المغربيات علاش قادات

هؤلاء العربان، الذين لا يرون في المرأة المغربية سوى كونهن ساحرات وعاهرات وسارقات رجال، لا يعرفون أي شيء عن المرأة المغربية الحقيقية. يتصورون أن النساء المغربيات هن فقط أولئك الفتيات البائسات اللواتي يشترونهن بعقودهم الشبيهة بعقود العبيد ويتاجرون في شرفهن في مواخيرهم، إلى الحد الذي أصبح فيه الخليجيون، والشرقيون عموما، يختزلون معرفتهم بالمرأة المغربية في الجنس والدعارة وسرقة الرجال والسحر، أما سبقها وريادتها في مجالات العلوم والدين والرياضة والسياسة والدبلوماسية والتكنولوجيا فيكادون يجهلون عنه كل شيء.
هؤلاء الناس يجهلون أن أول امرأة أسست جامعة في العالم بأسره اسمها جامعة القرويين هي مغربية من فاس اسمها فاطمة الفهرية الملقبة بأم البنين.
يتجاهلون، في قمة هذيانهم وانتشائهم بعائدات أموال النفط التي غيرت حياتهم من حياة البدو إلى حياة الترف والمجون، أن أول امرأة في العالم العربي والإسلامي فازت بميدالية ذهبية في الألعاب الأولمبية  بلوس أنجلوس سنة 1984 كانت مغربية واسمها نوال المتوكل.
ينشغلون بوصول خادمات مغربيات فقيرات وحلاقات معدمات إلى مطارات بلدانهم من أجل الشغل فيحولونهن إلى خادمات للجنس ثم يسخرون من مصيرهن، ويتجاهلون وصول أول امرأة في العالمين العربي والإسلامي إلى القطب الجنوبي المتجمد، الباحثة وعالمة الفضاء والفلكية المغربية مريم شديد، التي رفعت راية المغرب خفاقة إلى جانب رايات الدول العظمى في أبرد مكان في العالم.
وإذا كانت المغربية مريم شديد هي أول عالمة فضاء في العالم العربي تصل إلى القطب الجنوبي المتجمد، فإن عالمة مغربية سبقتها، منذ أواسط الستينيات، إلى الوصول إلى وكالة «ناسا»، فكانت بذلك أمينة الصنهاجي أول مغربية وعربية تلتحق بهذه الوكالة وتلج عالم الفضاء.
هؤلاء العربان، الذين لازالوا يمنعون نساءهم من مجرد قيادة السيارات، ينسون أن أول طيارة في العالم العربي والإسلامي كانت شابة مغربية اسمها ثريا الشاوي، حصلت على شهادة الطيران سنة 1951 في زمن كانت فيه النساء الأوربيات والأمريكيات اللواتي يقدن الطارئات معدودات على رؤوس الأصابع.
أما البلدان العربية، التي تختزل نساءنا اليوم في العهر والسحر، فلم يكن أغلب مواطنيها يتوفرون حتى على أحذية يلبسونها في أقدامهم المشققة، فبالأحرى أن تتوفر على طائرات، حتى إن بعضهم لم يكن قد ظهر على الخريطة بعد، كالكويت مثلا.
وحتى عندما اغتالت عصابة من العسكريين الموتورين الشهيدة ثريا الشاوي في أول سنة من سنوات الاستقلال، فإن رحم المرأة المغربية الولود لم يكف عن إنجاب النساء الشجاعات اللواتي روضن الأجواء العليا على متن أجنحة الطائرات. ولعل هؤلاء العربان، الذين لا يستحضرون المرأة المغربية إلا مقرونة بكبتهم التاريخي، يجهلون أن أول ربانة قادت طائرة في العالم العربي هي المغربية بشرى البرنوصي.
ولم يكن للمغرب شرف السبق في عالم قيادة نسائه للطائرات فقط، بل إن المغرب قدم أول امرأة مظلية في العالم العربي، هي السيدة عائشة المكي التي شاركت في المباراة الدولية للطيران سنة 1956، وهي المسابقة التي حصلت فيها على الجائزة الأولى ورفعت فيها راية المغرب خفاقة.
وفي الوقت الذي يعتبرون فيه نساءهم عورة يجب سترها وتغطيتها بالكامل وحرمانها من أبسط حقوقها التي أعطاها إياها الإسلام السمح، استطاع المغرب أن يقدم أول امرأة تقود القطار في العالم العربي، وهي السيدة سعيدة عباد الموظفة بقطاع السكة الحديدية منذ 1982، والتي أعطت الدليل على أن المرأة المغربية التي قادت الطائرات بوسعها أن تقود القطارات أيضا.
وفي الوقت الذي كانت فيه كل الدول العربية تعتبر الشأن السياسي والدبلوماسي شأنا رجاليا صرفا، أرسل المغرب إلى سفارته في واشنطن منذ 1959  السيدة حليمة الورزازي لشغل منصب ملحقة ثقافية بالسفارة، لكي تصبح بعد ذلك سنة 1973 أول امرأة في العالم العربي تصبح عضوا خبيرا في لجنة الأمم المتحدة لمناهضة الأبارتايد والميز العنصري.
والواقع أن المرأة المغربية لم تترك أي مجال من المجالات لم تتفوق فيه وتحرز فيه السبق مقارنة بنظيراتها في العالم العربي. وسواء في العلوم الفضائية أو الطب أو القضاء أو العلوم الدينية أو الرياضة أو الفنون أو السياسة والدبلوماسية، فقد كانت المرأة المغربية دائما من الأوليات.
فأول قاضية في العالم العربي هي الأستاذة المغربية سلوى الفاسي الفهري التي تولت كرسي القضاء في المحاكم الإدارية. وأول امرأتين في العالم العربي تقرران الذهاب إلى إسرائيل للقيام بعميلة فدائية هما الشقيقتان المغربيتان نادية وغيثة برادلي قبل أن تكشفهما سلطات الاحتلال وتعتقلهما في تل أبيب. 
وأول امرأة تعتلي المنبر وتلقي درسا أمام قائد دولة في كل هذا العالم العربي الممتد من المحيط إلى الخليج هي العالمة رجاء الناجي مكاوي التي ألقت درسا عنوانه «كونية نظام الأسرة في عالم متعدد الخصوصيات» بين يدي الملك محمد السادس خلال رمضان 2003.
ومنذ ذلك الوقت، توالت الخطيبات والعالمات على منابر الدروس الحسنية، حيث يجلس الملك بتواضع  فوق الأرض وتعتلي المرأة المنبر، في استعادة راقية لتاريخ إسلامي عريق كانت فيه النساء خطيبات وعالمات وشاعرات وتاجرات، قبل أن تقرر الجهالة العربية أن تحولهن إلى خيام متحركة لا حق لهن سوى في الصمت والخنوع. أي ملك أو زعيم في هذا العالم العربي يقبل أن يجلس لينصت لدرس ديني تلقيه امرأة؟ أعطوني واحدا فقط. إنهم لازالوا يعتبرون مجرد صوت المرأة عورة، وفي البرلمان الكويتي عندما دخلت إليه بضع نساء عمـّته حالة حداد بعد أن أثارت خصلة شعر مكشوفة في شعر نائبة عاصفة سياسية أوشكت أن تغلق البرلمان وتحل الحكومة.
إنهم يجهلون أن أول مدربة لكرة القدم في العالم العربي مغربية اسمها ثريا أزرويل، وأول مدربة لألعاب القوى والسلة في العالم العربي مغربية اسمها زهرة العلوي، وأول مرشحة في العالم العربي لجائزة نوبل مغربية اسمها غيثة الخياط، وأول عازفة على آلة البيانو في العالم العربي مغربية اسمها غيثة العوفير انتقلت مؤخرا إلى رحمة الله، وأول عربية وإفريقية تصبح منسقة ملف الإذاعات الأوربية مغربية اسمها فاطمة مومن، وأول امرأة تدير مؤسسة سجنية في العالم العربي مغربية اسمها بشرى المسلي، وأول مذيعة في العالم العربي مغربية اسمها لطيفة الفاسي جلست خلف المايكروفون مع بداية الخمسينيات، وأول امرأة تترأس فريقا لكرة القدم في العالم العربي مغربية اسمها سميرة الزاولي، وأول امرأة تقتحم عالم التحكيم الكروي في العالم العربي مغربية اسمها سعاد لكحل، وأول امرأة عربية تنضم إلى الهيئة العالمية لتنمية النيازك مغربية اسمها حسناء الشناوي، وأول امرأة تقتحم عالم رجال المطافئ في العالم العربي مغربية اسمها فاطمة عبوق، وأول امرأة في العالم العربي تشارك في رالي دكار للسيارات مغربية اسمها سعيدة الإبراهيمي، وأول امرأة اقتحمت رياضة ألعاب القوى في العالم العربي مغربية اسمها فاطمة الفقير، وأول امرأة كفيفة تعلم فنون الحرب ربما في العالم بأسره مغربية اسمها ثورية اليعقوبي، وأول امرأة في العالم العربي والإفريقي عضو بلجنة تطوير الفم والأسنان العالمية مغربية اسمها سعاد لمسفر، وأول امرأة تقتحم مجال أمراض وتوليد النساء في العالم العربي مغربية اسمها لطيفة الجامعي درست الطب في الخمسينيات ومارست تخصصها في الستينيات وفتحت عيادتها في بداية السبعينيات.
ولو أردنا أن نعدد كل المجالات التي كانت المرأة المغربية سباقة إلى اقتحامها على مستوى العالم العربي والقارة الإفريقية لاحتجنا إلى أعداد كثيرة من هذه الجريدة. وما على الذين يشككون في مواهب وقدرات المرأة المغربية وإصرارها على إثبات ذاتها سوى أن يتأملوا كل الوظائف التي تشغلها المرأة المغربية في دبي، مثلا. فمنهن مئات المهندسات والإطارات العليا في التسيير والهندسة والسياحة يقدن شركات عالمية وضعت ثقتها فيهن ولم يكتف بالنظر إليهن كإناث وإنما كأدمغة قادرة على الإبداع والابتكار.
يكفي أن يراجع هؤلاء المتخلفون الذين لازالوا يتناطحون حول جواز اشتغال المرأة في الأسواق التجارية من عدمه، مع أنهم يعرفون أكثر من غيرهم أن الرسول الكريم نفسه كان يشتغل عند تاجرة اسمها عائشة رضي الله عنها، لوائح النساء الأوربيات من أصل مغربي اللواتي وصلن إلى أعلى المناصب الحكومية في فرنسا وبلجيكا وهولندا وغيرها من الدول الديمقراطية التي أعطت للمرأة المغربية فرصة لكي تظهر «حنة يديها». ثم إن أول أم في العالم العربي تنجب عمدة أجنبيا لمدينة أوربية هي ريفية مغربية أنجبت عمدة روتردام أحمد بوطالب.
هذا دون أن نتحدث عن الأمهات اللواتي أنجبن المغربية البلجيكية فضيلة لعنان، التي وصلت إلى منصب وزيرة للثقافة ببلجيكا، والمغربية الهولندية خديجة عريب نائبة حزب العمل الهولندي بالبرلمان الأوربي، ومغربيات كثيرات استطعن أن يثبتن أنفسهن في المهجر ويكن مستأمنات على إرث المغربيات الحرات اللواتي كن، إلى جانب الرجال، في مسيرة الكفاح من أجل الاستقلال، وكن إلى جانبهم في مسيرة استكمال الوحدة الترابية. هل هناك امرأة عربية واحدة شاركت في مسيرة لتحرير جزء من أرضها، وهل هناك أصلا بلد عربي واحد نظم مسيرة كتلك التي نظمها المغرب ومشى فيها 350 ألف مغربي ومغربية جنبا إلى جنب؟
... تابع القراءة

ضربني وبكا

اندهشت وأنا أقرأ على صدر إحدى الجرائد التي توجد في النزع الأخير بين الحياة والموت، خبر اعتزام أكرم، رئيس فريق الوداد البيضاوي، مقاضاتي بتهمة السب والقذف. فقلت في نفسي إن الأمر يتعلق ربما بواحدة من تلك الأخبار الكاذبة حول المتابعات القضائية الوهمية ضدي والتي ظلت تروجها عني هذه الجريدة التي طال احتضارها، دون أن تكون هناك في الواقع متابعة ولا هم يحزنون.
دخلت إلى الموقع الرسمي لفريق الوداد البيضاوي، فعثرت على ما يفيد بأن رئيس النادي غاضب على جريدة «المساء الرياضي» التي أتولى إدارتها، وخجلت من متابعة كل ما كتب في الموقع الرسمي للفريق العريق بسبب انحطاط مستوى ما كتب ضد رئيس تحرير «المساء الرياضي»، والذي وصل إلى حد تحريض جمهور الوداد على الاقتصاص منه ونشر صورته على شكل «مطلوب» كما يصنع الأمن مع الهاربين من العدالة.
ما الذي حدث حتى تحول أكرم إلى ضحية يستجدي التضامن ويهددنا بالويل والثبور وعظائم الأمور؟
قبل أسبوع، وبينما طاقم تحرير جريدة «المساء الرياضي»، التي تصدرها الشركة الناشرة لـ«المساء»، بصدد إغلاق العدد الذي سيصدر يوم الاثنين، جاء إلى مكتبي رئيس التحرير، الزميل حسن العطافي، وهو يحمل مظروفا عليه شعار فريق الوداد البيضاوي في يده. فسألته ما الأمر، فجلس وحكى لي كيف أن أكرم طلب لقاءه عبر الهاتف في مكتبه بالنادي. وعندما ذهب، ظنا منه أنه سيعطيه خبرا يصلح غلافا للعدد، اكتشف أن الرجل كان يريد فقط معاتبته بشكل ما على بعض المقالات التي انتقدت تسييره للفريق وأخرى تعرضت لابنه حفيظ أكرم بالنقد، خصوصا تضحيته بلاعبي الوداد السابقين من أجل صديقه المدير التقني رفائيل حميدي، والذي بسببه سبق لفخر الدين رجحي أن غادر الوداد، وأيضا تدخله في عمليات جلب اللاعبين واللقاء بهم ليلا، رغم أنه ليس عضوا في المكتب المسير للوداد.
وعندما انتهى اللقاء وهمّ رئيس تحرير «المساء الرياضي» بالانصراف، أخرج أكرم من الدولاب مظروفا مقفلا وسلمه إياه. امتنع رئيس التحرير عن تسلمه، لكن أكرم أصر إصرارا كبيرا، وقال له إن المبلغ من حسابه وليس من حساب الفريق.
عندما فشل رئيس التحرير في إقناع أكرم بالاحتفاظ بمظروفه، وشك في وجود فخ قد يكون نصبه له على شاكلة الفخ الذي وقع فيه رئيس المجلس البلدي لميدلت وانتهى في السجن، أخذ المظروف وجاء مسرعا إلى مكتبي لكي يطلعني على ما وقع.
كان أول شيء قمت به هو الاتصال بولاية الأمن بشارع الزرقطوني من أجل الاستفسار عن إمكانية قدوم الصحافي إلى مقرها لوضع شكاية بتهمة الإرشاء. كان هناك من نصحنا بالتوجه إلى مكتب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية لوضع الشكاية، لكن بما أن الوقت كان متأخرا والمحكمة أغلقت أبوابها، فقد قررت أن توضع الشكاية في ولاية الأمن بالزرقطوني.
وهكذا، ذهب رئيس تحرير «المساء الرياضي» إلى ولاية الأمن ووضع الشكاية ضد أكرم، رئيس فريق الوداد البيضاوي ونائب رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، بتهمة الإرشاء.
وبينما نحن ننتظر أن تحال الشكاية على أنظار وكيل الملك لكي يقرر المتابعة من عدمها، سمعنا أن أكرم يستعد لمقاضاتنا بتهمة السب والقذف. هل هناك سب وقذف أكثر من الذي فعله أكرم عندما صم أذنيه عن سماع كل خطابات تخليق الحياة الرياضية ومحاربة الرشوة التي جاءت بها الرسالة الملكية التي وجهها الملك بمناسبة المناظرة الشهيرة؟ هل هناك سب وقذف أكثر من محاولة شراء ذمة صحافي بمظروف مالي في هذا الشهر المبارك، عوض التصدق بهذا المبلغ على الفقراء والمحتاجين؟
إن السيد أكرم هو آخر شخص يمكنه أن يعطي دروسا في الحرص على السمعة من السب والقذف، هو الذي قال للصحافيين في الموسم الفارط عقب انتهاء أحد لقاءاته معهم «غادي نعشيكم»، فما كان من الصحافيين سوى أن غادروا المكان احتجاجا على محاولته شراءهم بوجبة عشاء.
السي أكرم يطالبنا بإظهار البينة والحجة على ما ندعيه، ونحن نتحداه ونطالب الشرطة العلمية الموجودة بمقر ولاية الأمن أن تخضع المظروف المالي الذي تسلمته منا للمسح التقني الدقيق من أجل استخراج البصمات التي توجد على سطحه. ستجد عليه بصماتي وبصمات رئيس التحرير بالإضافة إلى بصمات أكرم. وإذا لم تظهر بصمات أكرم على المظروف، فنحن مستعدون لتقديم اعتذار إليه والامتثال لحكم المحكمة ضدنا. أما إذا ظهرت بصماته على المظروف والأوراق المالية، فذلك سيكون هو الدليل القاطع على أنه صاحبها. وإذا كان هو صاحب «دعوتها»، فكيف وصل المظروف والأوراق المالية إلينا؟ 
لقد لجأنا إلى القضاء ضد أكرم الذي حاول شراء صمتنا واستمالة الخط التحريري لجريدة «المساء الرياضي» لمصلحته الخاصة، لكي نقول له ولغيره من رؤساء النوادي الرياضية إنه لازال هناك في المغرب صحافيون رياضيون لا يباعون ولا يشترون.
وسواء حاول أكرم أو غيره من رؤساء النوادي الكروية أن ينفي وجود ظاهرة إرشاء المسؤولين الرياضيين للصحافيين، فإن الجميع يعرف أن الوسط الصحافي الرياضي في المغرب موبوء بالمرتشين الذين حوّلوا جزءا كبيرا من الصحافة الرياضية إلى بورصة لبيع المقالات والمزايدة في أثمانها.
إن هذا الانحدار في الأخلاق المهنية لدى جزء كبير من العاملين في الصحافة الرياضية هو ما ساهم بشكل كبير في تدني مستوى الرياضة بالمغرب.
وكثيرا ما نتحدث عن مسؤولية المدربين والتقنيين وجامعة كرة القدم ومسؤولي النوادي الخالدين في مناصبهم، وننسى أن أكبر من يشجع على الفساد الرياضي هم بعض الصحافيين الرياضيين الذين يوزعون شهادات حسن السيرة والسلوك على اللاعبين والمدربين «وكلها وثمانو».
الجميع يعرف أن أغلب التقارير الرياضية التي تمر في نشرات الأخبار والبرامج الرياضية بالقنوات العمومية مؤدى عنها من طرف من يمرون فيها.
والجميع يعرف أنه في القناتين الثانية والأولى هناك صحافيون معروفون في القسم الرياضي دائما محط شكوك. فالجميع يعرف أنهم مرتشون يقبضون ثمن تلميع أحذية ضيوفهم وثمن «طحن» خصومهم، وثمن تركيز الكاميرا على هذا اللاعب دون غيره، وثمن أخذ تصريح مقتضب منه في آخر المباراة.
في المجال الكروي المغربي تتحرك أموال كثيرة جدا، ومصالح ضخمة تستخدم فيها الصحافة الرياضية للعب أدوار قذرة.
المصيبة أن رشوة رؤساء النوادي الكروية للصحافيين الرياضيين أصبحت أمرا عاديا جدا. ما لم يعد عاديا هو أن يتقدم صحافي بشكاية إلى الأمن عندما يتعرض لمحاولة إرشاء، كما حدث مع السيد أكرم. ولذلك فقد شعر بالصدمة، ويعلم الله كم من مكالمة هاتفية توصلنا بها من أشخاص يدورون في فلكه لثنينا عن التشبث بالشكاية. وعندما يئس من تحريك كل «الرقاصة» الذين يطبلون لمنجزاته في جرائدهم ويتسلمون، من دون شك، نفس المظروف الذي مده إلينا، قرر أن يلعب ورقة التهديد بالمتابعة عملا بمبدأ «ضربني وبكا سبقني وشكا». يعتقد السيد أكرم أننا سنتراجع عندما سيتحدث عن المتابعة. «أسيدي غير تابع، نيت نشوفو فين غادي تخرج هاذ المتابعة».
إنه لمن المؤسف أن ينتهي نادٍ كروي عريق كالوداد البيضاوي بين يدي شخص يستعمل المال لشراء ذمم الصحافة. نحن ليس لدينا أي مشكل مع فريق الوداد البيضاوي، والدليل على ذلك أن أخباره تحظى بمتابعة يومية على صفحاتنا الرياضية. نحن لدينا مشكل مع رئيس الوداد البيضاوي الذي أهاننا عندما حاول شراء صمتنا وضمنا إلى جوقة المطبلين لسعادته.
إن الشكاية التي وضعناها لدى الأمن تفترض فتح تحقيق نزيه حولها لكي يعرف جمهور الوداد أي نوع من الرجال يسير فريقهم، وأيضا حتى يعرف الرأي العام أي نوع من الرجال يشغل منصب نائب رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم الوصية على المنتخب الوطني.
إن أحد المجالات التي لا تكاد تقترب منها أي مؤسسة للوقاية من الرشوة في المغرب هو المجال الرياضي، مع العلم بأن هذا الوسط تروج داخله «رْشاوي صْحيحة» ويعج بالمرتشين والسماسرة وتجار الأقلام. يتحدثون فقط عن رشوة رجال الأمن والدرك في الطرقات، والموظفين في الإدارات العمومية، وينسون رشوة رؤساء الجامعات والنوادي للصحافيين الرياضيين المستعدين لتحويل الأنذال إلى شرفاء والشرفاء إلى أنذال بجرة قلم.
إن الصحافة الرياضية، التي نعول عليها لفضح الفساد داخل النوادي الكروية ومواكبة محنة تشكيل المنتخب بالنقد والتصويب، أصبحت بدورها بحاجة إلى من ينتقدها ويقومها. ولذلك فنسبة كبيرة من الانحطاط الرياضي الذي انتهى إليه المغرب تتحمل مسؤوليتها هذه الصحافة بتزويرها للحقائق وتسترها على العيوب مقابل الحصول على المال القذر من أيدي مسؤولين أكثر قذارة لا تهمهم سمعة نواديهم بقدر ما تهمهم أرصدتهم التي تسمن في البنوك.
من جانبنا، يستطيع هؤلاء المرتشون أن يعولوا علينا لإرسالهم إلى المحكمة في كل مرة يحاولون فيها جرنا إلى البركة المتعفنة التي يسبحون فيها.
ونصيحتنا لرؤساء النوادي والمسؤولين الرياضيين هي كالتالي، لا تعطونا أموالا، وفروها للاعبيكم، فهم بحاجة إليها أكثر منا، أعطونا بالمقابل أخبارا طرية وصحيحة نقدمها إلى الرأي العام، فهذه أحسن هدية يمكن أن تقدموها إلى الصحافة الرياضية الحقيقية.
... تابع القراءة

مغربي وشلل بيها فمك

مخطئ من سيعتقد أن الحملة التي يقودها بعض المخرجين السينمائيين وشركات الإنتاج الدرامي وبعض فضائيات «البترودولار» ضد سمعة المغرب هي مجرد مصادفة. الأمر أخطر من ذلك.
هناك اليوم مؤامرة محكمة التنسيق لدفع دول عربية كثيرة إلى عزل المغرب على المستوى العربي وتحجيم شكله في بلد بدون كرامة يبيع نساءه وبناته لمن يدفع أكثر.
ويمكننا، إلى حد ما، أن نتفهم قيام «ميخيات» دويلة في حجم الكويت بالتهجم على المغرب ووصف نسائه بالساحرات وسارقات الرجال، فهؤلاء الكويتيون فعلوا الشيء نفسه مع مبعوث صدام حسين الذي جاء يطلب مساعدة مادية، فإذا بمسؤول كويتي يطلب منه أن يجلب إلى الكويت نساء العراق مقابل تقديم العون. وبمجرد ما سمع صدام بهذه الإهانة، جلب إلى الكويتيين جيش العراق عوض نسائه وجعلهم يفرون مرعوبين من بلادهم، شعبا وقادة، للاحتماء في الحضن الأمريكي.
ما لا نفهمه بالمقابل هو هذا الإصرار المصري على إسناد أدوار العاهرات في مسلسلاتهم وأفلامهم إلى المغربيات بالتحديد. وخلال هذا الشهر، تعرض قناة «نيل دراما» و«الخليجية» مسلسلا اسمه «العار»، تجسد فيه ممثلة مغربية مغمورة دور عاهرة مغربية يتنافس على الفوز بجسدها تجار المخدرات ورجل أعمال خليجي.
لقد كان على وزارة الاتصال والخارجية المغربية أن تتحرك منذ سنوات لوقف هذه الصناعة الدرامية التي تقوم بدعاية سافرة ضد المغرب في كل مرة تنتج فيها مسلسلا أو فيلما، فقد تعرض المغرب للإهانة في مسلسل «هوامير الصحراء» الذي عرض في القنوات الخليجية، و«لعبت» فيه الممثلة المغربية سناء موزيان، وأظهر فيه المخرج شخصية طباخ مغربي يتنازل لمشغله عن زوجته من أجل الذهاب للعمل في الخليج.
ومع ذلك، لم يصدر أي رد فعل. وتعرض للإهانة أيضا في فيلم «الباحثات عن الحرية» الذي أخرجته ضيفة نور الدين الصايل المفضلة، المصرية إيناس الدغيدي، والذي «لعبت» فيه سناء موزيان من جديد دور فتاة تعيش مغامرات مع رجال أكبر منها سنا لربح المال. ومع ذلك، لم يصدر أي رد فعل. ثم توالت الإساءات المصرية مع فيلم «الوعد» الذي صور «البطل» المصري يتقلب بين حانات المغرب وعاهراته اللاتي جسدت أحد أدوارهن الممثلة «نجاة خير الله». وقد أثار الفيلم ضجة بعد تصويره لبعض اللقطات مع عاهرات حقيقيات، أظهر وجوههن في بعض مشاهده.
ثم جاء بعد ذلك كله فيلم «احكي يا شهرزاد» لمخرجه يسري نصر الله الذي «لعبت» فيه سناء عكرود أدوار ساخنة على فراش النوم، فالمسكينة بقيت بلا دور في سلسلة «رمانة وبرطال» بسبب إحساسها الزائد بنفسها ومطالبتها المخرجة برفع تعويضاتها، فما كان من المخرجة سوى أن «مسخت» عكرود في السيناريو على هيئة معزة وتخلت عنها وأكملت الحلقات بالمعزة التي بدأت تتحدث بصوت ممثلة أخرى.
وهكذا أصبح كل من يطالب برفع أجره يتم تهديده بمسخه على شكل حيوان في السيناريو وشطبه من السلسلة.
ولعل اللافت للانتباه هو أن مخرجي المسلسلات والأفلام العربية في مصر والخليج، بمجرد ما يفكرون في تصوير عمل درامي تتضمن قصته شخصية عاهرة أو راقصة أو امرأة لعوب، يستديرون نحو المغرب للبحث عن ممثلة «جريئة» تقوم بهذا الدور. والواقع أن ما يدفعهم إلى التوجه نحو ممثلات مغربيات هو الرغبة في تغذية تلك الاستيهامات الغريزية المرضية التي تكونها العقلية الرجولية الخليجية حول المرأة المغربية، كما أن ما يدفعهم إلى اللجوء إلى «جرأة» الممثلات المغربيات الزائدة على اللزوم هو استحالة عثورهم على ممثلات عربيات يقبلن القيام بأدوار عاهرات ويؤدين مشاهد فيها إخلال بالحياء.
يبدو أن الوقت قد حان، فعلا، لكي تطالب وزارة الاتصال نظراءها في الدول العربية بتفعيل توصيات الاجتماع الأخير الذي أقره وزراء الإعلام العرب حول مبادئ تنظيم البث والاستقبال الفضائي في المنطقة العربية، وخصوصا البند الذي يتحدث عن «ممارسة حرية التعبير بوعي ومسؤولية بما من شأنه حماية المصالح العليا العربية واحترام حريات الآخرين والالتزام بأخلاقيات مهنة الإعلام».
كما أن الوقت قد حان لكي تكف ممثلاتنا المغربيات عن الحط من مواهبهن الفنية وقبول حصرهن في أدوار الخلاعة والمجون. فالسينما المصرية والعربية، عموما، لم تعط للممثلات المغربيات أدوارا أخرى غير أدوار الراقصة والعاهرة والساحرة، والدليل على ذلك أنه لا سناء موزيان ولا سناء عكرود ولا الممثلات الأخريات استطعن أن يحصلن على أدوار أخرى «مشرفة» يكشفن فيها عن مواهب أخرى غير مواهب الإغراء.
إن ما لا يريد أن يفهمه كثيرون في المغرب هو أن الحرب التي يقودها جنرالات الجزائر ضد المغرب انتقلت إلى مستوى الحرب الشاملة، فبعد إغراق شوارعنا بحبوب الهلوسة والإجهاز على رياضة ألعاب القوى بالمنشطات، هاهي المخابرات الجزائرية تنشط اليوم داخل صالات التحرير بالفضائيات وداخل مديريات البرمجة لتوجيه الحملة المسعورة هذه المرة إلى شرف المغرب ونسائه.
إن أبشع طريقة لإضعاف الخصم في المعركة هي ضربه في كرامته. وأول هدف سهل لإضعاف معنويات الخصم هو ضربه في شرف نسائه.
ولذلك فليس من قبيل المصادفة أن يبث التلفزيون الإسباني، في عز الأزمة بين الرباط ومدريد، في برنامج «رجال ونساء» على القناة الخامسة الأكثر مشاهدة، قصة نادلة مغربية هاجرت إلى إسبانيا بعد أن هربت من بيت والديها بالمغرب. وفكرة البرنامج شبيهة، إلى حد ما، بفكرة برنامج «قسمة ونصيب» الذي تعرضه قناة «إلبيسي» اللبنانية، حيث تعيش مجموعة من الشباب والشابات في بيت واحد لأسابيع طويلة وفي النهاية يفوز زوج بالمسابقة.
وقد نجح البرنامج الإسباني في رسم صورة سلبية عن المغرب والعائلة المغربية التي فرت منها النادلة للتسكع في الشوارع الإسبانية، كما نجحت القناة في إعطاء صورة سلبية عن المغربيات المحافظات وهي تقدم نموذجا لمغربية «متحررة» مستعدة للمشاركة في برنامج تصل فيه حدود الجرأة إلى المعاشرة الجنسية بين المشاركين.
هذا البرنامج، المبني على إثارة الغرائز الجنسية والذي تشارك فيه هذه «الأخت» المغربية، استطاع أن يحطم معنويات مئات الآلاف من المهاجرين المغاربة في إسبانيا أكثر مما استطاعت جميع سياسات اليمين الإسباني أن تصنعه.
واليوم، لم يعد بوسع المغاربة أن يتحملوا أكثر. نساؤنا وأمهاتنا وأخواتنا أشرف مما يحاول كل هؤلاء الخصوم تصويرهن عليه. ولعله من باب أضعف الإيمان أن تقود وزارة الخارجية والاتصال حملة مضادة لإيقاف هذه «الشوهة»، واتخاذ الإجراءات المناسبة في حق كل من تسول لها نفسها الإساءة إلى صورة المغرب وكرامة أهله مقابل حفنة من الجنيهات التافهة.
عليهم أن يأخذوا العبرة من إسرائيل التي احتجت على مصر قبل أسبوع بسبب بث مسلسل «ربع مشكل» والذي تظهر فيه شخصية اليهودي مرادفة للتحايل والمكر والخديعة. ومباشرة بعد عرض الحلقة الأولى، تحركت الآلة الدبلوماسية الإسرائيلية للدفاع عما تراه سمعة يجب تجنب المساس بها.
لماذا، إذن، تتحرك كل الحكومات في العالم للدفاع عن سمعة بلدانها عندما تهان، إلا حكومتنا الموقرة والتي لم ير وزير خارجيتها ضرورة لكتابة مجرد بلاغ للاحتجاج على كل هذا التطاول على شرف نسائنا والذي بدأ يأتينا من دول شقيقة وصديقة؟
إن تشويه سمعة المغرب في الأفلام والمسلسلات والبرامج الحوارية المباشرة في الفضائيات لم يعد فقط طريقة لكسب المال ورفع نسبة مشاهدة هذه الأعمال، بل أصبح سلاحا فعالا لضرب المغرب تحت الحزام في الساحة العربية، لإضعاف موقفه التفاوضي حول قضاياه المصيرية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.
واهم من يعتقد أن كل هذه الجوقة تتحرك بالمصادفة. فاليد الجزائرية ليست بعيدة عن كل ما يحدث لصورة المغرب من خدوش على المستوى الخارجي.
هناك اليوم شركات إنتاج تأتي إلى المغرب بحجة تصوير برامج سياحية حول المغرب، وعندما يتم بثها نكتشف أنها برامج موجهة لضرب المغرب في الصميم. ومؤخرا، تم توقيف فريق تصوير فرنسي في الجنوب المغربي يصور برخصة مزورة تحمل توقيع المركز السينمائي المغربي. وعندما انكشف أمره وعقدت ثلاث وزارات، هي الداخلية والعدل والاتصال، اجتماعا رفيعا للبت في النازلة واتخاذ قرار المتابعة، لجأ إلى السفارة الفرنسية ثم تبخر وتم طي الملف.
والقصة نفسها حدثت عندما صورت قناة الخامسة الفرنسية برنامجا حول محطة السعيدية ووجهت إليها ضربة قاصمة لعرقلة فتحها في الوقت المحدد لذلك. وعندما جئنا نبحث عن مخرجة البرنامج وجدنا أنها جزائرية، لديها ارتباطات باللوبي الجزائري الحاضر في كل وسائل الإعلام الفرنسية، وكان الهدف من البرنامج إظهار المشاريع التي يفتتحها الملك في المنطقة الشرقية المحاذية للجزائر على شكل مشاريع وهمية يسهل إظهار عيوبها.
واليوم، نتمنى فقط ألا يسمح المركز السينمائي المغربي للمصورتين الأمريكيتين «تيانا كولد» و«سارة نورمان»، اللتين ذكر موقع جامعة «ديوك» الأمريكية أنهما تستعدان للقدوم إلى المغرب لقضاء ثلاثة أشهر بين عاملات الجنس المغربيات من أجل تصوير شريط وثائقي حول «دعارة المرأة المغربية»، بالتصوير.
بقات لينا غير ميريكان حتى هيا تضرب لينا طر. دابا هاذ المغرب تقاضاو فيه المواضيع، بقا فيه غير المسخ. الله ينعل اللي ما يحشم.
... تابع القراءة

المندبة كبيرة والميت فار

بالأمس، تحدثنا عن ضرورة إعادة الاعتبار إلى المواطن المغربي، فإذا بوزير الداخلية الطيب الشرقاوي يعطينا مثالا حيا وصارخا على «الحكرة».
وفي الوقت الذي جاء فيه وزير الداخلية الإسباني «ألفريدو بيريث روبالكابا» إلى الرباط مرفوقا بسبعة عشر صحافيا في طائرته، واجتمع بهم في سفارة بلاده على الساعة الخامسة مساء ونظم لهم ندوة صحافية ليستمع إلى أسئلتهم ويطلعهم على ما دار بينه وبين نظيره المغربي، ترك الطيب الشرقاوي صحافيي بلاده «منشورين» منذ العاشرة صباحا في مركز الندوات بالوزارة، وفي الأخير خرج وأعطى كلمتين لميكروفون القناة الأولى وانتهت القصة.
قمة «الحكرة» هي أن الصحافيين المغاربة، الذين «خوا بيهم» الطيب الشرقاوي ولم ير ضرورة لاستقبالهم والاستماع إلى أسئلتهم، «لجؤوا» إلى السفارة الإسبانية بالرباط واستطاعوا «التسلل» لحضور الندوة الصحافية التي نظمها وزير الداخلية الإسباني على شرف صحافيي بلاده المعتمدين بالرباط والذين رافقوه في الطائرة.
وقمة الإهانة هي أن قناة عمومية كالقناة الثانية «شدت» الصف أمام السفارة الإسبانية بالرباط لكي تدخل وتحصل على أخبار من الندوة الصحافية لوزير الداخلية الإسباني، فيما وزير داخلية بلادها امتنع عن هذا الأمر واكتفى بجمل منحوتة من الخشب رددها بتثاقل شديد، وكأنه يقوم بواجب ثقيل ينتظر فقط متى ينتهي منه.
لقد أظهر وزير الداخلية المغربي، ومعه مساعدوه، أنهم لم يفهموا بعد أهمية التواصل والإعلام في مثل هذه الملفات المصيرية التي ترهن مستقبل المغرب بعلاقته مع محيطه. عندما يأتي وزير الداخلية الإسباني بصحبة سبعة عشر صحافيا ويعقد ندوة صحافية مباشرة بعد انتهاء لقائه مع نظيره المغربي ليجيب بشكل مفتوح عن أسئلتهم، فليس ذلك من أجل سواد عيون الصحافيين، ولكن لأنه يعرف أهمية الدور الذي تقوم به الصحافة في الدفاع عن وجهات النظر التي تخدم المصلحة العليا للبلد، وأيضا لأنه، كوزير، مجبر على تقديم الأخبار والمعلومات إلى دافعي الضرائب الإسبان الذين يدفعون راتبه الشهري.
وبقدر ما كان المجتمع المدني والصحافة المستقلة والجادة بالمغرب في مستوى الحدث الذي هز العلاقة بين البلدين الجارين، بقدر ما «نجحت» وزارة الداخلية المغربية في تأكيد عدائها غير المبرر لفضيلة التواصل مع الصحافة الوطنية والرأي العام المغربي.
الرأي العام يطرح سؤالا محيرا كان على وزير الداخلية أن يأتي للإجابة عنه أمام الصحافيين. السؤال هو لماذا وقعت كل هذه «القيامة» بين الرباط ومدريد، إلى درجة أن وزارة الخارجية المغربية أصدرت خمسة بلاغات نارية تتهم فيها الأمن الإسباني بالعنصرية وتطالب بتقديم اعتذار، إذا كان البيان المشترك الذي صدر بعد اللقاء بين وزيري داخلية البلدين لا يشير، ولو بكلمة واحدة، إلى مشكل سبتة ومليلية المحتلتين ولا إلى الاعتداءات العنصرية التي قام بها الحرس الإسباني ضد مواطنين مغاربة ومهاجرين أفارقة؟
هذا ما يسميه المغاربة «المندبة كبيرة والميت فار».
ولعل الإحساس المشترك الذي تشعر به فعاليات المجتمع المدني التي نظمت وقفات احتجاجية ضد سلطات الاحتلال الإسبانية في مدخل سبتة وبني نصار على مشارف مليلية، هو أن وزارة الداخلية صورت معها حلقة من حلقات الكاميرا الخفية. وعندما انخدع الجميع وتصوروا أن الداخلية ستكون في مستوى الحدث وستطرح مع الطرف الإسباني قضية الاعتداءات التي تعرض لها المواطنون المغاربة والأفارقة على أيدي رجال أمنه، اكتشفوا أن وزير الداخلية عندما أعطى تصريحه الخشبي المقتضب عقب اللقاء «ثقال عليه لسانو» ولم يجرؤ على مجرد ذكر كلمتي سبتة ومليلية.
إنّ أنجح حلقة من حلقات الكاميرا الخفية التي تمر خلال هذا الشهر المبارك هي تلك التي أخرجتها وزارة الداخلية في قضية الأزمة بين مدريد والرباط.
فبعد بيانات نارية للخارجية، وصفت فيها سبتة بالمحتلة، وحصار حقوقي لمليلية، وبعد تهديد جهاز الأمن الإسباني بالثغرين المحتلين بمقاضاة الصحافة المغربية، وكيل الصحافة اليمينية الشتائم للمغرب ودولته، «يخرج» علينا الطيب الشرقاوي لكي يبشرنا بأن العلاقات بين البلدين كانت دائما حسنة، وستكون في المستقبل أحسن مما هي عليه.
لا يا سعادة الوزير، العلاقات كانت دائما سيئة. وقد ساءت خلال الفترة الأخيرة بشكل خطير جدا كان من الممكن أن يتطور إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية.
لقد خرج وزير الداخلية الإسباني منتصرا من هذه الأزمة بعد أن عاد إلى بلاده محاطا بصحافييه حاملا في يده فتيل النزاع المنطفئ، وخرج وزير الداخلية المغربي من الباب الصغير وهو يتوارى خلف لغته الخشبية هاربا من صحافة بلاده مستكثرا على دافعي الضرائب معرفة تفاصيل ما جرى بينه وبين نظيره الإسباني.
وهكذا، فعوض أن يأتي وزير الداخلية الإسباني إلى الرباط لكي يقدم اعتذاره عن التجاوزات التي تورط فيها جهاز أمنه، ويفتح مع الطرف المغربي ملف احتلال الثغور المغربية المستعمرة، اكتشفنا أن سعادته جاء لكي يجلس وزير الداخلية ومعاونيه المكلفين بملفات المخدرات والهجرة السرية والإرهاب إلى الطاولة أمامه مثل تلاميذ ويطلب منهم تقديم الحساب. وقد تصرف الطيب الشرقاوي كتلميذ نجيب وتعهد للطرف الإسباني بالتعاون في هذه الملفات جميعها، علما بأن المتهم الوحيد في كل هذه الملفات هو المغرب، فالمخدرات والإرهاب والهجرة السرية هي السياط الثلاثة التي تجلد بها إسبانيا ظهر المغرب أمام الاتحاد الأوربي والمنتظم الدولي. وعوض أن يلعب وزير الداخلية في رقعة الملعب التي في صالحه، وهي الرقعة التي توجد فيها قضية سبتة ومليلية والاعتداءات العنصرية على مواطنين مغاربة وأفارقة، فضل الانسياق وراء اللعب في رقعة الجانب الإسباني حيث القوة التفاوضية الضاربة لمدريد، وأصبح الطرف المغربي هو الذي يقدم التزامات إلى الطرف الإسباني وليس الطرف الإسباني هو الذي يقدم اعتذارات إلى المغرب. كنا ضحية نطالب باعتذار فإذا بنا نتحول، بسبب الإدارة السخيفة لهذه الأزمة من طرف الداخلية، إلى مذنبين نتعهد بعدم تكرار الأخطاء.
بالنسبة إلى الجانب الإسباني، فقد وضب خطته بشكل جيد ومحكم. وعندما يتعلق الأمر بالمصالح العليا لإسبانيا، وخصوصا قضية سبتة ومليلية، فإن اليمين واليسار يجلسان معا إلى طاولة الملك خوان كارلوس ويتفقان على موقف واحد، تماما مثلما يحدث بين حزبي الليكود والعمل في إسرائيل، فهما يبدوان مختلفين ومتصارعين في الظاهر حول السلطة، لكنهما متفقان ومتناغمان عندما يتعلق الأمر ببناء المستوطنات وتهجير الفلسطينيين واغتيالهم ومصادرة أراضيهم.
وهذا الغباء السياسي المغربي في فهم التوازنات الخفية للأحزاب السياسية في البلدان الأجنبية ظهر جليا عندما برر الابن المدلل للطيب الفاسي الفهري، وزير الخارجية، دعوته لمجرمة الحرب «تسيبي ليفني» إلى مؤتمره في طنجة بكون هذه الأخيرة ليست وزيرة في الحكومة وإنما في المعارضة، وكأن المعارضة الإسرائيلية تقاتل إلى جانب حزب الله وحماس.
وبناء على هذا التوافق التاريخي بين اليسار واليمين حول مصير سبتة ومليلية،  طار «خوصي أزنار» إلى مليلية المحتلة لكي يقضي بها يومين تعبيرا منه عن تضامنه مع أهالي المدينة الذين تخلت عنهم الحكومة أمام «المورو»، فيما هو في الواقع ذهب لكي يقرع طبول الحرب ويذكر المغاربة بما قام به فوق صخرة جزيرة ليلى عندما اعتقل «المخازنية» العزل الذين كانوا يرابطون عندها بعدما نزل فوقها بالمروحيات المقاتلة والعسكر المسلحين بأحدث وسائل الغطس والقتال.
وخلال هذا الوقت، أطلقت صحافة الاشتراكيين صفارات الإنذار التي التقطتها آذان الداخلية المغربية، واعتبرت هذه الزيارة خيانة للجهود التي تقوم بها حكومة ساباطيرو لنزع فتيل الخلاف مع الرباط. خلال هذا الوقت، ارتفعت شعبية الحزب الشعبي اليميني ومعه شعبية «أزنار»، فكانت الرسالة الإسبانية إلى الرباط واضحة، أنتم ترفعون من شعبية حزب معادٍ لكم وتعرفون مواقفه المسبقة من قضية الصحراء، وإذا استمر فتيل النزاع بيننا مشتعلا فإن نيرانه ستغذي استطلاعات الرأي الموالية للحزب الشعبي اليميني الفرانكاوي. والانتخابات على الأبواب، مما يعني وصول صليبي متعصب معادٍ للإسلام كـ«خوصي أزنار» إلى السلطة مجددا وراء رجل قش اسمه «ماريانو راخوي»، وبالتالي عودة الغيوم السوداء إلى سماء البلدين.
بمعنى آخر، فالحكومة الإسبانية أقنعت الحكومة المغربية في شخص وزير الداخلية بأن اشتراكييها أخف ضررا بالنسبة إلينا من يمينييها، ولذلك يجب إخماد هذا النزاع مع المغرب حتى لا يغذي شعبيتهم، خصوصا وأن شعبية الاشتراكيين في الحضيض بسبب الأزمة التي ضربت الاقتصاد الإسباني في الصميم، وحولته إلى أول اقتصاد مرتشٍ على صعيد أوربا بأكملها.
الآن، نريد من وزير الداخلية الطيب الشرقاوي، الذي زف إلينا بشرى طي هذه الصفحة السوداء مع إسبانيا، أن يوضح لنا هل ستستمر وزارة الخارجية في نعت سبتة ومليلية بالمدينتين المحتلتين، وماذا ستفعل الداخلية عندما سيعود نشطاء المجتمع المدني إلى محاصرة المدينتين وقطع الإمدادات الغذائية عنهما.
فالمفارقة العجيبة أن المغاربة اكتشفوا أنهم هم الذين يضمنون خبز المدينتين، بعد أن ساد الاعتقاد طويلا بأن المدينتين المحتلتين تغذيان الشمال المغربي. «ما عرفنا باش، بلاموطارد والفرماج لحمر والكاشير بيريمي».
الواقع أنه إذا كان هناك من شيء ما «بيريمي» في هذه القضية، فداخل دواليب وزارة الداخلية بالضبط.
وقديما قال المغاربة «حوتة وحدة تخنز الشواري».
... تابع القراءة

دوي علينا وجي علينا

اعتذار الخارجية الكويتية عن الإساءة المتعمدة لقناة «الوطن» إلى نساء المغرب وجماركه، لا يجب أن يجعلنا نفرح لأن الكويتيين طلبوا الصفح بسبب «مداعباتهم» التي مست أماكن حساسة من كرامة المغاربة.
إن ما حدث في الكويت بسبب سلسلة «الميخيات»، وما حدث في السعودية عندما منعت سفارتها بالرباط منح التأشيرة للفتيات القاصرات لأداء العمرة، وما فعلته قبلهما سفارة الأردن عندما بدأت تشترط توفر المغربيات الراغبات في السفر على سن معينة، أو ما فعلته سفارة موريتانيا بالرباط عندما فرضت التأشيرة على المغربيات من دون سائر نساء العالمين، كل هذا يعني أن المغرب تلقى الصفعات من أقرب أصدقائه بسبب قضية تهجير الفتيات المغربيات لاستغلالهن في شبكات الدعارة العابرة للقارات.
ورغم دعوة وزير الهجرة محمد عامر إلى التقليل من أهمية ظاهرة السياحة الجنسية، واتهام حرزني الصحافة بتهويل الظاهرة وتضخيمها، فإنه يجب أن نعترف بأن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار إلى المغرب والمغاربة، ومحو تلك الصورة المهينة التي صارت ملتصقة بجواز السفر المغربي.
خلال سنوات السبعينيات، عرفت إيطاليا نشوب نقاشات سياسية ساخنة حول التحكم في أفواج السياح الذين بدؤوا يحجون إليها من أجل السياحة، وتركز النقاش حول البحث عن الطريقة المثلى لتجنيب إيطاليا التحول إلى وجهة للسياحة الجنسية. الحل السحري كان هو خلق وزارة «الإرث الثقافي»، وكانت المهمة الأساسية لهذه الوزارة هي إعادة الاعتبار إلى المنشآت الثقافية والحضارية والتاريخية التي تزخر بها إيطاليا من مسارح ومتاحف، فضلا عن ثقافة الطبخ واللباس والصناعة التقليدية. والنتيجة هي أن إيطاليا تحولت إلى وجهة للسياحة الثقافية.
إذا أراد المغرب أن يقضي على السياحة الجنسية التي أصبحت تهدد استقراره الاقتصادي وتفكك قيمه الاجتماعية والأسرية، وإذا أراد أن يضمن لأبنائه شغلا كريما على أرضهم بدون حاجة إلى الذهاب إلى بلدان الجيران من أجل تسوله، فما عليه سوى أن يقلد النموذج الإيطالي وأن يتخلى عن وزارة الثقافة ووزارة الصناعة التقليدية ووزارة السياحة ويدمجها جميعا في وزارة واحدة يكون اسمها «وزارة الإرث الثقافي»، مهمتها الأساسية إعادة الاعتبار إلى هذه الثروة الحضارية والتاريخية التي تزخر بها أغلب مدن المغرب، والعمل على جلب نوع آخر من السياح إلى المغرب يسعون إلى التعرف على تاريخه وحضارته، لا على خماراته ومراقصه وبؤس بناته وأطفاله القاصرين.
لقد استثمر المغرب كثيرا في الفنادق الفخمة والمجموعات السياحية الكبرى حيث المراقص والعلب الليلية وكازينوهات القمار وملاعب الغولف، معولا على قدوم سياح يحبون حياة الليل وعاداته.
لننظر قليلا ناحية عاصمة دكالة حيث كازينو «مزاغان». يوميا، هناك فلاحون صغار وكبار يضطرون إلى بيع بهائمهم من أجل دخول الكازينو والمقامرة بخبز أبنائهم. كثيرون انتحروا أو أصيبوا بالحمق، وآخرون طلقوا زوجاتهم وتشردت عائلاتهم بسبب الماكينات المتوحشة التي تلتهم أموالهم كل ليلة.
كل مساء، هناك حافلة مجانية تجمع الراغبين في الذهاب إلى الكازينو من شوارع الدار البيضاء، حيث يمكن للمقامرين أن يقامروا بخمسين درهما فما فوق، وحيث يمكن للبنات أن يقامرن بشرفهن مع الزبائن.
إن لهذا النوع من السياحة ثمنا باهظا يدفعه المجتمع من لحم بناته وأبنائه. ومن كثرة ما شجعوا سياحة الجنس الرخيصة لتحريك عجلة الفنادق المصنفة، والتي أصبحت لبعضها في الدار البيضاء مصاعد تحمل الزبائن من العلب الليلية مباشرة إلى غرف نومهم بصحبة فتياتهم، أصبح السياح الذين يحترمون أنفسهم يولون وجوههم شطر تركيا وتونس ومصر والبلدان التي تقدم إليهم عرضا سياحيا محترما.
إن ما يحز في النفس هو أن المغرب لديه كل المؤهلات لكي يصبح رائدا عالميا في مجال السياحة الثقافية. لكن وبما أن هذا الاختيار يتطلب الجهد والمثابرة والصبر قبل إعطاء النتائج المرجوة منه، فإن التوجه العام اختار السير نحو السياحة السهلة التي لا تتطلب سوى بناء الفنادق والكازينوهات وملاعب الغولف والملاهي.
إن السياح الذين سيأتون إلى المغرب لا يصنعون ذلك لأنهم يريدون اكتشاف الغولف أو الكازينو أو «لابواط»، فهذه الأشياء «طالعة ليهم فالراس» لأنهم هم أصحابها الذين اخترعوها. إن المغرب يجب أن يكون في مخيلة هؤلاء السياح مرادفا للتاريخ والحضارة والثقافة. السائح يأتي عندنا لكي يسافر في الزمن ويعود إلى الماضي ليستنشق عبق التاريخ بين أسوار المدن، لا أن يستنشق رائحة البول المنتشرة حولها.
لذلك فمهمة وزارة «الإرث الثقافي» ستكون هي إعادة الاعتبار إلى القلاع والأسوار والأبواب التاريخية التي طالها الإهمال بعد أن تسلم مسؤولية الإشراف عليها عمداء مدن أميون ورؤساء بلديات جشعون لا يعرفون قيمة ما يهدمونه من مآثر تاريخية لكي يشيدوا مكانها صناديقهم السكنية الشبيهة بالسجون.
مهمتها ستكون هي بناء المتاحف في المدن التاريخية وترميم المسارح الرومانية القديمة وإعادة الحياة إليها عبر تحويلها إلى أماكن للعروض الفنية.
لكن من سيقوم بإنجاز هذا المشروع الكبير؟ وزارة الثقافة التي عجزت طيلة عشر سنوات عن مجرد بناء متحف للفنون المعاصرة. هل البلاد التي تريد إعادة الاعتبار إلى فنانيها التشكيليين تعجز طيلة ثلاث حكومات متتالية عن مجرد إنهاء مشروع متحف؟
إن مدينة تاريخية كمدينة وليلي، تسكنها طيور «بلارج»، كان من الممكن أن تتحول إلى مدينة حية بممثلين من خريجي المعهد العالي للتنشيط المسرحي، أولئك الموظفون الأشباح الذين يتقاضون رواتب من وزارة الثقافة دون أن يشتغلوا ساعة واحدة، هكذا تتحول مدينة وليلي إلى مدينة رومانية حية يعيد فيها الممثلون تجسيد أشكال العيش والمهن والفنون التي كانت سائدة آنذاك. وهكذا يدخل هذا العرض الفني ضمن العرض السياحي لوكالات الأسفار، ويجد السياح الزائرون لمدينة وليلي شيئا آخر يرونه غير طيور «بلارج» المعرشة فوق السواري الحجرية، ولم لا تدخل العروض ضمن زيارات المدارس العمومية، حتى يتعرف أبناء المغاربة على تاريخهم بشكل مثير وجذاب، عوض الاكتفاء بتدريسهم إياه في الكتب الجامدة.
والشيء نفسه بالنسبة إلى قلعة شالة بالرباط، والتي لا يجد زوارها من متعة أخرى يمارسونها سوى إلقاء القطع النقدية لسمكة «النونة» التعيسة التي تعيش وحيدة منذ سنوات في قعر حوض متعفن. لو كانت لدى إسبانيا قلعة مثل هذه لصنعت منها الأعاجيب، ولحولتها إلى قلعة حية بممثلين يجسدون الأقوام التي مرت منها، بألبستها وأسلحتها وأنواع أكلها. ببساطة، كانت ستجعلها آلة لإنتاج المداخيل المادية لوزارة الثقافة، عوض بقائها عالة على الدولة تصرف عليها من أجل تنظيفها ودفع مستحقات حراسها الذين يستجدون السياح.
ليست الكنوز الحضارية والمعالم التاريخية ما ينقصنا في المغرب، بل إن ما ينقصنا هو الإحساس بقيمتها.
نحن قوم نحتقر هويتنا وقدراتنا الخارقة على الخلق والإبداع. لم نكتشف أهمية القفطان إلا عندما بدأت تلبسه عارضات الأزياء الأجنبيات في حفلات عروض الأزياء العالمية. لم نكتشف جمالية القضبان الحديدية و«الفدريش» الذي يوضع مع النوافذ إلا عندما بدأ الأجانب يتهافتون على استيرادها. ومكان ذلك، تسابقنا وراء نوافذ الأليمنيوم السخيفة. لم نكتشف أن الأواني الطينية التي كانت تطبخ بها جداتنا صحية إلا عندما رأينا كيف يقبل الأجانب على اقتنائها، وتسابقنا نحن وراء «الكوكوت مينوت».
بعنا رياضاتنا وبيوتنا التاريخية للأجانب وخرجنا لنسكن في سجون جماعية على هوامش المدن، وعندما رمم هؤلاء الأجانب الرياضات وحولوها إلى فنادق ودور للضيافة، رحنا نذهب لحجز موائد من أجل تناول العشاء عندهم «بدقة للنيف». وكلما دخلنا أحد الرياضات التي كنا نحتقرها بسبب قدمها، فتحنا أفواهنا مندهشين من روعة عمارتها.
غيرنا البساط المصنوع من نبتة «السمار» الطبيعية في المساجد، والذي لا يؤذي الجبهة والقدمين، ببساط بلاستيكي صيني الصنع يسبب «الكزيمة». حتى «المحابق» التي كنا نغرس فيها «الحبق» والورد و«اللوايا» داخل بيوتنا تخلينا عنها وغيرناها بأشجار بلاستيكية جامدة مغروسة في أصص من الجبس تصلح فقط لكي يتبرز فوقها الذباب.
لدينا أشياء كثيرة جميلة لا نعرف قيمتها إلا عندما نرى الأجانب يحتفلون بها ويعطونها القيمة التي تستحقها. آنذاك نسارع إلى امتلاكها، ليس اقتناعا بقيمتها ولكن فقط بسبب عقدة الأجنبي التي تجعل كل شيء يقبل عليه هذا الأجنبي شيئا إيجابيا بالضرورة.
إن الحل الوحيد لكي يستعيد المغاربة كرامتهم واعتزازهم بأنفسهم وبتاريخهم هو أن تعمل الدولة على استرجاع القيمة الضائعة لإرثنا الحضاري.
إن هذا الإرث الذي تركه لنا الأجداد هو رأسمالنا الحقيقي الذي يمكن أن نبني به ثقتنا في الحاضر وفي المستقبل، وهو الإرث الوحيد الذي نستطيع استثماره في الصناعة السياحية للقضاء على سياحة العار هذه التي جعلت المغربيات الحرات يخجلن من إشهار هوياتهن في كثير من الدول التي يذهبن إليها.
ولإعادة الاعتبار إلى الإرث الحضاري والثقافي المغربي، يجب أولا إعادة الاعتبار إلى الإنسان المغربي الذي يتعرض للبهدلة يوميا على أبواب المؤسسات العمومية وداخل بيته عبر الإعلام العمومي.
بدون إعادة الاعتبار إلى المواطن وإزالة «الحكرة» عنه وإعطائه القيمة التي يستحقها، فإن كل مشاريع إعادة الاعتبار إلى الإرث الحضاري والثقافي ستفشل.
... تابع القراءة

زمن الميخيات

منذ الأسبوع الماضي وأعصاب ملايين المغاربة مشدودة بسبب سلسلة «الميخيات» الكويتية التي استهدفت النساء المغربيات بالتجريح، واتهمتهن باستعمال السحر من أجل خطف رجال الكويتيات، إلا أعصاب محمد عامر، وزير الهجرة، وإدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، فهي توجد في الثلاجة.
طيلة حلقتين متتاليتين من السلسلة الكرتونية، اجتهد كاتب القصة والحوار في إظهار المغرب كوجهة للغزوات الجنسية. وقال على لسان إحدى شخصيات السلسلة إنه إذا كان زملاؤه يريدون الذهاب إلى الأندلس لفتحها من جديد، فإنه يفضل التوجه إلى أكادير للجهاد فيها على طريقته.
في الحلقة الموالية سنرى كيف ستصل جماعة الكويتيين إلى طنجة، وكيف سيركب نصفهم مركبا باتجاه الأندلس، فيما النصف الآخر، ويتعلق الأمر بشخصين، سيتجه إلى عاصمة سوس للقاء أختين مغربيتين كانتا بانتظارهما في المطار. وبمجرد التعرف إليهما، ستقودهما الأختان إلى بيت أمهما. سنلاحظ أن المخرج تعمد إقصاء شخصية الأب المغربي من البيت، للإحالة على أن الأم تعيش مع بنتيها بمفردهن. وبمجرد جلوس الضيفين، ستقدم إليهما الأختان قهوة وضعت فيها الأم سحرا سماه كاتب السلسلة خطأ «الشرويطة»، فيما الصحيح هو «التوكال».
وبمجرد ارتشاف القهوة، سيتحول الكويتيان إلى «حولييـْن» وسيصيح أحدهما «ماع»، وسيطلبان على الفور يدي الفتاتين، فيحضر عدل مغربي على الفور لتوثيق الزواج قبل أن يطير مفعول السحر. إلا أن وصول زوجة أحد «الحوليين» سيحول دون إتمام الزواج.
من جانبها، اعتبرت القناة الكويتية، عبر جريدة «الوطن» التابعة لها، أن الحلقة لا تحتوي على أية إيحاءات غير أخلاقية أو إساءة إلى المغاربة الذين فهموا الحلقة خطأ وتناولوا ما ورد من مداعبات فيها بحساسية مفرطة.
وهكذا فالمغرب، حسب جريدة «الوطن»، ليس فقط بلادا للنساء الساحرات وخطافات الرجال ومكانا لممارسة الغزو والفتح الجنسي، بل إنه أيضا بلاد للمغفلين والأغبياء الذين لا يفهمون فنون «المداعبات» ويأخذون مسألة المساس بشرف نسائهم بحساسية مفرطة.
وحتى نضع هذه الهجمة غير الأخوية الجديدة على المغرب ونسائه في إطارها الصحيح، يجب أن نعرف أن هناك برنامجا حكوميا منظما ومتكاملا على مستوى دول الخليج العربي للتصدي لظاهرة إقبال الرجال الخليجيين على الزواج من المغربيات. فقد فهم المسؤولون الخليجيون أن ظاهرة العنوسة التي تهدد بلدانهم تفاقمها ظاهرة إقبال رجالهم على الزواج بمغربيات، مما جعل النساء الخليجيات يشمرن عن خمرهن ويقفن وقفة «رجل» واحد للتصدي للمغربيات الشريرات اللواتي يسرقن رجالهن.
وقد ذهبت الكاتبة السعودية «وجيهة الحويدر» إلى حد مراسلة وزير العدل المغربي على لسان مواطنة سعودية تطلب منه إمساك نساء بلاده عن رجال السعوديات. وقد عادت الأسبوع الماضي إلى مراسلة الوزير المغربي، وهذه المرة على لسان امرأة إماراتية سرقت منها مغربية زوجها، تطلب منه منع زواج الرجال الإماراتيين المتزوجين من الزواج بالمغربيات إلى حين الحصول على رضى الزوجة الأولى وحضورها وإثبات موافقتها.
طيب، لنناقش القضية بهدوء. نعم الرجال الخليجيون الذين يأتون إلى المغرب من أجل الزواج وراء ظهور زوجاتهم مخطئون في ما يقومون به. لكن المشكلة أن قانون الأسرة عندهم يسمح للرجال بالتعدد دون أخذ موافقة الزوجة. في المغرب، حسمت مدونة الأسرة هذه المسألة. وبما أن الرجال الخليجيين ليسوا مغاربة، فإن قانون الأسرة المغربي لا يسري عليهم، أي أنه باستطاعتهم الزواج من مغربيات بدون حاجة إلى الإدلاء بشهادة تفيد بموافقة الزوجة الأولى. ما ذنب المغربيات إذا كان قانون الأسرة الكويتي أو الإماراتي أو السعودي متساهلا في قضية التعدد إلى هذه الدرجة؟
هذه مشكلة يجب أن تحل على المستوى الدبلوماسي بين المغرب ودول الخليج التي تعرف نموا مضطردا لزواج مواطنيها الخليجيين بالمغربيات. أما اللجوء إلى «الميخيات» لتصوير المغرب كأرض للفتح والغزو وتقديم المغربيات كساحرات وسارقات رجال، فهذا أمر فيه احتقار مبيت وتمريغ لكرامة شعب بكامله في التراب.
لذلك فاللجوء، من أجل تلطيخ سمعة المغرب، إلى «الميخيات» في الكويت، وفي السعودية إلى منع القاصرات من السفر إلى العمرة برفقة عائلاتهن بحجة أن هؤلاء الفتيات يتخذن العمرة ذريعة من أجل ممارسة أشياء أخرى في السعودية، يدخل ضمن خطة منظمة لتصوير المغرب كماخور كبير يصدر نساءه وبناته لجلب الرجل الخليجي وعبره الريال والدرهم الخليجي.
عندما «يشكو» إخواننا في الخليج من دعارة المغربيات، فإنهم ينسون أن سفارات بلدانهم في الرباط هي من يسهل وصول هؤلاء الفتيات التعيسات والفقيرات إلى غاية ملاهيهم ومراقصهم وعلبهم الليلية من أجل ابتزازهن واستغلالهن حتى آخر ذرة من كرامتهن. ويكفي أن تراجع هذه السفارات طلبات التأشيرة، التي تتقدم بها هؤلاء الفتيات مصحوبة بعقود العمل، لكي يفهموا أنه إذا كان هناك من جهة تسهل تسفير الفتيات المغربيات للعمل في الدعارة فهي هذه السفارات بالضبط.
وهناك داخل بعض سفارات الدول الخليجية من تخصصوا في «تجارة» اللحم الأبيض التي تدر الملايين، واستطاعوا أن يكونوا علاقات مع سماسرة مغاربة ومغربيات يتكفلن بإجراء عمليات الكاستينغ للمرشحات للسفر أو لمؤانسة بعض الأمراء والأثرياء الخليجيين.
ما حز في قلبي وقلوب الملايين من المغاربة وهم يتابعون سلسلة «الميخيات» هذه، هو اختيارهم مدينة أكادير، عاصمة سوس، من أجل طعن كرامة المغرب في الظهر. ولعل كاتب قصة السلسلة، الذي يسخر من فتح الأندلس ويشبهه بفتح أكادير والجهاد فيه على طريقة «بيل كلينتون» مع «مونيكا لوينسكي»، يجهل أن سكان هذه الحاضرة السوسية ينحدرون من نسل طارق بن زياد وجيشه الذي فتح الأندلس «بصح» بسواعد الرجال الأمازيغ وليس بسواعد «بوقتادة وبونبيل». ولعل أكبر إساءة إلى ذاكرة وتاريخ الأمازيغ هي تقديم سلسلة «الميخيات» للأندلس كبلاد فتحها واستوطنها العرب، والصحيح أن فاتحيها ومستوطنيها هم المسلمون وليس العرب، على اعتبار أن مسلمي الأندلس كان فيهم عرب المشرق وأمازيغ المغرب، وما كان يجمعهم ليس شيئا آخر سوى الإسلام.
أكادير، التي داست الكويت كرامتها، هي عاصمة أحفاد الفاتحين الأصليين للأندلس، تلك الجنة التي ضيعها ملوك الطوائف العرب الذين وضعوا سيوفهم ودروعهم جانبا وتفرغوا للهو واللعب مع الجواري والغلمان، إلى أن جمعت لهم الملكة إيزابيلا «حب وتبن» عندما جاءتهم بجيش صليبي عرمرم وطردت أبو عبد الله، آخر ملوكهم في قرطبة، شر طردة.
عشرون سنة كانت كافية لكي يحول هؤلاء العرب القادمون من الخليج سوس إلى عاصمة للجنس، بعدما كانت عاصمة للعلم. ولذلك تجد أن أكبر نسبة للإصابات بالأمراض المنقولة جنسيا توجد في منطقة سوس ماسة درعة. قصورهم وإقاماتهم المشيدة والمحروسة تحج إليها قوافل النساء والفتيات كما في زمن الإماء والعبيد بالأندلس.
خلال تلك الفترة، لم تكن المغربيات يعرفن أين توجد منطقة الخليج. كان الخليجيون الأثرياء هم من يأتي لغزو مدن المغرب السياحية، وكانوا هم من وطن فيها ما يسمونه بالدعارة الراقية، وهي الدعارة التي ظهرت مع فورة البترودولار، فأصبح العرب البدو الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان وينفقون عائدات نفطهم على نزواتهم، مستغلين فقر جيرانهم، فاستحلوا نساءهم وبناتهم وعاثوا فسادا في عواصم الأرض.
وقد أحيانا الله حتى أصبحنا نرى كيف أن دولة كالكويت، حجمها لا يتعدى حجم مدينة مغربية، سبق لصدام حسين أن «تخطاها» في دقيقتين بعد أن هرب رجالها وحكامها للاستجارة بالجيران وهم يرتجفون رعبا من بطشه، تتجرؤ اليوم على استفزاز المغاربة في شرفهم وكرامتهم وتعمم على نسائهم صورة سلبية ومنحطة، وكأن جميع المغربيات سارقات رجال وساحرات، والحال أن ما تتحدث عنه سلسلة «الميخيات» ظاهرة موجودة، غير أنها محدودة ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، اختزال بلد بكامله في إطارها وتقديمها على شكل سلسلة في أوقات الذروة على الفضائية الكويتية.
هناك خليجيون متزوجون من مغربيات، مستقرون في المغرب وخارجه، لديهم أبناء ويعيشون حياة مستقرة. وهناك خليجيون يأتون إلى المغرب لأنهم يحبونه ويحبون أهله. وهناك خليجيون يأتون للاستثمار والسياحة النظيفة، بمعنى أنه ليس كل الخليجيين الذين نراهم بيننا هم أثرياء، لديهم آبار نفط في بلدانهم وحقائب مملوءة بالدولار تحت آباطهم مستعدين لإنفاقها على أول امرأة يصادفونها.
هناك الكثير من الأحكام الجاهزة والسلبية بين المغاربة والخليجيين، ومثل هذه «الميخيات» التي تقدمها قناة «الوطن» الكويتية لا تفعل غير إذكاء الحقد والكراهية بين الشعبين.
على الكويتيين أن يتذكروا مناشدة الحسن الثاني لصدام حسين بالخروج من بلدهم عندما احتلها في دقيقتين، مضحيا بواردات المغرب من البترول العراقي الرخيص.
عليهم أن يتذكروا خير المغرب عليهم هو الذي يرسل عسكره ورجال أمنه لحماية أمرائهم وتكوين فرق أمنهم، ويرسل قضاته إلى محاكمهم وأساتذته إلى جامعاتهم.
إن المغرب، الذي اختزلته تلك «الميخيات» في مجرد وجهة لفتوحات العرب المكبوتين الذين لديهم مكان الأدمغة أجهزة تناسلية، لديه 1200 سنة من الحضارة والتاريخ.
وإذا كانت الأندلس قد ضاعت فليس بسبب الأمازيغ المغاربة الذين فتحوها بسواعدهم، بقيادة طارق بن زياد، وإنما بسبب مجون أجدادكم العرب القادمين من المشرق. هؤلاء العرب الذين يأتي أحفادهم اليوم إلى المغرب ليكرروا مهزلتهم من جديد.
وإذا لم تحتج وزارة الخارجية المغربية على الكويت بسبب هذه الإهانة، فلتحتج عليها على الأقل بسبب عرضها في سلسلة «الميخيات» لشرطي الجمارك كمرتشٍ يطلب ألفي درهم إلى كل من يريد دخول المغرب، وأيضا بسبب عرض السلسلة لخارطة تفصل المغرب عن صحرائه. ففي حدود علمنا، الكويت لم تعترف بعد بالبوليساريو إلى حد الآن.
والله أعلم «عاود ثاني».
... تابع القراءة

حامض وداير الثمان

عندما سمعت بأن المسلسلات التي ستقدمها القناتان العموميتان خلال شهر رمضان كلفت دافعي الضرائب أكثر من سبعة ملايير سنتيم، قلت مع نفسي لنتابع هذه «الحريرة» التلفزيونية لنرى مستوى هذه الإنتاجات التي صرفت عليها كل هذه الملايير.
ومن خلال العشرة الأوائل من هذا الشهر، اتضح أن مستوى إنتاجات هذه السنة هو الأفظع على الإطلاق.
ولعل أكثر ما أثار انتباهي هو تلك الكاميرا المرعبة التي يسمونها ظلما خفية، والتي اختار لها أصحابها أن تكون حلقاتها الثلاثين داخل سيارة أجرة.
أول ملاحظة، وقبل أن ندخل في مضمون البرنامج، لا بد من أن نشير إلى مسألة أساسية وهي أن قناة عمومية كالقناة الثانية، تنتج برنامجا موجها إلى المشاهدين داخل سيارة، كان أجدر بها أن تفرض على منشطيها أن يحترموا شروط السلامة الطرقية، خصوصا وأن وزارة النقل، بشراكة مع القناة الثانية، تقدم وصلات للتوعية بضرورة احترام قوانين السلامة الطرقية.. القناة الثانية تعطي الدروس للمغاربة بضرورة ربط حزام السلامة، وعندما تصور سلسلة «تاكسي 36»، يظهر المنشطان وهما يسوقان سيارة الأجرة بدون حاجة إلى ربط حزام السلامة. أكثر من ذلك، ففي إحدى الحلقات ينزل المنشط ويترك زبونة تسوق مكانه، مع أن سياقة التاكسي تحتاج إلى «رخصة ثقة».
وفي الوقت الذي تعطي فيه القناة الثانية الدروس للمواطنين بضرورة احترام العدد القانوني للراكبين، نرى كيف أن «بطلي» سلسلة «تاكسي 36» ليس لديهما أدنى مشكل في إجلاس ثلاثة ركاب في المقاعد الخلفية لسيارة الأجرة، مع أن القانون لا يسمح بإركاب سوى زبونين.
كنا نتمنى أن تخصص القناة الثانية برامج لمحاربة ظاهرة إركاب أربعة مسافرين في المقاعد الخلفية لسيارات الأجرة الكبيرة ومسافرين في المقعد الأمامي، فإذا بها تشجع على إركاب ثلاثة مسافرين في المقاعد الخلفية لسيارات الأجرة الصغيرة.
وكل من زار المغرب وشاهد أربعة ركاب وراكبات متزاحمين داخل سيارات الأجرة الكبيرة «شي فوق شي»، وراكبين يقتسمان المقعد الأمامي، إلا وغادر المغرب بفكرة مفادها أن المغاربة ليس لديهم احترام لأنفسهم. فيبدو أننا الوحيدون في العالم الذين لازلنا نقتسم مقعد سيارات الأجرة الأمامي بين راكبين فيما نقتسم المقاعد الخلفية بين أربعة. «ميني كار هاذا ما بقاش طاكسي».
ثم هناك ملاحظة لم ينتبه إليها كثيرون في هذه السلسلة، وهي أن التركيز الدائم على خلفية سيارة الأجرة، عبر لقطات مدروسة، يكشف أن العملية برمتها ليست سوى إشهار متنكر لسيارة «لوغان»، دون أن يتم الإعلان عن ذلك بشكل مكشوف. وإلا لماذا لم يغير مخرج البرنامج سيارة «لوغان» بماركة أخرى على سبيل التنويع. إذا كانوا متعاقدين مع شركة «لوغان» من أجل إظهار سياراتها طيلة رمضان في أوقات الذروة، فيجب أن يكشفوا عن ذلك حتى يكون الإشهار واضحا.
أما الملاحظة الثانية والتي تتعلق بمضمون الحلقات وفكرتها، فيمكن أن نقول إنها تعتمد على استثمار الإحساس بالرعب الذي يسكن المغاربة عندما يجدون أنفسهم داخل سيارة مغلقة الأبواب مع أحد الغرباء. ولا بد أن الفكرة التي تأتي مباشرة إلى ذهن المواطن عندما يريد فتح السيارة فيكتشف أن أبوابها مغلقة أوتوماتيكيا، هي أنه وقع في قبضة مجرم أو مختل. وبالنسبة إلى النساء والفتيات فأول شيء يتبادر إلى أذهانهن في مثل هذه المواقف هو الاختطاف والاحتجاز والاغتصاب. وهذا ما يفسر وصول بعضهن إلى شبه انهيار وهن يحاولن دون جدوى فتح أبواب سيارة الأجرة ودق زجاج نوافذها واستعطاف المارة بالبكاء لكي يخرجوهن من السيارة. كيف سيكون موقف هؤلاء «الضحايا» أمام أسرهم وأصدقائهم وزملائهم في العمل، وقد شاهدوهم في لحظات ضعفهم وخوفهم.
وربما يجد البعض لذة شريرة في التمتع بمنظر هؤلاء المواطنين المساكين وهم يتعرضون لجلسة التعذيب تلك داخل «تاكسي 36»، خصوصا عندما يرون علامات الخوف والرعب تبعثر تقاسيم وجوههم، لكن هذا النوع من الضحك «الباسل» ليس هناك ما يبرره إبداعيا، اللهم الشماتة في عباد الله ثم ربح المال على حساب إفساد أعصابهم وتعريضهم فيما بعد للسخرية أمام ملايين المشاهدين.
إن الكاميرا الخفية الحقيقية كانت ستكون هي كل تلك اللقطات التي ثار فيها «ضحايا» المنشطين وغادروا مكان التصوير غاضبين بسبب سخافة الموقف والفكرة دون أن يبتسموا في وجه مخرج البرنامج. نريد أن نرى كل تلك اللقطات التي انهال فيها ضحايا الكاميرا الخفية بالضرب أو الشتم على المنشطين والمصورين والمخرج. فنحن متأكدون من أنهم صوروا كثيرا منها، ونحن نعرف دماء المغاربة الساخنة، والتي لا تستحمل «الطنز» و«الاستحمار».
إلى حدود الآن، لم يقدم إلينا مخرج البرنامج سوى اللقطات التي «نجحوا» فيها في الإيقاع بالمواطنين. أين هي اللقطات «الفاشلة» التي تحول فيها فريق البرنامج إلى ضحية لغضب المواطنين؟ «طلقو لينا الفيلم  كامل باش نضحكو عليكم حتى نتوما شوية».
لكن يبدو أن «أبطال» الكوميديا «الحامضة»، الذين تقدمهم القناتان إلى المغاربة لحظة جلوسهم حول مائدة الإفطار، يجيدون الضحك على ذقونهم أكثر مما يجيدون إضحاكهم. ويكفي فقط تأمل السلسلة السخيفة التي يقترفها حسن الفذ قبل الإفطار، لكي تعرفوا إلى أي حد وصلت الضحالة الإبداعية في هذا البلد.
كما يكفي أن تعرفوا، مثلا، أن ذلك الضحك الحامض الذي يقدمه البشير السكيرج في سلسلة «الحراز»، والتي لا أحد يفهم ماذا يقول فيها من كثرة عجنه لكلامه بضحكاته الصفراء «بحال إلى عاجباه الفلجة ديال السنان»، قد نال عنه منتجه عبد الحي العراقي مليارا و100 مليون سنتيم، فيما أخذ عنه السكيرج «مول الفلجة» 70 مليون سنتيم. «وخدم نتا».
وما دمنا نتحدث عن الملايير التي صرفتها القناتان العموميتان على هذه «الحموضية» المصورة، يجب أن تعرفوا أيضا أن تلك الكارثة المسماة «ياك حنا جيران» تقاضى عنها نبيل عيوش مبلغ مليار و200 مليون سنتيم، بمعدل 40 مليون للحلقة الواحدة.
وإذا كان هناك من شخص «طلعات ليه مزيان فهاذ رمضان» فهو نبيل عيوش، لأنه لم يكلف نفسه سوى عناء التنقل إلى مقر القناة الثانية لتسلم الشيك السمين، أما كتابة سيناريو حلقات سلسلته وحواراتها فقد اشتراها «بالضيطاي» بخمسة آلاف درهم للحلقة، وعهد بإخراجها إلى إدريس الرخ الذي جاء من التمثيل إلى الإخراج لكي يتعلم «الحسانة» في رؤوس المغاربة. والنتيجة كما ترون، «حموضية» تصيب بالغثيان.
وفي الوقت الذي يعضّ فيه المشاهدون على أيديهم من شدة الغيظ وهم يرون الطريقة البليدة والسخيفة التي تهدر به أموال ضرائبهم، يسمن المخرجون أصحاب شركات الإنتاج من حساباتهم البنكية وهم يضخون فيها الشيكات التي حصلوا عليها بفضل هذا الزبل الذي صوروه.
وبالنسبة إلى نبيل عيوش، فليست هذه هي أول «تمخميخة» يحصل عليها مع القناة الثانية، فقد حصل على دعم المركز السينمائي المغربي في عهد سهيل بنبركة عن فيلمه «لحظة ظلام» الذي أبرز فيه الممارسة الجنسية الفعلية بشكل كامل مع إظهار العضو الذكري لـ«بطل» الفيلم، مع العلم بأن الأوربيين يعتبرون ظهور العضو الذكري سببا كافيا لتصنيف الفيلم ضمن أفلام «البورنو».
المهم أن نبيل عيوش حصل على الدعم اعتمادا على معطى الدعم على السيناريو، أي قبل الإنتاج، في حين أن فيلمه كان وقتها مكتمل التصوير في مرحلة المونتاج، وهو ما يعد التفافا على قوانين صندوق الدعم وقتها. نفس الفيلم حصل على دعم القناة الثانية في عهد نور الدين الصايل كإنتاج مشترك بين القناة والمنتج. لكن القناة لم تعرض الشريط إلى اليوم، مما يعني خسارة ما يقارب مليون درهم تقريبا.
ثم جاء مشروع film industrie الذي رفضت إنتاجه القناة الثانية في عهد بن علي، قبل أن يفرض إنتاجه نبيل بنعبد الله، وزير الاتصال حينذاك، بعد تدخل عيوش الأب، على القناة الأولى.
كان المتفق عليه هو أن يتم عرض الأفلام المنتجة على السينما والتلفزيون، لكن شيئا من هذا لم يحدث، وهو ما كان بشرنا به نبيل بنعبد الله وقتها في الندوة الصحفية التي عقدت لإعلان انطلاق المشروع الذي كلف ما يفوق ثلاثة ملايير سنتيم. ولم يتم احترام أي من تلك البنود، فلا ذلك ساهم في تحريك «عجلة» الإنتاج الوطني ولا هو ساهم في إنتاج أفلام أخرى غير المتفق عليها، بل إن عيوش حوّل مدينة أكادير إلى مسرح للأحداث، وفوت إنتاج الأفلام إلى ممثلين مغمورين تقليلا للتكاليف، مع أن ميزانية إنتاج الفيلم الواحد تعدت 160 مليون سنتيم.
وحتى شركة «ميديتيل» لم تفلت من دفع تعويضات لنبيل عيوش، فقد قاضاها بتهمة الإخلال بعقد ينص على اقتنائها 600 ألف قرص DVD للأفلام المصورة سيتم توزيعها على زبائنها. وعندما راسلت «ميديتيل» شركة نبيل عيوش تخبره بصعوبة تجنيد شبكة توزيعها والشروع في حملة الإشهار متسائلة عن إمكانية استبدال العملية، لجأ عيوش إلى القضاء وطالبها بحوالي مليار سنتيم كتعويض. وعندما خسر دعواه، استأنف الحكم وتدخل «بابا عيوش» لدى الملياردير عثمان بنجلون، أحد مساهمي «ميديتيل»، لكي تتم تسوية المشكلة بالتراضي ويحصل الابن المدلل نبيل عيوش على تعويض أكبر من الذي طلبه أمام المحكمة، أي مليار و300 مليون.
علاقة عيوش بالصايل كانت وطيدة منذ مدة طويلة حين عهد إليه بإنتاج ثلاثة أجزاء من «للا فاطمة» بميزانية تقدر بالملايير أيضا، بل حصل أيضا على دعم من المركز السينمائي لإنتاج فيلم «كل ما تريده لولا» الذي تدور أحداثه بمصر ولا علاقة لحكايته بأي شيء مغربي، ولم يشارك فيه أي فنان مغربي بدور محترم، فكيف إذن يتم دعمه من أموال دافعي الضرائب؟ بل الأدهى أن الفيلم يقدم دوما في المواقع الإلكترونية الوازنة على أنه إنتاج فرنسي.
مؤخرا، سمعنا عن مشروع بالملايير على غرار film industrie سيخص هذه المرة القاعات السينمائية التي سيتكلف عيوش بترميمها باتفاق مع المركز السينمائي.
«ومزال العاطي يعطي».
... تابع القراءة

حروف الزين

فاجأني حجم الرسائل والمكالمات الهاتفية التي توصلت بها مباشرة بعد صدور عمود «القراصنة ديال بصح»، الذي تحدثت فيه عن الوضعية المؤسفة والخطيرة التي وصلت إليها مدينة سلا العريقة.
فقد شعر كثير من السلاويين، المقيمين داخل المغرب وخارجه، بأن صوتهم المستنكر للمؤامرة التي تريد اغتيال مدينتهم قد تم إسماعه أخيرا.
والحقيقة أنني لأول مرة أعرف أن العمدة لزرق يعاقب أحياء كاملة بسبب عدم تصويتها عليه خلال الانتخابات، فيحرم طرقها وأزقتها من التزفيت والترصيف. فقد كنت أظن أن هذا الأمر مقتصر فقط على بلدية بوزنيقة، خصوصا عندما زرت منطقة شاطئ الصنوبر هذا الصيف واندهشت من حجم الحفر التي توجد وسط طرقات الحي والتي تلزمك دبابة للسير فوقها وليس سيارة. وعندما سألت بعض السكان عن سبب الإهمال الذي يطال منطقتهم قالوا إن المجلس البلدي لا يهتم بالاعتناء بالبنيات التحتية لهذه المنطقة لأن أغلب سكانها، أجانب ومغاربة، لا يقيمون هناك بشكل دائم، بمعنى أنهم غير مسجلين في اللوائح الانتخابية لهذه الدائرة، وبالتالي فهم لا يصوتون. وسعادة الرئيس ورجاله يعطون الأولوية للمناطق التي يوجد بها أنصارهم الذين يصوتون عليهم.
فالمواطنة في جل مدن المغرب أصبحت تحدد بالتسجيل في اللوائح الانتخابية لا بالتسجيل في مديرية الضرائب. ورغم أن هؤلاء السكان التعساء يدفعون ضرائبهم للمجلس، فإن رؤساء المجالس يقررون معاقبتهم بحرمانهم من الاستفادة من الخدمات الأساسية.
ومن شدة ولع عمدة سلا بتفويت كل الخدمات الحيوية بالمدينة إلى الشركات الأجنبية، فقد ذهب إلى حد تفويت قسم المحاسبة إلى إحدى الشركات الخاصة. وإلى اليوم، لا أحد يعرف ما الذي تصنعه هذه الشركة مادام العمل الأساسي ينجزه الموظفون الإداريون الذين يتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة.
ويبدو أن العمدة لم يجد من حوله من يقول له اتق الله في سلا، على العكس من ذلك فَحـَوْله أعضاء لا يرحمون الأملاك العمومية، وعلى رأسهم نائبان حصلا مؤخرا على ترخيص من الوكالة الحضرية والعمدة ببناء مدرستين خاصتين فوق بقعتين كانتا مخصصتين، في تصميم التهيئة السابق، لبناء موقف للسيارات وسوق بلدي، وتأخر تنفيذ المشروعين بسبب مسطرة نزع الملكية التي لازالت قائمة.
وقد تساءل أغلب المتصلين في سرهم عن سبب حماسي الزائد للكتابة عن هذه المدينة المظلومة، مع أنها ليست مسقط رأسي، فقلت لهم إن هناك مدنا لمسقط الرأس وأخرى لمسقط القلب، فسلا كانت المدينة التي قضيت فيها أجمل عطلي السنوية خلال نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات في بيت أحد أخوالي، ولذلك فأنا أحتفظ لها في قلبي بمكانة خاصة جدا، وقد كنت أنتظر وصول العطلة الصيفية بفارغ الصبر لكي أجمع حقيبتي وأضع «ثروتي» الصغيرة في جيبي، والتي لم تكن تتجاوز خمسين درهما في أحسن الأحوال، وأركب أول سيارة أجرة تقذفني في محطة «القامرة»، ومنها آخذ الحافلة رقم 30 وأهبط في باب الحد، وأسير إلى أن أصل إلى وادي أبي رقراق فأركب «الفلوكة» بخمسين فرنكا حرصا على «ثروتي» الصغيرة، لكي أصل بعد دقيقتين إلى ضفة سلا.
لقد كان الوصول إلى سور باب الخميس ودخول بابه الضخم المحفور بالنقوش بالنسبة إلي مثل دخول كتاب مفتوح للتاريخ، أنا القادم من مدينة لا أثر فيها لمعالم التاريخ، نبتت مع المعمرين الفرنسيين على هامش «قشلة» للعسكر.
أسير بين أزقة باب شعفة وباب سبتة، مستنشقا روائح الخبز والحلوى المنبعثة من الأفران، وأقول في نفسي هنا كان يمر القراصنة والفرسان فوق ظهور خيولهم. أصل إلى سوق الغزل حيث تعود الفقراء على بيع أغراضهم وثيابهم المستعملة بالدلالة، فأقول هنا كان يبيع القراصنة السلاويون السبايا والأسرى الأوربيين والأمريكيين الذين يجلبونهم من بحر الظلمات.
أنا مدين لسلا باكتشافي للسينما وعشقي لها. فقد كنت كل خميس، موعد تغيير الأفلام، أقف في صف الداخلين إلى سينما «كوليزي» ذات المقاعد الخشبية، حيث يتقاسم المتفرجون القاعة مع جرذان غير عابئة تتجول تحت الكراسي. كنت أفضل سينما «كوليزي» على سينما «الملكي» لأنها كانت في طريق الشاطئ. وبمجرد ما ينتهي الفيلم، أنزل إلى البحر وأقطع النهر سباحة إلى «بركامة» وأتمدد تحت صخور الوداية  الظليلة حيث البيوت معلقة بين البحر والسماء.
في المساء، أعود إلى بيت خالي حيث يمكن أن تستنشق رائحة «المقيلة» من الدرج السفلي للبيت. وبما أنني كنت في طور النمو فقد كان أكل البيت لا يكفي، فكنت أذهب مع ابن خالي إلى دكاكين «المعقودة» حيث نحشو أرباع وأنصاف الخبز بتلك الكرة المقلية من البطاطس المخلوطة بالزعفران، و«ندك» ذلك كله بكأس «ديطاي» من «الموناضا»، ثم نشتري حلوى «ميلفوي» محلية الصنع ونعود أدراجنا إلى البيت ضاحكين.
أنا مدين أيضا لبيت خالي في سلا باكتشافي للصحافة والكتب والمجلات، ففي تلك «السدة»، التي كنا نقضي فيها أنا وابن خالي جزءا كبيرا من وقتنا، كانت هناك «كراطن» كثيرة من الكتب والمجلات التهمتها عن آخرها. كما كان هناك مذياع يلتقط المحطات البعيدة لإذاعات لديها أقسام عربية كانت تذيع برامج جميلة وعذبة حول الشعر.
كانت لخالي، إلى جانب عمله، هواية الصيد بالمركب، فكان يخرج إلى البحر ليلا. وعندما يعود، كنا نتسلم منه المركب أنا وابن خالي ونقضي أوقات ما بعد الظهيرة في العمل على نقل العابرين بين ضفتي نهر أبي رقراق. وعندما يبتسم لنا الحظ، كنا نفوز بجولة سياحية مع سياح أجانب يدفعون لنا مقابل التجديف بهم قبالة الشاطئ عشرين درهما، أي ما يعادل أسبوعا من سندويتشات «المعقودة».
أحيانا، كنا نقضي الليالي المقمرة فوق المركب وسط النهر بالقرب من القنطرة، نصطاد سمك «الكوال» الكسول الراقد في أعماق النهر. كانت مياه النهر لا تزال محافظة على لمعانها قبل أن تتحول إلى مياه داكنة بسبب كل القاذورات التي يحملها في طريقه.
في المساء عندما يبرد الجو، نذهب إلى السويقة حيث كل شيء يباع بالتقسيط. أكباد الدجاج، الزيت، الملوخية، السمك واللحوم. بوسعك أن تعثر في تلك السويقة، التي تخترق قلب المدينة، على كل شيء.
بعد ذلك، نذهب للتفرج على «الحلاقي» التي كانت تتكون مع بداية المساء في ساحة باب الخميس، ثم يأتي الليل فنصعد إلى سطح البيت لكي نتفرج على أسطح المدينة المضاءة مثل مجرات.
وخلال عطل نهاية الأسبوع، كنا نذهب برفقة خالي إلى سيدي موسى، أو «الحجرة المقطوعة» كما كان يسميها، لكي نقضي هناك يومين فوق صخرة يتطلب العبور إليها المرور فوق صراط صخري يعصف به الموج من كل جانب. وعندما يعز السمك في «الحجرة المقطوعة»، كنا نذهب إلى «سيدي بوقنادل» لنغرس خيمة هناك بين البحر و«السواني» الممتلئة بالخضروات، والتي نبتت مكانها اليوم عمارات وأحياء إسمنتية.
في ذلك المقهى الصغير والضيق ذي السقف الواطئ المحاذي لسينما «كوليزي»، كتبت أولى نصوصي الأدبية التي نشرت في جريدة «العلم» بداية التسعينيات. كنت أصعد إلى «السدة» وأجلس بمفردي في الغالب، وأشرع في الكتابة بالقرب من مروحية صغيرة من العاشرة إلى الواحدة بعد الزوال. وعندما أنتهي، كنت أجمع أوراقي وأعود إلى بيت خالي لأتناول الغذاء وأصعد إلى «السدة» لالتهام الكتب والمجلات والجرائد.
عندما كبرت وحصلت على الإجازة وتم قبولي في السلك الثالث بجامعة محمد الخامس بالرباط، استمرت علاقتي بسلا عبر خالي الذي كنت أنزل في بيته كلما أتيت إلى الرباط. 
اليوم، هذه المدينة، التي تسلط عليها القراصنة من كل نوع، تغيرت كثيرا. لم يعد دخول أبوابها يعطيك الانطباع بأنك داخل إلى كتاب تاريخي، بل يعطيك انطباعا بأنك داخل إلى كابوس.
أصبحت سلا مدينة للتخلص من فائض الحاجة الذي تلفظه العاصمة. مجرد تجمع سكني للمبيت. مدينة  فقدت روحها، تسير ببطء نحو نموذج المدن البرازيلية الهامشية حيث العصابات الإجرامية تفرض قانونها بقوة السلاح.
لقد تشوهت سلا كثيرا إلى الحد الذي أصبح معه صعبا التعرف على ملامحها القديمة والجميلة، وهي الملامح التي لازالت تقاوم آثار العدوان الهمجي الذي يمارس على تاريخها كل يوم. وكما يقول المغاربة «الزين إلى مشا يبقاو حروفو».
الناس أصبحوا خائفين على أبنائهم من كل هذه المخدرات متنوعة الأسماء التي تغزو الشوارع وتنتظرهم على أبواب المدارس والثانويات. الناس أصبحوا خائفين لا يطلبون سوى الأمان على أرواحهم وهم يخرجون في الصباح من منازلهم في الأحياء مترامية الأطراف التي نجح وحوش العقار في تحويلها إلى سجن كبير.
الناس يطلبون شيئا من الكرامة وعزة النفس وهم يرون أنفسهم مجبرين على ركوب «الهوندات» وسيارات الغرباء مثل السردين للذهاب إلى مقرات عملهم، لأن شركة النقل التي فوت إليها العمدة صفقة النقل العمومي لا ترغب في استغلال الخطوط غير المربحة.
الناس في سلا، ببساطة، «طالع ليها الخيخ مزيان». فمتى سيفهم العمدة أن جميع مناطق سلا يجب أن تستفيد من أموال المجلس، لأنها ببساطة أموالهم التي يدفعونها على شكل ضرائب، وليست أموال العمدة أو غيره لكي يصرفها فقط على المناطق التي صوتت عليه؟
... تابع القراءة

سعادة الوالو

بمناسبة الزيارات الملكية المفاجئة للمدن، أصبح الجميع يتحدث عن رؤساء الجماعات والمجالس البلدية والعمال وولاة الأمن والجمارك والدرك الذين يضعون أيديهم على قلوبهم خوفا من أن تنكشف صفقاتهم وسرقاتهم وينتهوا في الزنزانة مثلما حدث لموظفي الحسيمة.
لكن وسط هذا الجدل، لا أحد يستحضر مسؤولية الولاة في ما يقع داخل المدن والمناطق من «سيبة» منظمة، مع أن الوالي يعتبر ممثل الملك في الجهة أو المنطقة التي يتم تعيينه فيها. وإذا كان الوالي «واقف على شغلو»، فإن الملك لن يكون بحاجة إلى النزول بنفسه إلى الأزقة والشوارع لتفقد الأشغال والبنيات التحتية. وبما أن أغلبية الولاة مشدودين إلى كراسيهم بمسامير «عشرة»، فإن المدن تسبح في الفوضى العمرانية والأمنية، مما يفسر نزول الملك بنفسه لتفقد مدن مملكته.
كيف يتم اقتراح واختيار هؤلاء الولاة الكسالى الذين أصبحوا محتاجين إلى من «ينغزهم» لكي يغادروا مكاتبهم وينزلوا لرؤية العفن الذي أصبح يعشش في أنحاء مدنهم؟ لنتأمل قليلا طريقة اقتراح عبد الفتاح الهمام لشغل منصب وال على جهة وجدة.
صباح الرابع والعشرين من أبريل الماضي، كانت وكالة المغرب العربي للأنباء تبث قصاصة تعيين وال جديد على جهة وجدة مكان الوالي الإبراهيمي، الذي يبدو أنه نسي وظيفته الأصلية وتفرغ لاستقبال «سيغولين روايال»، المرشحة الاشتراكية السابقة للرئاسة الفرنسية، ونشر صوره معها في الصحافة المحلية. الآن بعد أن تم تجريده من منصب وال، سيكون لديه الوقت الكافي لكي «يقابل» ضيعته الفسيحة التي تبلغ مساحتها 350 هكتارا بعين الشكاك بطريق إموزار، كما سيكون لديه الوقت لكي «يقابل» قصريه الكبيرين بطريق زعير اللذين شيدهما فوق أراضي «الضومين».  
الوالي عبد الفتاح الهمام، الذي أخذ مكان الإبراهيمي، حظي بقصاصة خبرية من وكالة المغرب العربي للأنباء نسبت إليه أشياء غريبة ومتناقضة في سيرته الذاتية.
وقد كانت القصاصة «مطروزة» بشكل يجعل قراءها، خصوصا الذين لا يعرفون «فتحي» ومساره المهني جيدا، يعتقدون أن «الهمام» رجل سلطة من قديم الزمان.
وحسب وكالة بوزردة للأنباء، فالسيد الهمام كان منذ سنة 1981 رئيس القسم الاقتصادي بولاية الدار البيضاء، وهي وظيفة على درجة كبيرة من الأهمية في مدينة تعتبر القلب النابض لاقتصاد المغرب.
لكن المدهش في الأمر أن وكالة بوزردة تعود لكي تقزم  لنا بطلنا «الهمام» سنة 1983 إلى مجرد رئيس مصلحة استقبال بالمعرض الدولي للدار البيضاء. هنا يمكن أن نتخيل أمرين لا ثالث لهما، إما أن الوكالة سهت، وسبحان من لا يسهو ولا ينام، وإما أن «الهمام»، الذي كان «يلعب» بالمفاتيح الاقتصادية للعاصمة بين أصابعه، تعرض لعقوبة إدارية طوحت به من رئيس القسم الاقتصادي إلى مجرد رئيس مصلحة «لافوار». هنا بوزردة لا يفيدنا بأية معلومة، فهو يعمل في مثل هذه المواقف بحكمة «الفم المسدود ما يدخلو دبان».
مفاجآت قصاصة وكالة بوزردة لا تنتهي، خصوصا عندما ستصل إلى سنة 1986، وتخبرنا بأن «الهمام» شغل منصب نائب رئيس قسم الشؤون العامة. وربما هذه أول مرة نسمع فيها أن موظفا يتم تعيينه في منصب نائب رئيس قسم في الوقت الذي سبق له قبل خمس سنوات أن شغل منصب رئيس قسم. هل يتعلق الأمر بعقوبة إدارية جديدة؟ لا جواب.
وبقدر ما حرصت قصاصة وكالة الأنباء على إحصاء المناصب التي تقلدها «فتحي» في الدار البيضاء، رغم «تخلاط العرارم» غير الواضح الذي اعترى هذا الحرص، فإن الوكالة أصيبت بفقدان الذاكرة عندما تعلق الأمر بالحديث عن منصب «مهم» تقلده «الهمام» في الدار البيضاء. فقد تناسى بوزردة عمدا أن يشير إلى أن الوالي «الهمام» اشتغل في «الباطوار» و«مارشي كريو». فهل خجل من ذكر هاتين الوظيفتين المحترمتين اللتين مارسهما «الهمام» لسنوات، حيث كان مشرفا على مراقبة الذبائح وشاحنات الخضر والفواكه.
يبدو أن الذين اقترحوا «فتحي» للذهاب واليا على منطقة وجدة لم يكونوا متحمسين لذكر هذه المحطات المهنية «اللامعة» في سيرته الذاتية التي قدموها إلى الديوان الملكي، كما أنهم لم يروا من الضروري أن يشيروا إلى أن «فتحي» غادر الداخلية في فترة من الفترات لكي يتقلد مسؤولية تسيير شركة «إيكوماي» للنسيج في سيدي البرنوصي بالدار البيضاء. وهي، بالمناسبة، الشركة التي أفلست ودخلت في التصفية القضائية وشردت عمالها.
بمعنى أن السيد «الهمام» غادر قطاع الوظيفة العمومية لكي يشتغل في القطاع الخاص. وطبعا، فقصاصة الوكالة لا تشرح للرأي العام الظروف التي غادر فيها سعادة الوالي القطاع العام لكي يلتحق بالقطاع الخاص على رأس شركة للنسيج الراقي يملك فيها آل بنيعيش، المعروفين باستثماراتهم في قطاع النسيج والمطاعم، أسهما مهمة.
لكن الحنين إلى الداخلية سيشد من جديد بطلنا «الهمام»، فسنوات بعد ذلك سيغادر إدارة شركة «إيكوماي»، بعد أن وفر لها كل أسباب الإفلاس، وبقدرة قادر سيتم تعيينه عاملا. أين يا ترى؟ في المنطقة نفسها التي توجد فوق ترابها شركة «إيكوماي» التي كان يسيرها لسنوات.
لا أحد في وزارة الداخلية طرح السؤال حول هذه المصادفة العجيبة التي جعلت مسيرا سابقا لشركة خاصة يغادرها لكي يتم تعيينه عاملا على المنطقة التي توجد الشركة تحت نفوذها الترابي.
يبدو أن أولياء نعمة «فتحي» الذين جلبوه لكي يسير لهم شركتهم، فهموا أن دوره على رأس الشركة التي استطاعت مراكمة الملايير كأرباح قد انتهى، خصوصا بنهاية العصر الذهبي للنسيج المغربي مع ظهور بوادر الأزمة العالمية ولجوء أغلب الشركات الكبرى في المغرب إلى الاحتماء تحت مظلة التصفية القضائية للإفلات من دفع المستحقات للعمال والضرائب.
وعندما تفكر شركة كبيرة للنسيج في تسريح ألف عامل من عمالها، فإن هذا الأمر يحتاج إلى تخطيط مسبق، تحسبا لردود فعل اجتماعية غاضبة. ولعل أنسب مكان يمكن أن ينتقل إليه مسير الشركة لسل شوكة المستخدمين بدون إراقة دماء هو منصب عامل على المنطقة التي توجد فوق ترابها الشركة. هكذا تدار عملية الطرد بشكل أمني مدروس ومتحكم في تبعاته الاجتماعية.
وهكذا تم بالفعل، فقد أغلقت الشركة أبوابها وسرحت عمالها. وبعد فترة وجيزة على إغلاق الشركة وإنهاء «الهمام» لمهمته على أحسن وجه، سيتم اقتراحه ليشغل منصب وال على وجدة. وهي المنطقة التي لدى أولياء نعمة «الهمام»، الذين وظفوه في شركة نسيجهم واقترحوه عاملا، مشاريع مشتركة مع ملياردير يتحدر منها (وجدي) اسمه علي بلحاج، يشغل منصب رئيس جهة وجدة ويشغل أيضا منصبا قياديا في حزب الأصالة والمعاصرة الذي قبل به بعد أن جلب إليه «رابطة حرياته».
والملياردير علي بلحاج، رئيس الجهة، لديه مشاريع مشتركة في المنطقة الشرقية مع آل بنيعيش، أولياء نعمة «الهمام». وبنيعيش وعلي بلحاج والملياردير الوجدي بوعزة ناصر، الزوج السابق لسفيرة المغرب في البرتغال كريمة بنيعيش، يشكلون ثلاثيا لا يفترق.
وهكذا، فليس من المستبعد أن يكون اقتراح «الهمام» واليا على منطقة وجدة مجرد إعادة لسيناريو تعيينه السابق عاملا على عمالة عين السبع، حيث مقر الشركة التي كان مكلفا بتسيير شؤونها.
يعني عوض أن «يقابل» شؤون المنطقة «سيقابل» شؤون أصدقاء أولياء نعمته.
وإذا كان علي بلحاج قد فشل في الحصول على مقعد بمجلس المستشارين بعد سقوطه المريع في انتخابات تجديد مقاعد الجهة الخاصة بقطاع الجماعات المحلية بالغرفة الثانية، فإنه لا شك سينجح في تمتين أواصر الصداقة و«العمل» مع الوالي الجديد الذي كون خبرة لا بأس بها في التسيير داخل «الباطوار» و«مارشي كريو» الذي يحقق القاضي سرحان في ملاييره المختلسة، وشركة «إيكوماي» التي قادها نحو الإفلاس وشرد ألف مواطن من مستخدميها لازالوا إلى اليوم في الشارع.
غريب أمر هذه البلاد. عباس الفاسي ينصب على  ثلاثين ألف مواطن في أكبر فضيحة عرفها المغرب، وعوض أن يكون أمام القضاء يصبح وزيرا أول.
مدير شركة «إيكوماي» يتسبب تسييره العشوائي في تشريد ألف عامل، وعوض أن تتم محاسبته يجد نفسه قد عُيـّن عاملا ثم واليا على منطقة وجدة.
«فهمتو شي حاجة»؟
... تابع القراءة

مصيبة اسمها المنتخبون

يتساءل الجميع لماذا عوض أن تنقرض أحياء الصفيح بالمغرب تزداد أعدادها، وبمجرد ما تحطم السلطة المحلية «براكة» ينمو حي صفيحي بأكمله مكانها؟ ولماذا هناك أحياء صفيحية وأحياء عشوائية عجزت السلطات عن اقتلاعها، من ضمنها أكبر وأقدم حي صفيحي في سيدي يحيى الغرب يوجد في المنطقة التي يمثلها الإقطاعي عبد الواحد الراضي في البرلمان منذ الستينيات وإلى اليوم؟
السبب هو الانتخابات. المنتخبون يعرفون أن المغاربة لا يهتمون بالانتخابات، ولا يكلفون أنفسهم مشقة الذهاب إلى صناديق الاقتراع لاقتناعهم بأن الخير لا يأتي من تلك الصناديق.
في السابق، عندما كان البصري يسير الداخلية بقبضة من حديد، كان المواطنون يأتون مكرهين إلى صناديق الاقتراع، لأنهم كانوا يعرفون أن المقدمين والشيوخ يحصون عليهم أنفاسهم ويسجلون كل من تخلف عن الذهاب للتصويت. وكان المقدمون والشيوخ يستعملون سلطتهم في منح شواهد الحياة والممات والضعف والسكنى لكي يبتزوا بها المواطنين. فكل من تخلف عن القيام بالواجب الوطني كان يسجل لدى عيون الداخلية ضمن لوائح المواطنين «اللي فراسهم شي حاجة».
وهكذا كانت نسب المشاركة في الانتخابات تصل إلى نسب مرتفعة.
اليوم، وبعدما فقدت الداخلية قدرتها على مقايضة المواطنين أصواتهم بالوثائق الرسمية، وبعدما فقدت العملية الانتخابية جاذبيتها ولوثتها الأموال ودخل إليها كل من هب ودب من تجار المخدرات إلى السماسرة والمحتالين والوصوليين من كل نوع، صد الناس وجوههم عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع. فوجد هؤلاء المنتخبون المرتزقة أنفسهم أمام ورطة حقيقية.. من سيصوت عليهم لكي يجلسوا فوق كراسي البلديات والمجالس والبرلمان من أجل ممارسة رياضتهم الوطنية التي اسمها «الخواض»؟
وهكذا لجأ هؤلاء المحتالون إلى قاعدة تجارية بسيطة، وهي أنك إذا أردت أن تحصل على زبائن، فما عليك سوى أن تخلق السوق. ومن هنا جاءت فكرة الأحياء العشوائية وأحياء الصفيح.
بمعنى آخر، فأحياء الصفيح والمدن العشوائية ليست مشكلة عمرانية بقدر ما هي مشكلة سياسية مرتبطة بتوفير الخزان الاحتياطي للأصوات خلال الانتخابات. ولهذا نلاحظ أن نسبة المشاركة في الانتخابات داخل هذه الأحياء العشوائية تكون مرتفعة مقارنة بالأحياء العادية.
فإذا كان المواطن العادي الذي يسكن في حي عادي غير معني بمنح صوته لمرشح ما، فإن ساكن الحي الصفيحي معني بإعطاء صوته للمنتخب الذي مكنه من اقتناء مكان يبني فوقه «براكته» وساعده في مدها بخيط كهربائي. فهذا المواطن مدين لهذا المرشح بالعثور على مكان له تحت الشمس، ولذلك فهو مطالب برد الدين إليه خلال الانتخابات.
وطبعا، فرد الدين ليس مجانيا، فكل المرشحين الذين يعولون على احتياطي الأحياء العشوائية يخصصون ميزانية مالية لشراء الأصوات يكلفون بها سماسرة من الجنسين. وبعد الانتخابات، يستمر المرشحون الناجحون على ظهر البؤساء في تعهد بؤس هذا الاحتياطي المهم من الأصوات إلى حين وصول الانتخابات المقبلة، بمعنى أن القضاء على مدن الصفيح والأحياء العشوائية يعني القضاء على خزان من الأوراق الجاهزة للتصويت، ويعني أيضا القضاء على فصيلة من المنتخبين الجشعين والوصوليين الذين يستغلون مقاعدهم في المجالس والبلديات والمقاطعات من أجل الاغتناء ونهب الميزانيات.
على المواطنين أن يعرفوا أن معاناتهم، بسبب مشكل انعدام النظافة والتلوث وانعدام المناطق الخضراء والبناء العشوائي وفوضى الطرق، يتحمل مسؤوليتها المنتخبون الذين يسمنون ويربون البطون في المجالس البلدية والمقاطعات ومجالس المدن وتحت قبة البرلمان.
لقد تحول دورهم الرقابي على الميزانيات إلى دور الساهر على اقتسامها بين الأعضاء المرتشين، تحت أنظار السلطة المحلية التي يأكل المرتشون من رجالها نصيبهم مقابل إغماض أعينهم عن البناء «الرشوائي» الذي ينطلق مع نزول الظلام.
في المغرب، يستحيل أن تدق مسمارا في الحائط دون أن يطرق بابك المقدم لكي يسألك هل تنوي تغيير شيء في منزلك. وهؤلاء المقدمون والشيوخ، الذين يحصون على عباد الله أنفاسهم، يصابون فجأة بالصمم عندما تبدأ عمليات حفر الأساسات وإلقاء «الضالات» وضرب «المرطوب» للبنايات التي تنمو تحت جنح الظلام. هل تعتقدون أن كل هذه الأحياء الصفيحية التي تنمو تخرج إلى الوجود بدون علم السلطات المحلية؟ إن كل «براكة» يتم بناؤها يتفرق ثمنها على القائد والمقدم والمرشح و«زيد وزيد».
والمصيبة الكبرى هي أن كثيرا من منتخبي الجماعات المحلية والقروية أميون لا يتوفرون حتى على الشهادة الابتدائية.
وعلى هامش الامتحانات السنوية الأخيرة، نظمت وزارة التعليم امتحانا جماعيا للمنتخبين الجماعيين الذين لا يتوفرون على شهادة الدروس الابتدائية، بعد طعن خصومهم السياسيين أمام المحاكم في شرعية فوزهم.
وهكذا وجد هؤلاء المنتخبون أنفسهم مجبرين، من أجل الحفاظ على مقاعدهم في الجماعات، على العودة إلى مقاعد المدارس في مختلف الأكاديميات الجهوية للمملكة لكي يجيبوا عن أسئلة في الرياضيات واللغة العربية والفرنسية.
وبالطبع، جاءت النتائج كارثية كما كان متوقعا. وبما أن هؤلاء المنتخبين «غير السطل على خوه»، فقد «ضربها بسقطة» 95 في المائة منهم. فكانت أعلى نقطة حصل عليها مرشحو منطقة «الغرب شراردة» هي  2,44 على عشرين، فيما حصل ثلاثة مرشحين على واحد على عشرين، أما الثلاثة الباقون فقد حصلوا على «شفنجة» على عشرين لكل واحد منهم.
ولم تخرج منطقة مراكش تانسيفت الحوز عن هذه المعدلات المخجلة. وحسب إحصائيات غير رسمية، فإن ثلثي أعضاء مكاتب الجماعات المحلية القروية، بمن فيهم رؤساؤها، لا يعرفون القراءة والكتابة.
وطبعا، فهؤلاء المنتخبون يسيـّرون الشأن العام للمواطنين ويتصرفون في الميزانيات ويوقعون على التراخيص ويقررون في مصير المشاريع الاستثمارية التي يضع أصحابها طلبات فوق مكاتبهم.
وربما يعتقد وزير الداخلية أنه بإجباره لهؤلاء المنتخبين الأميين على العودة إلى مقاعد الدرس للحصول على الشهادة الابتدائية، سيكون قد أغلق الطريق في وجوههم للوصول إلى عضوية ورئاسة المجالس والبلديات.
الدليل على ذلك أن رئيس بلدية «إغرم» بإقليم تارودانت استطاع أن يضمن إعادة انتخابه للمرة الثالثة رغم صدور ثلاثة أحكام قضائية تقضي بعدم أهليته للرئاسة لعدم توفره على شهادة استكمال الدروس الابتدائية.
فالقانون يمنع المرشحين غير الحاصلين على الشهادة الابتدائية من رئاسة البلدية، لكنه لا يمنعهم من الترشح لمنصبها. فيطبق القانون ظاهريا وتلغى رئاسة الرئيس الأمي وتعاد الانتخابات فيترشح فيها ويفوز من جديد. «فهمتو شي حاجة».
والمصيبة العظمى هي أن النواب الأول والثاني والثالث للرئيس والذين تم انتخابهم في الجلسة ذاتها، هم أيضا يفتقرون إلى شهادة مدرسية تؤهلهم لتحمل المسؤولية. وحتى كاتب المجلس يا حسرة، الذي من أهم واجباته كتابة محاضر الاجتماعات، لا يعرف «الليف من الزرواطة»، فنائبته هي التي تتولى كتابة المحاضر بالنيابة عنه فيما يتولى هو «بصمها».
هذه عينة من منتخبين يسيرون شأن بلدية يدفع لها سكانها الضرائب. كيف تتشكل هذه البلديات والمجالس، ومن يسهر على إعدادها، وكم يكلف منصب الرئيس ونوابه في بورصة بيع وشراء الأصوات؟
لا شك أن وزير الداخلية لديه الجواب عن كل هذه الأسئلة، لكنه يفضل انتظار المكالمات الغاضبة لكي يتحرك ويتفقد عمالاته وولاياته ويوقف هذا العفن الذي أصبح يهدد أمن البلاد.
عندما انفجرت قضية شريط رئيس المجلس البلدي لميدلت، الذي فتحت الفرقة الوطنية بحثا حول اتهامات بالارتشاء حوله، رد رئيس المجلس البلدي عبر شريط آخر في «يوتوب» تساءل فيه كيف أنه سيقبل رشوة بخمسة آلاف درهم في الوقت الذي رفض فيه رشوة بـ300 مليون خلال انتخابات تشكيل رئاسة المجلس.
في نظري، التحقيق الذي يجب أن يفتح مع رئيس المجلس البلدي لميدلت هو حول من هي الجهات التي حاولت إرشاءه بكل تلك المبالغ الطائلة، ولماذا لم يبلغ عنها وكيل الملك في حينها، خصوصا وأن القانون يحميه من المتابعة في حالة التبليغ؟
البعض يطالب بإزالة وصاية الداخلية على ممثلي الشعب في المجالس المنتخبة، والحال أن المطلوب اليوم هو أن تضاعف الداخلية رقابتها على هذه المجالس التي تحول بعض رؤسائها إلى قراصنة يشترون الرئاسة بمئات الملايين ويقضون فترة رئاستهم يسرقون أموال دافعي الضرائب ويفرخون أحياء الصفيح.
والولاة، أين هم الولاة، ما هو دورهم في كل هذه القصة، وكيف يتم اختيارهم؟ غدا نشرح أكثر كيف تم تعيين أحدهم واليا في المنطقة الشرقية بطريقة ستجعلكم تفهمون لماذا تبقى بعض مناطق المغرب خارج التاريخ.
... تابع القراءة

القراصنة ديال بصح

لا بد أن إحدى الشخصيات التي فرط الرئيس الأمريكي في دعوتها إلى مائدة إفطاره الرمضاني الذي أعده على شرف الجالية المسلمة في البيت الأبيض، هي الدكتور لزرق، عمدة سلا.
فالرئيس الأمريكي كان محتاجا خلال خطابه إلى من يعطيه نبذة عن قراصنة سيدي موسى و«المريصة» بسلا، خصوصا وأنه تحدث في خطابه عن الرئيس الأمريكي «توماس جيفرسون» الذي شن أول حرب «على الإرهاب» خارج الولايات المتحدة الأمريكية بسبب القراصنة السلاويين والرباطيين والتونسيين والليبيين الذين كانوا «يقطعون» الطريق في أعالي البحار على السفن الأمريكية قبل أن يظهر قراصنة الصومال بقرون طويلة.
ولعل دعوة العمدة لزرق إلى مائدة إفطار أوباما وضيوفه المسلمين كانت ستعود على الرئيس الأمريكي بفائدة تاريخية كبيرة، خصوصا وأن أوباما قدم الرئيس «جيفرسون» كرئيس محب للإسلام ودارس للقرآن، فيما الرجل وجد نفسه مجبرا على دراسة القرآن وفهم الإسلام لكي يجد تفسيرا دينيا للعداء الذي يكنه القراصنة المغاربيون، وخصوصا السلاويين، للسفن الأمريكية التي تغامر بالإبحار في بحر الظلمات. فبعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية استقلالها في سنة 1776 وخروجها من تحت حماية التاج البريطاني، أصبحت سفنها معرضة لهجمات القراصنة في المحيط الأطلسي. مما اضطرها إلى دفع الجزية للقراصنة المغاربة مثلما كانت تدفعها قبلها السفن الفرنسية والبريطانية.
أحفاد «الماينز»، إذن، كانوا يدفعون لقراصنة سلا الجزية لكي يعبروا بسلام. أما أحفاد الملكة «إليزابيث» فقد كان كل طموحهم هو ألا يُغـِير القراصنة السلاويون على قراهم الساحلية ويأسروا نساءهم ورجالهم ويأخذوهم لكي يبيعوهم عبيدا في سوق الغزل بسلا.
اهتمام الرئيس «جيفرسون» بالإسلام والقرآن لم يكن بسبب إعجابه بالمبادئ التي كانا يدعوان إليها، بل لرغبته في اكتشاف هذا العدو المسلم الشرس الذي يروع سفنه في المحيط، من أجل الانقضاض عليه ودحره.
ولذلك فقد كانت أول حرب تشنها أمريكا ضد عدو خارجي هي الحرب التي شنها «جيفرسون» ضد القراصنة المسلمين قبالة السواحل الليبية، وهي الحرب التي دامت أربع سنوات.
جلوس سلاوي «خبير» في عالم القرصنة، كالعمدة لزرق، إلى جانب أوباما كان سيعفي هذا الأخير من الوقوع في الخلط التاريخي. فالعمدة مولع بالقرصنة، ولذلك موّل قبل أيام مهرجان «مراكب» الذي خصصه صديقه والمسؤول عن تنظيم حملاته الانتخابية ورئيس القسم الإعلامي والثقافي لمجلس مدينة سلا، عبد المجيد فنيش، لإحياء تراث القرصنة البحرية التي كانت تعيش المدينة على عائداتها.
وهكذا، ففي الوقت الذي تحارب فيه الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا أعمال القرصنة وتطالب بتكوين جيش أممي خاص لتأمين عبور السفن العالمية من المياه الصومالية، نجد أن عمدة سلا يموّل مهرجانا يحتفي بالقرصنة والقراصنة.
سعادة العمدة ترك الاهتمام بالقرصنة البرية التي يعاني من ويلاتها سكان سلا بسبب سيوف وسكاكين اللصوص وقطاع الطرق الذين ينهبون ممتلكاتهم تحت الإكراه، وتفرغ للاهتمام بالقرصنة البحرية التي كان السلاويون يوجهونها ضد النصارى والكفار خلال القرن السابع عشر.
وطبعا، فسعادة العمدة لا يعرف أن المدينة التي يسيرها أصبحت حالتها الأمنية والاجتماعية لا تطاق، لذلك يتصور أن ما تحتاجه مدينة كسلا، كانت منارة فإذا بها أصبحت تفتقد حتى الإنارة العمومية، هو المهرجانات التي يكلف تابعه «فنيش» بتنظيمها.. ها مهرجان «القراصنة»، ها مهرجان «مقامات الإمتاع والمؤانسة»، ها مهرجان «رمضان سلا». وكلها مهرجانات تحتاج ميزانياتها إلى مراجعة من طرف المجلس الأعلى للحسابات، حتى تظهر أوجه صرفها، خصوصا وأن العمدة غائب طوال الوقت، وخلال سنة واحدة سافر 33 مرة إلى الخارج. هذا دون أن نتحدث عن سفرياته المنتظمة برفقة عيساوة سلا نحو مولاي إدريس زرهون لذبح الثور الذي يشتريه لهم تيمنا ببركة الأولياء.
لكن ليلة السبت الماضي، ستطير بركة ثور عيساوة وبركة الأولياء، وسيتلقى العمدة مكالمة هاتفية ليلية على هاتفه النقال تطالبه بالالتحاق على عجل بحديقة «عين الحوالى». فمن سوء حظ العمدة لزرق والوالي حسن العمراني ووزير الداخلية الطيب الشرقاوي والعامل الزبادي، أن الملك تجول في أرجاء مدينة سلا ووقف على الحالة المأساوية للمدينة، وخصوصا الغابة المحيطة بالولجة وحديقة «عين الحوالى» التي اقتلعت أشجارها وأعمدة نورها وشوهت معالمها.
وما هي إلا دقائق معدودات حتى وصل المسؤولون لاهثين والعرق يتصبب من وجوههم، ونادوا على عمال البلدية وشرعوا ينبشون الحفر لكي يغرسوا فيها الأشجار الجاهزة التي أرسلها إليهم السي الحافي، المندوب السامي للمياه والغابات، ورشوا عليها «مازير» والسماد العضوي الذي ظهرت أكياسه فجأة. وعندما فتحوا صنبور المياه لكي يسقوا ما غرسوه اكتشفوا أن عداد الماء بالحديقة غير موجود.
وهناك قضى المسؤولون ليلتهم ينبشون الحفر ويزرعون الأشجار ويبلطون الجدران ويغيرون مصابيح النور المكسرة ويطلون السياج والأرصفة إلى أن طلع عليهم نور الفجر. «الله يعز الحكام».
بعضهم يسارع  هذه الأيام إلى تعليق «المحابق» في شوارع الدار البيضاء استعدادا للزيارة الملكية التي يتخوفون من تحولها إلى زلزال يشبه زلزال الحسيمة، فإذا بالزلزال يضرب سلا والأرض تتحرك تحت أقدام الوالي حسن العمراني بعد أن غير الملك الاتجاه نحو إقامته في سلا.
إن جولة قصيرة في أحياء سلا وأزقتها وحول أسوارها التاريخية العريقة تجعلك تخرج بقناعة مفادها أن المدينة تعرضت لعملية قرصنة مدبرة بإتقان من طرف ممثليها البلديين ومسؤوليها العموميين. فالعامل الزبادي، الذي جيء به من مدينة الحاجب الصغيرة لكي يدير شؤون مدينة كبيرة كسلا يصل تعداد ساكنتها إلى مليون نسمة، وجوده كعدمه. والعمدة لزرق أصبح متخصصا في فنون «القرصنة» والسفريات والحضرة العيساوية، تاركا موظفا جماعيا في الرباط في السلم الخامس يدير البلدية مثل خاتم في أصبعه. أما الوالي العمراني فقد أسلم أمره إلى شركتي «فيوليا» و«ريضال» وتركهما تطحنان عباد الله بالفواتير كل شهر دون أن تقدم إليهم خدمات في مستوى أسعارها.
فخطوط «فيوليا» للنقل العمومي لا تستغل سوى الخطوط المربحة، أما الطلبة الذين يسكنون في العيادية ويريدون الذهاب إلى الكلية بسلا الجديدة فليس أمامهم سوى أن يضربوها «كعطة».
إن من يريد أن ينسى أهل سلا كل شيء حول تاريخهم وأن يتذكروا فقط أعمال القرصنة التي اشتهرت بها مدينتهم خلال القرن السابع عشر، يريد في الحقيقة أن يمحي من ذاكرة أهل سلا مراحل كاملة من التاريخ المجيد لهذه المدينة الصامدة التي تخلى عنها المسؤولون والمنتخبون لقراصنة العصور الجديدة.
إن قراصنة سلا الحقيقيين هم أصحاب الشركات الأجنبية التي فوتت إليها المجالس المنتخبة، بمباركة من الولاية، تدبير القطاعات الحيوية للمواطنين. فانتهى المواطنون يحترقون داخل حافلات مشكوك في مصدرها، وأصبحوا يكتوون كل شهر بفواتير الماء والكهرباء، ويتنفسون هواء مشبعا بالقمامة.
المدهش في المغرب أن مدنا في الشمال والشرق كانت مهمشة استطاعت أن تلتحق بركب التنمية خلال العشر سنوات الأخيرة، فمن يذهب إلى الشمال لا يتعرف عليه بسبب الأوراش التي غيرت وجهه، بحيث لم يعد الزائر يجد فرقا بين كورنيش الساحل الإسباني وكورنيش الساحل المغربي. هذا في الوقت الذي تراجعت فيه العاصمة والمدن المحيطة بها كسلا والقنيطرة، وتحولت من مدن تاريخية عريقة إلى مدن تتراكم فيها القمامة ويختل فيها السير والجولان ويصعب فيها العيش بسبب انعدام الأمن.
إن المسؤولية الأساسية في هذا التردي يتحملها الولاة، فقد عينهم الملك لكي يعفوه من هذه الجولات الميدانية التي يقوم بها لتفقد الخراب الذي يتجاهلون وجوده، لأن هذه الجولات هي من صميم عملهم اليومي. لمَ يصلح الوالي، إذن، إذا لم يركب سيارته ويخرج لتفقد الأوراش والنقط السوداء في المدينة التي يتحمل مسؤولية تسييرها. هل يعتقدون أن الفيلا والسيارة والتعويضات السمينة التي تعطى لهم كل شهر هي من أجل سواد أعينهم؟
ربما حان الوقت لنفض الغبار عن هؤلاء الولاة الذين لا «تركبهم الرعدة» إلا عندما يحط الملك الرحال في مدنهم، فيشمرون عن سواعدهم ويتحولون إلى عمال نظافة وبستانيين يزرعون الأشجار تحت جنح الظلام، مثلما حدث في «عين الحوالى» بسلا.
إن الوالي، الذي يحترم نفسه ويقدر الثقة التي وضعها فيه الملك، لا ينتظر حتى «ينغزه» وزير الداخلية لكي يشمر عن ساعد الجد. ووزير الداخلية، الذي يحترم نفسه ويقدر الثقة التي وضعها فيه الملك، لا ينتظر حتى تأتيه مكالمة غاضبة منه لكي يكتشف أن هناك على مشارف الرباط مدينة اسمها سلا تخلت عنها الداخلية والمجلس البلدي وسقطت بين أيدي عصابات القراصنة الذين ينهبونها بالليل والنهار.
... تابع القراءة

وَذَكِّرْ

هناك في الجو هذه الأيام حنين إلى الماضي داخل قصر الإليزيه بباريس كما داخل قصر المونكلوا بمدريد. والأحداث العنصرية التي وقعت خلال الأيام الأخيرة على الحدود مع الثغور المغربية المحتلة، والقرار العنصري الذي أعلن عنه ساركوزي بسحب الجنسية الفرنسية من غير الفرنسيين، يمكن فهمها أكثر بالعودة إلى كتب التاريخ، أكثر من نشرات الأخبار.
من يتأمل الحصار الأخير الذي ضربه فاعلون حقوقيون مغاربة على أسوار مليلية المحتلة، مما أدى إلى تجويعها بعد نفاد المؤونة من أسواقها، واستعدادهم للقيام بحصار آخر في الأسبوع المقبل، يتذكر تاريخ كل الحصارات التي تعرض لها هذا الثغر المحتل من أجل تحريره.
وخلافا لما قد يظنه البعض من أن الحصار الأخير، الذي لم يتعد 48 ساعة، هو الأول من نوعه لهذه المدينة المغربية المغتصبة، فإن التاريخ يحتفظ بسلسلة طويلة من الحصارات التي ضربها المغاربة على الثغور المحتلة منذ القرن السادس عشر الميلادي، فقد حاصر المسلمون بقيادة السلطان مولاي إسماعيل سبتة دون أن يستطيعوا تحريرها، ثم حاصر السلطان محمد بن عبد الله مدينة مليلية عام  1774 وفشل في استعادتها من مملكة قشتالة.
ولعل آخر محاولة لتخليص سبتة ومليلية من قبضة المستعمر الإسباني كانت ثورة الأمير عبد الكريم الخطابي التي أجهضها الجيش الإسباني بعدما تحالف مع فرنسا وألمانيا التي وفرت له الغازات الكيماوية التي أخمدت الثوار الريفيين وسلطت عليهم الأمراض الفتاكة التي ظلوا يتوارثونها أبا عن جد إلى اليوم.
ولذلك فالمنحة المالية التي قدمتها الحكومة الإسبانية إلى مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل من أجل البحث عن رفات الجنود المغاربة الذين شاركوا مع فرانكو في حربه ضد حكومة الجبهة الشعبية، كانت ستكون مفيدة لو أنها صرفت على مشروع تحديد ضحايا الغازات السامة التي رشتها إسبانيا على الريف، وتحديد عدد الضحايا الحاليين الذين لازالوا يصابون بالأمراض السرطانية بسبب مخلفات تلك الغازات السامة.
من أجل فهم قيمة التواجد الإسباني في الثغرين المغربيين المحتلين، يجب استحضار وصية الملكة «إيزابيلا» الكاثوليكية التي طالبت، عقب سقوط غرناطة واندحار الوجود الإسلامي إلى ما وراء البحر، بغزو المغرب من أجل احتلاله وتحويل أبنائه إلى النصرانية.
وقد طاردت الجيوش الإسبانية، بتوصية من الكنسية الكاثوليكية، المسلمين على الأراضي المغربية واحتلت مليلية وضمت إليها سبتة التي كانت خاضعة للنفوذ البرتغالي، وتقاسم التاج الإسباني والبرتغالي السواحل الأطلسية والمتوسطية بمباركة من بابا الفاتيكان الذي كان يحلم برؤية المغاربة خاضعين تحت ظلال الصليب.
واليوم عندما تحتج إسبانيا عند الاتحاد الأوربي على طرد المغرب لمبشرين مسيحيين وتطالب بإعطائهم حق القيام بالتبشير الكنسي ورد أبناء المغاربة عن دينهم، وتتهم المغرب بالقيام بالتطهير الديني، نستحضر هذا التاريخ لكي نفهم الحاضر. فالأمر يتعلق في نهاية المطاف بتنفيذ حرفي وأمين لوصية الملكة «إيزابيلا الكاثوليكية». فالأحلام التبشيرية للكنيسة الكاثوليكية لا زالت طرية، وسبتة ومليلية بالنسبة إليها ليستا سوى بوابة على هذا المغرب المسلم الذي يتكهن رجال الدين الكاثوليك بالشر المستطير الذي سيأتي إليهم عبره.
وقد استطاعت الكنيسة الكاثوليكية أن تفرض اسم الملكة «إيزابيلا»، التي طردت المسلمين واليهود من الأندلس وكانت صاحبة أكبر حملة اضطهاد دينية عرفتها البشرية، لكي يحمله وسام رفيع تمنحه الدولة الإسبانية. وإلى اليوم، استطاعت أن توشح صدور سفراء وجنرالات ومسؤولين مغاربة كبار بوسام «إيزابيلا الكاثوليكية» الذي يحمل شعار الصليب. آخرهم كان هو سفير المغرب السابق بمدريد عمر عزيمان.
وهذه أكبر إهانة يمكن أن يتلقاها مسؤول مغربي ينحدر من صلب المسلمين الذين طردت الملكة إيزابيلا آباءهم ورفعتهم فوق أعواد المشانق وقتلتهم فوق المحارق.
إسبانيا لا تستطيع أن تقترح توشيح مسؤول يهودي بوسام إيزابيلا الكاثوليكية، لأنها تعرف أن أي مسؤول يهودي بمجرد ما سيسمع اسم هذه الملكة التي اضطهدت أجداده فإنه سيرفض قبول الإهانة.
ولذلك فقد اعتذرت إسبانيا إلى اليهود عن اضطهادهم خلال محاكم التفتيش وطردهم من الأندلس، في الوقت الذي ترفض فيه إلى اليوم الاعتذار إلى المسلمين، مع أن هؤلاء المسلمين هم الذين استضافوا اليهود وآووهم في بلاد المغرب بعد أن ظلوا يعيشون لقرون تحت كنفهم في الأندلس.
الحنين إلى الارتماء في حضن الماضي الأسود بدأ يتقوى هذه الأيام في أوربا. وفي فرنسا، التي هدد رئيس جمهوريتها بسحب الجنسية الفرنسية من الفرنسيين غير الأصليين في حالة اعتدائهم على رجال الأمن، خير دليل على هذا الحنين الواضح إلى الجمهوريات الفاشية التي انقلبت على الجمهوريات الديمقراطية.
لكي نفهم سلوك ساركوزي العنصري يجب أن نرجع خطوات إلى الخلف، وبالضبط إلى حكومة «فيشي» التي فرضها الماريشال «بيتان» الذي، بمجرد ما وصل إلى السلطة في 10 يونيو 1940، وضع قانونا ينظم إعطاء وسحب صفة «الفرنسية». وهكذا بعد يومين من استفراده بالحكم، سيتم حرمان كل المجنسين من احتراف الوظيفة العمومية. سنوات بعد ذلك، ومع بداية الأربعينيات، سيحرم المجنسون الفرنسيون من امتهان مهنة الطب والهندسة والمحاماة وطب الأسنان والصيدلة. وبعدها بأشهر، سيتم الإعلان في 23 يوليوز 1940 عن صدور قانون سحب الجنسية الفرنسية وتطبيقه على الفرنسيين الذين غادروا التراب الفرنسي. وقد كان من بين أول ضحايا هذا القانون «شارل دوغول» و»بيير مانديس فرانس».
كل هذه القوانين كانت مجرد «مقبلات» في انتظار وصول الطبق الأكبر، وهو سحب الجنسية من اليهود الفرنسيين وإرسالهم إلى معتقلات ألمانيا النازية. وهو الشيء الذي قام به الماريشال «بيتان» في الثالث من أكتوبر 1940.
ما يحاول ساركوزي القيام به اليوم مع المسلمين الفرنسيين هو نفس ما قام به الماريشال «بيتان» مع اليهود الفرنسيين قبل سبعين سنة، فقد بدأت حكومة «فيشي» بوضع قانون سحب الصفة الفرنسية الذي يحرم المجنسين من الوظائف التي يمارسها الفرنسيون، وتلاه وضع قانون بسحب الجنسية يحرم المجنسين من العيش بفرنسا، وانتهى بتجريد آلاف اليهود من الجنسية وتسليمهم إلى هتلر.
وهاهي حكومة ساركوزي تستعد للتخلص من مسلمي فرنسا انسجاما مع موجة الكراهية التي تعرفها أوربا اليوم تجاه كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، لكي تسير على نهج حكومة «بيتان» الذي تخلص من يهود فرنسا انسجاما مع موجة كراهية اليهود التي سادت أوربا مع نهاية الحرب العالمية الأولى.
لقد تطلب شفاء الفرنسيين من عقدة الذنب تجاه يهودهم، الذين جردوهم من جنسياتهم ومن أملاكهم وسلموهم إلى قطارات الموت المتجهة نحو معتقلات هتلر، سنوات طويلة. فهل سينسون هذا الفصل المؤلم من تاريخهم لكي يسمحوا لابن مهاجر يهودي هنغاري تجنس في فرنسا بعدما هاجرت إليها عائلته وأصبح رئيسا للجمهورية، بإعادة اقتراف نفس الخطأ من جديد مع المسلمين؟
إنه لمن المستغرب والمثير حقا أن يكون المجنسون في الحكومة الفرنسية هم أكثر الفرنسيين حرصا على الجنسية الفرنسية. فساركوزي الذي يدافع عن نقاء العرق الفرنسي أصله هنغاري، و«إيريك بيسون» وزير الهجرة الذي لا يفتر من الحديث عن الهوية الوطنية مولود بالمغرب، ورشيدة داتي التي تحاول التقرب من ساركوزي بإعلانها مساندتها له في مشروعه القاضي بسحب الجنسية، نصفها مغربي ونصفها الآخر جزائري.
وبينما يتنافس كل هؤلاء المجنسون على إظهار دفاعهم وحبهم المستميت للجمهورية الفرنسية، نرى كيف أن الفرنسيين الحقيقيين يتابعون هذا السيرك السخيف بمزيد من الحنق والغضب.
ويبدو أن ساركوزي وكراكيزه يجهلون قدرة الشعب الفرنسي على الإطاحة برؤسائه عندما يتجاوزون حدودهم ويضعون أقدامهم داخل صحون الفرنسيين. فساركوزي ليس أول رئيس جمهورية يقترف الأخطاء السياسية، لكنه بالتأكيد أول رئيس جمهورية يختطف ويحتجز إرادة الشعب الفرنسي وسيادته.
إنه رئيس خارج عن القانون، فالوظيفة الأساسية التي أسندت إليه عقب توليه الرئاسة بعد انتخابات 2007 هي سهره على احترام الدستور الذي يضمن المساواة أمام القانون لكل المواطنين بدون التمييز بين أصولهم أو دياناتهم.
بعد خطابه الذي استهدف فيه الفرنسيين من أصول أجنبية بمدينة «غرونوبل»، يكون ساركوزي قد خرق القانون الأسمى للجمهورية الذي ينص في فصله الثالث على أن «السيادة بيد الشعب، وأن أي جزء من الشعب أو أي فرد من الشعب لا يحق له احتكار ممارستها». ساركوزي احتكر السلطة لنفسه واستعملها من أجل التفريق بين الفرنسيين الأصليين والفرنسيين المجنسين، وبذلك يكون قد خان ثقة الشعب.
ما على ساركوزي سوى أن يراجع كتب التاريخ الفرنسي جيدا لكي يتكهن بالمصير المؤسف الذي ينتظر مستقبله السياسي.
أما نحن فلكي نفهم ما يعده لنا جارنا الشمالي، فيكفي أن نعود إلى تاريخنا المشترك، لكي نفهم أن حصار الجمعيات الحقوقية اليوم لمليلية المحتلة ليس سوى حلقة من حلقات صراع حضاري وتاريخي بدأ مع الحروب الصليبية القديمة وسيستمر مع الحروب الصليبية المعاصرة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
... تابع القراءة

الكذاب بلكذيذيب

بالنسبة إلى اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، فسعادة الأمين العام للحزب، عباس الفاسي، لم يتعرض لأي اعتداء على شاطئ أكادير على يد أحد المواطنين. كل ما في الأمر هو أن بعض الجرائد، المتخصصة في نشر الأخبار الزائفة حول صحة الوزير الأول و«سخفاته» المتكررة، اختلقت القصة من ألفها إلى يائها.
فالوزير الأول، حسب بلاغ اللجنة التنفيذية، تعود على الخروج في لقاءات تواصلية مع أطر وشباب الحزب وأطفال المخيمات دون أن يكون بحاجة إلى أية حراسة.
هذا يعني أن اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال تكذب كل تلك الاجتماعات الأمنية التي احتضنتها عمالة أكادير طيلة اليوم بسبب الحادثة، كما أن «المعتدي» الذي تم اعتقاله والتحقيق معه قبل أن يتقرر إطلاق سراحه ليس سوى شبح تخيلته الصحف التي كذبت، عفوا، كتبت عن الحادث.
ليسمح لنا الإخوة في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال أن نقول لهم إنه إذا كان هناك من كذاب ومفترٍ وجبان في هذه القضية فهو أنتم. الحادثة حقيقية وصحيحة ومثبتة في محاضر الأمن. وعباس الفاسي ليس شخصا فوق العادة حتى يتم التعامل مع أخباره بكل هذا التعتيم. إذا كانت كل القنوات الإيطالية قد نقلت صور رئيس الحكومة الإيطالي وهو يتلقى «حديدة» بحجم «المصلوح» من طرف أحد المواطنين «جمخت» له وجهه، فلماذا سيخاف وزير أول مغربي كعباس من الخروج أمام الصحافة والحديث حول شخص «لوى» له ذراعه.
مشكلة اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال هي أنها تحدثت عن جولات عباس الفاسي بدون حراس كما لو كان شخصية شعبية محبوبة عند المغاربة، بمجرد ما سيلمحونه يتمشى في الشارع أو على الكورنيش سيسارعون إلى التقاط الصور التذكارية معه.
والحقيقة أن هناك ضحايا كثيرين لعباس الفاسي ينتظرون فقط اليوم الذي يتقابلون فيه معه في مكان عام لكي «ينقو» له أذنيه ويذكروه بفضيحة النجاة التي يعتقد أن ضحاياه نسوها، وبكل فضائح عائلته الفاسية المسيطرة على المناصب والكراسي.
لسوء حظ عباس ولجنته المركزية أن خبر محاولة الاعتداء عليه في كورنيش أكادير صحيح مائة في المائة، ومحاولة تكذيب الخبر واتهام ناشريه بالافتراء لا يفيد في تجريد الحدث من أهميته.
أهمية الحادث تكمن أولا في أنه كشف عن آفة الكذب الذي أدمنه حزب الاستقلال ووزيره الأول على الشعب.
وعوض أن يصدر الوزير الأول بلاغا يعترف فيه بما وقع له ويعطي توضيحات حول تفاصيله، اختار أن يكذب وأن ينفي الحادث جملة تفصيلا. لقد كان الحادث سيكون تافها وعاديا لو أن عباس أكده، لكنه عندما نفاه فإنه يكون حوّله من مجرد حدث عادي إلى خبر مهم يميط اللثام عن أزمة ثقة، لأن الوزير الأول الذي يكذب في الأمور الصغيرة يمكن أن يكذب في الأمور الكبيرة.
نفهم إصرار الوزير الأول على طي الحادث وتفضيله عدم الحديث بشأنه، لكن ما ليس مفهوما هو لجوؤه إلى الكذب وجره وزارة الداخلية إلى التواطؤ معه بصمتها عن تكذيب الحزب للحادثة، رغم أن رجال الداخلية تتبعوا تفاصيل الحادث من أوله إلى آخره.
وداخل هذه الحكومة ليس عباس هو الكذاب الوحيد، فهناك وزير بدون حقيبة اسمه محمد اليازغي ذهب مؤخرا إلى فنزويلا للمشاركة في قمة أمريكا الجنوبية وإفريقيا، وعاد لكي يعطي حوارا للصحافة يفتخر فيه بكون احتجاجه كان وراء إزالة علم «البوليساريو» وإلغاء مشاركته في المؤتمر. والحال أن جميع من حضروا المؤتمر من المغرب يعرفون أن اليازغي وصل متأخرا بسبب طائرته التي لم تصل في الوقت، وعندما وصل إلى قاعة الاجتماع كان كل شيء قد تم ترتيبه بعدما تدخلت وزارة الخارجية المغربية واحتجت على وجود «البوليساريو».
والشيء نفسه اقترفه علي اليازغي الذي أورثه أبوه محمد اليازغي رئاسة الشبيبة الاتحادية. فعندما عاد الولد من مؤتمر... ملأ الجرائد بالتصريحات التي تصف الجهود الجبارة التي قام بها من أجل إقناع المؤتمرين بالخروج بموقف إيجابي لصالح قضية الصحراء المغربية. وعندما قرأنا التقرير الختامي للمؤتمر، اكتشفنا أن المؤتمرين لم يكتفوا بالوقوف على الحياد، كما كانوا يصنعون سابقا، بل اتخذوا موقفا معاديا للوحدة الترابية المغربية وسفهوا مبادرة الحكم الذاتي ووصفوا المغرب بالبلد المحتل.
وعوض أن يعترف علي اليازغي بـ«زبلته»، فضل أن يكذب على الشعب، تماما مثلما صنع والده، ومن شابَه أباه فما ظلم.
الأهمية الثانية للحادث الذي تعرض له عباس الفاسي تكمن في أن وزيرا أول في الحكومة يمارس رياضة المشي على شاطئ عمومي بدون حراسة شخصية. وقد اعترف بلاغ اللجنة التنفيذية للحزب بأن عباس الفاسي يقوم بجولات وزيارات ميدانية بدون حاجة إلى حراسة.
ولو أن الوزير الأول عباس الفاسي توقف للحظة وأعطى المواطن الذي استوقفه في كورنيش أكادير دقيقتين أو ثلاثا لكي يسمع مطالبه، لما احتاج هذا الأخير إلى أن يلجأ إلى استعمال سياسة ليّ الذراع مع عباس و«يزرق» له لحمه بقبضته القوية، خصوصا وأن «الزغبي ما عندو خرقة للعصا».
إذا كان الملك يتوقف لكي يستمع إلى شكاوى الناس ومطالبهم، فكيف يرفض الوزير الأول القيام بذلك.
لحسن حظ عباس أن رجال الأمن لم يكونوا بعيدين عن مكان الحادث، وإلا لكانت الأمور تطورت إلى الأسوأ.
ما معنى أن يقوم وزير أول بالاستهتار بأحد الشروط الأساسية لسلامته الجسدية ولاستمرار الحكومة؟ هذا معناه أنه لا يعي جيدا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه كوزير أول يحمله الدستور مسؤولية الإدارة في المملكة، إذ ليس هناك وزير أول واحد في العالم يتحرك بدون حراسة شخصية مشددة. وقد رأينا كيف أن ساركوزي عندما يريد أن يمارس رياضة الركض يكون محاطا بحارسين شخصيين يخفيان عتادهما تحت لباسهما الرياضي، فضلا عن حراس آخرين يسبقونه لكي يؤمنوا له طريق المرور.
وفي بلاد كالمغرب، تعلن وزارة الداخلية فيها بين شهر وآخر عن تفكيك خلية إرهابية يستعد أعضاؤها لتصفية شخصيات سياسية، نرى كيف أن الوزير الأول يخرج لكي يمدد رجليه على الشاطئ دون أن يكون مرفوقا بحراس شخصيين.
مشكلة عباس وبعض وزرائه أنهم لا يحبون الاستماع كثيرا إلى شكاوى المواطنين. وعندما نظم وزير الهجرة عامر، قبل أسبوع، لقاء مع الجالية المغربية حول الأزمة الاقتصادية في أوربا، جاء عنده مهاجرون مغاربة لديهم مشاكل مع أزمة الاستثمار داخل المغرب أكثر مما لديهم مع الأزمة الاقتصادية في أوربا، وعرضوا عليه مشاكلهم مع الإدارات المغربية المرتشية، فكان كل جوابه أن قال لهم إنه لا يستطيع أن يفعل شيئا من أجلهم، وما على المتضررين منهم سوى التوجه إلى القضاء. «زعما القضاء مطفرو».
أما «واحد» وزير التشغيل الذي جلبه اليازغي معه إلى الحكومة، فلم يعد لديه الوقت للاستماع إلى شكاوى الموظفين الذين زكى طردهم بشكل تعسفي من التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، فالرجل مشغول بوضع آخر اللمسات على فيلته الفخمة بمنطقة الهرهورة والتي شيدها بالموازاة مع تشييد المقر الجديد لوزارة الشغل.
وإذا كان عثمان الفاسي الفهري قد استطاع، بعد 12 سنة من وجوده على رأس الشركة الوطنية للطرق السيارة، اقتناء فيلا مساحتها 5000 متر مربع في طريق زعير، فإن وزير الشغل جمال أغماني استطاع أن يبني فيلته على البحر في ظرف ثلاث سنوات فقط.
والواقع أن المرء يتساءل كيف يستطيع وزير أن يشتغل في الحكومة ثلاث سنوات براتب يصل إلى خمسة ملايين سنتيم، ومع ذلك يستطيع أن يوفر المال لكي يبني فيلة فخمة في هذا الظرف الوجيز.
يجب دائما الاحتراس من المسؤولين العموميين والوزراء الذين بمجرد ما يجلسون فوق كراسيهم يشرعون في التخطيط لإعادة بناء مقراتهم الوزارية أو توسيع منشآتها، رغم غياب الحاجة إلى تجديد أو توسيع هذه المنشآت.
لأنه في مثل هذه المناسبات يحدث أن يصبح «الطاشرون» الذي يبني الوزارة هو نفسه الذي يبني فيلا المدير أو الوزير، وهكذا يصبح مشروع توسيع الوزارة أو تجديد إحدى منشآتها مجرد ذريعة، أما السبب الحقيقي لتمرير الميزانية فهو تشييد فيلا سعادة المدير أو الوزير.
مشكلة هؤلاء الوزراء والمدراء والمسؤولين العموميين الذين يغلقون أبوابهم في وجوه المواطنين هي أنهم يعتقدون أنهم موجودون هناك لسواد عيونهم. والحال أن السبب الوحيد لوجودهم في مناصبهم هو خدمة المواطن أولا وأخيرا.
إنه ليس من باب الإحسان أن يستمع مسؤول عمومي إلى شكاية مواطن، بل إن الواجب يفرض عليه ذلك، لأنه يتقاضى راتبه بفضل الضرائب التي يدفعها ذلك المواطن الذي سيستمع إلى شكايته.
في اليوم الذي سيفهم فيه المواطن، الذي يقف أمام باب مسؤول طيلة النهار من أجل عرض مشكلته، أنه لولا ضرائبه لما ضمن ذلك المسؤول راتبه الشهري السمين، آنذاك سيفهم المسؤولون القيمة الحقيقية للمواطنين.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى