لازالوا يواصلون عملهم داخل المكتب، ليسوا محميين من قبل المدير الجديد وإنما من قبل وزير النقل والتجهيز كريم غلاب الذي أعطى أوامره للمدير الجديد بالاحتفاظ بالسيد عبوش مديرا للهندسة ومسؤولا عن صفقات البناء والبنيات التحتية والتجهيزات والتقنية. كما أمره بالاحتفاظ بالسيد ملين مديرا للمالية والذي لا يوظف معه سوى الأطر التي تقبل بوضع توقيعاتها على وثائق الصفقات بدون اعتراض، علما بأن هذين المديرين يوجدان في اللائحة السوداء التي تنتظر عرض أفرادها السبعة عشر على القضاء.
وعوض أن يهتم السيد غلاب بموضوع هؤلاء المدراء الذين ذكرت أسماؤهم في تقريري المجلس الأعلى للحسابات ومفتشية المالية، فضل الحديث حول المشاريع والصفقات التي سيقوم بها المكتب ما بين 2010 و2012، والتي يصل غلافها المالي إلى 680 مليار سنتيم.
هذا الغلاف المالي الكبير سيتم وضعه بين أيدي جهاز إداري يفتقر إلى الهيكلة التنظيمية  L'organigramme، رغم أن مؤسسات عمومية أصغر من المكتب الوطني للمطارات لديها هيكلة تنظيمية واضحة.
ما يظهر، من خلال الوضعية الإدارية الحالية في المكتب الوطني للمطارات، هو أن هناك رغبة من الوزارة الوصية، وبتغطية من وزارة المالية، في اجتياز المدة الفاصلة بين 2010 و2012 بالأشخاص أنفسهم الذين تورطوا مع الإدارة السابقة أيام بنعلو في اجتياز مرحلة 2003 إلى 2007.
ببساطة، لأن هذه المدة المتبقية في عمر صفقات ومشاريع المكتب الوطني للمطارات، والتي يصل غلافها إلى 680 مليار سنتيم، هي نفسها الفترة المتبقية في عمر حقيبتي وزيري التجهيز والمالية في الحكومة العباسية.
ولذلك نرى كيف أن هناك تسابقا محموما لاختراع مشاريع كبيرة جدا بميزانيات خيالية، 90 في المائة منها عبارة عن قروض، تحت مبرر تطوير المطارات، داخل هذا الحيز الزمني الضيق المتبقي من عمر الحكومة.
سيقول البعض إن المكتب الوطني للمطارات لديه مدير عام، واشتغال هذا المدير لا علاقة له ببقاء الحكومة أو ذهابها. وطبعا، هذا استنتاج غير صحيح، لأن المديرين الحقيقيين للمكتب الوطني للمطارات هما وزير التجهيز والنقل الذي يسير ويراقب وينظم ويقترح ويحدد السياسة الاستثمارية المناسبة للمكتب، ووزير المالية الذي يمتلك سلطة إعطاء أو منع ضوئه الأخضر لصفقات المكتب انسجاما مع القوانين التي تنظم مالية المؤسسات العمومية.
عندما وضع دليل الكندوز مديرية «الصيانة» ومديرية «المراقبة والمحاسبة»، وعين على رأسيهما مديرين، انتظر الجميع أن يحدد لهاتين المديريتين أقساما ورؤساء أقسام ومصالح، لكن الذي حدث هو أن المدير لم ير ضرورة لإنشاء أقسام ومصالح لهاتين المديريتين. والأكثر إثارة في الموضوع هو أن المديريتين لا تتوفران سوى على منصبين يحتلهما المديران اللذان يحصلان على راتبين عن مهمة لا توجد سوى فوق الورق.
وهكذا، فبعد مضي سنة على خلق مديريتي «الصيانة» و«المراقبة والمحاسبة»، ليست هناك لا مراقبة ولا محاسبة ولا صيانة، فالمديريتان لا وجود لهما سوى فوق الأوراق لتبرير الميزانيات التي تصرف لهما سنويا على شكل استمارات وصفقات.
وغلاب لديه سوابق كثيرة في «فضائح الصيانة»، آخرها سقوط قنطرة مشرع بلقصيري في سيدي قاسم والذي ذهب ضحيته مواطنون بريئون، بسبب انعدام الصيانة. رغم أن الوزير «الشطيطيح» وعد نواب حزبه أمام البرلمان في ديسمبر 2010 بأن وزارته ستخصص 60 في المائة من ميزانيتها من أجل صيانة الشبكة الطرقية للمملكة، كما وعد بتخصيص 1،20 مليار درهم لترميم 2000 كلم من الطرق وصيانة 80 قنطرة سنويا، إلا أن سقوط قنطرة مشرع بلقصيري ووفاة مواطنين أصدق أنباء من وعود الوزير الشطيطيح، مما يعني أن «الهضرة ما تشري خضرة»، وأن المواطنين ينتظرون الأفعال وليس «الفعايل».
وتماشيا مع شهية وزير النقل المفتوحة للصفقات الكبرى، اجتمع يوم 06.01.2011 في مراكش السيد دليل الكندوز برفقة «مسامر الميدة» الذين تركهم عبد الحنين بنعلو، وممثل كبير عن وزارة التجهيز، من أجل تقديم مشروع بناء المحطة الثالثة في مطار المنارة في مراكش، بغلاف مالي يصل إلى 80 مليار سنتيم، من أجل اختزال مدة تدبير الرحلات من 11 دقيقة إلى 5 دقائق، وحماية البيئة وما إلى ذلك من وعود الشفوي التي يجيد مهندسو الصفقات الخيالية اختراعها.
ما بين سنة 2005 و2008، شهد مطار المنارة أشغال تجديد المحطة الأولى وبناء المحطة الثانية، واليوم يريدون إطلاق أشغال بناء محطة ثالثة لا يتوفر عليها حتى مطار محمد الخامس الدولي في الدار البيضاء.
هذا في الوقت الذي كان فيه أولى بالإدارة الحالية أن تعرض ملفات المتورطين في صفقات صيانة مطار المنارة الذي يتحول إلى مسبح بلدي لا ينقصه سوى «البلونجوار» كلما هطلت الأمطار.
خلاصة القول أن التغيير الحقيقي لن يحدث داخل المكتب الوطني للمطارات ما دامت عصابة بنعلو وبرق الليل تحكم قبضتها على المديريات الحساسة والهامة داخل المكتب.
فأفراد هذه العصابة يجب أن يقدموا أمام القضاء وأن يعيدوا الملايير التي اختلسوها من أموال دافعي الضرائب.
كما يجب على القضاء أن يحاسب الوزيرين اللذين يتحملان مسؤولية الوصاية على هذه المؤسسة، بسبب إغماضهما لعيونهما على ما حدث وما يحدث من فساد ونهب للمال العام.
... تابع القراءة

وسخ الدنيا

إلى حدود اليوم، سلط المراقبون الأضواء، بخصوص الثورة الشعبية التونسية، على تصريحات المعارضين والثوار والذين يطالبون بحراسة الثورة من لصوصها، كما سلطوا الأضواء على ردة الكثير من معاوني النظام السابق وأزلامه والذين أرادوا رتق بكارتهم السياسية بإعلانهم الندم والتوبة والبراءة من النظام السابق.
لكن المثير في الأمر أنه لا أحد انتبه إلى موقف الأثرياء العرب من هذه الثورة. وما شد انتباهي شخصيا هو أنه في كل مرة يقوم عربي مسلم بعمل بطولي أو يستشهد دفاعا عن مواقفه وأفكاره، يسارع أثرياء في الخليج العربي إلى المطالبة باقتناء الأداة التي كانت وسيلتهم لبلوغ الشهادة أو المجد.
فهؤلاء الأثرياء لا قدرة ولا رغبة لهم في الثورة أو القيام بعمل بطولي يدخلهم إلى التاريخ، فهم، بحكم ثروتهم الفاحشة، يعتقدون أنهم قادرون على شراء كل شيء، بما في ذلك المجد، ولذلك ينتظرون أن يقوم أحد أفراد الشعب بما يستوجب الاحترام والتبجيل، ثم يفتحون المزاد العلني على أدوات الثورة.
وكم كان موقف عائلة البوعزيزي الفقيرة مشرفا عندما رفضت العرض التي تقدم به رجال أعمال عرب، بينهم السعودي والكويتي واليمني، عرضوا جمعيهم على العائلة اقتناء عربة ابنهم التي صدمت الجنرال بنعلي وأسقطته من فوق كرسيه الذي لصق فوقه 23 سنة كاملة.
وهكذا عوض أن يقود هؤلاء البورجوازيون الثورة داخل بلدانهم لإسقاط أنظمتهم الدكتاتورية والمتسلطة، يفضلون اقتناء «أدوات الثورة» التي تحدث في بلدان الآخرين لوضعها جنب التحف النادرة في قصورهم.
إنها بورجوازية متعفنة بالفعل.
وهي نفسها البورجوازية المتعفنة التي فتحت المزاد حول حذاء منتظر الزايدي الذي كاد يصيب جورج بوش خلال الندوة الصحافية المشهودة، فقد أعطى من أجل اقتناء «الحذاء الطائر» مواطنٌ سعودي ينتمي إلى قبيلة عسير، عرضا بعشرة ملايين دولار أمريكي.
وهي نفسها البورجوازية المتعفنة التي أعطت عرضا سخيا من أجل اقتناء الحبل الذي تم به شنق الرئيس العراقي صدام حسين، وهو الحبل الذي يحتفظ به الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.
نزوات الأثرياء غريبة وعجيبة. وإذا كان من شريحة غائبة عن شوارع تونس خلال هذه الثورة الشعبية الكاسحة التي تموج في شوارع المدن التونسية، فهي بالضبط هؤلاء الأثرياء.
فهم ينتظرون أن تهدأ العاصفة لكي يعودوا إلى بنوكهم ومؤسساتهم المالية وشركاتهم، ويبدؤوا في إعادة بناء ما تآكل من إمبراطورياتهم المالية التي لا مكان لعواطف الثورة داخلها.
انشغالات الأثرياء ليست بالضرورة هي نفسها انشغالات البسطاء من عامة الشعب وطبقاته الوسطى.
وأحيانا تبدو انشغالات الأثرياء صادمة عندما تنحدر إلى مستويات من الجشع غير مسبوقة، كاشفة عن وجه بشع يجسد الفقر الحقيقي الذي يعاني منه هؤلاء، أي فقر الروح.
وهو الفقر الذي يفضح انفصال أصحابه عن المجتمع الذي يعيشون فيه وعيشهم داخل ما يشبه فقاعة لا علاقة لها بالواقع اليومي لعامة الشعب.
في المغرب، لدينا أمثلة صادمة على هذا الفقر الروحي المدقع الذي وصل إليه بعض كبار الأثرياء، بحيث أصبحوا قادرين على ارتكاب حماقات مثيرة للتقزز فقط من أجل تلبية جوعهم ونهمهم الكبير لجمع المزيد من الأموال، في الوقت الذي يرون فيه كيف تزداد مساحة الفقر اتساعا سنة بعد أخرى.
أحد هذه الأمثلة الساطعة على الفقر الروحي المدقع أعطاها الملياردير عثمان بنجلون، الذي يملك ثروة لا يستطيع هو نفسه أن يعدها.
فقد استطاع أن يستصدر أمرا قضائيا بمنع ابن أخيه بالتبني من مغادرة التراب الوطني في القضية التي رفعها ضده من أجل إلغاء حقه في الإرث من والده عمر بنجلون، أخ عثمان بنجلون.
وليس هذا فحسب، فقد أجبرت النيابة العامة منير بنجلون على الذهاب إلى مختبر «باستور» من أجل الخضوع لتحليلات ADN لإثبات النسب أو نفيه.
المشكلة أن مقارنة ADN الابن بتحاليل ADN الأب تستوجب إخراج الراحل عمر بنجلون، أخ عثمان بنجلون، من قبره من أجل استخراج عينة من ADN رفاته.
ويبدو أن الملياردير عثمان بنجلون ليس لديه أي مشكل في نبش قبر أخيه وإخراجه من جديد لإجراء التحاليل عليه. فمن أجل الحصول على ثروة أخيه يستطيع هذا الرجل، الذي يعطي نفسه اسم «الجنتلمان»، فعل أي شيء.
ما هي القصة بالضبط؟
القصة بدأت عندما مات الحاج عباس بنجلون وترك ابنين وبنتين. حصل الابن عثمان بنجلون على 40 في المائة من الإرث، وحصل عمر بنجلون على 40 في المائة، فيما حصلت البنتان على 10 في المائة لكل واحدة منهما.
وبما أن عمر بنجلون لم يكن له أبناء فقد تبنى طفلا اسمه منير وسجله في الحالة المدنية وأعطاه اسمه. وعندما توفي عمر بنجلون كان أول من أخذ منير في حضنه أمام المعزين الذين تحلقوا حول قبر والده عمر، هو «عمه» عثمان بنجلون الذي بللت دموعه الساخنة جلابة الابن.
خلال تشييع جنازة عمر بنجلون اعتقد الجميع أن أخاه عثمان سيكون بمثابة الأب بالنسبة إلى منير. لكن الجميع شعر بالصدمة عندما كلف عثمان بنجلون محاميه في اليوم الموالي لدفن أخيه برفع دعوى في المحكمة للطعن في نسبة الابن إلى أخيه وعدم أحقيته في الإرث، مشككا في صحة الوثيقة التي سجل بها أخوه ابنه بالتبني في دفتر الحالة المدنية.
هكذا ستؤول ثروة عمر بنجلون منطقيا إلى أخيه عثمان بنجلون إذا استطاع إصدار حكم بعدم شرعية أبوة أخيه لمنير بنجلون. وهكذا اتضح للجميع أن دموع عثمان بنجلون التي بللت جلابية ابن أخيه في المقبرة لم تكن سوى دموع تماسيح.
المشكلة الآن هي أن إخراج رفات عمر بنجلون من قبره لإجراء التحاليل عليه يتطلب إذنا من الورثة. وبما أن الوريث الوحيد لعمر بنجلون هو منير بنجلون، فمن المنطقي أنه سيرفض إعطاء الإذن باستخراج والده من قبره.
فهل سينجح الملياردير عثمان بنجلون في إخراج رفات أخيه بقرار قضائي استثنائي؟
كل المؤشرات تفيد بأنه يستطيع القيام بذلك. لكن السؤال الذي يطرحه الجميع في صالونات الرباط والدار البيضاء المخملية، هو ماذا يريد عثمان بنجلون، الذي يضع رجلا في الدنيا ورجلا في القبر، بحكم أنه يبلغ من العمر ثلاثا وثمانين سنة، أن يصنع بثروة أخيه؟
ألا تكفيه ثروته الكبيرة لكي يعيش الفترة المتبقية له والتي تفصله عن اللحاق بأخيه في المقبرة العائلية.
واضح أن حسابات بعض الأثرياء ليست هي حسابات البسطاء من الناس، فهؤلاء «الفقراء» الذين يعانون من آفة جمع المال من المهد إلى اللحد يصبحون عبيدا للدرهم، إلى درجة أن هذا الدرهم يصبح غاية وجودهم ومبرر حياتهم.
وإذا كان عثمان بنجلون يريد إخراج رفات أخيه من قبره للحصول على إرثه، فإن المستشار الاستقلالي يوسف التازي يتهم شركة والده الثري عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، عبد الحق التازي، وهو على قيد الحياة، بالتعامل مع الجماعة الحضرية لعين السبع التي كان يقودها أفيلال في قضية «مشروع الحسن الثاني»، رغم أنه مساهم إلى جانب والده في الشركة نفسها.
كل هذا لكي يفلت الابن يوسف التازي بجلده من المتابعة حتى ولو كلفه الأمر توريط والده المسن عبد الحق التازي في الملف.
من أجل المال، يستطيع بعض الأثرياء التضحية بعلاقة الأبوة والأخوة وكل العلاقات الإنسانية والأسرية، كاشفين عن الوجه الأكثر بشاعة للفقر الروحي المدقع الذي يعانون منه.
إن مثل هذه القصص المثيرة للغثيان تكشف عمق الانفصال الكبير الذي يعيشه جزء كبير من الطبقة الثرية المغربية عن هموم ومشاكل وانشغالات الطبقات البسيطة والوسطى.
فإذا كانت البورجوازية في الدول الديمقراطية هي التي تصنع المعرفة والثقافة وتحمي الأفكار التقدمية والتحررية وتقود الثورات ضد التسلط والاستبداد، فإنها في الدول العربية والإسلامية، ومنها المغرب، تعيش وسط فقاعتها الخاصة، في شبه عزلة تامة عن الشعب، معطية الدليل على أنها بورجوازية هجينة جمع جزء كبير منها ثروته بطرق مشبوهة.
أشباه الملياردير عثمان بنجلون كثيرون في المغرب. وعوض أن يخصصوا جزءا من ثروتهم للمشاريع الخيرية التي تستفيد منها شرائح المجتمع الأكثر فقرا، نرى كيف ينشغل في آخر أيام عمره بالبحث عن استصدار قرار قضائي بنبش قبر أخيه وتحليل بقاياه طمعا في الحصول على إرثه.
«وسخ الدنيا وما يدير».
... تابع القراءة

فتش عن إسرائيل

عندما كتبنا في هذا الركن قبل أيام أن الجنرال بنعلي هرب من تونس تحت حماية إسرائيلية، وشرحنا كيف أن تل أبيب كانت المتضرر الأكبر من سقوط دكتاتور تونس، اعتقد البعض أن الأمر يتعلق بفصل جديد من فصول نظرية المؤامرة التي يحتمي وراءها المسلمون كلما استعصى عليهم فهم ما يجري حولهم من أحداث وتغييرات.
بالأمس جاءنا تأكيد الكلام الذي قلناه، لكن هذه المرة ليس على لسان صحافي أو كاتب رأي أو محلل، وإنما على لسان نائب الوزير الأول الإسرائيلي «سيلفان شالوم» والذي قال بالحرف في حوار أعطاه مساء الجمعة الماضية لراديو إسرائيلي: «إن انهيار النظام التونسي المقام من طرف زين العابدين بنعلي، يمكن أن تكون له عواقب خطيرة. نخشى أن نكون قد أصبحنا أمام مرحلة جديدة وحرجة في العالم العربي. وفي حالة انهيار النظام التونسي الحالي، لن يكون أمن إسرائيل مهددا في الوقت الحالي، لكن ما حدث يشكل سابقة يمكن أن تتكرر في دول عربية أخرى، وبالتالي سيتأثر استقرار نظامنا بشكل مباشر».
نائب الوزير الأول الإسرائيلي ذهب أبعد من هذا عندما قالها «طاي طاي» على الهواء لكل من يريد أن يسمع: «في حالة صعود أنظمة ديمقراطية في العالم العربي، فإن أمن إسرائيل سيكون مهددا بشكل واضح، لأن هذه الأنظمة الجديدة ستتبنى خطوطا سياسية معادية لأمن إسرائيل الوطني».
وقبل أن يختم نائب الوزير الأول الإسرائيلي تصريحه، قال إن إسرائيل وأغلبية الأنظمة العربية لديها مصلحة مشتركة في محاربة ما أسماه «الأصولية الإسلامية» ومنظماتها المتطرفة التي تهدد إسرائيل.
وهذا التهديد الموجه إلى أمن إسرائيل هو ما يبرر، حسب «سيلفان شالوم»، التعاون الاستخباراتي المباشر وغير المباشر بين إسرائيل وهذه الأنظمة العربية.
وحسب «سيلفان شالوم»، فبداية ظهور عالم عربي ديمقراطي يعني نهاية هذا «الولاء» العربي لتل أبيب، بحكم أن هذه الدول العربية الديمقراطية ستكون محكومة من طرف أنظمة معادية عموما لإسرائيل.
هل هناك وضوح أكثر من هذا؟ لا أعتقد.
لذلك فقراءة ما يحاك اليوم وراء ظهر تونس في الخفاء بعد إسقاط الجنرال بنعلي، بدون استحضار اليد الخفية لإسرائيل، ستكون بلا شك قراءة مبتسرة يمكن أن تدغدغ العواطف الجياشة التي حررتها هذه الثورة الشعبية، لكنها لا يمكن أن تعكس لنا الصورة الكاملة بكل ظلالها وألوانها الظاهرة والخفية.
لا أحد يجادل في كون ما حدث في تونس يعتبر ملحمة شعبية قلما تحدث في تاريخ الشعوب. لم يحدث قط أن تم، في ظرف 23 يوما، إسقاط نظام تسلط على الشعب 23 سنة.
عندما تحرر الشعب من الخوف، استطاع أن يخرج إلى الشارع ويطالب برحيل الدكتاتور. رحل الدكتاتور كما أراد الشعب، لكن نظامه بقي في مكانه مسيطرا على جميع مناحي الحياة. وللحظة من الزمن، اعتقد الشعب أن السلطة آلت إليه، لكنه اكتشف بسرعة أن الثورة سرقها منه أزلام الدكتاتور، وأنهم يريدون إيهامه بأن حلمه في التغيير قد تحقق. لكن الشعب فهم القصة، وأصبح يطالب برحيل النظام وكل رجاله.
وهذه هي الثورة الحقيقية التي سيكون على التونسيين القيام بها، فقد فهموا أخيرا أن بنعلي ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة اسمها النظام الدكتاتوري، وأن الثورة الحقيقية يجب أن تنتهي بتفكيك جميع حلقات هذه السلسلة.
المشكلة أن هذه السلسلة الطويلة مكونة من مئات الآلاف من التونسيين، فيهم المنخرطون في حزب «التجمع الوطني الدستوري»، وفيهم مئات رجال المال والأعمال الذين كانوا مستفيدين مباشرة من نظام بنعلي الاقتصادي، وفيهم 120 ألف بوليسي و12 ألف فرد من الحرس الرئاسي. وهذا هو الجيش الحقيقي في تونس، 130 ألف بوليسي لكتم أنفاس 10 ملايين تونسي. حتى فرنسا، التي يصل عدد سكانها إلى 62 مليون نسمة، ليس لديها كل هذا العدد من رجال الأمن.
وفي مقابل كثرة أعداد البوليس وتوفره على العتاد والتدريب الإسرائيلي الجيد، نجد أن الجيش النظامي التونسي لا يتوفر سوى على 35 ألف جندي، ليس لديهم أكثر من 11 مروحية، توجد منها أربع مخصصة لحراسة حظر التجول في العاصمة وضواحيها.
لهذا فالصراع اليوم في الشارع التونسي غير متكافئ، ويوجد بين حراس الثورة ولصوصها، بين التونسيين الذين يريدون تغيير الأوضاع جذريا والقطع مع بقايا النظام السابق، وبين أزلام بنعلي الذين يريدون تهريب الثورة بكل الوسائل من أجل تدجينها وانتزاع أنيابها وتحويلها إلى مجرد يوم خالد في لائحة أعياد التونسيين الوطنية.
واحدة من تلك الوسائل كانت إعلان أفراد من جهاز القمع البوليسي «توبتهم» وانضمامهم إلى الشعب ومطالبتهم بالحق في تأسيس نقابة داخل جهاز الشرطة. هل سيلدغ التونسيون من الجحر نفسه مرتين؟
هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الأيام القليلة المقبلة، خصوصا عندما ستنفد المواد الغذائية من الأسواق وتستعمل القوى الخفية الجوع كأداة لتطويع التونسيين.
لذلك فالذين يرددون أن السلطة اليوم في تونس توجد بيد الشعب عليهم أن يصححوا فكرتهم، فالسلطة الحقيقية اليوم في تونس توجد بيد الجيش، والجيش يوجد بيد الجنرال رشيد عمار، والجنرال رشيد عمار يوجد بيد السفير الأمريكي في تونس «غوردون غراي»، والسفير الأمريكي «غوردون غراي» يوجد بيد البيت الأبيض، والبيت الأبيض يوجد بيد إسرائيل.
هكذا نعود إلى نقطة البدء لكي نؤكد أن ما يحاك في الخفاء لتونس ما بعد الثورة ليس سوى مخطط إسرائيلي أمريكي مدروس يأخذ بالاعتبار مصلحة وأمن إسرائيل أولا وأخيرا.
لذلك فالشعوب العربية يجب أن تعرف أن عدوها الحقيقي، بالإضافة إلى الدكتاتوريين المتسلطين هم وعائلاتهم على رقابهم، هو إسرائيل، فهي راعية التخلف والفساد والتسلط في بلدانهم، والواقفة حجر عثرة أمام تحرر عقولهم من الجهل وقلوبهم من الخوف. وكل من يحاول تقديم إسرائيل كجزء من الحل للشعوب العربية فإنما يخدع هذه الشعوب، لأن إسرائيل هي المشكلة ولن تكون أبدا جزءا من الحل.
لنكن واقعيين، مصلحة الشعب التونسي هي آخر ما يفكر فيه هؤلاء الأمريكيون والإسرائيليون. وعندما يتحدث «أوباما» عن ابتهاجه ببطولة الشعب التونسي فذلك ليس سوى جزء من التمثيلية السخيفة التي يحسن البيت الأبيض أداءها في كل مرة لكي يعطي الانطباع بأنه يقف إلى جانب الشعوب العربية، فيما الحقيقة هي أن البيت الأبيض يقف دائما إلى جانب الأنظمة العربية الأكثر فسادا ودكتاتورية، مادامت هذه الأنظمة في خدمة أمن إسرائيل.
أعتقد أن أهم شيء أنجزته الثورة التونسية ليس هو تعريتها لعورة نظام بنعلي، وإنما تعريتها لعورتي إسرائيل وأمريكا ودورهما الخطير في المنطقة المغاربية والشرق أوسطية.
لقد كان لهذه الثورة التونسية المباركة الفضل في كشف المخطط الجهنمي الذي تشتغل به هاتان القوتان الاستعماريتان اللتان تسهران بالليل على حماية الأنظمة العربية الدكتاتورية بالمال والسلاح من أجل أن تستمر في قمع وقتل وخنق شعوبها، وفي النهار تنشر تقاريرها الحقوقية المنتقدة لهذه الأنظمة من أجل ذر الرماد في العيون.
لقد قالها نائب الوزير الأول الإسرائيلي بوضوح: «في حالة صعود أنظمة ديمقراطية في العالم العربي فإن أمن إسرائيل سيكون مهددا بشكل واضح». وكما يعلم الجميع، فأمريكا يمكن أن تسمح بكل شيء إلا المساس بأمن إسرائيل.
والحل الوحيد لضمان أمن إسرائيل، حسب نائب الوزير الأول الإسرائيلي، هو الاستمرار في دعم أمريكا لأنظمة عربية دكتاتورية متسلطة تمسك بخناق شعوبها وتكتم أنفاسها. وفي حالة تخطيط أحد هذه الشعوب لثورة ضد رئيسها الدكتاتوري، فما على قادة ثورتها سوى أن ينسقوا مع الموساد وجهاز المخابرات الأمريكية حتى يتم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
وإلا فإن القيام بالثورة بدون أخذ الضوء الأخضر الأمريكي والإسرائيلي يعني، حسب هؤلاء السادة، تحدي قوانين اللعبة المرسومة للمنطقة العربية بما يخدم أمن وسلامة إسرائيل.
في حالة تونس، فقد وقعت الفأس في الرأس مبكرا، وسارت الأمور بسرعة لم يكن يتوقعها أحد، بما في ذلك الموساد وجهاز المخابرات الأمريكي، لذلك فالتسوية بين هذين الجهازين والجيش التونسي ستكون بعد الثورة وليس قبلها. وهذا اختراع جديد ستسجله مختبرات صناعة الثورات باسم تونس.
فجميع الثورات التي قامت في العالم كانت وراءها أطراف وقوى خارجية، إلا ثورة تونس، فقد جاءت من الداخل. ولذلك وجد السفير الأمريكي «غوردن غراي» نفسه مجبرا على مطالبة بنعلي بمغادرة تونس على وجه السرعة، وإسناد السلطة إلى الجيش الذي يحترمه التونسيون نظرا إلى موقف الجنرال رشيد عمار الذي رفض استعمال الرصاص ضدهم عندما أمره بنعلي بذلك.
لقد كان بنعلي يعتقد أنه الوحيد الذي يصدر أوامره للجيش التونسي، إلى أن اكتشف أن الأوامر الحقيقية التي يتلقاها الجنرال رشيد عمار هي تلك التي تأتي من مقر السفارة الأمريكية بتونس وليس من القصر الرئاسي.
«هاد الشي اللي بان ليا أنا بعدا، والله أعلم عاود تاني».
... تابع القراءة

قصيدة من أجل تونس

        1
        
عندما رأى الزعيم الكرسي لأول مرة
خفق قلبه بشدة
وارتعشت أطرافه عن آخرها
حسم أمره ولم يتردد لحظة واحدة
مضى إلى الشعب وطلب يده
ومن أول يوم
سقط الزعيم في حب الكرسي
وسقط الشعب في الورطة!
        2
عندما كان الزعيم يضجر 
كان يفتح فمه لكي يتثاءب
وفي قمة تثاؤبه كان يسهو
وكان يبتلع أبناء شعبه...
        3    
            
عندما كان الزعيم يريد أن يرفه عن نفسه
كان يضحك ملء شدقيه
ومرة أخرى
يكون ضروريا أن يفتح فمه
كاشفا عن أنيابه الحادة!
        4    
عندما كان ينام الزعيم
كان يأتي إليه الشعب بالمظالم شاكيا باكيا
وفي كل مرة يأمر بحبسه في القارورة
وبمجرد ما يستفيق في الصباح ويتذكر الحلم 
يطل من شرفة قصره الرئاسي
فيرى شعبا كبيرا ومظلوما
فينظر قرب سريره
فيرى القارورة
ثم يبتسم بخبث!
        5
عندما كان يحزن الزعيم
ينقطع إلى نفسه ويفكر مليا
أين سيمضي كرسيه بعده؟
فيقوم إلى القارورة ويحطمها
فلا يعود يرى الحلم الكريه
ولا يصبح حزينا!
        6
عندما تناثرت شظايا الشعب ارتاح الزعيم
فقام إلى الشرفة
فلم يجد من يهتف بحياته
فعاد إلى غرفته ولملم شظايا القارورة
وذهب إلى النوم
فرأى مرة أخرى الشعب يأتي إليه في الحلم بالمظالم شاكيا باكيا
فاستفاق فرحانَ وذهب إلى الشرفة
فلم يتحقق حلمه
ولم ير شعبه قط..
        7
الشعب تعب من هذا الحب القاسي
لملم شظاياه وخرج في المظاهرة
وهتف بصوت واحد:
«يسقط الزعيم»!
خرج الزعيم ضده بمفرده
وهتف بصوت واحد:
«يسقط الشعب»!
سقطا معا في الشارع
جرحا واختلطت دماؤهما
عندما فهم الزعيم أن الشعب عزم  أمره على الطلاق
صاح فيه مترجيا
«نعيش معا، نعيش معا»!
كان الزعيم يريد أن يعود الشعب من المظاهرة إلى بيته حيا
لكي يسلم لأبنائه
ويعود الزعيم حيا إلى قصره ويسلم لكرسيه!

        8
أخيرا سقط الزعيم من شرفة قصره الرئاسي
جاء المعزون
جاء الذباب
وجاءت بقية الحشرات
هبت الريح
الزعيم الجبان تعفن
التاريخ مر
وتقزز!
... تابع القراءة

ثورة الملك والشعب


ما حدث في تونس يجب أن يفتح أعيننا جميعا على ضرورة الشروع في إنجاز ثلاث ثورات عاجلة وهادئة في المغرب: الأولى داخل جهاز القضاء، والثانية داخل الأحزاب السياسية، والثالثة داخل القطب الإعلامي العمومي.
بالنسبة إلى جهاز القضاء، هناك ثلاثة مستويات لإصلاح هذا القطاع المعطوب: هناك القضاة وكتاب الضبط وجهاز الدفاع، أي المحامون. وطيلة أشهر وجهاز كتاب الضبط يحتج ويضرب عن العمل من أجل تنزيل مطالب القانون الأساسي لممتهني كتابة الضبط. وعوض أن تجد الحكومة حلا لهذه الكارثة التي تعطل محاكم المملكة ومعها شؤون عباد الله، اكتشفنا أن المحامين انضموا بدورهم بالأمس إلى هذه الحركة الاحتجاجية في أغلب محاكم المملكة وتوقفوا عن العمل ورددوا شعارات غاضبة بسبب وجودهم في حالة بطالة منذ أشهر طويلة بسبب الإضرابات الأسبوعية المتكررة لكتاب الضبط.
هذه الوضعية الخطيرة جدا التي وصلت إليها المحاكم تنذر بالأسوأ إذا لم يتم حلها عاجلا. والحل لا يوجد اليوم في يد وزير العدل، وإنما يوجد في يد وزير المالية الذي يتلكأ في تنفيذ الوعود المالية التي اتفق بشأنها وزير العدل مع النقابات الممثلة لموظفي وزارة العدل.
ويبدو أن وزير المالية صلاح الدين مزوار لديه فقط الوقت لكي يزور أحد مستشاري حزبه في إحدى مقاطعات الدار البيضاء الشعبية التي يعاني سكانها من مشاكل في السكن، في إطار المساندة الحزبية، لكنه لا يجد الوقت لمطالعة مئات المقالات التي ظلت تصدر في الصحافة منذ أشهر حول محنة كتاب الضبط. ولهذا لم يخجل من نفسه عندما صرح بأنه لم يكن على علم بوجود شيء اسمه «القانون الأساسي لكتاب الضبط».
وهذا عذر أقبح من الزلة، لا يفضح فقط استهانة وزير المالية بمشاكل كتاب الضبط، وإنما يفضح أيضا استهانته بمصالح آلاف المواطنين والمستثمرين المغاربة والأجانب الذين تعرقلت ملفاتهم القضائية في المحاكم بسبب الإضرابات المتكررة لكتاب الضبط.
لقد أعطى الملك تعليماته الواضحة للاعتناء بهذه الطبقة من موظفي وزارة العدل، والذين بدونهم لا يمكن أن تشتغل المحاكم بشكل طبيعي. وأمر الوزير الأول وزيره في المالية بالجلوس إلى ممثلي كتاب الضبط لحل مشكلهم ماليا. ورغم كل اللقاءات والاجتماعات التي عقدها وزير العدل مع ممثلي هؤلاء الموظفين، والتي انتهت بالوصول إلى اتفاق يقضي بتوقيف الإضرابات مقابل تحقيق جزء من المطالب الأساسية لشغيلة القطاع، نرى كيف أن وزير المالية يتجرأ على القول إنه لم يكن على علم بالقانون الأساسي لكتاب الضبط.
فهل ينتظر وزير المالية صلاح الدين مزوار أن يطلب منه إلياس العماري حل مشكل كتاب الضبط لكي يقوم بذلك؟
إن إنجاح ثورة إصلاح القضاء التي أطلقها الملك يمر بالضرورة عبر إصلاح الأوضاع الاجتماعية لكتاب الضبط. ومن يقف حجر عثرة أمام هذا الإصلاح فإنما يعرقل، في الواقع، نجاح ثورة الإصلاح داخل جسم القضاء.
وقد أصبح واضحا اليوم أن هناك جهات تبحث بكل الطرق والوسائل لإجهاض هذه الثورة وإفشالها عبر وضع العراقيل أمام أي اتفاق حكومي لتسوية ملف كتاب الضبط، وبالتالي فتح المحاكم على سلسلة متواصلة من الإضرابات ينضم إليها المحامون وتنتهي بإحداث شلل تام في المحاكم وعرقلة الجهاز القضائي بشكل تام.
هكذا، يتم إجهاض هذه الثورة البيضاء داخل جهاز القضاء حتى تظل لوبيات الفساد المسيطرة على الأجهزة القضائية داخل وزارة العدل ملتصقة بأماكنها، محكمة السيطرة على مناصبها وامتيازاتها وسلطاتها القضائية الواسعة.
عندما نرى كيف يشيـِّد مدراء مصالح في وزارة العدل ووكلاء عامون للملك قصورا في طريق زعير بالرباط تساوي الملايير، ويشترون ضيعات فلاحية شاسعة، ويؤسسون لأبنائهم وبناتهم شركات مجهولة الاسم ويتدخلون من أجل الحصول لها على صفقات بالملايير، نفهم أن المعركة ضد هؤلاء الفاسدين ستكون صعبة للغاية. إنهم أسوأ من بقايا حزب بنعلي الذي يرفض أن يتفكك في تونس لكي يتنفس الشعب أخيرا هواء الحرية.

إن أخطر ما يواجهه ملف كتاب الضبط اليوم هو الاستغلال الحزبي الضيق لمعركتهم من أجل تصفية الحسابات بين حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة الذي يعتبر صلاح الدين مزوار أحد أعضائه الأساسيين.
ومثلما صنع وزير المالية مزوار مع ملف 4500 من موظفي صندوق الضمان الاجتماعي عندما جمد ملفهم في الثلاجة للدفع بالوضعية الاجتماعية داخل هذه الإدارة نحو المزيد من الاحتقان، لسحب البساط من تحت أقدام المدير الحالي وتنصيب مدير جديد يقترحه عليه إلياس العماري، ليس شخصا آخر غير جعفر هيكل، المدير العام للتجمع الوطني للأحرار، فكذلك يصنع مع ملف كتاب الضبط عندما ادعى أنه لا علم له بقانونهم الأساسي.
وهذا اللعب بالملفات الاجتماعية يشبه كثيرا اللعب بالنار، خصوصا في قطاعات حساسة لديها علاقة مباشرة بمصالح المواطنين اليومية، كالضمان الاجتماعي والتقاضي أمام المحاكم.
إن وصول مجموعة من القطاعات إلى الباب المسدود، في حواراتها مع القطاعات الحكومية المسؤولة عنها، سببه ضعف وترهل الأحزاب السياسية ووصولها إلى مرحلة متقدمة من الفساد، بحيث أصبحت قياداتها مشغولة فقط بالتخطيط لتوريث الزعامة للأبناء والأصهار عوض الدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية والعمالية أمام البرلمان.

لذلك فالحل الوحيد لإنقاذ هذه الأحزاب من التحول إلى جثة متعفنة يدوسها الجرار بعجلاته الفولاذية هو أن يبادر المناضلون الحقيقيون داخلها، سواء كانوا من الشباب أو من الجيل القديم، إلى القيام بثورة داخلية على قيادات هذه الأحزاب المتواطئة ضد مصالح الشعب وطبقاته العاملة.
إن هذا القتل الرحيم، الذي تتعرض له الأحزاب التاريخية على أيدي قيادييها، يعتبر جريمة سياسية نكراء لا يجب السكوت عليها، لأنها جريمة في حق نضال وجهاد الآلاف من المغاربة الذين أعطوا شبابهم وأعمارهم وأرواحهم من أجل أن ينعم المغرب بتعدديته الحزبية والسياسية.
ولعل المكان الذي يجب أن يفتح فيه النقاش العمومي حول هذه الثورة الداخلية المنتظرة وسط الأحزاب السياسية هو الإعلام العمومي، سوى أن هذا الإعلام العمومي المعول عليه مصاب بدوره بسكتة دماغية وحالة إغماء عميقة بدأت منذ قرر الماسكون بملف الإعلام العمومي إغلاق المجال في وجه النقاش العمومي قبل عشر سنوات.
لقد آن الأوان لكي يقطع الإعلام العمومي المغربي مع سياسة التجهيل والتمييع و«الاستحمار» التي يشنها يوميا على المغاربة. ما عاد مقبولا أن يستمر الإعلام العمومي في إجبار المغاربة على الهجرة نحو الفضائيات بحثا عن برامج يفقهون بها أنفسهم وأبناءهم في الدين والسياسة والثقافة، في الوقت الذي يمولون من جيوبهم ميزانيات إعلام عمومي يقتل فيهم الغيرة الوطنية والدينية ويحطم النواة الصلبة لعائلاتهم بسبب كل تلك المسلسلات الهجينة التي يستوردها ويحشو بها عقول ومخيلات أبناء وبنات المغاربة.

لقد كان المغرب سباقا قبل عشرين سنة إلى إنشاء أول قناة خاصة اسمها «القناة الثانية»، شكلت في بداياتها هامشا حقيقيا للنقاش العمومي الحر والجريء، فظهرت برامج حوارية سياسية ينشطها صحافيون أكفاء، ساهمت في إفراز نخبة سياسية ومثقفة استطاع كثير من «نجومها» أن يعبروا من بلاطوهات التلفزيون إلى كراسي الحكومة.
واليوم، بعد مضي أكثر من عشرين سنة على إنشاء هذه التجربة الإعلامية، أصبحت هذه القناة متخصصة في نقل سهرات الكباريهات الرخيصة، وعرض المسلسلات التافهة التي تحطم النسيج الأسري المغربي عبر تهييج مشاهديها جنسيا بتلك الأجساد المستوردة من دول أمريكا اللاتينية والهند وتركيا وغيرها من الثقافات البعيدة عن ثقافة المجتمع المغربي.
أما البرامج الحوارية التي يريد المشاهد المغربي متابعة قضاياه ومشاكله ومشاغله عبرها، فقد أصبحت شبه محظورة في قنوات الإعلام العمومي. وحده مصطفى العلوي، الذي يذكر المغاربة بسنوات الرصاص وإدريس البصري والقمع، مسموح له بمناقشة قضايا الساعة مع ضيوفه الذين ينادونه بمولاي مصطفى والذين لا يتردد في قمعهم ومعاملتهم مثلما يعامل المعلم تلاميذه الكسالى.
هذه، إذن، هي القطاعات الثلاثة التي تحتاج إلى ثورات داخلية عاجلة وهادئة: إعلام عمومي في خدمة قضايا المواطنين، وعدالة تنتصر لحقوق المظلومين، وأحزاب سياسية تعطي الأسبقية لمصالح الشعب وقضاياه العليا على مصالح الزعماء الشخصية ومصالح ذويهم وأقربائهم.
إنها ثورة الملك والشعب المتجددة، والتي يجب أن يساهم كل مغربي من موقعه في إنجاحها، حتى يتسع المغرب لكل أبنائه، بمن فيهم العاقون الذين يتمنون رؤيته مكبلا بأصفاد التخلف والفساد حتى تسهل عليهم سرقة جيوبه لوقت أطول.
... تابع القراءة

برا يا الباس

يبدو أن هناك جهات غير متفقة مع ما قلناه قبل يومين في هذا العمود، من أن المغرب لا يشكو، مثل  تونس والجزائر وليبيا ومصر وسوريا، من مشكل  في نظام الحكم وإنما يشكو من مشاكل في نظام الحكامة.
وحسب هذه الجهات غير المتفقة مع هذا التحليل، فإن «الماسكين بالسلطة» في المغرب هم من وجهونا نحو هذا القول من أجل الفصل بين ما يحدث في تونس وبين المغرب. وهذا ما يبرر، حسب هؤلاء «المحللين المحلفين»، كل «الإعلانات المشبوهة» التي يغدقها علينا هؤلاء «الماسكون بالسلطة».
أولا، إذا كانت هناك جهات ترى أن المغرب لديه مشكل «نظام حكم» وليس مشكل «نظام حكامة»، فعلى هذه الجهات أن تتحلى بالجرأة الضرورية وتعلن عن نفسها صراحة. أما أن تختفي وراء ما يحدث في تونس لكي تقطر الشمع وتمارس عادة «التقلاز من تحت القشابة»، فهذا منتهى الجبن السياسي والأخلاقي.
السيد بوعشرين، الذي يتهمنا بتجنب «الخوض في تفاصيل «ثورة الياسمين» خوفا من إغضاب من يسميهم «المساكين بالسلطة»، والذين وجهونا إلى القول بأن المغرب لا علاقة له بتونس، وأن في البلاد «مشكل حكامة وليس مشكل حكم»، وسمانا بالصحافة الصفراء التي تستحق أموال الإعلانات المشبوهة التي تغدق عليها، ذهب بعيدا في «تحليلاته» هذه المرة.
ويبدو أننا سنسفه «أحلام» الرجل عندما سنؤكد مرة أخرى، وبدون مركب نقص أو عقد، على أن تونس ليست هي المغرب، وأن إشكالية «نظام الحكم» غير مطروحة في المغرب مثلما هي مطروحة اليوم في تونس، أو مثلما يمكن أن تطرح غدا في أكثر من دولة عربية يقودها رئيس خالد وحزب واحد.
ليس بوعشرين وحده من يشعر بالأسف لأن «ثورة» الأشقاء في تونس لم تجد لها صدى في شوارع المغرب، فهناك أشباه له يتمنون انتقال العدوى إلى بلادنا لكي يحدث «التغيير المنشود».
وربما بسبب ذلك سارع إلى نشر مقال غداة سقوط بنعلي على صدر جريدته يتحدث عن التهاب أسعار المواد الغذائية في المغرب، وهو الخبر الذي كذبه بلاغ حكومي في اليوم الموالي.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو ماذا يقصد هؤلاء بالتغيير المنشود.. التغيير على مستوى نظام الحكم أم على مستوى نظام الحكامة؟
بالنسبة إلى بوعشرين، فـ«الماسكون بالسلطة» في المغرب وجهونا لكي نقول إن ما حدث في تونس يطرح أسئلة على «نظام الحكامة» وليس على «نظام الحكم». ولأننا خضعنا لهذا الإملاء الفوقي، فإننا تعرينا أمام القراء، والدليل على ذلك هذه الإعلانات التي يغدقها علينا «الماسكون بالسلطة».
هذه اتهامات خطيرة جدا، ووجه الخطورة فيها أنها تحاول الركوب على «ثورة» تتحول بسرعة شديدة إلى حرب أهلية في تونس، لكي «يقطر الشمع» على «الماسكين بالسلطة» في المغرب. وجميعنا يعرف من هم «الماسكون بالسلطة» الذين يقصدهم بوعشرين، فهو لا يتحدث عن الوزير الأول وحكومته، فهم -في نظره- لا يمسكون بأية سلطة ولا يمارسون أي نوع من أنواع الحكم، ونحن عندما ننتقدهم فإننا نصنع ذلك لتجنب انتقاد «الماسكين بالسلطة» الحقيقيين، أي «بالعربية تاعرابت» الملك.
وهذه مناسبة لوضع النقاط على الحروف، لكي يفهم السيد «بوعشرين» ومعه الواقفون وراءه، والذين سهلوا  له تراخيص رحلته «السرية» الأخيرة إلى ساحل العاج التي تعيش بدورها بوادر حرب أهلية، أن «المساء» ليست حزبا سياسيا معارضا لكي تضع نفسها في مواجهة «نظام الحكم»، وإنما نحن نصنع جريدة مستقلة همها الوحيد هو إخبار الرأي العام بالطريقة التي تدار بها شؤونه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وحسب علمنا المتواضع، فالإدارة يتحمل مسؤوليتها الوزير الأول حسب الفصل 61 من الدستور والذي يقول حرفيا: «تعمل الحكومة على تنفيذ القوانين تحت مسؤولية الوزير الأول والإدارة موضوعة رهن تصرفه»، كما ينص الفصل 63 على كون «الوزير الأول يمارس السلطة التنظيمية»، أي أن ميزانية القصر نفسها إذا لم يوقع عليها الوزير الأول فإنها لا تصرف.
وإذا كان الوزير الأول عباس الفاسي يتهرب من تحمل المسؤولية التي أعطاه إياها الدستور، بادعاء عدم قدرته على التحكم في وزارة الداخلية أو غيرها من الوزارات، فهذا يعني أن الوزير الأول يخل بأهم بنود الدستور، وأنه ينتحل صفة وزير أول دون أن يمارس هذه الصفة بالفعل.
وهذا بالضبط ما يجب فضحه وعدم التستر عليه. إذا كان الوزير الأول غير قادر على ممارسة جميع صلاحياته الدستورية، فما عليه سوى أن يضع الحقيبة الوزارية ويغادر إلى بيته.
لهذا نحب أن نذكر السيد بوعشرين، ومن خلاله الواقفين وراءه، بأن «المساء» تعرف دورها جيدا، وهي تمارسه داخل الحدود التي يسمح بها القانون، بعيدا عن اللعب بأعواد الكبريت التي يحاول البعض إضرام نيران الفتنة بواسطتها داخل المغرب، عبر القيام بإسقاطات فجة وغير واقعية لما يحدث في تونس اليوم.
وبما أن السيد بوعشرين يتهمنا بتجنب الحديث عن تفاصيل «ثورة الياسمين» خوفا من إغضاب «الماسكين بالسلطة»، رغم أننا نخصص يوميا للحدث صفحة أو يزيد، فليسمح لنا بأن نشرح له أن ما يحدث في تونس اليوم ليس ثورة وإنما فتنة ستنقلب إلى حرب أهلية. ومثل هذه «الثورات» لا أحد يتمنى حدوثها في المغرب. «برا يا الباس».
فجميع الثورات التي قامت في العالم كانت لها رؤوس، إلا ثورة تونس فهي بدون رأس. فقد قادها الشارع في غياب معارضة سياسية تتزعمه. وهذا ما يفسر فشل القوى السياسية والحقوقية في البلاد في تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة تسهر على تنظيم الانتخابات وإفراز حكومة من صناديق الاقتراع.
إن ما حدث في تونس يكشف عن شيئين مهمين، أولا هشاشة الدكتاتور وصلابة النظام الدكتاتوري، وثانيا قوة الشعب وضعف هيئاته السياسية.
وما لا يريد كثير من المتحمسين رؤيته اليوم في تونس هو أن البلاد ذاهبة نحو الحرب الأهلية بين أنصار الرئيس المخلوع وميليشياته المسلحة التي لا تريد مغادرة الساحة السياسية، وبين الشعب وبقية أطيافه السياسية والنقابية والحقوقية التي تريد إحداث قطيعة نهائية مع النظام السابق وحزبه الحاكم.
الاعتقاد السائد الآن هو أن «ثورة الياسمين» ستنتهي بإعادة السلطة إلى الشعب. لكن هذا الحلم يبدو الآن بعيد المنال، خصوصا بعد صدور تصريحين أعتبرهما شخصيا على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة.
أولا، تصريح إسرائيل الواضح الذي تأسفت من خلاله على الإطاحة بالرئيس التونسي، وتصريح العقيد الليبي معمر القذافي الذي عاتب التونسيين على طردهم للجنرال بنعلي وحديثه شبه المتوعد للتونسيين بحتمية ندمهم على ما قاموا به.
لنكن واضحين. إن الأنظمة العربية المبنية على سيادة الرئيس الأبدي والحزب الوحيد ستكون أول عدو لثورة الشعب التونسي. وهذه الأنظمة المحروسة من طرف الموساد الإسرائيلي ستكون أول من ينسق مع تل أبيب من أجل إجهاض الثورة في مهدها، حتى لا تصبح نموذجا تحتذي به الشعوب العربية التي ترزح تحت حذاء رؤسائها الذين باتوا يتوارثون الجمهوريات.
ولعل أكبر متضرر من نجاح «ثورة الياسمين» هو إسرائيل. فهذا الكيان العنصري الغاصب لن يسمح بتغيير المعطيات السياسية في دول الجوار، خصوصا الأردن ومصر وسوريا، مخافة أن تنتقل عدوى تونس إلى شوارع هذه الدول، وبالتالي يسقط هؤلاء الرؤساء الخالدون الذين يتواطؤون مع إسرائيل وأمريكا ضد فلسطين ويتقاضون ثمن تواطئهم على شكل مساعدات بالعملة الصعبة.
لقد فضحت تل أبيب الجنرال بنعلي عندما قالت إنه كان أحد حلفائها الكبار في المنطقة، وبالتالي فالضربة التي تلقتها إسرائيل، بسبب سقوط النظام في تونس، أكثر وجعا وإيلاما من الضربة التي تلقاها بنعلي نفسه.
واليوم، يبدو من خلال المعطيات على الأرض أن عملية إجهاض «الثورة» في تونس ماضية في طريقها، فالجنرال بنعلي غادر تونس تحت حماية إسرائيلية، واتجه إلى السعودية بعدما صدرت أوامر من تل أبيب للقادة السعوديين باستقبال الرئيس المخلوع وضمان حمايته وحماية مسروقاته.
ومن يعتقد أن الجنرال بنعلي انسحب كليا من السلطة واهم، فالرجل يدير من جدة أمور حزبه الذي تسلل رجاله إلى الحكومة المؤقتة واستولوا فيها على المناصب الوزارية الثلاثة المهمة، الخارجية والمالية والداخلية التي ستسهر على إعداد الانتخابات.
إذن، فالمخطط الجهنمي الذي يعد لتونس في كواليس الموساد الإسرائيلي أسود للغاية. والقذافي لم ينطق عن الهوى عندما أنهى خطابه إلى التونسيين بعبارة «وعلى تونس السلام». ولعل أول جواب عما قاله الرئيس الليبي كان هو إشباع المتظاهرين التونسيين في الشوارع ضربا وركلا على أيدي عناصر الشرطة التابعة مباشرة لبنعلي.
إن الترويج الإعلامي للمكالمة الهاتفية التي أجراها رئيس الوزراء المؤقت محمد الغنوشي مع بنعلي، والتي أطلع فيها الرئيس السابق على خطورة الأوضاع في تونس، يعني شيئا واحدا وهو إرسال إشارة واضحة حول كون بنعلي لازال على الخط. وبالتالي دفع الشعب إلى النزول إلى الشوارع وإحداث الفتنة عبر جعل الجيش الذي اصطف إلى جانب الشعب يواجه بالسلاح جهاز الشرطة والحرس الرئاسي وأعضاء حزب الرئيس الذين سيدافعون بشراسة عن امتيازاتهم ومصالحهم التي تهددها «الثورة».
وبهذه الطريقة، سينجح مخطط تقسيم التونسيين إلى خندقين متناحرين. والهدف من وراء هذه الحرب الأهلية هو إرسال رسالة واضحة إلى كل الشعوب العربية التي ستفكر في تقليد «ثورة الياسمين»، مفادها أن «ثورة الياسمين» يمكن أن تتحول إلى «ثورة الحنظل».
هكذا، ستفكر الشعوب طويلا قبل أن تجرؤ على اقتراف الثورة، وستفهم مغزى الجملة الأخيرة التي قالها القذافي في خطابه وهو ينصح التونسيين بالقبول بالدكتاتورية حرصا على حياة أطفالهم.
وهي نفسها الخلاصة الذي تريد إسرائيل أن تصل إليها الشعوب العربية الراغبة في إزاحة أصدقائها الرؤساء الدكتاتوريين من كراسي السلطة.
هذه الخلاصة الجهنمية التي تريد إسرائيل إيصالها إلى العرب هي: «إلى كانت هادي هيا الثورة اللهم الديكتاتورية».
ببساطة شديدة، ليس مسموحا لأي شعب عربي بأن يثور دون حصوله على الضوء الأخضر من «السادة» الذين يحكمون العالم ويصنعون خرائطه. أما أن يستيقظ شعب في الصباح ويقرر إسقاط النظام، فهذه في نظر «السادة» مجرد «ضصارة» يجب أن يدفع ثمنها الشعب.
... تابع القراءة

كراس من نوع «طيفال»


أمثال بنعلي وزوجته «الكوافورة» موجودون عندنا بكثرة في المغرب. وكم من أمين عام خالد على رأس حزبه تسيره زوجته من وراء الستار. وهم يتوارثون أحزابهم وكراسي الحكومات أبا عن جد، ويورثون أبناءهم وبناتهم في المؤسسات العمومية والبنكية كما لو كانت ممتلكات خاصة بهم لا يحق لأبناء الشعب الوصول إليها.
ولعل أحد أسباب ترهل الأحزاب المغربية وضعفها وفقدانها لمصداقيتها في عيون الشعب، هو تحولها إلى دكاكين انتخابية صالحة لشيء واحد فقط، وهو الوصول إلى كراسي السلطة، إلى الحد الذي أصبحت معه الأحزاب تفر من المعارضة كما يفر المرء من الجذام. وقد رأينا كيف تبرأ الاتحاد الاشتراكي من المعارضة كما لو كانت تهمة، بعدما شيد مجده التاريخي على أكتاف هذه المعارضة.
إن تحقير المعارضة السياسية والركض المرضي نحو السلطة بأي ثمن، وتغيير المعطف السياسي بين عشية وضحاها لمجرد الظفر بكرسي في المجلس البلدي أو البرلمان أو بحقيبة في الحكومة، كلها عوامل كانت وراء إصابة المشهد الحزبي المغربي بآفة فقدان المناعة، إلى الحد الذي أصبح معه التعدد الحزبي والسياسي مهددا في وجوده، وبالتالي فتح هذا المشهد على مصراعيه أمام خطر تنامي حزب واحد كبير قادر على ابتلاع كل ما أنتجه الشعب من حساسيات وتيارات سياسية منذ الاستقلال وإلى اليوم.
إن وجود هذا الحزب الأخطبوطي المسمى «الأصالة والمعاصرة» ليس خطأ في حد ذاته، فالسياسة مثلها مثل الطبيعة تخشى الفراغ، وإنما الخطأ هو انشغال الأحزاب المغربية بالبحث عن كراسي السلطة وجمع الثروات وتخليهم عن دورهم الأساسي والمهم وهو تأطير الشعب وتكوينه والدفاع عن حقوقه ومكتسباته ومقدساته.
وهذا التراكض المحموم نحو كراسي السلطة جعل هذه الأحزاب تنسى مبادئها الأساسية التي ضمنتها تقاريرها الإيديولوجية. وهكذا اكتشفنا أن الأمين العام للحزب الاشتراكي ليس، في نهاية المطاف، سوى إقطاعي يملك مئات الهكتارات من الأراضي في منطقة لازال سكانها يقطنون داخل أكبر وأقدم حي صفيحي في المغرب، واكتشفنا أن الأمين العام للحزب الشيوعي لم يكن سوى فيودالي متنكر في لحية ماركسي يدير ضيعات فلاحية ورثها عن آبائه الإقطاعيين، واكتشفنا أن الإسلامي متابع في ملفات تزوير ونصب، والاستقلالي المحافظ المدافع عن العروبة والإسلام لديه أبناء لا يتحدثون العربية بسبب دراستهم في مدارس البعثة الفرنسية وأصبح بعضهم، عندما كبر، يستثمر أمواله في شركات إنتاج الجعة والخمور.
هكذا تشابهت علينا الأحزاب إلى درجة أصبحت معه مرادفا للنفاق السياسي والانتهازية والوصولية.
ولهذا عندما اقتحم «الوافد الجديد» الساحة السياسية على ظهر جراره كان سهلا عليه أن يبتلع نصف هذه الأحزاب في لقمة واحدة، وأن يفطر كل أسبوع بالأحزاب المتبقية. فأصبحنا نسمع كل يوم عن هروب العشرات من مناضلي الأحزاب إلى حضن الوافد الجديد، طمعا في «الحماية» التي صار يوفرها للمنتسبين إليه، خصوصا أولئك الذين لديهم «الوسخ» في معاطفهم الحزبية القديمة ويحتاجون إلى معاطف «نظيفة».
ولعل مأساة هذه الأحزاب، التي يلتهمها الوافد الجديد وهي واقفة تنظر، أنه يوجد بها مناضلون شرفاء يتفرجون بحسرة على أحزابهم التي بنوها بعرقهم ونضالهم وطهارتهم وهي تتحلل لكي تندمج ببطء داخل حزب يبحث لكي يبقى بمفرده بعد أن يدجن كل الأحزاب ويضعها تحت جناحه.
إن المسؤولية التاريخية تقتضي من هؤلاء المناضلين الشرفاء، الذين يوجدون داخل كل الأحزاب المغربية، أن ينتفضوا ويتوحدوا ويتكتلوا لكي يسقطوا الـ«بنعليات» الذين هربوا الأحزاب وسجلوها بأسمائهم وأسماء زوجاتهم وأبنائهم. ماذا بقي عندما نرى أن زعيم نقابة مقربة من الاتحاد الاشتراكي اسمها «الكنفدرالية الديمقراطية للشغل» سجل مقرات النقابة في اسمه.
إن ما وقع خلال الاجتماع الذي احتضن أشغال المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي قبل يومين، عندما احتل محتجون المنصة رافعين شعار «إذا الشعب يوما أراد الحياة»، وفضحوا تواطؤ الوزير إدريس لشكر مع حزب «الأصالة والمعاصرة»، يمكن أن يكون الشرارة التي ستنطلق لكي تقلب الأوضاع الداخلية للأحزاب السياسية المغربية، خصوصا تلك التي لديها الشرعية التاريخية والسند الشعبي بفضل تضحيات مناضليها وشهدائها الذين أعطوا أرواحهم في سبيل الوطن.
إن المطلوب اليوم من الأحزاب السياسية المغربية هو أن تقوم بثورة داخلية لإسقاط هؤلاء الزعماء «التاريخيين» الذين انتهت مدة صلاحيتهم منذ سنوات طويلة، ولا يريدون أن يقتنعوا بأن دورهم قد انتهى، وأن الدور اليوم على الشباب الذي يحمل في داخله شعلة الحماس، والقادر على مواكبة حماس الملك الشاب الذي يتنقل بين أرجاء البلاد طيلة السنة بلا توقف.
إن هؤلاء الزعماء، الذين شاخوا فوق كراسي الأمانات العامة لأحزابهم، ينسون أنهم عندما بدؤوا النضال وتسلموا مسؤولية القيادة الحزبية كانوا شبابا في العشرينات من أعمارهم، فلماذا يرفضون اليوم منح الشباب الفرصة نفسها التي منحت لهم قبل خمسين سنة؟
وعوض أن يسلموا مشعل القيادة إلى الشباب من أبناء الشعب، نرى كيف أنهم يسلمونه إلى أبنائهم. فاليازغي يضع ابنه على رأس شبيبة الحزب استعدادا لتوريثه كرسي أبيه، وإدريس لشكر يضع ابنته في المكتب الوطني للشبيبة والكتابة الوطنية للنساء الاتحاديات استعدادا لتوريثها حقيبته الوزارية، وعباس الفاسي يضع ابنه كاتبا جهويا للحزب بالدار البيضاء ومستشارا في جماعة سيدي بليوط استعدادا لتوريثه أمانة الحزب، وأحرضان وضع ابنه «أوزين» على رأس شبيبة الحزب بانتظار أن يرث نصيبه من «الحركة».
هذا طبعا دون أن نتحدث عن المناصب التي يفوتها هؤلاء الآباء إلى أبنائهم وأبناء أبنائهم في المؤسسات العمومية التابعة للقطاعات الحكومية التي يسيرونها.
وقد جف ريقنا في هذا العمود ونحن نحصي هذه المناصب ونعدد أسماء المستفيدين منها مع تحديد القرابة العائلية التي تجمع هؤلاء المستفيدين بعائلات هؤلاء الأمناء العامين للأحزاب السياسية، دون أن يكون لنداءاتنا المتكررة أي تأثير على هؤلاء الـ«بنعليات» الذين ينتظرون أن يأتي من يقذفهم خارج كراسيهم عوض التنحي عنها بالتي هي أحسن.
إن الدرس العميق الذي يجب أن يستخلصه الجميع مما حدث في تونس هو أن الخلاص الوحيد للشعوب والأنظمة على حد سواء هو حماية التعدد السياسي من استبداد الحزب الوحيد.
ومعركة حماية التعدد من خطر الاستبداد الحزبي لا يمكن أن تقوم بها أحزاب تقودها قوى متخاذلة ومخترقة وانتهازية، بل أحزاب تقودها قوى جريئة ووطنية تستطيع أن تضحي بكراسي المسؤولية من أجل حماية المال العام والمصلحة العامة في البرلمان.
وعلى الراغبين في تدمير الفسيفساء المتنوعة والغنية، التي يتميز بها المشهد السياسي المغربي عن سائر المشاهد السياسية العربية، أن يدركوا أنهم بصدد تدمير أحد مقومات الاستقرار السياسي والاجتماعي.
فالمغرب محتاج إلى جميع حساسياته وتياراته السياسية.. محتاج إلى اشتراكييه المعتدلين ويسارييه المتطرفين، محتاج إلى يمينه المحافظ ووسطه الليبرالي، مثلما هو محتاج إلى إسلامييه وشيوعييه الراديكاليين.
لكل واحدة من هذه الحساسيات السياسية والإيديولوجية دورها المهم، مهما كان صغيرا، في بناء الصرح الديمقراطي الذي يميز المغرب عن سائر الدول العربية الغارقة في استبداد الحزب الوحيد الذي يقوده الرئيس المنتخب إلى الأبد، والذي ليس هناك حل لاقتلاعه من فوق كرسيه سوى طرده مثلما حدث في تونس أو رفع الدعاء إلى العلي القدير لكي يأخذه عزرائيل مثلما يحدث في الجزائر وليبيا ومصر وسوريا التي اكتشف مواطنوها، بسبب الخوف من نظام بشار الأسد البوليسي، طريقة ساخرة في مطالبته بالرحيل عندما رفعوا لافتات بصيغة الجمع تقول «إرحلوا قبل أن تـُرحـّلوا».
بالإضافة إلى التعليقات الجادة والتحاليل المتجهمة التي تروج على مدار الساعة في الفضائيات حول ما حدث في تونس، هناك مكان للنكتة السياسية التي اختزلت دروس «ثورة الياسمين» في طلب واحد مرفوع إلى شركة «طيفال» لصنع أدوات الطبخ، لكي تخترع كرسيا رئاسيا من نوع «طيفال» حتى إذا ما جلس فوقه الرئيس المنتخب الجديد وأحس بأن «جنابو طابو عليه»، غادر الكرسي دون أن يلصق فوقه إلى الأبد.
هذه الكراسي من نوع «طيفال» هي التي يجب أن نستوردها نحن أيضا في المغرب لكي نوزعها على هؤلاء الزعماء الخالدين على رأس الأمانات العامة للأحزاب السياسية المغربية، والذين لا يريدون مغادرتها إلا وهم محمولون فوق محفة الموتى نحو القبر.
... تابع القراءة

الواد السكوتي

أسبوعا واحدا على صدور التقرير السنوي لمجلة «أنترناشيونال ليفينغ»، المتخصصة في فنون العيش، والذي وضع تونس في المرتبة الأولى عربيا على مستوى «جودة الحياة»، كشف نزول الشعب إلى الشارع وإمساكه بالسلطة وهروب الرئيس أن الحياة في تونس لم تكن جيدة كما كانت تصفها بذلك المجلة الإيرلندية المتخصصة.
هذا يعني أن التقارير الدولية التي تمنح الأنظمة والدول العربية شهادات حسن السيرة والسلوك، أو علامات التنبيه أو العتاب، ليست جميعها على صواب، فهي محكومة -في الغالب- بحسابات القوى العظمى التي تتحكم في توجيه «عتابها» أو «نصائحها» إلى هذه الأنظمة.
إن الحكمة الشعبية التي تقول «دوز على الواد الهرهوري لا تدوز على الواد السكوتي» هي الأنسب لفهم ما حدث في تونس. فطيلة 23 سنة والتونسيون مضربون عن الكلام بسبب الخوف. وفجأة، تحول الشعب الصامت إلى نهر هادر من الغضب، وجرف في طريقه 23 سنة من الحكم الدكتاتوري لحزب واحد ابتلع جميع الأحزاب وكمم أفواه المعارضين والنقابيين إلى الحد الذي لم يعد معه مسموحا للمعارضة سوى بأن تطالب في البرلمان بالتمديد للرئيس.
ويبدو أن التونسيين سيحتاجون إلى أشهر طويلة من الصراخ بالشعارات في الشوارع والكلام في القنوات التلفزيونية لكي ينتقموا لكل السنوات الطويلة التي قضوها صامتين مرعوبين بسبب البعبع وجهازه البوليسي الذي نجح في جعل نصف التونسيين يتجسس على النصف الآخر.
لكي نفهم ما حدث في تونس ونستخلص منه الدروس المفيدة لتجنب الأخطاء التي جعلت النظام التونسي يخلط الشعب بقطيع من الأغنام لا يحتاج سوى إلى العشب والماء لكي يعيش، يجب أولا العودة إلى بداية نشوء النواة الأولى لحزب «التجمع الدستوري الديمقراطي»، الحزب الوحيد الذي أسسه بنعلي سنة 1988 خمسة أشهر بعد قيامه بالانقلاب الطبي على الرئيس المريض بورقيبة.
هكذا تأسس «التجمع الدستوري الديمقراطي» على أنقاض حزب الحبيب بورقيبة «الدستور الجديد» الذي رأى النور سنة 1934، مستعينا ببقايا الحزب «الاشتراكي الدستوري». وبما أن شهية «الوافد الجديد» كانت مفتوحة عن آخرها، فقد ابتلع منظمة «الشبيبة الدستورية الديمقراطية»، وأضاف إليها التنظيم الطلابي الذي تحول، بعد عملية هضم سريعة، إلى «منظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي».
ولكي يبرر بنعلي عملية الابتلاع الضخمة التي قام بها لكل هذه الأحزاب والتنظيمات، أشهر شعار محاربة التطرف، سواء كان يساريا أو إسلاميا. وهكذا ضمن الحصول على شهادة «حسن السيرة والسلوك» من أوربا والغرب، وخصوصا إسرائيل التي كانت الوحيدة، إلى جانب القذافي، من بكت هروبه من تونس متحسرة على فقدانها  لرئيس صديق لإسرائيل منع التظاهر لصالح القضية الفلسطينية وحرم جمع التبرعات لأجلها.
فلكي يرضى عنك الغرب المسيحي وإسرائيل اليهودية ويغلق قادتهما ومنظماتهما الحقوقية أعينهم عن فسادك وتجبرك وتسلطك على شعبك، يجب أن ترفع شعار محاربة الدولة الدينية، مع أن إسرائيل لا ترفع شعار الدولة الدينية فقط وإنما تنص عليه في دستورها، ويدافع الرئيس الأمريكي «أوباما»، بكل قواه، عن حق إسرائيل في إعلان نفسها دولة يهودية خالصة.
والغرب، الذي يرفض تقبل فكرة الدولة الإسلامية في العالم العربي، لا يجد أدنى صعوبة في قبول فكرة الدولة اليهودية في إسرائيل والدولة المسيحية في الفاتيكان. وفرنسا تسمح لمتطرف يميني عنصري اسمه «لوبين» بالترشح للانتخابات الرئاسية، بينما تحشر أنفها في الشؤون الداخلية للجزائر وتونس وتعلن رفضها لفكرة وصول الإسلاميين إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، خوفا على الديمقراطية من التطرف الإسلامي. فالديمقراطية في أوربا وإسرائيل تسمح بوصول التطرف اليميني المسيحي واليهودي المتعصب إلى السلطة، بينما تمنع وصول التطرف الإسلامي إلى السلطة في البلدان العربية.
بنعلي فهم القصة، ولكي يرضي هؤلاء بدأ يتفنن في التنكيل بكل من يشتم فيه رائحة التدين. فكان بنعلي أول من أعلن منع الحج رسميا بسبب أنفلونزا الخنازير التي اتضح فيما بعد أنها لم تكن سوى خدعة. وبادر إلى اختراع طرق جديدة وجهنمية لترصد المصلين وإحصاء أعدادهم ومنع أصوات المؤذنين من تجاوز علو صوامع مساجدهم. فأراد ربك أن ينتهي بنعلي لاجئا في أم القرى يسمع الأذان حيثما ولى وجهه، لكي يفهم أن كلمة الله هي العليا.
وبمجرد ما شعر بنعلي بأنه ابتلع ما يكفي من الأحزاب السياسية والتنظيمات داخل حزبه الواحد، منع القوى السياسية الحية في البلاد، والتي كانت ضامنة للتعددية السياسية، فمنع «حزب العمال الشيوعي التونسي» و«حزب النهضة» و«الحزب الديمقراطي التقدمي»، ووقف من علياء مقر حزب «التجمع الدستوري الديمقراطي» يطل على الشعب واضعا يده فوق صدره مثلما كان يصنع نابليون.
ولا بد أن بنعلي، الذي اشتغل في السفارة التونسية بالرباط كملحق عسكري لسنوات طويلة، (في الحقيقة، كان ملحقا ببار «بلاص بيتري» الذي كان يدخله عصرا ولا يغادره إلى بعد منتصف الليل)، أخذ معه وهو يغادر الرباط نسخا من أرشيف جريدة «العلم» التي صدرت خلال السنوات الأولى للاستقلال.
فخلطة الحزب الوحيد التي نجح بنعلي في إعدادها للتونسيين ونجح في جعلهم يتجرعونها طيلة 23 سنة، ربما يكون قد أخذها من المغرب.
وهكذا، فلكي نفهم ما يحدث في الحاضر، من المفيد دائما الرجوع إلى التاريخ. وفي حالة تونس، يكفي الرجوع إلى بداية استقلال المغرب لكي نفهم خطورة مشروع الحزب الوحيد الذي بدأ مع حزب الاستقلال أيام مغرب محمد الخامس الخارج لتوه من أتون الاستعمار.
فقد حاول حزب الاستقلال، بعد حصول المغرب على استقلاله المشروط ببنود اتفاقية «إكس ليبان»، أن يكون الحزب الوحيد في الساحة السياسية المغربية.
ومن أجل ذلك، قام حزب الاستقلال بحملة تطهير واسعة ضد معارضيه، استعمل فيها جميع أنواع الأسلحة وألوان التعذيب والترهيب. فأنشأ المعتقلات السرية، حيث تكلف أول مدير عام للأمن الوطني في تاريخ المغرب الحديث، الاستقلالي محمد الغزاوي، باعتقال الشوريين والاستقلاليين المعارضين وبقايا أعضاء جيش التحرير والتنكيل بهم وتصفيتهم.
وهذا بالضبط ما قام به بنعلي في تونس منذ 23 سنة من سيطرة حزبه الوحيد على مقاليد السلطة.
لكن أحلام حزب الاستقلال الاستبدادية الرامية إلى إحكام سيطرة الحزب على جميع مؤسسات الدولة وإداراتها، وجدت في مواجهتها خطة مضادة وضعها محمد الخامس، رحمه الله، بإفتاء من ولي العهد آنذاك الراحل الحسن الثاني، تقضي بتأسيس حزب «الحركة الشعبية» سنة 1957 على يد الدكتور الخطيب والمحجوبي أحرضان الذي خرج يقول اليوم إن «فقايص» الاستقلاليين هي التي قتلت محمد الخامس.
وطبعا، لم يكن ميلاد «الحركة الشعبية» سهلا، فقد وقف له حزب الاستقلال بالمرصاد وحاربه بشراسة. فبدأ بمنعه، ثم بمحاربته، إلى أن استطاع الحزب عقد مؤتمره التأسيسي بفضل ظهير الحريات العامة لسنة 1958.
ومنذ ذلك التاريخ، أفلت المغرب من مأزق الحزب الوحيد الذي كان حزب الاستقلال يخطط له. وأصبح المغرب يعيش تعددية سياسية، أحيانا شكلية، وأحيانا أخرى فعلية وصدامية وصلت حدة بعضها إلى منازعة الملك سلطاته والتخطيط مع جنرالات الجيش للانقلاب عليه.
المشكلة الآن، ونحن في سنة 2011، على بعد أسبوع من ثورة الشعب التونسي على الحزب الوحيد، هي كيف نجنب المغرب كابوس العودة إلى فخ الحزب الوحيد؟
وهنا يجب أن نكون واضحين جدا، وأن نقول إن المسار التكويني الذي سار فيه حزب الأصالة والمعاصرة، منذ تأسيسه وإلى اليوم، لا يختلف كثيرا عن المسار الذي نهجه حزب «التجمع الدستوري الديمقراطي» التونسي.
فحزب الهمة قام على أنقاض خمسة أحزاب سياسية ابتلعها دفعة واحدة، ثم دخل في حرب لا هوادة فيها ضد الاشتراكيين والإسلاميين والاستقلاليين، مظهرا قدرة كبيرة على الاستئصال. مع فرق بسيط، وهو أن بنعلي قضى 23 سنة في صناعة هذا البعبع السياسي المسمى «التجمع الدستوري الديمقراطي»، فيما الهمة استطاع أن يصنع بعبعه الحزبي في ظرف قياسي، فأصبح خلال سنتين أول قوة برلمانية حتى دون أن يشارك في الانتخابات التشريعية، وأصبح يبتلع يوميا، بشهية غير طيبة، العشرات من مناضلي وقياديي الأحزاب الأخرى إلى درجة أن كثيرا من المنتخبين الفاسدين أصبحوا يلجؤون إلى حمايته بحثا عن الحصانة وهربا من المتابعة القضائية. أما الانتهازيون فأصبحوا يرون فيه مصعدا سياسيا يوصل إلى كراسي السلطة بسرعة فائقة، ولذلك يسارعون إلى التخلي عن أحزابهم التي بفضل تزكيتها حصلوا على الشرعية السياسية.
إن الخطر كل الخطر يوجد في هذه السلعة التونسية غير الصالحة للاستعمال، والتي يحاول البعض استيرادها لترويجها في السوق السياسي المغربي، رغم ظهور أعراضها السلبية على نظام بكامله.
غدا نشرح كيف أن خلاص المغرب يوجد في تعدديته الحزبية، وكيف أن زعيم الحزب الوحيد بنعلي الذي سقط في تونس لديه أشباه كثيرون في الأحزاب المغربية، وكيف أن السبيل الوحيد للحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي في المغرب يبدأ بقيام الأحزاب المغربية بثوراتها الداخلية الخاصة لإسقاط هؤلاء «البنعليات» الذين سرقوا الأحزاب ونصبوا فيها أبناءهم وأحفادهم وتسببوا في إضعافها وتعريض المغرب لخطر الحزب الوحيد الذي يطل برأسه متوعدا الجميع.
... تابع القراءة

خايب الهاربين

السياسة أشبه بطبخة مكونة من خليط متنوع من المواد الغذائية والبهارات والملونات. ومن أجل أن تنضج هذه الطبخة يجب أن تكون موضوعة فوق نار هادئة وأن يكون غطاء الطنجرة منفرجا بعض الشيء لكي تتنفس الطبخة.
السلطة، دورُها، مثل دور أية خادمة في البيت، هو أن تصيخ السمع إلى صفارة طنجرة الضغط وهي تدور وتصفر، وتضيف الماء في الوقت المناسب حتى لا تحترق الطبخة.
هذا الدوران والصفير الذي يتسرب منه الضغط هو ما نسميه بالاحتجاجات الشعبية والنقابية والحزبية والصحافية التي تموج داخل طنجرة المجتمع وتظهر على السطح.
ما حدث في تونس هو أن الجنرال «زين العابدين»، الذي تحول بين ليلة وضحاها إلى «خايب الهاربين»، أغلق طنجرة الضغط وسد جميع منافذ الهواء ووضع صفارة الإنذار في جيبه. والنتيجة هي أن الشعب عندما نزع الغطاء ونزل إلى الشارع تطايرت شظايا الطبخة في الهواء، تماما كما يحدث عندما تفتح «كوكوت مينوت» بعد نصف ساعة على وضعها مغلقة بالكامل فوق النار، فتطير الأكلة وتلتصق بسقف المطبخ. هذا إذا لم تأخذ معها وجه فاتحها في الطريق.
الفرق بين المطبخ السياسي والمطبخ المنزلي هو أن الأكلة عندما تفسد في المطبخ المنزلي يذهب صاحب البيت إلى أقرب محل بيتزا لإنقاذ الموقف، أما عندما تفسد الأكلة في المطبخ السياسي فإن الشعب يخرج إلى الشارع للبحث عن نظام سياسي آخر لكي يطبخ له وجبة سياسية أخرى حسب ما يشتهيه من وصفات.
أما الطباخ الفاشل، الذي يتسبب في إفساد أو إحراق الطبخة السياسية لبلده، فيكون مصيره مثل مصير بنعلي الذي فر من قصره ورفضت فرنسا استقباله كما لو كان جملا أجربَ، فانتهى في السعودية التي بررت استقباله بظروفه الخاصة، رفعا للعتب.
مثل أي طباخ فاشل، أقال بنعلي وزراءه وجاء يطل على التونسيين عبر شاشة التلفزيون لكي يقول لهم إنه فهمهم. لكن الرجل كشف للعالم بأسره أنه لم يفهم شيئا. فعوض أن يقيل وزراءه وحكومته كان عليه أن يفهم نفسه و«يقيل عليه الشعب فالتيقار» ويغادر السلطة. وهاهو اليوم يفعلها مكرها بعدما يئس من رمي التونسيين في الشارع بالرصاص الحي.
ولعل الملاحظة المهمة التي نستخلصها من التعامل الأوربي والدولي مع ما حدث في تونس والجزائر، وقبله مع ما حدث في المغرب بسبب أحداث العيون، هي أن هناك تمييزا واضحا ضد المغرب من طرف هذه الدول وصحافتها ومنظماتها الحقوقية.
في العيون لم يقتل الجيش أحدا، ومع ذلك بحثت الصحافة الإسبانية عن صور قتلى وهميين ونشرتها على أساس أنها صور لصحراويين قتلهم الجيش المغربي. وقامت القيامة ضد المغرب في الأمم المتحدة والبرلمان الإسباني والبرلمان الأوربي بذريعة وجود تطهير عرقي في حق «الشعب الصحراوي».
أما في تونس التي أمر رئيسها بإطلاق النار على المواطنين وقتل منهم العشرات بدم بارد، فلم ير الحزب الشعبي الإسباني وصحافته التي تتوفر على صور حقيقية للضحايا، ومعه الأحزاب الشيوعية الأوربية، ضرورة لدعوة البرلمان الأوربي إلى اجتماع عاجل لدراسة وضع الشعب التونسي الذي يتعرض للإبادة في الشارع.
أما أوباما فقد جلس ينتظر ما ستؤول إليه الأمور في هذه الدولة الصغيرة، خصوصا وهو يرى تذمر التونسيين من فرنسا وبقية الدول الأوربية التي جلست تتفرج على الجنرال بنعلي وهو يصيدهم في الشوارع بالرصاص الحي، لكي يقرر في الأخير مباركة «ثورة الياسمين». وهكذا يكون «أوباما» قد استغل بذكاء تلك اليافطة التي حملها الشباب التونسي الغاضب والتي كتبوا عليها شعار أوباما الانتخابي «yes we can»، لكي يدغدغ عواطف التونسيين الثائرين وهو يطالب الجيش باحترام إرادة الشعب.
إن أخطر تصريح صدر خلال الأحداث الأخيرة التي هزت تونس، ليس هو تصريح الوزير الأول التونسي الذي زف فيه خبر تخلي بنعلي عن السلطة، وإنما أخطر تصريح هو تصريح أوباما الذي بارك فيه الثورة التونسية وأشاد فيه بشجاعة التونسيين.
إن هذه المباركة رسالة سياسية واضحة لكل الشعوب العربية التي ترزح تحت أحذية جنرالاتها ورؤسائها المرضى والعجزة الذين يستعدون لتوريث أبنائهم مصير شعوبهم، لكي يثوروا في وجوه هؤلاء المستبدين.
وعندما يقول رئيس أقوى دولة في العالم إن بلاده تصطف إلى جانب إرادة الشعب التونسي في تقرير مصيره، فإن هذا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية ستبارك كل الثورات الشعبية العربية القادمة ضد الرؤساء المستبدين الذين يرفضون التداول الديمقراطي على السلطة، وستقف إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها، خصوصا شعوب منطقة المغرب العربي التي تعب أبناؤها من لعق أحذية جنرالاتها ورؤسائها الخالدين في الحكم، وهي المنطقة التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى سحب البساط فيها من تحت أقدام فرنسا التي ظلت تستفيد من خيرات المنطقة منذ الاستعمار وإلى اليوم.
ببساطة، «أوباما» ومعه وزيرة خارجيته «هيلاري كلينتون» يقولان لهذه الشعوب «انتفضوا ونحن سنكون إلى جانبكم».
إذا كانت الشعوب والأنظمة تصنع طبخاتها في مطابخها السياسية، فهناك قوى عظمى تطبخ هي أيضا طبخاتها السياسية الخاصة. يعني أن المطبخ السياسي التونسي الصغير يوجد داخل مطبخ سياسي كبير يلعب فيه الرئيس الأمريكي دور كبير الطباخين. ولذلك فالوصفة التي سيستعملها التونسيون في طبختهم الجديدة لن تخرج عن الوصفات السياسية التي يطبخها «العم سام» للعالم العربي.
والآن بعدما هرب الجنرال بنعلي وسقطت حكومته، أية دروس يجب أن نستخلصها كمغاربة يعيشون بجوار أنظمة سياسية شائخة توجد على مشارف السقوط؟
علينا ألا نخاف من طرح سؤال «ما موقع المغرب مما حدث في تونس هنا والآن؟»، لأن هذا السؤال يطرحه كثير من المراقبين لما يحدث في العالم العربي من تغيرات مفاجئة، خصوصا بعد تزامن ثورة تونس مع بوادر ثورة أخرى شعبية في الجزائر.
الذين يحاولون مقارنة المغرب بالأنظمة السياسية العربية المجاورة، كتونس والجزائر وليبيا ومصر، ينسون أن النظام السياسي في المغرب يحظى بإجماع شعبي وسياسي يضمنه الدستور والبيعة. فالدولة المغربية عمرها 1200 سنة وليست وليدة الأمس. بخلاف الدول المجاورة التي لم يكن لأغلبها وجود قبل خمسين سنة، حيث كانت جميعها خاضعة للإمبراطوريات الغازية عبر العصور ولم تحكم نفسها إلا بعد الاستقلال، فضلا عن كون الأنظمة السياسية لهذه الدول تعاني جميعها من آفة تسلط رؤساء أحزاب واحدة ووحيدة على رئاسة الدولة مدى الحياة، أي أن الرؤساء عوضوا الاستعمار في التنكيل بشعوبهم وكتم أنفاسهم.
هذا، طبعا، لا يعني أن المغرب جنة ديمقراطية وسط هذا الجحيم العربي، لكن مقارنة المغرب من طرف المراقبين الدوليين بتونس والجزائر ومصر وليبيا مقارنة في غير محلها. هذه دول تعاني من مشكلة مزمنة وحقيقية اسمها «نظام الحكم»، بينما في المغرب نعاني من مشكلة واحدة هي «نظام الحكامة»، أي أن الخلل الكبير والخطير في المغرب هو سوء التسيير وفساد الإدارة، وهذه المسؤولية يتحملها، دستوريا، الوزير الأول عباس الفاسي.
وإذا كان الوزير الأول غير قادر على تحمل أعباء الإدارة والتسيير فعليه أن يستقيل، لا أن يتذرع بكون وزرائه لا يستمعون إليه وإنما يستمعون إلى أشخاص آخرين لا صفة حكومية لهم.
وإلى حدود اليوم، نجح الوزير الأول في شيء واحد فقط، وهو رفع مؤشرات جميع الآفات الاجتماعية، وعلى رأسها مؤشرات الرشوة والفساد في الصفقات العمومية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ المغرب،
إلى درجة أصبح معها الانطباع السائد في المغرب هو أن هناك سباقا محموما بين المسؤولين العموميين الفاسدين حول من سيسرق أكثر، ومن سينهب أكثر، ومن سيهرب الأموال إلى الخارج أكثر.
كل هذا يحدث أمام حياد مريب وتساهل غير طبيعي من جانب القضاء. كما لو أن هناك جهات تخطط في السر لنشر «السيبة» وتقويض العدل الذي ليس سوى الأساس الذي يقوم عليه الملك.
غدا، نشرح أكثر تفاصيل هذه المؤامرة التي تصب في صالح اللصوص والانتهازيين الذين لا يهمهم أن تغرق البلاد في الفوضى الاجتماعية والسياسية بقدر ما يهمهم أن يغرقوا هم وأبناؤهم في نعيم الثروات التي يسرقونها من جيوب الوطن.
... تابع القراءة

على سبيل الذكرى

وأنت تجرجر خطواتك بكسل نحو الحمام في الصباح لكي تغسل أسنانك، تاركا للمياه أن تنهمر من الصنبور، تذكر أن غيرك يخرج منذ الفجر ويسير لساعات طويلة لكي يقف في صف طويل أمام الآبار والسواقي بانتظار دوره للحصول على قطرة ماء.
وأنت تدير مفتاحك في قفل باب فيلتك الحديدي المصفح، تذكر أن غيرك مازال بلا بيت، ومازال يسند باب كوخه بالمكنسة.
وأنت تملأ حوض السباحة في إقامتك الفسيحة تحسبا لضيوف مفاجئين، تذكر أن غيرك لازال يملأ الأسطل وأواني الغسيل تحسبا لعطش مفاجئ.
وأنت تدخن سيجارك الكوبي الفاخر، تذكر أن غيرك يحاول توفير ثمن ما تدخنه لكي يستطيع اقتناء رشاشة «الفونطولين» لأطفاله المصابين بالربو.
وعندما تختنق أنت بسبب الضحك وأنت تسمع نكتة سخيفة وتغرورق عيناك من القهقهة في سهراتك الليلية، تذكر أن غيرك يختنق في سهره الليلي بسبب السعال، وتغرورق عيناه بالدموع عندما لا يجد ما يخفف به عن فلذات كبده المحترقة.
وأنت تشتري الخبز الفرنسي المستورد من مخبزة «شي بول» الأنيقة، تذكر أن غيرك يسخن خبز الأمس اليابس.
وأنت تحمل أطفالك بين ذراعيك لتنزل بهم إلى حديقة الألعاب ليقضوا نهاية أسبوع سعيدة، تذكر أن غيرك يحمل أطفاله بين ذراعيه أيضا ويقف بهم أمام أبواب المستشفيات الموصدة بانتظار حقنة أو قرص أسبيرين.
وأنت تدهن جسمك بالمرهم تحت الشمس فوق رمال الشواطئ البعيدة لتنتزع لحظة ممتعة، تذكر أن غيرك يقف تحت الشمس أيضا بجسد مدهون عن آخره بالعرق لينتزع رغيف الخبز لأبنائه.
وأنت تدفع ألف درهم لكي تدخل سهرة وتلتقط صورة مع مطربك المفضل، تذكر أن غيرك يوفر المبلغ نفسه لشهور طويلة لكي يلتقط لأطفاله صورا إشعاعية على الصدر.
وأنت تفتح ثلاجتك في المطبخ لكي تأخذ مبردا، تذكر أن غيرك يفتح باب الفرن لتلفحه نيران الحطب التي تنضج خبز الجيران.
وأنت تنتظرين أبنائك لكي يعودوا في هذه العطلة من الدول البعيدة حيث يدرسون، تذكري أن أمهات كثيرات غيرك ينتظرن فقط هاتفا من أبنائهن الذين هجروا الوطن على ظهر مركب في ليلة مظلمة وبناتهن اللواتي ذهبن لكي يرقصن في ملاهي الأشقاء العرب.
وأنت تبكين لأنك تودعين ابنتك الذاهبة للعيش مع زوجها في بلاد أخرى، تذكري أن أمهات غيرك يبكين وهن يودعن بناتهن الذاهبات إلى المدينة ليشتغلن خادمات في بيوت الآخرين.
وأنت ترمي بقايا الأكل في القمامة، تذكر أن غيرك مازال عندما يعثر على كسرة خبز مرمية في الطريق يحملها بين راحتيه ويقبلها ثم يدسها في ثقب على الجدار ويمضي مرتاح البال.
وأنت تخطط داخل سيارتك المصفحة لكي تصل إلى منصب مرموق، تذكر أن غيرك يخطط فقط داخل حافلة حقيرة لكي يصل إلى بيته سالما وبأطرافه كاملة.
وأنت تسقي حديقة بيتك الصغيرة كل مساء، تذكر أن غيرك يقف وسط حقله كل صباح ويرفع عينيه إلى السماء باحثا عن أثر للغيوم، بينما دموعه تسقي لحيته المطرزة بالشيب.
وأنت تفكر في ماذا ستصنع هذه الليلة لترفه عن نفسك، تذكر أن غيرك يفكر في ماذا سيصنع هذه الليلة إذا فاجأ المخاض زوجته وليس في جيبه ما يدفعه لمصحة الولادة.
وأنت تشعر بالغضب لأن ابنتك أصبحت تدخل إلى البيت متأخرة، تذكر أن غيرك لم يعد يشعر سوى بالأسى منذ غادرت كل بناته البيت ليحترفن النوم في بيوت الغرباء.
وأنت تصوب بندقيتك نحو الطيور في نزهة قنص عندما تريد أن تنفس عن قلبك، تذكر أن غيرك يصوبون نحو جسده عصيهم في الشوارع عندما يريد أن ينفس عن وضعيته بالاحتجاج.
وأنت تشكو من ضيق موقف سيارتك، تذكر أن غيرك يشكو من ضيق التنفس.
وأنت تبكي لأن عشيقتك تركتك في أجمل سنوات العمر، تذكر أن غيرك يبكي لأن الوطن تخلى عنه في أحلك أوقات العمر.
وأنت تستعد للنوم، تذكر أن غيرك يستعد للأرق.
وأنت تفتح عينيك في الصباح، تذكر أن غيرك تبقى عيناه مغلقتان إلى الأبد.
وأنت تستجمع قواك وتنهض من الفراش، تذكر أن غيرك ليست له قوى يجمعها ويبقى أسير فراشه لبقية العمر.
وأنت تشعر بألم كبير لأن الصغار يرمونك بالحجارة، تذكر أن الأشجار المثمرة وحدها هي التي ترمى بالحجارة.
وأنت تشعر بالألم عندما ترجع لتزور بلدك بعد طول غياب، فتكتشف أن الناس تغيرت والمدن استوطنتها الغربة والوحشة، تذكر أن غيرك عوض أن يشعر بالحنين إلى موطنه الأصلي يشعر بالحنين إلى البلاد التي هاجر إليها.
وأنت تقف أمام واجهة متجر في عيد ميلادك، وتدخل لكي تشتري الهدايا الملفوفة بالشرائط الملونة، تذكر أن غيرك يدس يده في جيبه فلا يعثر سوى على مفاتيح غرفته في البيت المشترك الذي يتقاسمه مع الجيران.
 وأنت تستيقظ في الصباح لكي تذهب إلى عملك، تذكر أن غيرك يجد نفسه مجبرا كل صباح على المرور بالثلاجة، حيث أحدهم سيترك له فوقها عشرة دراهم ليشتري الدخان ويشرب قهوة الصباح.
وأنت تنظر صباحا إلى وجهك في المرآة، مشتكيا من فقر حسابك البنكي، تذكر أن هناك أثرياء بحسابات بنكية سمينة وفقر مدقع في الروح.
وأنت تنظر في الصباح من خلال النافذة لترى العالم وتقول لجارك صباح الخير، تذكر أن غيرك يحاول أن ينظر فلا يرى سوى الظلمة ويحاول أن يتكلم فلا تخرج من فمه كلمة واحدة.
وأنت تحار أمام واجهات المتاجر الراقية أي هدية يمكن أن تشتريها لزوجتك، تذكر أن غيرك يحار وهو يقف أمام باب منزله أي مفاجأة تعيسة يمكن أن يزفها أولا إلى زوجته، مفاجأة طرده من العمل أم مفاجأة طردهما معا من البيت.
وأنت تندب حظك لأنك لم تصبح بعد كل هذا الوقت وزيرا، تذكر أن غيرك يندب حظه لأنه لم يصبح بعد كل هذا العمر فقط مواطنا في نظر حكومته.
وأنت تتوقف بسيارتك في الشارع لتلتقط فتاة من الرصيف، تذكر أن هذه الفتاة التعيسة كان يمكن أن تكون، بقليل من سوء الحظ، ابنتك أو أختك.
وأنت تعطي الأوامر بضرب شاب يحتج على وضعيته البائسة، تذكر أن هذا الشاب كان يمكن أن يكون أنت، لو أنك أتيت في وقت آخر.
وأنت مزهو بسيارة أبيك وبمنصب أبيك وباسم أبيك، تذكر أن غيرك قد دفن أباه منذ وقت طويل وخرج إلى الحياة يصارعها بذراعيه العاريتين، وكل الزهو الذي يشعر به هو عندما يقولون له من أنت، فيجيبهم باسمه الشخصي وليس العائلي.
وأنت تنظر باحتقار إلى طوابير الفقراء من وراء زجاج سيارتك الوزارية الفاحم، تذكر وجوه هؤلاء الفقراء جيدا، فغدا قد تأتي بدورك لطرق أبواب بيوتهم وتسول أصواتهم.
آنذاك ستفهم كم هم مهمون هؤلاء الفقراء، لأنهم ينتمون إلى شيء اسمه الشعب، والذي بدون أكتافه لن يستطيع أحد منكم الصعود إلى مقعده الحكومي.
... تابع القراءة

الأمور إلى أهلها

يقترب الوالي «الهمام»، الذي حط بولاية وجدة، من إتمام سنته الأولى على رأس هذه الجهة المهمة والمنسية من المغرب التي اسمها الجهة الشرقية.
ويبدو أن قضاء الوالي «الهمام» لكل هذه الأشهر على رأس ولاية وجدة لم يفلح في تحريك الأوراش التي تركها الوالي السابق الإبراهيمي، والتي توقفت جميعها بعد ذهابه إلى «مستودع الملابس» في وزارة الداخلية لكي «يرطاب» له رأسه «القاسح».
وعكس الوالي السابق الإبراهيمي، فالوالي الحالي «الهمام» رأسه صغيرة ويسمع كلام أولياء نعمته ويطبقه بحذافيره، وليس مثل الوالي الإبراهيمي الذي «طار» من منصبه بعدما رفض «النزول» عند طلب رئيس الجهة، علي بلحاج، وإعطاء موافقة الولاية على إسناد صفقة بمليار و200 مليون إلى مكتب الدراسات المحظوظ «فاليانس» لصاحبه محسن الجازولي، لإعداد دراسة حول استراتيجية التنمية للجهة الشرقية، بدون اللجوء إلى طلبات عروض تشارك فيها مكاتب الدراسات الأخرى.
وعندما رفض الوالي الإبراهيمي، كممثل لسلطة الوصاية، «تمتيع» هذا المكتب بهذه الصفقة، وجد نفسه في أول مناسبة مدعوا إلى الالتحاق بوزارة الداخلية في الرباط، لكي يأخذ مكانه مسير سابق لباطوار الدار البيضاء ولسوق الجملة فيها، كل إنجازاته أنه سيـَّر شركة نسيج للألبسة الفاخرة وانتهى بها إلى الإفلاس وبعمالها إلى الطرد الجماعي.
فقد دفع الإبراهيمي ثمن خصامه الصامت مع الهمة منذ كان هذا الأخير في الداخلية. فالرجلان معا لم يكونا «يشمان» بعضهما البعض من زمان.
وبمجرد وصول «الهمام» إلى ولاية وجدة، تم التأشير على الصفقة، وأصبحت تأتي شابتان من مقر مكتب الدراسات في الدار البيضاء إلى وجدة ثلاث مرات في الأسبوع. وفي كل مرة تأتي الشابتان، تكتري لهما الولاية سيارة فورد بألف وخمسمائة درهم لليوم الواحد، أسوة بعلي بلحاج، رئيس الجهة، الذي خصص لنفسه سيارة «سطروين C6» بخمسة وسبعين مليون سنتيم يستعملها في المرات النادرة التي يأتي فيها إلى وجدة، بعدما «تعفف» عن ركوب سيارة بوجو 407 التي اشتراها الإبراهيمي، بسبب عدم لياقتها بمقامه.
فالرجل كان يقدم نفسه إلى أعيان وجدة والمنطقة الشرقية كموفد من الرباط لكي يأخذ منصب رئيس الجهة معتليا كرسي الجرار، خصوصا عندما أوشك موعد الانتخابات على الاقتراب وليس في حقيبة بلحاج سوى أربعة أصوات، بسبب المنافسة الشرسة التي كان يقوم بها مرشح من الناظور.
وفي ليلة الاقتراع، نزلت «بركة» السلطات العمومية على بلحاج، بعدما زار «أصحاب الوقت» منافسيه وذكروا كل واحد منهم بمستحقات مديرية الضرائب عليه. وهكذا، قفزت أصوات المرشح الحداثي الديمقراطي علي بلحاج من أربعة أصوات إلى 61 صوتا أحرزها بين 85 صوتا، وتحول بذلك إلى رئيس للجهة الشرقية بأقاليمها السبعة، الدريوش والناظور وبركان وتاوريرت ووجدة وفكيك وجرادة، انطلاقا من فيلته في الرباط، وإقاماته في فرنسا التي يتردد عليها أسبوعيا بحكم جنسيته الفرنسية.
ويبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة نفسه، الذي اعتمد على بلحاج في الأول لكي يرافق الوالي «الهمام» في خطواته الأولى بالولاية حتى تطير منه دهشة الوافد الجديد، قد فهم أن بلحاج ليس لديه ما يفيد به الجهة الشرقية ولا حزب الأصالة والمعاصرة الذي أذاب فيه «رابطة حرياته» ذات «ربطة زغبية»، ولذلك سحب منه مهمة المنسق الجهوي للحزب وأسندها إلى محامية، ربما بانتظار تحويلها إلى والية كما صنع مع محامية متخصصة في ملفات العقار في مراكش اسمها فاطمة الزهراء المنصوري.
فيبدو أن كل ما يلمسه هذا الحزب بعصاه السحرية يتحول إلى ذهب. لكن، وكما يقول المثل، ليس كل ما يلمع ذهب. وربما بدأ الحزب يبحث عن مد جسوره بعالم «الروحانيات» بعدما فهم أن «تروحين» بعض عقوله المدبرة لن يؤدي به إلا إلى المزيد من الصداع والتصدع. وهكذا اختار الحزب تعيين منسق إقليمي جديد في مدينة بركان، بعد تعيين المنسقة الجهوية، ليس شخصا آخر سوى ابن عامل بركان البودشيشي، وهو بالمناسبة مقاول كبير من مقاولي المنطقة.
لكن علي بلحاج لم يخرج بخفي حنين من وراء مساهمته في «شريان الصداع» لخصمه اللدود الوالي الإبراهيمي. فبمجرد ما تم تنصيب الوالي الجديد «الهمام»، حصل علي بلحاج على تواقيع هذا الأخير بالموافقة على بيعه أرضا مساحتها 30 هكتارا بمدخل مدينة بركان، وهي التواقيع التي كانت يد الوالي الإبراهيمي ثقيلة في إنجازها. «واللي تقالت على الوالي الإبراهيمي تخفاف على الوالي الهمام» الذي يجيد «البوسان» وعناق كل من يصادفه في طريقه.
وإذا كان هناك مستفيدون من «تقلاع» جذور الوالي الإبراهيمي من المنطقة الشرقية وغرس وال جديد لا تجربة سابقة له غير تفليس الشركات، فهناك أيضا خاسرون، وعلى رأسهم الثري «علال بولويز»، النائب البرلماني السابق ورئيس الغرفة التجارية في وجدة. ومن غرائب الصدف أن «بولويز» كان معارضا شرسا لعلي بلحاج، لكنه في «الرمش» أصبح مساندا له. ولم يكتف بالمساندة بل التحق به وركب معه الجرار واقتسم معه عضوية مجلس الجهة.
وبما أن «بولويز» محترف كبير في الترحال السياسي منذ 1977، تاريخ دخوله إلى البرلمان، فإنه لم يجد صعوبة في التأقلم مع «إكراهات» الحزب الجديد.
لكن الصعوبة الوحيدة التي واجهها الثري «بولويز» هي ارتفاع فاتورة دعمه لحزب الأصالة والمعاصرة في الجهة الشرقية، خصوصا وأنه أصبح يرى نفسه قد تحول من مقاول إلى «طريطور» مهمته الوحيدة هي التكفل بتنظيم حفلات «الزرود» لضيوف ومناضلي الأصالة والمعاصرة في المنطقة الشرقية.
وربما اعتقد «بولويز» أن سخاءه مع مناضلي وأطر الأصالة والمعاصرة سيمكنه من كسب عطف مؤسس الحزب، فؤاد عالي الهمة، إلى درجة تعشمه في هذا الأخير قيامه، عن طريق وسطائه، بتدخل لصالح ابنه الموثق «عادل بولويز»، المعتقل في سجن سلا على خلفية ملف شبكة الموثقين الشهير برفقة الموثق سعد الحرايشي، رئيس الغرفة الكبرى للماسونيين المغاربة.
وبين جهة يقودها رئيس غائب طوال الوقت، وولاية يقودها وافد جديد لا تريد الدهشة أن تطير منه، وبين مجلس بلدي يتراكل داخله الاستقلاليون بقيادة عمر احجيرة، أخ وزير الإسكان، والعدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، تبقى الجهة الشرقية هي الضحية الأولى لهذا المشهد الحزبي الباعث على الشفقة.
فمجلس الجهة الشرقية انتقلت ميزانيته من 6 ملايير سنتيم في العهد السابق إلى صفر حاليا. ولو أن مجلس الحسابات يقوم بزيارة خاطفة لمراجعة مالية الجهة، لكان عثر على فواتير تعويضات لكراء سيارات «كات كات توارغ» تابعة لشركة مقرها يوجد في الدار البيضاء لمدة عشرة أيام بمبلغ 3500 درهم في اليوم، لفائدة سيدات لا علاقة لهن بمجلس الجهة، قمن بأسفار إلى وجدة ومراكش على حساب الجهة. «فلوس اللبن يديهم زعطوط».
أهمية مدينة وجدة وحساسيتها تكمن في كونها مدينة حدودية، أي أنها توجد على حدود التماس مع الجزائر، الدولة التي تحاول بكل الطرق والوسائل تخريب الاقتصاد الوطني بواسطة تهريب كل أنواع الموبقات عبر الحدود الشرقية.
لهذا، فارتفاع نسبة البطالة في المنطقة الشرقية بسبب تعثر المشاريع الكبرى في الجهة، وارتفاع نسبة الفقر والتهميش والركود الاقتصادي، لا يساعدان سوى على توفير الأجواء المثالية لانتعاش شبكات التهريب.
في أسواق وجدة اليوم، يباع البنزين المهرب من الجزائر والأدوية المهربة من الجزائر والدقيق المهرب من الجزائر والحديد المهرب من الجزائر. المدينة بكاملها تتنفس التهريب.
وفي مقابل هذا، ماذا يصنع مجلس الجهة والمجلس البلدي والولاية؟ إنهم منشغلون بتصفية حساباتهم السياسية العالقة، وتقسيم أراضي الجهة بين الفلاحين والمقاولين النافذين.
عندما نرجع إلى تاريخ عائلة علي بلحاج، جزائرية الأصل، نكتشف أن والده سبق للملك الراحل الحسن الثاني أن أرسله إلى السجن، بعدما اشتكى إليه من الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان، والذي بدوره اشتكت إليه معمرة فرنسية حاول بلحاج الأب «مغربة» أراضيها بدون علمها.
التاريخ يعيد نفسه اليوم في المنطقة الشرقية، لكن بشكل آخر. فأراضي كثيرة في وجدة، والمنطقة الشرقية عموما، تسيل لعاب منعشين عقاريين وفلاحين كبار لا يرون فيها سوى امتداد طبيعي لضيعاتهم وأوراش بنائهم الممتدة.
وهذه الأحلام «التوسعية» لبعض أثرياء «الغفلة» تسير في خط معاكس للتوجيهات الملكية التي أحاطت هذه الجهة بعناية خاصة لإخراجها من العزلة والتهميش والركود الاقتصادي الذي تسبب فيه قرار الجيران بإغلاق بوابة «جوج بغال».
فمتى يفهم هؤلاء جميعهم أن المنطقة الشرقية يمكن أن تتحول إلى رافعة للاقتصاد الوطني في حالة واحدة فقط، وهي عندما سيتم إسناد الأمور إلى أهلها؟  
... تابع القراءة

«التهاون الوطني»

كثيرون يتساءلون حول اللغز المحير الذي يجعل حزبا عائليا مثل حزب الاستقلال، يقوده شخص متورط حتى الأذنين في فضيحة اسمها «النجاة»، شرد ثلاثين ألف شاب مغربي، يحصل على المرتبة الأولى في الانتخابات.
حزب يتحمل المسؤولية التاريخية في تخريب التعليم، والسطو على الدبلوماسية وتحويلها إلى «دبلوفاسية» وتوزيع المناصب العليا فيها والسفارات والقنصليات بين العائلات المسيطرة على الخارجية منذ وضع الاستقلاليين لأرجلهم داخلها مع الحاج أحمد بلافريج، أول وزير استقلالي للخارجية في أول حكومة وطنية بعد الاستقلال.
حزب الاستقلال لا ينجح في الانتخابات، إذن، لأنه حزب شعبي، فمن هذه الناحية يعتبر حزب الاستقلال الحزب الأقل شعبية بسبب القرارات غير الشعبية التي يتخذها وزراؤه في الحكومة، والتي غالبا ما تكون في صالح الشركات الرأسمالية الكبرى والبنوك والمؤسسات المالية. وآخر مثال على ذلك الموافقة، للمرة الثانية، على صرف منحة السكر لشركة «كوكاكولا» من طرف وزير المالية صلاح الدين مزوار، وصهر الوزير الأول نزار بركة، الوزير المنتدب لدى الوزير الأول في الشؤون الاقتصادية والعامة للحكومة.
والمضحك هذه السنة في التعليل الذي أعطاه وزير المالية، لتبرير منحه لأموال دافعي الضرائب لشركة عالمية تربح الملايير كل سنة، أن مشروب «كوكاكولا» يدخل ضمن العادات الغذائية الأساسية للمغاربة، وأن المغاربة يعتبرون «كوكاكولا» بمثابة «ديسير». «لاواه شالاضا ماشي ديسير».
كيف، إذن، يصنع حزب الاستقلال لكي يحافظ على أصواته في كل انتخابات، وينجح في البلديات والمقاطعات والجماعات القروية.
بالإضافة إلى «تبليص» أبناء أكابر الحزب في الوزارات، يتكفل الحزب بعد ذلك بمهمة «تبليص» المسؤولين الاستقلاليين في المناصب المهمة على رأس المؤسسات العمومية التابعة للوزارات التي «تفوت» إلى هؤلاء الأبناء المحظوظين. ولدينا إلى حدود اليوم أمثلة «باهرة» على سياسة «التبليص» هذه.
أبرزها ما يحدث في ثلاث وزارات كبرى وأساسية هي وزارات الصحة والنقل والتجهيز والإسكان.
وآخر الأمثلة على «إغراق» المؤسسات العمومية التابعة للوزارات التي يسيرها الاستقلاليون، مثال من مكناس حول تعيين كريم العراقي، شاب في الرابعة والعشرين من عمره، في منصب مدير لـ»المكتب الوطني للنقل واللوجستيك» بمكناس،  ومدير للموارد البشرية على مستوى الجهة، لمجرد أن خاله هو وزير في الحكومة الاستقلالية العباسية.
دهاء الاستقلاليين ومكرهم جعلهم يختارون ثلاث حقائب وزارية لها علاقة مباشرة بالشأن اليومي للمواطنين، هي الصحة والإسكان والتجهيز.
وميزانيات هذه الوزارات الثلاث تعتبر من أهم الميزانيات الحكومية، والتحكم فيها يعني التحكم في المصالح اليومية لشرائح واسعة من المغاربة. فوزير التجهيز يزفت الطرقات التي توجد في مقاطعات الممثلين الاستقلاليين، ووزيرة الصحة تعتني بالجمعيات التي تدور في فلك الحزب، ويدور حولها الآلاف من البسطاء الباحثين عن الدواء والإعانات.
أما كبيرهم عباس الفاسي، فيضع تحت جناحه مؤسسة كبيرة ومهمة اسمها «التعاون الوطني»، لديها ميزانية سنوية تتجاوز 80 مليارا، تتكفل بصرف المنح للجمعيات وملاجئ الأيتام والإعانات المباشرة لبعض الفئات المعوزة.
هذه المؤسسة، التي أخرجها إلى الوجود الملك الراحل محمد الخامس لرعاية الفئات المعوزة والسهر على المؤسسات الخيرية ومراكز تكوين النساء، سقطت «أسيرة» في يد حزب الاستقلال منذ الثمانينيات، وبالضبط عندما تم تعيين عباس الفاسي وزيرا للتشغيل والشؤون الاجتماعية والصناعة التقليدية، فحولها إلى ضيعة محروسة للحزب، يعين فيها الاستقلاليين في مناصب المسؤولية.
وقد ظن الجميع أنه، بمغادرة عباس الفاسي لوزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية، سيرفع حزب الاستقلال رجله عن هذه المؤسسة، إلا أن سنة 2001 ستشهد عودة الفاسي إلى الحكومة وتحمله لحقيبة وزارة الشغل والعمل الاجتماعي. وهكذا سيعمل عباس الفاسي بنشاط كبير لاستغلال الانتشار الجغرافي لمؤسسة «التعاون الوطني» عبر تراب المملكة. فهذه المؤسسة تنافس الأحزاب السياسية في عدد مقراتها ومندوبياتها الجهوية التي يصل عددها إلى 80 مندوبية إقليمية.
وهكذا بمجرد ما سخن عباس الفاسي كرسيه في وزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية، عين استقلاليا على رأس مؤسسة «التعاون الوطني» اسمه محمد الطالبي، أحيل قبل أسبوع على التقاعد، تاركا رئاسة المؤسسة فارغة إلى حدود الساعة.
خلال العهد «الزاهر» (بالنسبة إلى حزب الاستقلال طبعا) الذي قضاه الاستقلالي محمد الطالبي على رأس المؤسسة، شهدت هذه الأخيرة عودة مظفرة لمسؤولين سابقين من أصحاب السوابق التأديبية والقضائية إلى مراكز المسؤولية، طمعا في الاستفادة من التعويضات والامتيازات عن المهام الوهمية.
كما شهدت هذه الأخيرة هجوما كاسحا للملحقين من قطاعات حكومية بـ«التعاون الوطني»، وخصوصا المعلمين «الفارين» من الخدمة، وأقارب وزوجات وأبناء أعضاء الحزب المشتغلين في قطاع الصحة الذي تشكو وزيرته الاستقلالية من الخصاص في الأطر الطبية.
والتقنية التي ظل يشتغل بها مدير «التعاون الوطني» بسيطة للغاية، بحيث يتم تعيين «المحظوظين» بإحدى مندوبيات الإدارة المركزية في الرباط، بانتظار إلحاقهم بالمدن التي ينحدرون منها.
وآخر هؤلاء «المحظوظين» لم يكن سوى ابن مدير المقر المركزي لحزب الاستقلال، الذي عين في الأشهر الأخيرة بالإدارة المركزية لمؤسسة «التعاون الوطني»، بعدما قضى فترة «كمون» قصيرة في إحدى المندوبيات.
وأمثال أبناء هؤلاء الاستقلاليين المحظوظين هم من يستفيدون من التوظيف والترقية والتعيينات في مراكز المسؤولية داخل «التعاون الوطني»، كما يستفيدون من الإلحاقات والتكليفات بالمهام خارج الإدارة، والتي تدر عليهم عائدات مالية مهمة. أما الموظفون الآخرون الذين لا يحملون اللون الوردي لحزب الاستقلال فيتم تهميشهم، وأبرز مثال على هذا الإقصاء والتهميش هو حرمان الدكاترة الذين لديهم أقدمية في السلم تتجاوز 12 سنة من الترقية إلى إطار متصرف ممتاز، فيما تمت ترقية موظفين لم تتجاوز أقدميتهم ست سنوات إلى السلم 11، فقط لأنهم مقربون من اليد الحزبية التي تقرر في اختيار لوائح المترقين.
أما نائب المدير المكلف بالعمل الاجتماعي، والملقب بـ«المدير المتجول» لسكنه الدائم في الطائرة، فإن هوايته المفضلة هي إسناد صفقات الدراسات بعشرات الملايين إلى مكاتب دراسات بعينها، دون أن يكون لهذه الدراسات المليونية أي تأثير على مستوى خدمات مؤسسة «التعاون الوطني».
ولو أن السيد الميداوي «يغامر» بإرسال قضاته لتفقد حسابات هذه المؤسسة المحمية من طرف الوزير الأول، لكان اكتشف السر الحقيقي وراء تفوق حزب الاستقلال في الانتخابات على منافسيه.
فمؤسسة «التعاون الوطني» تعطي الأسبقية في توزيع ميزانيتها السنوية للجمعيات المرتبطة بالحزب وأعضائه، وهذه الجمعيات هي نفسها التي يستغلها الحزب أثناء الانتخابات في جمع الأصوات تحت «رعاية» المندوبين الاستقلاليين بالأقاليم والذين يتقمصون فجأة دور مفتشين لحزب الاستقلال عوض مندوبين لمؤسسة «التعاون الوطني».
ولعل واحدا من أبرز الأمثلة على استغلال أموال «التعاون الوطني» لرش جمعيات حزب الاستقلال، هو استفادة جمعية «المبادرات الوطنية للتنمية»، التي ترأسها برلمانية استقلالية، من شراكة مع «التعاون الوطني» يفوت بموجبها هذا الأخير تسيير أفضل مركز للتكوين المهني في مجال الحلاقة بحي «بلاص بيتري» في الرباط. وهذا المركز يدر على جمعية البرلمانية الاستقلالية مداخيل سنوية بالملايين من خلال واجبات التكوين والدبلومات التي يمنحها المركز لأبناء وبنات الفئات المعوزة، في وقت يرفع فيه «التعاون الوطني» شعار «مجانية الخدمات».
والكارثة أن أمين المال لهذه الجمعية التي ترأسها البرلمانية الاستقلالية ليس شخصا آخر غير المندوب الإقليمي لمؤسسة «التعاون الوطني» بالرباط، في تناف صارخ مع قواعد التنافي بين المسؤولية الإدارية والعضوية في هيئة تستفيد من خدمات الإدارة. مثال سميرة قدري، مديرة دار الثقافة بتطوان، يتكرر مع المندوب الإقليمي لمؤسسة «التعاون الوطني» في الرباط.
كما أن زيارة قضاة المجلس الأعلى للحسابات لمؤسسة «التعاون الوطني» ستمكنهم من اكتشاف خطير، وهو أن الأغلبية الساحقة من مندوبيات هذه المؤسسة تمت صباغتها باللون الوردي لحزب الاستقلال.
هل من الطبيعي أن تكون مندوبيات إفران، أكادير، الحاجب، الحوز، الدار البيضاء عين الشق، الدار البيضاء مولاي رشيد، الراشيدية، الرباط، العرائش، المضيق الفنيدق، الناظور، تارودانت، تازة، تاونات، تطوان، سطات، شفشاون، صفرو، فاس، فكيك، العيون، ورزازات، كلها مسيرة من طرف مندوبين استقلاليين؟
الجواب يوجد عند عباس الفاسي، فهو الأعرف بأهمية وخطورة هذه المؤسسة التي تعتبر الصندوق الأسود لانتخابات حزب الاستقلال على امتداد مدن المملكة.
فهل يرتكب الوزير الأول «زلة» أخرى بتعيينه لمدير جديد على رأس «التعاون الوطني» قادم من حزب الاستقلال.
هذا هو السؤال الذي ستجيبنا عنه الأيام القادمة.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى