لأجل حرية رشيد نيني


هل من المصادفة أن يعتقل رشيد نيني ويصدر بحقه حكم بالسجن لعام كامل بعد شهر ونصف من اعتقاله، بسبب 9 مقالات كتبها حول المعتقل السري في تمارة والأحكام التي وصفها مدير نشر المساء التي صار اليوم مديرا مؤسسا لها بـ"الجائرة" الصادرة في حق المتهمين بالانتماء إلى السلفية الجهادية؟، بمعنى آخر هل من المصادفة أن يعتقل صحفي مغربي (سواء رشيد نيني أو غيره) في مغرب ما يسمى بالعهد الجديد؟ وهل من المعقول أن يبقى شخص متهم بإبداء رأيه في قضايا معينة وراء القضبان في ظل الدستور الجديد؟ أظن أن المسألة هي أكبر من ذلك بكثير والخوض فيها سيصيبني بدوار شديد حديث أن الأمور غامضة جدا ولا يمكنني استيعابها بشكل يتقبله العقل، فهناك تناقض كبير مابين الخطاب الرسمي والواقع المعاش.
منذ أن اعتقل رشيد نيني أعلنت تضامني معه، رغم اختلافي معه في بعض آرائه مواقفه، وطريقة معالجته لبعض القضايا، وكنت قد أعلنت ذلك سابقا في عدة مقالات وفي لقاءاتي القليلة معه، لكن بالمقابل اختلفنا أو اتفقنا معه فما حصل لنيني له تفسير واحد "ظلم وشطط في استعمال السلطة"، لذلك فدفاعي إلى جانب عدد ممن لا زالوا متضامنين معه إلى حدود الساعة راجع بالأساس إلى دفاعي عن حقي في حرية الرأي والكتابة، عن حقي في أن أنقاش الدستور وأن أقول للملك "برافو محمد السادس ولكن..."، عن حقي أن يقول جل المغاربة حاضرين ومصوتين بنعم للدستور الجديد اقتداء بملك البلاد و أن أقول "أنا حاضر ولكن مصوت بلا"، عن حقي في مناقشة المسكوت عنه في المغرب من طابوهات وأن أصرخ في وجه العالم "الدم ليس معيار شرف الفتاة"، عن حقي في أن أخربش بقلمي وقتما أريد وأعبر عن رأيي بكل حرية وفي حدود الخطوط الحمراء التي أرسمها لنفسي وهي عدم سب وشتم أي كان، وغير ذلك مباح أن أكتب حوله وهذا ما فعله رشيد نيني بكتاباته الجريئة حول فساد السياسة والاقتصاد، وتميز بأسلوبه الساخر وعكس الكثير من الصحفيين، كان لا يخشى أن يسمي المسؤولين بأسمائهم بدل الحديث فقط عن الجهات التي ينتمون إليها، وكل أعمدته تقريبا تحتوي على بعض من تلك الأسماء، وهذه الطريقة هي التي صنعت له إسما (أحب من أحب وكره من كره) في عالم الصحافة المغربية.
عدد من المتتبعين أرجحوا إلى أن رشيد نيني له ارتباطات مشبوهة، ولنكن أكثر وضوحا، عدد من المتتبعين قالو أن رشيد نيني له علاقات بالسلطة (الاستخبارات/ المخزن)، وهذه النقطة بالذات لا يقبلها العقل، ليس دفاعا عن نيني ولكن لأسباب بسيطة جدا هو كون جريدته صارت الأولى بالمغرب وأكثر شعبوية وبالتالي صار له عدد كبير من القراء اليوميين يبلغ عددهم الأزيد من 200 ألف قارئ، فبالتالي كان يتوصل بالكثير من المعلومات من جميع فئات الشعب، ممن يرغبون في فضح الفساد في أجهزة الدولة والأحزاب والشركات، كل ما كان يفعله هو نشر المعلومات بأسلوبه الخاص.
الجانب الآخر من حياة رشيد نيني الذي أفقده بعض من شهرته ومعجبيه هو صراعاته مع بعض زملائه الصحفيين ومديري الجرائد بالمغرب، وكذا دفاعه عن الملكية بشكل جنوني حيث لقب بالملكي الأكثر من الملك نفسه، ففي ظل مطالبة العديد من المغاربة بملكية برلمانية كان ابن مدينة ابنسليمان يعلن أن المشكل في المغرب ليس في نظام الحكم، بل في فساد أجهزة الدولة خارج القصر.
مؤخرا صرح رئيس الحكومة الحالي عبد الإله بنكيران عقب إعلان فوز حزبه بالمرتبة الأولى بأن "رشيد نيني مكانه بين أولاده"، شيء جميل لكن في المقابل ننتظر أن تكون هناك خطوة فعلية من جانب رئيس الحكومة الجديد من أجل إطلاق سراح رشيد نيني الصحفي الذي تنكر له أصدقائه وزملائه في جريدته وسانده "أعدائه" في محنته...وهذا موضوع آخر سنعود له في وقت لاحق، وفي انتظار ذلك نقول "الحرية" لرشيد نيني.
بقلم: مروان العرج
... تابع القراءة

رشيد نيني.......لا يزال يكتب!


أتذكر الآن كل التفاصيل، كما لو كانت تعود للبارحة فقط. فقد كان ذاك "المساء" طويلا جدا، ساعاته غير الساعات، ودقائقه بدت و كأنها مساءات كاملة. كان الخبر قد سرى كالنار في الهشيم. فرشيد قد حيل بينه وبين قرائه للتو، وكان القراء في أوج الصدمة، يكابدون منتهى الجزع و الإشفاق ، مضطربين، متوجسين، من أن تبتعد عنهم، آمالهم وأمانيهم في الإصلاح و التقدم و الديمقراطية الحقة، التي أحيتها فيهم عودة الروح من جديد للجماهير العربية، فلا نذير بهزيمة الأمل في نفوس الناس قدر وأد الكلمة الحرة وكسر القلم المشاكس غير المهادن الذي يرمي بالأحجار في البرك الآسنة. سأذكر دائما أني رأيت هؤلاء "المغرمين" في المساء الموالي لليلة القبض على رشيد، كما لم أرهم من قبل، وجلين على " مسائهم"، متوجسين منها أن تخلف موعدها معهم لأول مرة. كانوا يعرفون بالتأكيد الخنادق والسدود التي نتأت بغتة بينها وبينهم. ولكنها أتت رغم كل ذلك كما يأتي بطل رياضي ينزف عرقا بنصر ثمين من مارطون غاب فيه المنافسون وحضره الأعداء ... كم كانوا أشبه بالأم الملتاعة التي تقضم أظافرها فرقا على وحيدتها التي تأخرت عودتها من المدرسة وقد عادت كل رفيقاتها. أو أشبه بالعاشق الذي يخشى على معشوقته من رياح شريرة هبت بغتة على البلد . هي المساء إذن التي لم أقرأ في أساطير وحكايا العشق عن معبودة مثلها، اقتسم الهيام بها وأحبها ملايين العشاق حبا بثينيا بالتساوي، فروتهم جميعا، وكفتهم جميعا، شبق لذة الحروف. وأسقطت عنهم بعد ذلك، تلك التهمة الباطلة للمتثاقفين واشباه الكتبة، حين أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن المغرب لم يكن يعاني أزمة قراءة بل أزمة كتابة" بعد أن جفت الأقلام من الأفكار وبعد أن بلغت الثقافة ببلادنا سن يأسها بالضبط كما تبلغه مبكرا امرأة ما جربت الولادة في حياتها.
لقد صالح رشيد نيني المغاربة مع الصحافة بعد سنوات خصومة طويلة، كانوا فيها على حق وكانت فيها هي على باطل حين تعودت لغة الخشب حتى فقدت الكثير من الأسماء، مفاهيمها أو معانيها. ولم تعد تدل على شيء. فغدت المساء جزءا من مصاريف القفة لديهم. يحرص بعضهم على نسخته منها أكثر من حرصه على فطوره. حتى لقد قررت نيابة عنهم أن تنضاف كعبئ لذيذ من أعباء الحياة لديهم يضنون به من أن يعلمه أو يحسبه صندوق الموازنة. لأنهم يريدون ثمنها من عرقهم ومن جهدهم. فعلاقتهم بها مباشرة جدا، وحميمية جدا، لأنها تصدع بسرهم. وتجهر بنجوى المعاناة فيهم، وتلهج بنبضهم. كل يتأبط مساءه تحت كتفه، يحملها معه لرشفها كل صباح مع كأس القهوة ، الشاب و الهرم، الغني والفقير، الصالح و الطالح، الغفير و الوزير، الملتحي والغانية، فلقد قَسَمَتْ هذه الصحيفة القراء ة بين الشرائح بالقسطاس المستقيم. "فشوف تشوف" لم يكن عمودا عاديا، بل رواية مضغوطة، كأنه مئات الأوراق والصفحات، التي تصطخب حياة، وتضج سخرية بمن يراهم الكاتب أعداء المستقبل. فرشيد لا يَعُبُّ من الحداثة ولا تغريه إلا بالقدر الذي لا يمسخ الهوية. لذلك آلى على نفسه أن يمحص ما يغرفه الحداثيون المغاربة منها لنا، "ليفرض" علينا حميتنا منها، بل ليست الديمقراطية عنده إلا جسرا نعبره نحو الحرية والكرامة. ولذلك يحاول أن يحاكم يوميا الكثير من المظاهر السلبية في حياتنا السياسية . يغمس من حبر يتبينه الشعب جيدا. فيلف حبلا من الكلمات يجز به "أدبيا" عنق الفساد حماية للأمل من الاغتيال. لا يضيره أن " يروه" في كل ذلك "شعبويا" مادام الكل في "منهجه" لا يخطب في النهاية إلا ود الشعب. إن رشيد ليس سوى ردة فعل أدبية ضد بيئة الفساد. ذاك أن تغول الفساد واستئساده لا يفله سوى استبسال النقد وضرواته . فهذه هي العلاقة الحميمية الوحيدة الصادقة بين الأدب و الفساد. فليتركوه على الأقل لهذه " الوظيفة المنبرية" عله ينفس الكثير من مكبوتات الشعب التي عجنتها المحسوبية و الميوعة والبعد عن الأخلاق لدى العديد من المسؤولين.
أعرف رشيد نيني منذ السنوات الأولى للشباب حين كنا نختلف نحن الاثنان إلى جريدة العلم، واحد منا يحمل مقالاته وحواراته الطبية، والآخر مدجج للغاية بمقالاته الأدبية، كان يبدو كما لو كان ذاهبا للحرب. وأشهد الآن أن دلائل العبقرية والنبوغ و التميز كانت تطل بهية ولاذعة منذ ذاك الحين من بين ثنايا الجمل التي يقدها قلمه.
كان رشيد منذ ذاك الزمن، ومازال إلى اليوم، وكما سيصر على ذلك غدا يعلن اعتداده الكبير بكتاباته على رؤوس الملأ . ولكني أرى شأن كثيرين أنه كان يملك ولازال من الموهبة و الملكة ومخزون الإبداع ما يغفر له كل هذا الاعتداد "ويحيله اعتدادا مشروعا". وحين كان يتنبأ لنفسه بمستقبل واعد في الكتابة والصحافة، ويجزم واثقا أنه سيفاجئ الجميع، كان المغرضون من حوله يرون أن ذكائه " سيورطه". لكنه لم يكن يعبأ بكل هذا أبدا. كان يغريني للتو بأن نغرف من روايات الكبار فقط. وكان يقول لي إذا قرأت فقط مدن الملح لعبد الرحمن منيف تستطيع كتاباتك أن تتناسل كفاتنة ولود وتعلو فوق ما ينتجه الآخرون . إنها االموهبة هي هكذا دائما . لا تحتاج أن تتزود كثيرا لتنطلق من عقالها. فهي قائمة بذاتها. قدر لا محيد عنه للموهوب وللآخرين من حوله. "تشقيه" و"تشقيهم معه". وهكذا أراد رشيد أن يبلغ في الصحافة ما لم يبلغه أحد قبله، ومالم تبلغه الصحافة أيضا من نفسها،لكأني به ابو الطيب المتنبي حين ينشد
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي**** وأسمعت كلماتي من به صمم
ليس رشيد نيني بمناضل حزبي . فهو يرى أن القوالب الحزبية و الإيديولوجيات تحد من مساحة الحرية في الكتابة، كما أنه لم يسع إلى أن يتقي أحدا حين يسيل قلمه نقدا لاذعا. ولا يلتفت إلى أية محاذير في الكتابة. هو مهووس بالحرية لا غير، لا يحب القيود أو الحدود. ويسعى بإصرار أن يقتحم أدغال العبارات، وتلك المجاهل الوعرة و الخطرة التي لم يقتحمها أحد قبله. فهناك فقط كان يجد نفسه.
ميزة رشيد نيني أو "عيبه" في نظر البعض أنه لا يحبذ لغة النفاق وأنه ينزع عن الألفاظ أرديتها، فيكتبها عارية، كما ولدتها الضاد، ليتوهج شبق القراءة أكثر لدى القراء ولايخبو أبدا. إنه لا يتيه في غياهب العبارات المسكوكة التي مللنا منها، والتي توهم بأنها تقول كل شيء ولا تقول شيئا. ويذوب عشقا في الكتابة المباشرة المشاكسة في أسلوب سهل جميل يتمنع على غيره ويسلم قياده له. وهكذا كشف رشيد منذ البداية بصمة كتابته المتميزة للكل والتي لا يخطئها أحد، فلا عجب أن تكون هي الدليل الذي يجاهدون أن يحاكموه اليوم بسببه.
إنه الصحفي الذي لم يقتل الأديب فيه، الصحفي الذي يسكب المعلومة الصحفية في قالب أدبي لإمتاع القارئ. فهو يرى أن من واجب الصحافة أن تغري الناس بالأدب، لكأنه ، يجعل من العمود شكلا للقصيدة في هذا العصر ، فكم خاطر هذا النيني بمعلومات يعرف أنها "تتقد لهبا" وأوردها "لضرورة" الذوق الأدبي فقط، إن كانت الصورة الجمالية لا تستقيم له إلا بذلك . إنه يأخذ قلمه ويجبره بضرورة محاربة الفساد كشرط للإبداع الادبي. فأي شرط أقسى من هذا " لاقتراف" الأدب في زمن الفساد؟، يمتشق رشيد سلاح الكلمة، يريد أن يدك بها حصون وقلاع الفساد، ويمضي لا يعول على شيء . فالجملة الادبية الساخرة المختارة بتقنية "المعلم" تظل راسخة في الأذهان تؤدي مفعولها كدواء بطيء التحلل. لكنه ناجع كالترياق. إنه يضيء بأسلوبه كثيرا من مناطق العتمة، ويتحرش كثيرا بالظلال، ولا يعترف بالمحرمات، أوبالعصمة في الأدب"، فيطرق مواضيع لم يطرقها أحد قبله. ويتأتى له ما لا يتأتى لغيره.
إنه يجهر فقط بما يهمس به كثير من الناس. وبما يقر به الكثير من الفاسدين في أعماقهم. يسعى إلى المعلومة كأي صحفي مقتدر لا يهمه إن أتته من ملاك أو من شيطان أو من الأصناف التي بينهما . لأنه يعلم أنها ضالة القراء عنده. لذلك لا ينبغي أن ننقده أو نناقش ظاهرته بمعجم المناضلين أو المتحزبين أو الجمعويين. فهو كاشف " بأدب" فقط لما يراه فسادا عابرا لكثير من المؤسسات . لا ينفك رشيد يهجو الفساد "بجمالية" عز نظيرها ويشكو للناس تقاعس الناس عن مواجهة الفساد. ولا يتورع عن الإشارة للأشخاص، لأنه يأبى أن يبقى حبيس ترف الافكار. أليس البشر في نهاية المطاف في "ملة الصحافة" عند رشيد هم أصل المشاكل التي يعانيها الشعب لا أشباحهم أو خيالاتهم؟
لقد سافر رشيد نيني لأجل شحذ الكلمة. وتقلب بين الأزقة و الدروب و الكليات والحافلات و الصحف و الكتب ودواوين الشعراء، وبنى جبالا من الحروف سك حجارتها من رحيق المعاناة. وتخيلنا معه صورا أدبية وصحفية كانت غاية في دقة الوصف ما عاد كثير من الفاسدين بسببها عنا بغرباء، ويدخل اليوم السجن ليشد مراسه الصحفي أكثر، ويرسخ طريقته في النفوس. فمن مفارقات اعتقال نيني أنه حتى أولئك الذين قسى عليهم "بجنسه الصحفي". وضمنهم حزب علال الفاسي الذي أنتمى له- يطلبون له أديم الحرية، فأحيانا لا تنم القسوة المتكلفة إلا عن حب دفين. وغالبا ما لا يضمر قدرها البعيد سوى المصلحة البعيدة للوطن. لكن هل يوجد ضمن "شريعة الحرية والديمقراطية" تعاليم يمكن أن يحاكم بها رمز صحفي في حالة اعتقال وبقانون غير قانون الصحافة و الكلمات . هو الذي تشرف الطلعة المغربية بهية من بين نوافذ مقالاته، وتلبس العربية من غزل كلماته أجمل وأزهى الحلل.؟.. ألم يكن أجدر لهذه المحكمة سلوك مساطر الجناس والطباق والاستعارة عوض سلوك المساطر الجنائية لمحاكمة هرم صحفي وأدبي كرشيد؟. هذه المحاكمة التي تخفي في عمقها تحديا لغويا ونحويا وبلاغيا قد تقصر دونه الفصول الباردة للقانون .
أفهم اليوم أن العمود الذي أضحى وشما في القلوب حين يتشح قسرا بالسواد يصبح أكثر إقبالا من ذي قبل، بل لم يكن عمود "شوف تشوف" فصيحا بأكثر مما هو عليه اليوم، وقد أضحى فارغا من الكلمات. إنه بوسعنا أن نستشف منه الكثير و أن نقرأ فيه الآتي: يقول العمود الغائب: إن الأدب و العمود الصحفي شكل رائع من أشكال المقاومة الشعبية ضد الفساد لأجل بناء المجتمع الديمقراطي الحر الكريم.
ويقول أيضا : أن قدر الصحفيين أن يكونوا في مقدمة من يدفعون ضريبة الإصلاح لأجل صنع الغد الباسم للأمة. وأن الأهداف التي ينسجها الشعب من أحلامه لا ينكثها القدر. 
ويقول كذلك : أنه مهما تعثرت قاطرة الإصلاح وحاولوا كبحها فلا بد أن تنطلق من جديد خصوصا لما يكون الملك في مقصورة القيادة مسنودا بكل الشعب وبكل القوى الحية فيه.
ونزيد فنقرأ فيه: إن كثيرا من الفاسدين الذين تناولتهم مقالات رشيد نيني هم من يجب أن يقفوا اليوم في قفص المحاسبة لإعادة ما نهبوه من آمال للأمة، فمحاكمة نيني لا توفر عليهم أبدا مؤونة الرد.
نسترسل في قراءتنا ونتهجى مايلي: إننا نحتاج في ظرفنا الدقيق و الحاسم هذا، الذي نهم فيه بتنزيل الإصلاح على أرض الواقع إلى "احتياطي الجرأة" لدى رشيد لنغتسل ونتطهر كما يجب من أدران الفساد التي علقت بأهداب ثوب الوطن جراء عقود طويلة من انعدام المحاسبة و الإفلات من العقاب ، أليس الاعتراف بالخطايا وإعلانها كما تعرفون جميعكم هو أول الخطو في درب الخلاص؟ . ثم إننا نقرأ بين سطور العمود التي لاترى. أن الشعب لن يتنازل عن إرادة الإصلاح فيه، وأننا سنصعد عاجلا أو آجلا إلى ربى الديمقراطية، لأنها بكل بساطة، الممكن الوحيد في مغرب هذا القرن ، ولكن ما لهذه المقالة تكاد تطير من فرط صدقها إلى المساء محلقة لكي تنشر! لماذا تتعجل الآن بالذات؟ وقد استغرقت مني كتابتها عشرين سنة كاملة! فلتمهليني قليلا أيتها المقالة لأضيف أخيرا:
أن الكلمة كانت دائما أصلب من القضبان، وأن السجين قد يكون أقوى من سجانه . وأن فضح مكامن الخلل بشكل بداية المواجهة لتهييئ الشعب للتخلص من براثنه . فلا مناص من السير قدما أيها الناس، فمغرب الغد الذي يرسمه لنا القدر، ويصوغه الملك، لا يضيق ذرعا بعمود شوف تشوف.
بقلم:البروفيسور خالد فتحي
... تابع القراءة

رشيد نيني وثمن الحقيقة

" من شاء أن يحرر فعليه أن يتحرر"
ميخائيل نعيمة

هم الأبطال الأسطوريون والملحميون والتاريخيون الذين رسموا بأرواحهم أعظم صور التضحية والفداء، ونقشوا بدمائهم ملاحم الفخر والبطولة هم وحدهم من يستحقون منا كل الثناء والاحترام، هم وحدهم من يستحقون منا أن نخلد أسماءهم في سجلات التاريخ لما قدموه من أعمال جليلة قلبت كثيرا من المعادلات وغيرت كثيرا من جبروت الواقع، لاسيما إذا كان واقعا عنيدا استفحل فيه الظلم الاجتماعي، وسادت قيم الاستبداد والطغيان، واقعا ثابتا لا يتحرك إلا لإعادة إنتاج قيم التخلف والتبعية، وقعا مهزوما الإنسان فيه محكوم فقط بالطاعة العمياء والإيمان البليد، فمن يستطيع قهر هذا الواقع العنيد الذي يجتر نفسه كلعنة أبدية! ومن يستطيع تجاوز محنة هذا الواقع المرير المفروض بالحديد والنار غير أبطال شداد تسلحوا بكل أسباب الإرادة والقوة لتحرير أنفسهم والناس من حولهم من ربقة الخوف، وآمنوا بأن سبيل التضحية هو السبيل للخروج بالإنسانية من نفقها المظلم الذي أدخله فيها الظلاميون وأعداء الإنسانية، ولعله باستقرائنا لتاريخ الفكر الإنساني منذ عصوره القديمة و بنبشنا بما جادت به الأساطير واللاحم من أبطال لتبين لنا أن المعارك المتواصلة من أجل استعادة الإنسان لإنسانيته المهدورة وكرامته المهضومة هي معارك شرسة كثيرا ما خاضها أبطال متميزون كانت لمعاركهم ونضالاتهم نتائج مفصلية في تاريخ الشعوب التواقة إلى الحرية والكرامة، ففي الدراما الإغريقية يطل علينا بقوة بروميثوس هذا البطل الأسطوري الذي تجرأ على واقع الظلم والتسلط وذلك بسرقته للنار المقدسة التي استفردت بها الإلهة أولمب وتركت البشر في ظلمات الجهل و الظلام يعمهون، إنها الجرأة التي تؤكد على درجة الوعي بطبيعة الصراع الانطولوجي الذي يتطلب التضحية والفداء انتصارا لخيارات البشر المتعطشين للمعرفة وللحقيقة و إلا لاخلاص للبشرية من الجهل والظلام إلى الأبد، وإذا كان لكل جرأة من ثمن فإن الثمن الذي دفعه بروميثوس كان غاليا إذ سلط عليه الاله زيوس نسرا صار ينهش كبده كل يوم، وأما الشخصية الثانية التي صنعت تاريخا مجيدا يستحق منا كل الاعتبار والاهتمام فهي شخصية سبارتاكوس أو صانع أول ثورة للعبيد في التاريخ فقد حفظت لنا الحضارة الرومانية شخصية سبارتاكوس، هذا العبد الذي رفض إذلال الأسياد للعبيد وقاد ثورة جذرية ضد كل أشكال الاستغلال والقهر التي يمارسها الأسياد ضد الانسانية،ثارة باسم الحق الالهي و ثارة أخرى باسم سلطة القهر والاكراه.
إننا نتحدث في هذا المقام عن الشخصيات التي صنعت لنفسها تاريخها الشخصي ومن خلال هذا التاريخ الشخصي صنعت معها تاريخ الشعوب لنؤكد على أنه في بعض المرات يكون للشخصية الكارزماتية المؤمنة بقدراتها محوريتها في صناعة التغيير وتحقيق المستحيل، ولو كان غير ذلك لما وجدنا في القرآن الكريم ذلك التشبيه المعجز الذي شبه مقام سيدنا ابراهيم الخليل بمقام أمة بأسرها نظرا للانقلاب الكبير الذي أحدثه في عقيدة قومه الذين كانوا غائصين في مجوسيتهم، وبالتالي أن يحقق الانتصار لعقيدة التوحيد رغم ما واجهه من اضطهاد ومن حرق بالنار التي كان عليه بردا وسلاما، ثم أننا كذلك نتحدث في هذا المقام عن الشخصيات التي صنعت المستقبل لنؤكد على أن ما يدفعها إلى مجابهة واقعها المرضي هو مستوى الانحطاط الانحطاط والتردي الذي استشرى في أوصال المجتمع، وكذلك نتيجة سيطرت العلاقات المادية الصرفة في المجتمع وانتحار القيم النبيلة والمبادئ السامية، وفي هذا السياق يقول أفلاطون" لقد حاربت ثلاثة: الرذيلة...الكراهية...الظلم"، فإلى أي حد ينطبق هذا اليوم على البطل الاشكالي الصحافي رشيد نيني الذي يقبع وراء القضبان لا لشيء إلا لأنه تسلح بالقرطاس والقلم لمجابهة ثالوث الرذيلة و الكراهية والظلم التي أصبحت تنخر أوصال المجتمع المغربي وتقتل فيه كل اشكال الانسانية والكرامة! وبأي معنى يحبس هذا الصحافي الذي أيقظ في النفوس المهزومة والعقول المستقيلة الرغبة في معرفة الحقيقة و ما يعتمل لهذا الإنسان المغربي المسكين من مخططات جهنمية تسعى لتأبيد بؤسه و تعاسته، وكذلك كشف رؤوس الفساد الذين لم يتركوا لهذا الانسان المغربي المقهور إلا الفتات! وماذا تبقى إذا من حرية الصحافة ومن الشعارات الرنانة وعن أجواء الانفتاح الديمقراطي التي يتشدق بها صناع القرار السياسي بالمغرب، ألا يعني اعتقال رشيد نيني وغيره من الصحافيين الشرفاء هو عنوان على عدم القدرة على سماع الرأي الآخر الذي ينتقد ويعري ويكشف العورات! ألا يعني اعتقال رشيد نيني وغيره من الصحافيين محاولة لالجام صوت الصحافة المستقلة الحقيقة لا المزورة وعودة مجددة لسياسة العام زين ! ترى متى سيتم طي ملف محاكمة الصحافة المستقلة!
... تابع القراءة

أجلت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء اليوم الخميس، النظر في ملف مدير نشر يومية (المساء) رشيد نيني إلى 15 شتنبر المقبل.
ويأتي قرار التأجيل بطلب من دفاع الصحفي - المتابع في إطار القانون الجنائي ب"تحقير مقرر قضائي ومحاولة التأثير على القضاء، والتبليغ بوقائع إجرامية غير صحيحة" - لاعتبارات تتعلق بالحالة الصحية لأحد أعضاء هذه الهيئة.
وأكد دفاع الصحفي على توفر كافة الضمانات من أجل تمتيع هذا الأخير بالإفراج المؤقت، فيما اعتبرت النيابة العامة أن هذه الضمانات منعدمة في هذا الملف.
وحددت المحكمة يوم 30 غشت الجاري للبت في طلب الدفاع المتعلق بتمتيع رشيد نيني، الذي يتابع في حالة اعتقال، بالسراح المؤقت.
وكانت المحكمة الابتدائية، قد قضت، في يونيو الماضي، بسنة حبسا نافذة وألف درهم غرامة مالية على مدير نشر جريدة (المساء) رشيد نيني. كما قررت مؤاخذة رشيد نيني بما نسب إليه دون اعتبار حالة العود.

9:32 ص / أضف تعليق…

فيض من غيض: فصل الخطاب في تبرير شكل العقاب

عندما تجد نفسك في ظلمة موحشة بالظلم . ووضع جسدك تحت المجهر و المراقبة الصارمة خوفا من ان تتحول الى لغم قابل للانفجار في اية لحظة ....لم يكن حبسك كافيا ليشفي غليل قلوب موغلة في الحقد و الكراهية . تتربص برجل سلاحه فكر وقلم ودفتر ...هكذا نتعامل مع الكلمة الحقة في فضح المستور . وكشف الحقيقة العارية من كل لبس يفضي الى تزييف المعطيات وتغيير ملامح حقيقة واضحة .وضوح الشمس في يوم صيفي.
ان الاصداء التي تصلنا عن هامش الحرية المسجونة باوامر حراسها تتعرض للاعتقال و المضايقة . و التفتيش الجسدي و التشويش على مسار فكر وقضية وخط مستقل ...ويحاولون اضطهاد ما تبقى من عنفوان الكلمة الحرة . والحقيقة الابدية التي تتعرض الى اساليب متنوعة لابادة اي نوع من الممارسة المستقلة لقلم ابداعي لا يتجانس مع المعطيات المدعومة بحجة الاخر الذي يحاول وضع اشكال التنوير في دهاليز النسيان و الموت البطيء.
ونحن امام هذا الاصرار اللافت في ممارسة الكلام المباح . وطمس حروف وقمعها في تشكيل جمل تعبر عن نفسها . و تضفي الشرعية لصاحبها باعتبار الامر يختلف في فصل الخطاب وعن فحوى المعنى ...وتتجند اجهزة بكاملها لمحاصرة الكلام الممنوع ومصادرته قبل ان يصل الى الاذان الواعية بحقيقة المرحلة . و الظرفية الحساسة التي يمر منها المغرب الان...
ان الرسائل التي تصلنا تباعا مفادها ان حرية الكتابة لا يمكن لها ان تخرج عن نقل الخبر الذي تؤتثه اجهزة الوصاية وتجمله ...ومن اراد ان يخرج عن هذه القاعدة فمصيره معلوم و مكشوف واثاره واضحة للعيان داخل زنزانة الصحفي المناضل رشيد نيني...
لقد اخطاوا الهدف هذه المرة .لان الصحافة المستقلة هي مستقبل هذا البلد رغم تحفظ بعض الجهات التي لم تصدق ان مبيعاتها تراجعت بشكل مهول و لا يمكن الحديث عن محتواها و الخط الذي تدافع عنه. وا ذا اردنا اصلاح منظومة الاعلام السمعي البصري و المكتوب فلا بد من الانطلاق عند الافراج الفوري لمدير جريدة المساء وتدشين مرحلة جديدة بعيدة عن الازدواجية في الخطاب...
المسالة لا تحتاج الى مزيد من الوقت بقدر ما تحتاج الى ارادة قوية لتحقيق امال الشعب في التغيير الايجابي والملموس على ارضية الواقع المغربي الذي يعرفه كل واحد منا ولا يمكن ان يختلف حوله اثنان............

بقلم: خليل الوافي
... تابع القراءة

أما آن لهذا الصحافي أن يترجل

رغم ما في الأمر من ألم وظلم لك أخي رشيد وحزن وأسى لنا، فإن إمعان النظام في إبقائك في السجن ظلما وعبثا في هذا الشهر الفضيل بعيدا عن أسرتك وفلذة كبدك وأحبتك وأصدقائك وقرائك، في الوقت الذي يقيم فيه دروسا دينية حول الأبعاد التعاقدية للبيعة وشواهد التغيير والقواعد الشرعية الاعتقادية، وحوله أناس لا علاقة لهم بهموم الوطن والمواطن، قد كشف عورات أربع، عورة خطاب هذا النظام نفسه حول الإصلاح الدستوري والسياسي والحقوقي، وعورة صحفيين يلعقون من إناء المخزن ويشحذون أقلامهم على جسدك، وعورة أحزاب باعت وطنها نقدا وعدا وجعلت من المطالبة بإطلاق سراحك ترنيمة حملاتهم الانتخابية المبكرة ومسكنات للرأي العام الحزبي والوطني، وعورة مؤسسات حقوقية تنتظر عفوا ملكيا لتطلق مزاميرها تهليلا بالقرار الملكي التاريخي.
لقد سُجن واغتيل أنبياء واستُهزئ برسل واتُهموا بالجنون وأخُرجوا من قراهم وديارهم لأنهم "أناس يتطهرون" ، كما تعرض سيد الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم للظلم ومحاولة الاغتيال والحصار، وعُذب وقُتل ونُفي علماء ودعاة إلى الحق وأُعدم ثوار وقادة مقاومة، فلا تبتئس بما يفعل النظام بك وبمعتقلي الرأي ببلادنا اليوم.
لقد ترك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم موقفا مبدئيا نقتدي به في مواجهة ضغوطات الظالم ومساومات المستبد، أهديها لك في محنتك لتستأنس بها، لما حاول زعماء قريش إغراءه بالنساء والمال والمُلك ليتخلى عن دعوته ورسالته التي كَلفه بها الله سبحانه، وهو في قلة من أتباعه ولا يملك القوة والمال، فقال لعمه أبي طالب: " يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يُظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته". وأذكرك بقول المولى عز وجل: " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون" (البقرة، 216).
على ذكر صحفيين، أفضل أن أعبر عنهم بدون "الـ" المُعرًفة، فقد أخبرني واحد ممن يحمل اليوم قلما صنع من شجرة الزقوم ينفث عبره سموم النظام في جسد زملائه وهم في محنة وابتلاء ويضلل الرأي العام الوطني، أخبرني بأن المدعو فؤاد عالي الهمة، الصديق الحميم للملك، الذي جعل مشهدنا السياسي، منذ أن ألقى به النظام حية تسعى لتُفسد الحرث والنسل، اجتمع به خلال إحدى محطاته المهنية وعرض عليه شيكا على بياض يضع عليه المبلغ الذي يكلف إنشاء مؤسسة إعلامية بإمكانات تكنولوجية عالمية، شريطة ألا يتناول شؤون المَلك والأسرة الملكية، وما عدا ذلك فهو حر في كتاباته، إلا أنه رفض العرض بدعوى أن الصحافة لا تعترف الخطوط الحمراء.
ودار الزمن دورته، وها هو اليوم يساهم في اغتيال زملائه ويروج لفرية النظام حول الإصلاح ويحذر حركة شباب 20 فبراير من المساس بالمنشآت والثروات الوطنية ويحاول أن يزرع في نفسها الإحباط واليأس، ويقوم بدور العراب بين النظام وأطراف من المعارضة "الفبرايرية"، خدمة لوجهة نظر النظام بطبيعة الحال، ويهنئ رجال السلطة على الثقة المولوية وتوشيحهم بالأوسمة على تفانيهم وإتقانهم لمهامهم الأمنية داخل أقبية وغرف الموت بتمارة. لقد أصبح هذا القلم عبارة عن مكتب علاقات وخدمات عامة ووكالة دعائية لمن يدفع. للأسف لم يستفد مما تتجرعه الأقلام المأجورة في عهد الرئيس المخلوع مبارك من مصائب ومحاكمات وهوان في عهد ثورة 25 يناير.
كنا نعتقد بأن حصن الأسرة الإعلامية منيع وأن النظام لن يقوى على اختراقه، لكن الشواهد والوقائع أكدت بأن المخزن يتقن سياسة الاستيعاب والاستبعاد ويستطيع أن يجند من الصحفيين "المستقلين"، كما فعل مع الأحزاب "التقدمية" من قبل، أقلاما مأجورة تروج لسياساته الفاسدة.
أخي رشيد، إن من أسرار الله في هذا الاعتقال الظالم أن أسقط القناع عن العديد من الناس لتعرف من معك ومن عليك، داخل مؤسستك الإعلامية الوطنية وخارجها، كما أظهر لك الاعتقال الوجه الآخر للنظام وأجهزته، نظام لا يحفظ عهدا ولا يعتبر موقفا لأي كان وليس له صديق أو حليف.
لقد التقى الإمام الحسين رضي الله عليه الشاعر العراقي الفرزدق، وهو في طريقه إلى الكوفة بعد مبايعة أهلها له، فسأله كيف تركت أهل العراق، أجابه الفرزدق قائلا: يا ابن بنت رسول الله، عد لمدينة جدك، فقلوب أهل العراق معك وسيوفهم عليك". لقد اشتراهم والي الكوفة السفاح عبيد الله بن زياد وأرهب بعضهم ورغب البعض الآخر في المال والحدائق والمزارع. هكذا يفعل النظام عندنا، يشتري الذمم الرخيصة من الصحفيين والسياسيين والمثقفين وغيرهم من تجار المواقف والمواقع.
لقد سبق أن قُلتَ أخي رشيد كلمة، حينما كتبت في أحد أعمدتك الغراء بشأن إشاعة بيعك لـ"المساء"، بأن الجريدة ليست للبيع لأنها مِلك للمغاربة والقراء، حينها فهم النظام بعمق وفكك شفرة هذه العبارة، فسلط عليك أجهزته وأعداء حرية التعبير وأقلامهم المأجورة. إنه يظن أن اعتقالك في هذه الظروف المفصلية من تاريخ المغرب السياسي وإبعادك عن مسرح الأحداث وعن الكتابة هو إعدام لقلمك وكسر لإرادتك، ولكن أقول لك ما قاله الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم لتطمئن: "ثلاثة من كن فيه كن عليه، المكر والبغي والنكث، "ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" (فاطر، 43)، "إنما بغيكم على أنفسكم" (يونس،23)، "فمن نكث فإنما ينكث على نفسه" (الفتح، 10).
ثق أخي رشيد بأن مكر النظام بك وبغيه عليك ونكثه لعهوده سينقلب عليه في مقبل الأيام، قال تعالى: "يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين"، وقال سبحانه أيضا: "ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين" (النمل، 50).
إن غيابك عن الساحة اليوم فيه من الحِكَم ما ستبديها لك الأيام، ولقد فضل نبي الله يوسف بن يعقوب عليه السلام السجن لسنوات على الاستجابة لغواية امرأة عزيز مصر، كما أوى فتية إلى الكهف للحفاظ على موقفهم وإيمانهم ومبدئهم، حيث قال فيهم الباري سبحانه: "إنهم فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بين، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا، وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله، فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقا".
أهيب بكل الشرفاء والوطنيين في كل الهيئات السياسية والنقابية والفكرية والحركية والمجتمعية والمنابر الإعلامية المستقلة والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، وأخص بهذه الإهابة حركة شباب 20 فبراير المجيدة، حركة كل المغاربة الأحرار، إلى تنظيم وقفة احتجاج وغضب دائمة واعتصام مستمر أمام سجن عكاشة حيث يرزح الأخ والزميل رشيد نيني، رمز القلم الجريء والوطني، ووضع النظام أمام مسؤولياته السياسية والتاريخية ليعيد له حريته ولجميع معتقلي الرأي الشرفاء، بدون قيد أو شرط والآن، وأن يجعلوا من هذا المطلب إحدى ساحات النزال والنضال، كما أرغموا النظام، فيما قبل، على الإفراج عن الإخوة البررة المعتقلين على ذمة ملف "بلعيرج" المفبرك، "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون" (الشعراء، 227).
بقلم: علاء الدين بنهادي


... تابع القراءة

الصحافي رشيد نيني مفسد كبير!!



قبل ثلاث سنوات بالتمام والكمال، وإبان هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان الكريم، اعتقل زميلنا وصديقنا محمد الراجي، وكنا نتناوب على عموده "بدون مجاملة" في "هسبريس" في انتظار عودته من السجن الذي دخله بجريرة مقال كتبه عن "القداسة" بشكل عفوي يبتغي الاصلاح كما يراه بشكل سلمي وحضاري، في تلك الأثناء كتبت مقالا في زاويته بعنوان " الصحافي رشيد نيني شفار كبير"، المقال كما أذكر، ولا زال على شبكة الانترنيت لمن أراد أن يعود له كرة أخرى، تحدثت فيه عن أساليب السب والشتم التي كان يتعرض لها الصحافي رشيد نيني من قبل الصحافة المكتوبة أيامئذ، لقد قيل فيه كلام ساقط وجارح لمن كان يتابعه، لقد وصفوه بأقبح النعوت وأفحش الأوصاف، لا أود ذكر الصحف التي تناوبت على سب وشتم رشيد نيني، ولكن ما يمكن ذكره هو أن بعض الصحفيين لا يزالون إلى حدود الآن يسبونه ويشتمونه وهو في السجن، بل تعدت "جرأتهم" في الاعتداء على أعراض وحرمات أسرته الكريمة، وعائلته المحترمة، ومن بين المفارقات الأخلاقية الصادمة أن صحفيا كان يكتب في عمود "بالقلم الأحمر" ووصفه بكلام فاحش، عمل معه في جريدة المساء ومجلة أوال، كما أن صحفيا عمل معه في الجريدة، يتعرض الآن لشخص نيني بسب وشتم أسرته ورميها بكلام فاحش وساقط، كلام سوقي خيل له أنه يؤذي سيده ومشغله نيني، ولكن هيهات..هيهات... إنهم يخدمون اجندة الفساد والافساد التي كان نيني يحاربها بقلمه.
السبب الذي جعل القوم يتطاولون على نيني، هو النجاح الذي نالته جريدة المساء حينذاك، بحيث أنها استطاعت أن تتربع على كرسي الزعامة من حيث المقروئية في أيام معدودات، واستطاعت أن تزيح من أمامها كل الجرائد إلا ما نذر، كما استطاع نيني بقلمه أن ينال إعجاب القراء، وسرق عقل وقلب القارئ المغربي، ولذلك قلت بأن "نيني شفار كبير".
وماذا عن " الصحافي رشيد نيني المفسد الكبير" ؟
آه.. عن لي هذا السؤال حينما كان خصوم حركة 20 فبرير يخرجون رافعين لافتات فيها أخطبوط يتكون من عدة شخصيات وطنية، يتوسط هذا الأخطبوط الأستاذ عبد السلام ياسين، وعلى جانبه إعلاميون ونشطاء حقوقيون وفاعلون سياسيون، ومن بين الصحفيين كانت صورة رشيد نيني، وهذا الأخطبوط الذي كان يحمله "النشطاء" هو رد فعل على أخطبوط الفساد الذي رفعته حركة 20 فبراير، وطالبت بإبعاده ومحاكمته، ولكن الأخطبوط الذي رفعه البلطجية والعياشة والشماكرية لم يسرق أحد من هذا الأخطبوط الناس، ولم ينصب على أحد، ولم يستول على خيرات البلاد في البحر والبر وما ملكت الأغلبية الساحقة والمسحوقة من أبناء الشعب، ولم يتورط أحد منهم في ملفات الفساد الذي ينخر البلاد في كثير من المجالات ومرافق الدولة.
ولكن، مع ذلك، أنا فهمت بأن هذا أخطبوط للفساد، لأنه أفسد على المفسدين راحتهم، وسماهم بأسمائهم الحقيقية، ووصفهم بأوصافهم الصريحة، دون مجاز ولا استعارة، ولا تقعير لفظي كما يفعل الجبناء والانتهازيون.
نعم..إن الصحافي رشيد نيني مفسد كبير، لقد أفسد على علية القوم حفلاتهم التنكرية، وعراهم أمام الملإ، وجعل قراءه الذين ينتظرون "المساء" يتعرفون على حجم الفساد الذي ينخر البلاد، في الاقتصاد والاجتماع والاعلام والثقافة والأمن.
ينبغي التذكير أن رشيد نيني كان مدافعا على ما كان يسمى بالثوابت الوطنية، كان مدافعا عن الملكية بشكلها الحالي، وكان ينافح عن اللغة العربية بشكل مستميت، ودافع عن الوحدة الترابية للمغرب، وعرف بالصحراوي ولد سلمى، وكتب عنه مقالات، وكانت جريدة المساء تواكب أنشطته، وتعرض محنته التي تعرض لها، ومع بداية الحراك العربي، كان نيني يدافع عن النظام المغربي ويعتبره استثناء، وكان يقول بأن مشكلة المغرب مع الحكامة وليست مع الحكم، إلى درجة أن توفيق بوعشرين رد على نيني حول قضية الحكامة، وكان بوعشرين حينذاك متحمسا للحراك في تونس والمغرب، قبل أن يتراجع خلال الشهور الأخيرة، وكتبت جريدة "أخبار اليوم المغربية" ملفا حول أعداء حركة 20 فبراير، وجعلت الصحافي رشيد نيني واحدا من خصوم الحركة... ومع ذلك لم يشفع للصحافي رشيد نيني ان يجعله مناوئوا حركة 20 فبراير ضمن أخطبوط "الفساد" مع مجموعة من السياسيين والاعلاميين والحقوقيين.
لماذا يا ترى؟
إن رشيد نيني قام بدور كبير في وجود حركة 20 فبراير، لقد استطاع بقلمه أن يفضح ملفات الفساد في الادارة المغربية، وعرف الناس على المفسدين الكبار، وسماهم بأسمائهم. وعراهم حتى بانت صورهم الحقيقية المقززة. ولذلك سهل على شباب حركة 20 فبراير معرفة المفسدين والمستبدين في الأرض.
لقد كتب نيني عن المثقف المغربي وفضح صفقاته، وكتب عن ممتلكاته التي نهبها من مال الشعب، كتب عن الخيول والضيعات، كتب عن السينمائيين المزورين وأموال الشعب التي تنفق على إفساد المجتمع، وكتب عن الصحفيين المغشوشين الذين يزورون شهادتهم مقابل قارور البيرة، واستطاع أن ينزع العمامة المزورة عن وعاظ السلاطين الذين باتوا يفتون في تزويج بنت التاسعة والوحم على أم الكبائر، كتب عن الجلادين الذين قتلوا أبناء الشعب في معتقلات تازمامارت ودرب مولاي الشريف ودار بريشة وتمارة، ونزع البزة العسكرية عن المتاجرين في الصفقات باسم حماية التراب الوطني، والنياشين عن الجنرالات الذين راكموا الأموال من رخض الصيد في أعالي البحار وفي مقالع الرمال، وكتب عن المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب والجلوس على "القرعة" وسمع آهاتهم فصورها في مقالاته ليعرفها قراؤه الأوفياء، وطالب بإلغاء قانون الارهاب دون لف أو دوران كما يفعل السياسيون الانتهازيون لأجل إلهاء الناس عبر ريع نضالي مشبوه، واتهم المخابرات في تعذيب الناس الأبرياء الذين لا يزالون إلى الآن يعانون ولا من مغيث، وحث على الاسراع في معرفة حقيقة ما جرى عشية 16 ماي الأليمة... ولذلك كان اعتقاله يوم تفجير مقهى أركانة.
إن اللافتة التي رفعها مناوئو حركة 20 فبراير كانت معممة على جميع المدن والقرى التي شهدت مسيرات لحركة 20 فبراير، ورأيت، شخصيا، أناسا يحملونها لا يعرفون بوبكر الجامعي ولا حسن بناجح ولا خديجة الرياضي أو أحمد ويحمان..حتى لا نقول رشيدي نيني ما دام الجميع يعرفه حتى الشمكارة والعياشة منهم.. ما يعني أن هذه اللافتة من صنع جهات عليا في الدولة، وهذه الجهات هي من في مصلحتها سجن رشيد نيني لأنه أفسد عليهم حفلاتهم التنكرية وفضحهم وعرف شباب حركة 20 فبراير بهم...
فاـ"لصحافي رشيدي نيني مفسد كبير".. أفسد على المفسدين والمستبدين وعبيدهم من الصحفيين والمثقفين حفلاتهم التنكرية.
بقلم نور الدين لشهب
... تابع القراءة

كتاب: بلاغة القول عند الصحافي رشيد نيني

"القرطاس والقلم، هكذا تكلم رشيد نيني" هو عنوان الكتاب الذي يصدر في غضون شهر رمضان الجاري للكاتب المبارك الغروسي، ويعتبر هذا العمل أول كتاب يحاول قراءة الأبعاد البلاغية والجمالية في كتابات رشيد نيني ليروم من خلالها فهم سر نجاح رشيد نيني كاتبا مغربيا وهو ما نلحظه في العنوان الفرعي " بلاغة الخطاب وأسرار الكتاب" .
المنهج الذي اعتمده زميلنا الغروسي في قراءته المتن النيني في عموده "شوف تشوف" هو منهج جمالية التلقي إذ حاول تفكيك الأساليب البلاغية والخطابية والحجاجية التي جعلت من عمود نيني يحظى بكل هذه المقروئية في المغرب.
كما يلحظ الكاتب، في بداية الكتاب، انظباط رشيد نيني للقواعد الخطابية كما قررها أرسطو كقواعد لنجاح الحجاج الخطابي ليفيد أن حجة نيني حدسية وجدانية لأنها تستهدف الجمهور الواسع، ويرصد اهتمام نيني الكبير بما يمثل المشترك الوجداني بين الجمهور الواسع من خلال احتفاءه بالعبارات الدارجة وبالأمثال الشعبية وبالذكريات التي جمعت المغاربة خلال فترة ما بعد الاستقلال، كما يرصد الكتاب أن رشيد نيني استطاع من خلالها أن ينصب نفسه في وجدان القارئ كممثل لشرائح اجتماعية واسعة وجدته ينطق بوجدانها ويترجم مكنوناتها وينقل معاناتها الصامتة.
في هذا الباب، يخصص الكاتب مقالا لبلاغة العنوان عند رشيد ثم لأشتغاله الذكي على استهلالات وخاتمات مقالاته بشكل يجعلها تؤدي وظائفها التواصلية والتأثيرية بنجاعة، كما يرصد بناء العمود على قاعدة التنويع المريح للقارئ وعلى الانتقال السلس بين مواضيع لا رابط بينها بشكل يخلق المتعة والإفادة .
ويهتم الكاتب بلغة نيني التي يصفها بـ"اللسان المغربي المبين" ليخلص أن ميزة نيني أنه يكتب للمغاربة دون غيرهم، عبر انتقال لغوي ومعنوي بين العبارة الدارجة والتعبير العربي الفصيح... ونقف في الكتاب على أوجه موضوعاتية ساهمت في نجاح العمود من خلال جعله مجالا لعرض مشاكل الشرائح التي تصل إلى التعبير عن مطالبها حيث يصف الكاتب رشيد نيني بـ"نقيب من لانقابة" وكذا "تمريغه وجوه خصومه في التراب خالقا لجمهوره متعة مشاهدة مباراة ملاكم يضرب بالضربة القاضية".
يقول الغروسي المبارك عن مشروع الكتابة عن رشيد نيني "إن الرجل رغم أنه ظاهرة إعلامية وأدبية ومجتمعية إلا أن البحوث الإعلامية والأدبية والدراسات الإجتماعية لم تهتم به إلا لماما.. ويأتي الكتاب كمبادرة أولية لتعميق البحث في الظاهرة ليس فقط لفهم نيني بل لفهم المجتمع الذي تجاوب معه.. ففي الكتاب حاولت فهم العقل المغربي العام من خلال الاشتغال على أوليات الكتابة النينية".
لا يقتصر الكتاب على تأمل مقالات العمود تشوف بل إنه يخصص فصله الثاني للكتاب الناحج "يوميات مهاجر سري" ويقف عندها أيضا ليحلل النص على أنه سيرة جمعية لجيل من المهاجرين المتعلمين لا سيرة ذاتية لكاتبها، وليصف الروح التي كتبت ب"الهجرة والتكفير" لشباب هجر الوطن ليكفر بكل المثل التي تربي عليها بفعل صدمة الإحباط الاجتماعي والسياسي.. ويجعل الكاتب من رشيد نيني في يومياته يمضي على خطى القديس أوغسطين وجان جاك روسو في البوح والإعترافات بالخطايا والآثام والميل إلى شر الأفعال، وكذلك على خطى محمد شكري الذي يقول الكاتب أن رشيد نيني عبر به البوغاز ليرصد عوالم المهمشين والمنفيين والشاذين هناك ويسجل شهاداتهم عن اصول مآسيهم.."
يمكننا الفصل الأول من فهم الجوانب النفسية لدى رشيد التي جعلته يكون ما كانه في عموده وتجربته بعد العودة... وفي خاتمة الكتاب يخلص الكاتب إلى أن رشيد نيني فينيق متجدد فمساره يتميز بكونه يخلق من الأزمات والحرائق حيواة جديدة لذاته... من رماد الحرائق يخلق رشيد سماد لربيع يزدهر كل مرة".
يقع الكتاب في 110 صفحة من القطع المتوسط، عن دار الرباط نت، في طبعته الأولى من عام 2011. 
نورالدين لشهب
... تابع القراءة

من السجين؟ رشيد نيني أم عمود شوف تشوف؟


الصحفي إما مع الشعب أو مع السلطة، وقيمة الصحفي وأسهمه ترتفع في بورصة الكلمة لما يوظف قلمه للدفاع عن الجماهير وعن مكتسباتها وكشف هفوات المسؤولين وتجاوزاتهم، ووضع اليد على الخلل والإشارة إليه وفضح الفساد والمفسدين، الصحفي النزيه هو الذي يوظف كلمته للنقد ، نقد المسؤولين إن أخطؤوا وليس مدحهم وتدبيج المقالات للتغني بغزواتهم سواء أخطؤوا أم أصابوا.
يقولون عن الصحافة أنها مهنة المتاعب، وكل من دخلها عليه أن يؤدي أقساط الضريبة المفروضة عليها، وقد تكون هذه الأقساط ثقيلة لا يحتملها جسد الجريدة ولا الصحفي المنتمي إليها ،فينتهي الحساب بالإغلاق والتشميع بالشمع الأحمر، فيطلق الصحفي مهنته أو يغير إسم جريدته أو يجري دون أن ينظر وراءه قهرا وقرفا وغضبا فلا يتوقف إلا وأسوار الوطن خلف ظهره ،فيصبح منفيا قسرا وإن كان يبدو الأمر اختياريا ، لأن من تقيد كلمته في وطنه وتصادر كمن تصادر حريته ،فالكلمة التي لا تجد سماء تعلو فيها وترفرف بكل حرية ليسمعها الكل تعتبر سجينة، وصاحبها يصبح نفسه مقيدا مكمم الفم مصادر الحرية،لأن أهم حرية يضمنها النظام الديمقراطي هي حرية التعبير، وممارسة هذه الحرية في الصحافة خير تيرموميتر نقيس به حرارة ديمقراطية الدول ،وهل هي مرتفعة أم باردة ومنخفضة ومتجمدة؟ طبعا هناك أمور لا يمكن الخوض فيها وتفرضها أخلاقيات المهنة ، وهذه أمور بديهية ويعرفها كل الصحفيين وحتى المبتدئين منهم.
هذه المقدمة الطويلة كان لا بد منها لأطرح هذا السؤال ، من السجين حاليا وراء القضبان، رشيد نيني أم عمود شوف تشوف؟ أظن بأن الرأي الثاني هو الأصدق، فالذين زجوا برشيد نيني في السجن كان هدفهم الأول رأس عمود شوف تشوف أكثر من رأس نيني، والدليل على ذلك حرمانه من الكتابة في زنزانته بمنعه من وسائلها حتى لا يستطيع كتابة عموده والتواصل مع قرائه. أظن بأن الكثير من المسؤولين ارتاحوا من طلعة عمود كان يشكل لهم كابوسا، فجلهم كانوا يخشون أن يستيقظوا في الصباح فيجدوا أسرارهم وأخطاؤهم أو بعبارة أخرى غسيلهم قد نشر في عمود شوف تشوف ،واطلع عليه كل من يقرأون جريدة المساء وهي الجريدة الأكثر قراءة ، ويا ويل من بدأ نيني في النبش وراءه ،لا يتركه إلا وقد أطلع القراء على الشاذة والفاذة فيظطره الأمر في بعض الأحيان تخصيص عدة أعمدة لملف واحد ، والرجل لا يعطي حقائق من فراغ وإنما له مصادره الموثوقة ، وهذا ما كان يشجعه على المغامرة ودخول بساتين محرمة ، يظن أصحابها بأنهم في منأى عن كل تلصص أو استراق سمع، يظنون بأن أسرارهم في قمقم مختوم ومرمي في سابع بحر لكن حديدان لحرامي يستطيع الوصول إلى هذا القمقم وفتحه وإخراج كل الحروز وإطلاع أفراد القبيلة عليها،ويقول اللهم أني قد بلغت والبقية على أصحاب الشأن والذين عليهم محاسبة المفسدين،لكنهم بدل محاسبة هؤلاء يحاسبون نيني، لأنهم من نفس الضيعة ومصالحهم مشتركة، وأي ضرر يلحق أحدهم سيجر الباقي كانهيار أحجار الدومينو، فيتساقطون تباعا إذا سقط أحدهم،لذلك لكي يظلوا متماسكين ومحصنين بعضهم البعض يعاقبون من يتلصص عليهم ويفشي أسرارهم ، وأظن بأن كل الذين كان يقترب نيني من بساتينهم المحرمة والسرية ،كان لسان حالهم يقول : "شوف تشوف أسي نيني واخطيك من لبسالة اوخلينا اعليك فالتيقار وإلا ماغادي ايعجبك حال " لكن نيني يأبى أن يسمع النصيحة،ويركب رأسه ويظل صادقا مع نفسه ووفيا لمهنته فيواصل عملية النبش والحفر وراءهم دون خوف أو وجل ،فنفذ صبرهم وسجنوه هو وعموده ليرتاحوا من الإزعاج المزمن الذي سببه لهم.إن ما كان يفعله نيني هو عين الصواب ، لكن في نظرهم ذلك هو عين الخطأ وخطأ فادح يجب أن يعاقب عليه بسنة سجن مع الحرمان من الكتابة .
إن ريح حرية التعبير التي هبت علينا في العشر سنوات الأخيرة مكنتنا من معرفة أشياء كثيرة والاطلاع على ملفات كانت تعتبر من المحرمات،وأصبح الصحفيون ومنهم نيني الذي امتشق قلمه وامتطىى حصان الحرية التي بدى أنها منحت للصحفيين، فبدأ في تعرية الفساد والخوض في مواضيع شائكة كان مجرد الاقتراب منها يعتبر جريمة يؤدي ثمنها الصحفي غاليا، لكن سرعان ما تبين أن حصان الحرية الذي امتطاه الصحفيون لتحقيق الغزوات في ميدان التحقيقات وفضح الفساد والمفسدين وفرض رقابة السلطة الرابعة على ذوي السلطة أنه حصان من قصب فقط ،سقط من على ظهره الفارس الأول رشيد نيني ليجد نفسه مسجونا هو وعمود شوف تشوف ، وزيادة في النكاية به وبعموده حوكم بالقانون الجنائي وليس بقانون الصحافة،وكأنه من أعتى المجرمين وقطاع الطرق، لنتأكد بأن حرية التعبير مجرد كذبة أبريل لكننا صدقناها.
رشيد نيني لا زال مكان عموده ينتظر عودته في الصفحة الأخيرة من جريدة المساء وهو يرتدي الحداد حزنا على غياب صاحبه،لكن ما يجب أن يقال في حق نيني أنه كان مستعدا لكل شيء ولكل الاحتمالات وكان يصرح بذلك في كل مناسبة، ومن ضمن الاحتمالات التي كانت واردة، سجنه هو وعموده ، إنه يؤدي أقساط الضريبة التي يؤديها كل صحفي نزيه، فالرجل شمر عن ساعديه منذ البداية واستعد لعمل شاق ،وهو الذي أمتعنا بيومياته كمهاجر سري وأفشى لنا سرا لما أخبرنا بأنه كان يحمل صناديق البرتقال في إسبانيا، هذا يعني أن الرجل متعود على العمل المضني ، لكن لا وجه للمقارنة بين ما بدأه في عموده شوف تشوف في جريدة الصباح وبين صناديق البرتقال، ثقل المسؤولية التي حملها هذه المرة على عاتقه كانت أثقل عشرات المرات وهي مسؤولية العمل الصحفي ،حقق عمود شوف تشوف لجريدة الصباح نجاحا كبيرا، عمود جعل القراء يبدؤون قراءة الجريدة من الصفحة الأخيرة حيث العمود وصورة صاحب العمود الذي كان يخبىء عينيه عن قرائه تحت نظارة شمسية تزيده بعض الغموض الذي ينجلي لما يطالعنا في برنامج نوستالجيا لأنه لا يمكنه وضع نظارة شمسية في الاستوديو ،وكان البرنامج قيمة مضافة للقناة الثانية ، لكن بعد ذلك حجب العمود من جريدة الصباح لأنه كان مزعجا للمسؤولين من البداية فأعدموه ليحيا من جديد، كطائر الفينيق الذي يخرج من رماده أكثر قوة في جريدة المساء ،استمر عمود شوف تشوف واستمر النجاح ، ارتفعت أسهم الجريدة مع ولادتها ولم تحتج لأن تعرف ،لأن صاحبها كان معروفا مسبقا. بدأ المحاربون للجريدة وكانوا في العموم صنفين لا ثالث لهما ، الصنف الأول من نفس الجسم الذي ينتمي له نيني وهو الجسم الصحفي ، لدرجة أن بعض الجرائد خصصت له أعمدة يومية يهجونه فيها، رغم أنه تفصلنا عن زمن الهجاء قرون عديدة،وصنف ثاني هو السلطة فبدأت التضييقات والقضايا تتقاطر على المحاكم وبدأ رشيد نيني يؤدي أقساط النجاح وأقساط الالتفاف الجماهيري حول جريدته وأقساط جرأته في قول الحق، وسجنه كان متوقعا من البداية، لأن رغم كل ما يقال عن حقوق الإنسان والديمقراطية عندنا فلا زلنا بعيدين بعض الشيء عنهما،أليست الصحافة هي السلطة الرابعة وتقوم بالرقابة على أحسن وجه إذا كان الصحفي نزيها ولا يبيع ذمته ولا يخشى في قول الحق لومة لائم ، وقد تصل تضحيته الى حد تقديم روحه فداء للكلمة التي يؤمن بها وللعمل الذي اختاره وهو نقل الحقيقة دون أصباغ أو رتوش، ومن هؤلاء الصحفيين من يقتل في الحروب أو تغتالهم يد الغدر في بلدهم بعدما يزعجون السلطة كما حدث مع الصحفية الروسية آنا بوليتكوفسكايا التي أزعجت تحقيقاتها السلطة فوضعت حدا لحياتها وصنعت منها رمزا ،إن كلمة الحق في وجه الأقوياء دائما لها فواتيرها المؤداة وتختلف هذه الفواتير باختلاف الجرم وباختلاف العقليات التي تدير دواليب السلطة، وباختلاف الديمقراطيات ودرجاتها ، فهناك من لا تسمح لهم قوانينهم ولا الديمقراطية المتعاقد عليها على مس الصحفيين ، وهناك من يقرصون أذن الصحفي فقط وهناك من يزجون به في السجون ويغلقون الجرائد ويحكمون بمنع الصحفي من مزاولة الكتابة ويحاكمون الصحفي بالقانون الجنائي كما هو عندنا في المغرب للأسف.
الجميع ينتظر إطلاق سراح رشيد نيني والإفراج عن عمود شوف تشوف ليعود نيني إلى أسرته وقرائه وعمود شوف تشوف إلى مكانه في الجريدة وإلى قرائه أيضا.متى سيكون ذلك ؟ نتمنى أن يكون في القريب العاج.
 
 
 
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى