الغابير الظاهير

يبدو أن أول من بدأ، فعلا، في تطبيق وصايا وزير المالية حول شد الحزام بالمقلوب هو وزير الثقافة بنسالم حميش. فبعد تخفيضه لعشرة آلاف درهم من المنحة السنوية التي يتبرع بها على اتحاد كتاب المغرب، هاهو يوقع على اتفاقية شراكة مع مؤسسة «أورفيو» الدولية لاقتناء نظام سمعي بصري سيسمح لزوار المتاحف بمراكش باستقاء المعلومات حول الأماكن التي يزورونها بلغات مختلفة. ميزانية هذه الصفقة وصلت إلى 23 مليون درهم، أي ثلاثة ملايير و300 مليون سنتيم لا غير.
ومن أجل التوقيع على هذه الاتفاقية «التاريخية»، مادام الأمر يتعلق بالمآثر التاريخية، فقد تنقل المدير العام لمؤسسة «أورفيو» الفرنسية، بشحمه ولحمه، إلى مقر وزارة الثقافة بالرباط لكي يوقع في مكتب السيد الوزير على عقد الاتفاقية التي لم يقرأ أحد بشأنها أي إعلان في الجرائد الوطنية.
لا أحد يجادل في تخصص الشركة الفرنسية «أورفيو» في إنشاء برامج «الدليل المصور والصوتي» للمتاحف والمنشآت التاريخية، لكن السيد الوزير، الذي وقع على صفقة لصالح هذه الشركة بمبلغ 23 مليون درهم، لم يقل لنا كيف وقع اختياره على هذه الشركة بالضبط، ولماذا لم يبحث عن شركات أخرى منافسة بأسعار أرخص. هل تم اختيار الشركة الفرنسية بعد مباراة عمومية أم بعد طلب عروض عمومي، وهل هناك دفتر تحملات؟
بالنسبة إلى السيد الوزير، الذي عين في ديوانه مستشارة تسير شركة عقارية في باريس، فإن مبلغ الـ23 مليون درهم -الذي سيعطيه لهذه الشركة الباريسية التي اختار أن يبرم معها الصفقة بالغلاف المالي المذكور مقابل اقتناء «أدوات» تقنية لإرشاد السياح حول تاريخ المآثر التي يزورونها- سيتم استخلاصه من مداخيل المتاحف التي تسيرها وزارة الثقافة. ووحدها مداخيل متاحف مراكش تصل سنويا إلى مليار و100 مليون سنتيم.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ماذا سيقول وزير الثقافة لأحد السياح إذا كان بصدد زيارة أحد متاحف مراكش وفجأة «زيره» الحال وأراد أن يذهب إلى المرحاض؟ ربما يبدو السؤال في غير محله، لكن سعادة الوزير لا يعرف، ربما، أن حالة المتاحف بمراكش «تشفي العديان»، وأن أغلبها يفتقر إلى مراحيض وأماكن للنظافة.
ولذلك، فعوض أن يخصص وزير الثقافة كل هذه الملايير لاقتناء أجهزة لقراءة تواريخ الأمكنة للسياح، كان أولى أن يخصص نصف هذا المبلغ للعناية بمتاحف مراكش التي يعاني معظمها من الإهمال.
ولعل أول سؤال يجب أن يجيب عنه سعادة الوزير هو لماذا لم يتم فتح «قصر دار الباشا»، مقر مندوبية وزارة الثقافة، الذي أسند مشروع ترميمه محمد الأشعري، عندما كان وزيرا للثقافة، إلى عادل والعلو ابن فتح الله والعلو الذي كان آنذاك وزيرا للمالية؟
لماذا لا يبدأ سعادة الوزير في ترميم وإصلاح جدران وممرات «قصر الباهيا»، و«قصر البديع»، ومتحف «دار السي سعيد»، ورواق «باب دكالة» المغلق منذ سنوات بسبب عدم وجود ميزانية لترميمه، مع أنه يظل المتحف الوطني للمدنية، وأيضا رواق «المدينة»، ومدرسة «ابن يوسف»، و«قبة المرابطين» التي تسيرها مؤسسة خاصة؟
عندما يذهب السائح الأجنبي لزيارة هذه المرافق الأثرية والمتاحف التاريخية يـُصدم بسبب الإهمال الذي تعاني منه هذه الأماكن. فالمكلفون ببيع تذاكر الدخول يجلسون داخل صندوق خشبي كما لو أنهم يبيعون تذاكر «الزنك» في الأسواق الأسبوعية. ويكفي الذهاب إلى قصر الباهية وقصر البديع للتأكد من هذه المهزلة. وعندما يتجول السياح عبر المآثر يندهشون بسبب سوء عرض الكنوز التي يتوفر عليها المغرب، فالإضاءة منعدمة والشروحات مكتوبة على ألواح عشوائية، والأرضيات محفوفة بالحفر.
في المتاحف الأوربية التي تشتغل بخدمة مؤسسات مثل مؤسسة «أورفيو»، هناك احترام للمبادئ الأساسية التي يجب أن تتوفر في المتاحف. فالموظفون يكونون خريجي معاهد متخصصة في تسيير مؤسسات المتاحف، وحتى موظفو الاستقبال يكونون خاضعين لتكوين يسمح لهم باستقبال السياح وإرشادهم. أما البنيات التحتية للمتاحف الأوربية فتجعلك تتمنى البقاء داخلها أطول مدة ممكنة لتوفرها على جميع ما يحتاج إليه السائح من وسائل الراحة، كأماكن الاستراحة، والمقاهي والمطاعم، ومتاحف التسوق، أو ما يسمى بـ«الميزي شوب»، حيث يمكن للسياح اقتناء تذكارات تجسد بشكل مصغر المآثر التي يزورونها. أما المراحيض فحدث ولا حرج، إذ يمكنك أن تستحم فيها إذا أردت، وليس فقط أن تقضي فيها حاجتك.
ماذا لدينا نحن في متاحفنا بالمغرب حتى نخصص ملايين الدراهم للكماليات في الوقت الذي نفتقر فيه على الضروريات؟
إن جدران متاحفنا ومآثرنا التاريخية، يا وزير الثقافة، تتآكل بسبب تحولها إلى مراحيض مفتوحة على الهواء الطلق، يتبول على تاريخها العريق السكارى وعابرو الليل، وبعضها أصبح مأوى للمشردين والحيوانات الضالة. إن أكبر جريمة تتعرض لها المآثر التاريخية هي الحالة المزرية التي أصبحت عليها جدران الأسوار التاريخية التي تحيط بالمدن العتيقة، والتي تتساقط أتربتها بفعل الإهمال.
 لذلك فالبنيات التحتية لهذه المتاحف والمواقع التاريخية أحق بتلك الملايير التي مَنحتـَها للشركة الفرنسية.
إن تراث اللباس المغربي وأثوابه عبر الزمن تندثر في غياب وعي بضرورة حفظ هذا الموروث داخل مجموعات فنية وعرضها تحت أضواء خاصة وراء واجهات زجاجية، وإرفاق ذلك كله بنصوص تاريخية تتحدث عن المراحل التي قطعها اللباس المغربي عبر الزمن. وقس على ذلك تاريخ الأسلحة والعملات والأواني والزرابي المغربية حسب المناطق والأزمنة.
وعوض استثمار الملايير في مثل هذه المشاريع التكميلية، التي لن تستفيد منها سوى الشركة المنتجة مثلما استفادت قبلها شركة أخرى من صفقة نصب آلات عدادات الدخول إلى المتاحف، ظلت منذ تثبيتها بدون استعمال، فالأفضل استثمارها في تكوين موظفين متخصصين في المآثر التاريخية، والسهر على ضمان تكوينهم المستمر في هذا الميدان الذي يمكن أن يتحول إلى كنز لجلب العملة الصعبة إلى المغرب.
كما أن هذه الميزانية كان أفضل لها أن تخصص لخلق مصالح للترفيه والوساطة والخدمات البيداغوجية ووضع أجهزة لمراقبة المتاحف والمآثر التاريخية لحمايتها من لصوص الآثار الذين عاشوا فترتهم الذهبية خلال وجود الأشعري على رأس وزارة الثقافة لعشر سنوات كاملة.
وحتى إذا كان وزير الثقافة الحالي غير متحمس لتخصيص ميزانية لإنشاء كل هذه البنيات التحتية الضرورية للمتاحف، فعلى الأقل يمكنه أن يخصص جزءا من المداخيل التي تسجلها شبابيكها لصرفها على تطوير خدماتها المقدمة إلى زوارها.
لكن من سيقول هذا لسعادة وزير الثقافة، فإلى حدود اليوم لم تستطع مستشارة واحدة «الصمود» في ديوانه أكثر من شهر. وآخر مستشارة «تزن» اليوم في أذن الوزير لا تكاد تقترح عليه شيئا آخر خارج البناء والتشييد. وبحكم جمع السيدة المستشارة بين عملها كمستشارة للوزير وعملها كمسيرة لشركة عقارية بباريس، فإنها تحاول استعراض مهاراتها في مجال العقار. ولذلك نجد السيد الوزير يتحدث، في عز الأزمة الاقتصادية للموازنة العامة، عن مشروع تشييد مقر جديد لوزارة الثقافة والتخلي عن المقر القديم ومقر أكدال حيث مديرية الكتاب.
إن المشروع الحقيقي الذي يجب أن ينخرط فيه وزير الثقافة، الذي يبدو أن الباروكة التي يضعها فوق رأسه تسببت له في «سخونية الراس»، هو فتحه لملف الموظفين الأشباح داخل أورقة وزارته ومندوبياتها.
فإذا كان هناك من تدابير لترشيد النفقات يجب أن تتخذ داخل وزارة الثقافة فلن تكون بخصم الدعم الهزيل للجمعيات الثقافية، وإنما بتوقيف رواتب الموظفين الأشباح الذين لم يضعوا أرجلهم في مكاتب الوزارة منذ صدور قرارات تعيينهم.
وإذا كان سعادة الوزير محتاجا إلى أسماء بعض هؤلاء الأشباح فيمكننا أن نعطيه «الشانطيو».
فعلى رأس هؤلاء الموظفين الذين بمجرد ما تخرجوا من معهد التنشيط المسرحي بالرباط تم توظيفهم في وزارة الثقافة، نجد لطيفة أحرار الموظفة الشبح بقسم المسرح في مديرية الفنون، وهشام الإبراهيمي وفريد الركراكي ونورة قريشي (تعيش في كندا حاليا) الموظفين بنفس قسم المسرح في مديرية الفنون.
نجد أيضا سامية أقريو، الموظفة الشبح في مندوبية وزارة الثقافة في الدار البيضاء، وعبد الغني الصناك وسعيدة باعدي وزوجها حميد باسكيط وحفيظة كسوي (تعيش بإيطاليا حاليا) بالمندوبية نفسها.
أما في مندوبية الثقافة بمكناس فنعثر على «المخرج» إدريس الروخ، الذي لم يسبق له أن حط رجليه في مكتبه بالمندوبية والذي يعيش في الدار البيضاء.
أما سمية الدريدي، مستشارة الوزير الحالية، فقد قضت سنوات طويلة موظفة شبحا في مندوبية وزارة الثقافة بمكناس دون أن تطأ قدماها الإدارة مرة واحدة، إلى أن ألحقها حميش مؤخرا بديوانه.
أما في مراكش فنعثر على «المخرج» المسرحي حسن هموش، الموظف الشبح بمندوبية وزارة الثقافة في هذه المدينة، ومحمد الورادي ويوسف آيت منصور. وهؤلاء جميعهم يشتغلون ضمن فرقة مسرح «تانسيفت» عوض الالتحاق بمقرات عملهم بمكاتب المندوبية.
إن هؤلاء الموظفين الأشباح يشتغلون جميعهم في السينما والمسرح والتلفزيون، ويحققون مداخيل مالية محترمة تضاف إليها منح الدعم التي يأخذها بعضهم سنويا من وزارة الثقافة.
ويبدو أن الوقت حان لكي يتم تخييرهم بين أمرين اثنين: إما الالتحاق بمقرات عملهم، وإما إفساح المجال أمام الشباب العاطل لكي يشغل وظائفهم.
فهل يستطيع الوزير بو «شاشية» أن يفتح هذا الملف الذي أورثه إياه الأشعري، أم إن انشغالاته العقارية الجديدة تأخذ منه كل وقته وتدفعه إلى «تغبار الأثر» له كما غبره لفضيحة كنز آسفي.
... تابع القراءة

مادام هناك أغبياء

كما كان منتظرا، منح مجلس أخلاقيات القيم المنقولة ببورصة الدار البيضاء، شركة «سينيا السعادة» للملياردير حفيظ العلمي جواز المرور. هكذا ستتمكن الشركة الأخطبوطية، التي تعتبر أول مؤمن على السيارات وعلى المرض، من إدراج أسمهما للاكتتاب بالسوق المالي.
وبالنسبة إلى مجلس أخلاقيات القيم المنقولة في كل بورصات العالم، فالمهم لديه أن تستوفي الشركة التي تريد دخول البورصة الشروط المالية المطلوبة، ولا يهم المجلس في شيء أن يكون لدى هذه الشركة دين بمبلغ 80 مليار سنتيم أخذته من «صندوق تضامن مؤسسات التأمينات» بوزارة المالية ولم تـُرجع منه درهما واحدا بعد.
الحقيقة أن حفيظ العلمي عوض أن يدخل البورصة كان من الممكن، لو كان لدينا قضاء حقيقي، أن يكون قد دخل السجن أربعة أشهر فقط بعد تسلم قرض الـ80 مليارا، ليس بسبب القرض الذي أخذه ولم يرده بعد، وإنما بسبب خرق واضح لقانون الشركات.
والمسؤولون عن هذا الخرق هم العلمي، بالإضافة إلى شخصين، أحدهما اليوم هو وزير التجارة والصناعة والتكنولوجيا الحديثة، أحمد رضى الشامي، الذي كان في تلك الفترة مديرا عاما لشركة «السعادة» وأحد كبار المقربين من والعلو وزير المالية آنذاك، والثاني هو رمسيس عروب، ابن الجنرال عروب، الذي كان في تلك الفترة مفتشا عاما لمجموعة «سهام»، بالإضافة إلى يده اليمنى آنذاك والذي أصبح مديرا عاما لتأمينات الوفاء فيما بعد.
قبل أن نتحدث عن المخالفة الخطيرة التي ارتكبها هذا الثلاثي، والتي كان على القضاء أن يعترض عليها، دعونا نعود إلى البلاغ الوردي الذي عممه العلمي على وسائل الإعلام، والذي يشرح فيه دور «صندوق تضامن مؤسسات التأمين» ومزاياه وطرق تمويله، ويشرح كيف استفاد من قرض الـ80 مليارا وكيف أن الاتفاق الذي تم بين الطرفين، بموافقة وزير المالية الاتحادي فتح الله والعلو، لم يشترط عدم توزيع الأرباح قبل رد القرض.
فكل ما نفهمه من خلال هذا البلاغ هو أنه بتاريخ 24 من غشت 2007، وبينما الجميع يسترخي تحت أشعة الشمس، كان أعضاء المجلس الإداري لشركة «السعادة» يجتمعون للتصويت على قرار رفع رأسمال الشركة.
فقد كان هذا القرار هو الشرط الوحيد لـ«صندوق تضامن مؤسسات التأمينات» لكي يوافق على إعطاء الشركة المحتضرة حق إعادة هيكلة نفسها ومنحها الثمانين مليارا.
وهكذا، حررت «السعادة» ربع رأسمالها، وحصلت على القرض، و«مريضنا ما عندو باس».
سوى أن الأمور ليست بهذه السهولة.
ولعل التاريخ المهم الذي قفز عليه البلاغ «الوردي» لأصحاب «السعادة» ليس هو تاريخ انعقاد الجمع العام الاستثنائي يوم 24 غشت 2007 للتصويت على الرفع من رأسمال الشركة وضخ 1،3 مليار درهم فيه، كما جاء في البلاغ، وإنما التاريخ المهم والذي أبقاه الثلاثي سرا هو يوم 10.12.2007، تاريخ انعقاد جمع عام استثنائي آخر، ليس لضخ المزيد من الأموال في رأسمال الشركة، وإنما لتقليص هذا الرأسمال بحوالي 500 مليون درهم، أي أن الأموال التي ضخها المساهمون في الشركة كان الهدف منها فقط توفير الشروط المفروضة من طرف «صندوق تضامن مؤسسات التأمين» للحصول على الـ80 مليارا، ولذلك تم تخفيض رأسمال الشركة أربعة أشهر فقط بعد ضخ القرض في حسابات الشركة.
في دولة تحترم فيها القوانين، تعتبر هذه العملية ممنوعة بقوة القانون، فضلا عن كونها عملية غير أخلاقية وتكشف عن سوء نية مبيتة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا سكت الاتحادي فتح الله والعلو، وزير المالية آنذاك، عن هذه المخالفة الخطيرة؟ وأي دور لعبه رفيقه الاتحادي أحمد رضى الشامي في هذه المناورة المالية عندما كان مديرا عاما لشركة «السعادة»؟
ولكي يمرر حفيظ العلمي قرار تقليص رأسمال الشركة واسترجاع الأموال التي ضخها هو وشركاؤه في حساباتها، تعهد بالرفع من قيمة الرأسمال مستقبلا، وذلك عبر تحويل ديون وكلاء ووسطاء الشركة.
ومن أجل إنجاح خطته، فرض على عدد كبير من وكلاء الشركة توقيع بروتوكولات بمبالغ كبيرة، مع تهديدهم بسحب الرخصة واستعمال الشيكات التي وقعوها على سبيل الضمان. وبسبب ذلك، اضطر عدد كبير من الوكلاء إلى إغلاق وكالاتهم، فيما اضطر آخرون إلى مقاضاة العلمي أمام المحاكم احتجاجا على الديون التي ألصقها بظهورهم. البعض منهم حصل على أحكام لصالحه، فيما آخرون لازالوا يصارعون أمام محاكم الدار البيضاء وفاس وبني ملال ووجدة وتارودانت وخريبكة...
وبينما يستعد الملياردير العلمي لدخول البورصة وعرض أسهم شركته للبيع وجني الأرباح، يعاني المئات من وكلائه السابقين من ظروف اجتماعية مزرية بسبب الديون التي كبلهم بها لتبرير عودته إلى الرفع من رأسمال شركته، وهو الوعد لم يتحقق منذ 2007 إلى اليوم.
ولعل المفارقة العجيبة في ما قام به العلمي والشامي ورمسيس عروب، عندما قاموا بالتصويت على سحب مبلغ الـ500 مليون درهم من رأسمال الشركة أربعة أشهر بعد ضخه في حساباتها، رغم أن الشركة كانت مختلة ماليا، هي أن عملية إنقاذ «السعادة» تمت في الواقع على حساب «صندوق دعم مؤسسات التأمين»، وبدون احترام توصية الصندوق بضرورة مساهمة الشركاء في عملية الإنقاذ هذه بأموالهم.
والحكمة من إجبار «صندوق دعم مؤسسات التأمين» المساهمين في الشركة المحتضرة على وضع أيديهم في جيوبهم والمساهمة في إنقاذها إلى جانبه، هو اختبار مدى ثقة المساهمين في مستقبل شركتهم وجدية مخطط إعادة الهيكلة الذي تقدموا به.
شكليا، احترم العلمي والشامي وعروب هذه المسألة، وطبقوا توصية الصندوق القاضية بالرفع من رأسمال الشركة، غير أنهم بمجرد ما حصلوا على الثمانين مليارا، استعادوا أموالهم واستطاعوا، في آخر المطاف، أن ينقذوا شركتهم بأموال ذوي الحقوق واليتامى التي تتشكل منها ميزانية «صندوق دعم مؤسسات التأمين».
وهكذا نفهم أن الجمع العام الاستثنائي ليوم 24 غشت 2007 المخصص لرفع رأسمال الشركة لم يكن سوى تمثيلية هزلية أدى فيها الثلاثي «أمانا» دورهم بإتقان، لأنهم كانوا يعرفون مسبقا أن المال الذي سيضخونه في رأسمال الشركة سيستعيدونه في اليوم الموالي.
ولهذا قال لهم العلمي، كبيرهم الذي علمهم السحر، في الجمع العام: «ما دام هناك أغبياء وأموال وأرباح، فإننا سنظل أجمل بلد في العالم».
ولكثرة ما يعتبر العلمي الجميع أغبياء، فإنه أراد من خلال بلاغه أن يعلل تلكؤه في رد الـ80 مليارا إلى وزارة المالية بكون هذه الأموال ليست أموالا عمومية، مع أن سعادة الملياردير الذكي يعرف أكثر من غيره أنها ليست أيضا أموالا خاصة، ما دامت خرجت من خزينة الدولة ومادامت الدولة هي التي تسير هذه الأموال.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: ما موقع العدالة من كل هذا الذي وقع؟ نعرف أن دركي البورصة سمح لشركة «سينيا السعادة» بدخول البورصة، وهذا من حقه، لكن هل سيستيقظ دركي العدل لكي يفتح الملف السري لهذه الشركة ويحقق في خرق رئيسها لبنود القانون المنظم للشركات المساهمة مجهولة الاسم، خصوصا في ما يتعلق بتخفيض الرأسمال مباشرة بعد الزيادة فيه، وما يترتب عن ذلك من عقوبات سالبة للحرية تتراوح ما بين شهر وستة أشهر، كما ينص على ذلك الفصل 384 الذي يعاقب بالسجن والغرامة كل عضو مسير بشركة مساهمة وزع أرباحا وهمية عن قصد على المساهمين؟
هل سيبقى دركي العدل نائما وهو يرى كل هذه الجرائم المالية ترتكب أمام عينيه، مثل تلك التي ارتكبها ابن الكولونيل العراقي عندما نصب على BMCE  وSGMB  عن طريق تزوير تواقيع ضباط في الجيش، ومع ذلك منحه وكيل الملك السابق رشيد بناني جواز سفره لكي يسافر به كما يحلو له؟
لقد كان قرار إدخال وكيل الملك بناني وزوجته إلى الثلاجة قرارا حكيما، لكن الأجمل سيكون هو إعادة فتح ملفات المتورطين في الجرائم المالية، حتى يفهم كل من يفكر في «التخصص» في النصب المالي أن عاقبته لن تخرج بسلام.
... تابع القراءة

الدفاع الوطني

كل الذين عرفوه واشتغلوا إلى جانبه في إدارة الدفاع الوطني يشهدون له بنظافة اليد. فالسباعي، الوزير المنتدب لدى الوزير الأول في إدارة الدفاع الوطني، كان أحد أنظف أعضاء الحكومة.
لكن نقطة ضعفه، رحمه الله، لم تكن حبه للمال وإنما بعض صداقاته ومعارفه، وخصوصا الكولونيل العراقي الذي تورط ابنه في جريمة تزوير واحتيال على بنكي BMCE وBMCI واستطاع، عن طريق تزوير تواقيع ضباط في الجيش، الحصول على أكثر من 500 مليون من هذين البنكين.
طبعا، عندما كتبت «المساء» حول هذه الفضيحة وكيف أن القضاء أغمض عينيه ولم ير ضرورة لمتابعة المتهم في حالة اعتقال بسبب الجرائم الخطيرة التي ارتكبها، خصوصا وأن التزوير طال تواقيع لضباط في مؤسسة الجيش، سارع وكيل الملك بالدار البيضاء إلى استدعاء المتهم الذي وجد تخريجة غريبة «أقنع» بها رشيد بناني، وكيل الملك آنذاك، وهي أن ابن الكولونيل كان جالسا في المقهى «ما عليه ما بيه» حتى جاءه أحد المواطنين بوثائق تحمل توقيعات ضباط في الجيش وطلب منه أن يتقدم بها إلى البنك لكي يحصل على قروض. وهكذا سلم الوكيل بناني ابنَ الكولونيل العراقي جوازَ سفره وسمح له بمغادرة التراب الوطني وكأن شيئا لم يقع.
الحقيقة أن الكولونيل العراقي استغل صداقته ومعرفته بالوزير المنتدب في إدارة الدفاع الوطني، واستغل خصوصا طيبوبته، ولذلك تغاضت إدارة الدفاع الوطني عن المطالبة بالمتابعة في حق ابن الكولونيل الذي زور وثائق الجيش واحتال بها على البنكين.
مناسبة الحديث عن إدارة الدفاع الوطني ليست هي قضية ابن الكولونيل العراقي أو الوزير المنتدب السباعي، فالوزير ذهب إلى دار الحق، بينما ابن الكولونيل غادر التراب الوطني ولا أحد يعرف متى سيعود، وإنما مناسبة الحديث عن هذه الإدارة، التي لا يكاد أحد يعرف حولها شيئا، هي منحها، في إطار القانون المالي الجديد، ميزانية تقارب 1000 مليار سنتيم مخصصة لشراء وإصلاح معدات الجيش ونفقات الأعوان والموظفين.
كل من سيمر أمام إدارة الدفاع الوطني تثير إعجابه المعلمة التاريخية التي تؤوي الإدارة. غير أن هذه البناية ينطبق عليها المثل القائل «آلمزوق من برا آش خبارك من لداخل»، فرغم الرونق والجمال الخارجي فإن مصالح الإدارة وأقسامها تفتقر في الداخل إلى المرافق الصحية، والجدران «مقشرة» وبدون طلاء، والأزبال والأوساخ في كل مكان.
وحتى عندما تكرم الوزير المنتدب السباعي، رحمه الله، بمنح وجبات غذائية مجانية للموظفين المدنيين، قام أعضاء «اللوبي» المسيطر داخل إدارة الدفاع، وهم مدراء الشؤون الإدارية والاجتماعية ومدير الديوان، بعرض عينة من الوجبات الجيدة على أنظار الوزير، وعندما حصلوا على موافقته غيروا الوجبة الجيدة بأخرى رديئة أصبح يرميها الموظفون في سلة المهملات بمجرد التوصل بها.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه وزير المالية عن ترشيد نفقات المؤسسات العمومية والتخلي عن اقتناء سيارات الخدمة، سارع المدراء الثلاثة إلى اقتناء سيارات فاخرة ووزعوها في ما بينهم دون أن يتخلوا عن سياراتهم القديمة.
أما «وجبة» الترقيات داخل إدارة الدفاع الوطني، فالجميع يعرف «الطاريفا»، أي 50 ألف درهم للترقي إلى السلم العاشر، و60 ألف درهم للترقي إلى السلم الحادي عشر. أما بالنسبة إلى الترقية الخاصة بالتقنيين، فـ«المرقة» تكون أوفر، لأن مهمة السهر على الامتحانات المهنية تسند إلى لجنة يرسلها مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل. وبعد تسليم اللجنة محضر الناجحين، تبدأ عملية تغيير الأسماء حسب تقنية «الدفع المسبق».
إن ما يقع دخل أسوار بناية إدارة الدفاع الوطني يستحق أن يرسل إليه المجلس الأعلى للحسابات قضاته لكي يراجعوا حسابات المؤسسة، لكي نعرف أين صرفت 21،6 مليار درهم التي تسلمتها الإدارة السنة الماضية.
وفي الوقت الذي نرى فيه كيف أن «كاميرون»، الوزير الأول لدولة مصنعة وغنية كبريطانيا، قرر الأسبوع الماضي، بسبب الأزمة الاقتصادية، إجراء أكبر تخفيض في تاريخ بريطانيا لميزانية الجيش، بحيث قرر حذف 42 ألف منصب شغل داخل الجيش البريطاني، كما قرر تخفيض مشترياته من الأسلحة وتقليص ميزانيات التجارب العسكرية، نندهش عندما نرى كيف أن الوزير الأول في دولة، كالمغرب، يستدين وزير ماليتها من البنوك الأجنبية لكي يمول ميزانيته السنوية، يرفع من ميزانية الجيش للسنة المقبلة بحيث انتقلت الميزانية المخصصة للدفاع الوطني من 21،6 مليون درهم إلى 22,7 ملايين درهم.
إن أكسل طالب في كلية الاقتصاد يمكن أن يفهم أن مشكلة الاقتصاد المغربي تتلخص في ثلاث نقط: سوء توزيع الثروات، سوء عقلنة المصاريف، سوء تطبيق القوانين.
ومع أنه لا أحد يشكك في الدور الكبير والوطني والحساس الذي تقوم به مؤسسة الجيش في الدفاع عن حوزة الوطن ومقدساته وشرفه، فإن طرح السؤال حول تدبير ميزانية الجيش أصبح، خصوصا في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، أكثر من ضروري، بل حيوي.
لقد حان الوقت بالنسبة إلى المغرب للمرور إلى تأسيس جيش عصري، أي أقل ما يمكن من العسكر، وأكثر ما يمكن من التقنية.
الجيش المغربي هو الأكثر تعدادا في المنطقة، بحوالي 200 ألف جندي أو أكثر. لكن هل كل هذه الآلاف المؤلفة من الجنود توجد في خدمة الجيش؟ الحقيقة هي أن أكثر من ثلاثين في المائة منها توجد في خدمة الجنرالات والضباط والكولونويلات في ضيعاتهم وفيلاتهم ومصانعهم.
الآلاف من الجنود يشتغلون كسائقين عند أبناء وزوجات هؤلاء المسؤولين الكبار في الجيش، وآخرون يشتغلون في أعمال السخرة داخل البيوت وحدائق الفيلات وأوراش البناء التابعة لهم.
الجميع يتحدث عن رواتب المدراء الكبار في المؤسسات العمومية، لكن لا أحد تحدث عن رواتب كبار الضباط، والتي تمتص كتلة أجور كبيرة بسبب التعويضات المالية السخية التي يحصلون عليها، وخصوصا تعويضات البنزين الذي يستعملونه في سياراتهم ذات المحركات الشرهة التي تبتلع 1،8 لترا عن كل كيلومتر. ولكم أن تتخيلوا كم «تحرق» هذه السيارات من أموال عن كل 100 كيلومتر تقطعه.
إن الفاتورة التي تدفعها الموازنة العامة بسبب الاستعمال المفرط لسيارات الضباط والجنرالات وكبار مسؤولي الجيش تكلف المغرب غاليا، وترفع الفاتورة النفطية إلى مستويات غير مسبوقة.
إن الأخطر في ما يقوم به بعض كبار مسؤولي الجيش ليس فقط استغلال مئات الجنود في أشغال شاقة وسخرة لا علاقة لها بالمهمة التي دخلوا الجيش من أجلها، مما يحطم معنوياتهم وإحساسهم بالكرامة والعزة، وليس فقط تبذيرهم المفرط للمحروقات التي تلتهمها محركات سياراتهم وسيارات الزوجة والأبناء، وإنما الأخطر هو امتناع بعضهم عن دفع الضرائب المستحقة للدولة على مشاريعهم الاستثمارية.
ولهذا السبب بالضبط حجزت الخزينة العامة بالرباط، قبل أسبوع، على ودائع مجموعة من كبار الشخصيات، فيهم البرلماني والجنرال والوزير، بسبب عدم دفعهم للضرائب التي للدولة في ذممهم.
إن هؤلاء الجنرالات وكبار مسؤولي الجيش، الذين يكتبون مشاريعهم واستثماراتهم في أسماء زوجاتهم وأبنائهم ويستمرون في التحكم في تسيير دفة مشاريعهم من وراء الستار باستعمال أسمائهم ونياشينهم لإخافة مفتشي الضرائب ومفتشي الشغل من الاقتراب أمام أبواب مصانعهم وشركاتهم المحروسة، يجب أن يفهموا أن الوضع الاقتصادي الذي يعيشه المغرب لم يعد يسمح بالمزيد من التساهل معهم.
إن مسؤولية البرلمانيين اليوم، وهم يستعدون لمناقشة قانون المالية الذي سيعرضه عليهم صلاح الدين مزوار، تحتم عليهم، كحراس للمال العام، أن يخضعوا بنود هذه الميزانية المخصصة لإدارة الدفاع الوطني للنقاش الصريح البعيد كل البعد عن المحاذير غير المبررة والتضخيم المجاني الذي يرافق النقاش حول مؤسسة الجيش.
إذا كانت الدول المتقدمة تراجع ميزانياتها بخصوص جيوشها ومقتنياتها من الأسلحة، فلماذا سيشعر برلمانيونا بالحرج من فتح هذا الموضوع، خصوصا وأن المغرب غير محتاج إلى الانسياق وراء سباق التسلح الذي يريد جنرالات الجزائر أن يجرونا إليه.
إن التسلح الحقيقي الذي يجب على المغرب أن يسعى إليه ويضع من أجله كل الميزانيات اللازمة هو تسليح الأجيال القادمة بالعلم والمعرفة. ومن أجل ربح معركة المستقبل، يجب تشييد المزيد من الخنادق وتوظيف المزيد من الجنود داخل مؤسسة التعليم العمومي والجامعات ومراكز البحث والدراسات، حتى يستطيع المغاربة منازلة الجهل ومصارعة الأمية بأسلحة العصر، فالجهل والأمية يظلان أخطر عدو يترصد المغرب على الإطلاق.
ميزانية السنة المقبلة يجب أن تضع في حسابها هذه المعركة، فمن لم يفهم أن مفتاح الغد هو العلم والمعرفة لم يفهم شيئا على الإطلاق.
إن ثمن دبابة واحدة، حوالي مليار سنتيم، يمكن أن نبني به عشرة مدارس، هذه المدارس سيأتي إليها عشرة آلاف تلميذ وتلميذة. هذا هو الجيش الحقيقي الذي يجب أن نعده لمجابهة المستقبل. أما الدبابات التي نشتريها لكي تصدأ داخل الثكنات ثم نضع لها بنودا في الميزانية لكي نصلح أعطابها، فلا تصلح إلا لتبرير المصاريف.. تلك التي لا يجرؤ وزير المالية، ومعه نوابنا الكرام، على المطالبة بوقف نزيفها المزمن.
... تابع القراءة

رجال الظل

بالأمس، تحدثنا عن الأخطاء التي تشوب البطائق الوطنية، وخصوصا عن الخطأ الذي يوجد في الآية الكريمة المكتوبة في شعار المملكة «إن تنصروا الله ينصرككم»، وقلنا إن السبب يعود إلى عدم التدقيق والانتباه بسبب كثرة الشغل وقلة اليد العاملة التي تشتغل في الظل.
وما يعرفه الناس عن الأمن هو موظفوه الذين يشتغلون تحت الشمس، أما المئات من الموظفين الذين يشتغلون في الكواليس فلا أحد ينتبه إلى وجودهم.
إلى جانب الآلاف من رجال الشرطة من مختلف الرتب، والذين تكوّنوا في معاهد الشرطة تكوينا شبه عسكري، هناك المئات من الأطباء والمهندسين والمترجمين والصحافيين وتقنيي المعلوميات وتقنيي المختبرات والمسيرين الذين يشتغلون داخل جهاز الأمن، ويسري عليهم القانون الجديد الذي يسري على كل رجال الأمن. مع فارق مهم، وهو أن هذه الأطر العليا التي يقارب عددها الألف، تم إقصاؤها من الاستفادة من الزيادة الأخيرة في الأجور التي أقرها القانون الجديد لرجال الأمن، رغم أنها تتقاضى أجورها مثلها مثل كل رجال الأمن من نفس الميزانية المخصصة لهم من طرف وزارة المالية.
ورغم أن الظهير الملكي المنظم لهذا القانون الجديد جاء شاملا لكل موظفي الإدارة العامة للأمن الوطني، فإن هذه الشريحة من الأطر «المقيمة» بالإدارة العامة للأمن الوطني تم حرمانها من هذا الحق، مع أن أفراد هذه الشريحة تسري عليهم جميع القوانين والعقوبات التي تسري على زملائهم الآخرين.
فهم، كجميع رجال الأمن، مجبرون على ارتداء البذلة الرسمية وممنوعون من مغادرة الدائرة الحضرية التي يشتغلون فيها إلا برخصة مسبقة، كما أنهم ممنوعون من ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، ومجبرون على الحضور للعمل، إذا تطلب الأمر ذلك، أربعا وعشرين ساعة متتالية وسبعة أيام على سبعة.
كما أن جميع الشروط التي تفرضها الإدارة العامة للأمن الوطني على رجالها في اختيار شريكات عمرهم والبحث الأمني المسبق الذي تجريه على عائلاتهن يخضع له أفراد هذه الشريحة.
وإذا كان أفراد هذه الشريحة، المكونة من الأطر العليا في الطب والهندسة المختبرية والإعلامية وباقي التخصصات الدقيقة الأخرى، مجبرين على الخضوع للقوانين والعقوبات السائدة داخل الإدارة العامة للأمن الوطني، فإنهم بالمقابل محرومون من الاستفادة من كل الامتيازات التي جاء بها القانون الجديد لرجال الأمن.. محرومون من التعويضات عن الساعات الإضافية، ومحرومون من الزيادة في الأجور، ومحرومون من الاستفادة من تعويضات السكن، ومحرومون من الاستفادة من خدمات مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية المخصصة لموظفي الإدارة العامة للأمن الوطني.
وهكذا، فهذه الأطر تسري عليها عقوبات القانون الجديد لرجال الشرطة، لكن امتيازاته لا تسري عليها. وهذه مفارقة غريبة لا يمكن أن تجد لها مثيلا إلا في المغرب.
وعندما احتجت بعض الأطر على هذا الإقصاء غير المبرر لشريحة تنتمي إلى أسرة الأمن من الامتيازات التي يستفيد منها زملاؤها، تم تهديدها بالتوقيف والإبعاد العقابي. وحتى الذين أرادوا أن «يسمحوا في الجمل بما حمل» ويقدموا استقالاتهم ويبحثوا عن خبزهم في مكان آخر، تم رفض استقالتهم، خصوصا وأن هذه الأطر ليست مقطوعة من شجرة ولا تشكل الإدارة العامة للأمن الوطني بالنسبة إليها الملاذ الأخير للحصول على شغل، فالأغلبية الساحقة من تلك الشريحة أطر عليا مكونة وحاصلة على شواهد عليا في تخصصات تبحث عنها مؤسسات القطاع الخاص بالريق «الناشف».
ويبدو أن العقل الأمني لدينا لازال مصابا بالكسل والخمول، ولذلك فإنه لا يقدر جيدا وجود مثل هذه الأطر داخل دواليبه، فهو يفضل أن يستمر في الاشتغال بنفس أساليب العهود البائدة معتمدا على المتلصصين والمخبرين الذين يحصون المصلين في المساجد والضيوف في الأعراس وحفلات الختان لجمع المعلومات.
لقد تغيرت الأمور كثيرا في عالم اليوم، وأصبحت الجرائم أكثر تعقدا، ووسائل الوصول إلى تفكيك شبكات الإجرام والمخدرات والدعارة والإرهاب أصبحت تتطلب الاعتماد على العلم وليس على «تاشكامت» أو انتزاع الاعترافات تحت التعذيب.
وداخل كل إدارات الأمن التي تحترم نفسها وتساير تقدم العصر وتعقد جرائمه ونظم التحكم الأمني فيه، هناك اتجاه نحو تطوير الاعتماد على الطب والهندسة المعلوماتية والترجمة وكل العلوم الدقيقة التي تساعد رجال الأمن وتسهل عليهم مهمتهم في حفظ أمن الدولة والمواطنين.
إلا عندنا نحن، فالشريحة التي تم توظيفها أساسا للقيام بهذه المهمة الخطيرة والمهمة، تعاني من التهميش والازدراء، وتتعرض للعنصرية لمجرد أنها لم تمر، ككل رجال الأمن الآخرين، من مراكز إعداد الشرطة بالقنيطرة.
ولذلك، فهناك انطباع سائد لدى كبار رؤساء الأمن بأن هؤلاء المهندسين والأطباء والمترجمين والإعلاميين ليسوا سوى موظفين مدنيين لم يتدربوا مثل غيرهم على حمل السلاح وإطلاق النار، ولذلك ينظرون إليهم كدخلاء وليس كأطر يجب الاستفادة من تجربتها العلمية لتطوير المؤسسة الأمنية التي تواجهها تحديات كبيرة اليوم تضع وسائل عملها التقليدية موضع سخرية أحيانا.
لقد أصبحت الجريمة في المغرب منظمة بشكل كبير، ولم تعد مقتصرة على الجريمة التقليدية، التي يكون فيها قاتل ومقتول، بل هناك اليوم الجريمة الإلكترونية والجريمة المالية، وقائمة طويلة من الجرائم التي لا أحد يستطيع تفكيك خيوطها بدون الاعتماد على التقنيات الحديثة في المعلوميات والتواصل.
وإذا كان هناك من مديرية يجب تطويرها وتشجيع أطرها ومنحها كافة وسائل العمل التي تحتاج إليها فهي مديرية مراقبة الجريمة الإلكترونية والمالية. فهناك اليوم في المغرب آلاف المجرمين الجنسيين الذين يقتنصون الأطفال القاصرين عبر الشبكة العنكبوتية ويتبادلون صور الأطفال الصغار في ما بينهم، ولا أحد يترصدهم وراء الشبكة لكي يوقع بهم في قبضة الأمن.
في أوربا، بمجرد ما يدخل مواطن موقعا جنسيا ويحصل على صور لأطفال قاصرين يطرق بابه أفراد من شرطة مكافحة الجريمة الإلكترونية ويتم اعتقاله ومحاكمته كمنحرف جنسي.
هنا في المغرب، يقضي الآلاف من المنحرفين وقتهم في الإيقاع بفتيات بريئات في شباكهم للحصول منهن على صور أو مقاطع للتعري أمام «الويب كام»، قبل أن يبدؤوا في مساومتهن بتلك الأشرطة وتهديديهن بعرضها على «اليوتوب».
كما أن هناك اليوم في المغرب انفجارا كبيرا لجرائم مالية معقدة يحتاج تفكيك خيوطها إلى خبرات في المعلوميات والاتصالات. ومثل هذه الجرائم لديها في بعض الدول الأوربية كإيطاليا، مهد «المافيا»، شرطة خاصة بها تسمى «الشرطة المالية». وأفراد هذه الشرطة لديهم تكوين عسكري صرف يمكنهم من حمل السلاح واستعماله. وهذه الشرطة المالية لديها ثكنة في كل مدينة، وأفرادها تابعون إداريا لوزارة المالية.
ويا ويلك إذا زارتك هذه الشرطة في مقر شركتك، فأول شيء تقوم به، عندما يتعلق الأمر بمتهرب من دفع الضرائب أو مجرم مالي، هو الحجز على جميع ممتلكاته وحساباته البنكية.
في المغرب، يحكمون بالسجن على المفسدين المتورطين في الجرائم المالية ويتركون لهم ممتلكاتهم وحساباتهم البنكية لكي ينعموا بها بعد خروجهم من سجون الخمس نجوم التي كانوا فيها.
إن مأساة الأمن، عندنا اليوم في المغرب، هي اعتماده على وسائل تقليدية ومتجاوزة في التصدي للجريمة.
فالأمن في المغرب لم يتطور بالقدر الذي «تطورت» به الجريمة والمجرمون. وزيارة بسيطة لمقرات ومخافر الأمن تعطيك فكرة عن الوسائل البدائية التي يشتغل بها رجال الأمن. مكاتب من الخردة يتبرع بها المحسنون على الإدارة العامة كما وقع في ولاية الأمن بالدار البيضاء: حواسيب تعود إلى العهد الأول لظهور «الماكينطوش»، كراس معطوبة لا يشبه أحدها الآخر، وحتى الأوراق التي يكتب عليها رجال الأمن المحاضر يجب أن يشتروها من جيوبهم إذا أرادوا أن يقوموا بوظيفتهم.
أين تذهب الميزانيات الخاصة بالتجهيز ووسائل العمل الموجهة إلى مقرات وولايات الأمن؟
يبدو واضحا أن الإدارة الحالية للأمن الوطني تصفي تركة الجنرال العنيكري. ورغم كل الانتقادات التي يمكن تسجيلها على حساب العنيكري، فسيظل الجميع يذكر له أنه كان أول من وضع خطة لشرطة القرب وجهزها بجميع ما تحتاج إليه من وسائل حفظ الأمن، كما أنه شيد في كل النقط السوداء مخافر للأمن، ووظف مئات الأطباء والمهندسين والمترجمين والإعلاميين المتخرجين من المدارس العليا للاستفادة من خبراتهم العلمية في تفكيك شبكات الجريمة المنظمة. طبعا، يتحمل العنيكري فاتورة تدبير ملف الإرهاب وما تلاه من تجاوزات قانونية وإنسانية لا تغتفر، لكنه وضع اللبنات الأساسية لشرطة معاصرة، علمية ومتطورة.
اليوم تتم تصفية هذا الإرث عوض تطويره والدفع به إلى الأمام. فمخافر الأمن في الأحياء الشعبية تحولت إلى مطارح للأزبال، والشرطة اختفت من الأحياء الساخنة، والناس يتمنون رؤية سيارة الأمن «للدوا» بدون طائل، والمجرمون احتلوا الأحياء والأزقة وفرضوا قانون الغاب على دافعي الضرائب الذين يمولون ميزانيات الإدارة العامة للأمن الوطني.
فإلى متى سيستمر هذا الاستهتار بأمن الناس في هذا البلد؟
... تابع القراءة

زرب تعطل


المئات، بل الآلاف من المواطنين الذين يذهبون لاستخراج بطاقاتهم الوطنية البيوميترية الجديدة، لا يفهمون لماذا تخطئ الإدارة العامة للأمن الوطني في كتابة أسمائهم الشخصية والعائلية.
حسن يتحول إلى عائشة، وفريدة تتحول إلى فريد. أما النقط والحروف المضافة والمحذوفة فحدث ولا حرج.
وطبعا، فالأخطاء المطبعية شيء طبيعي عند الإدارات في كل بلدان العالم، لكن ما هو غير طبيعي عندنا هو أن الإدارة العامة للأمن الوطني تجعل المواطنين يتحملون ثمن أخطائها. فبمجرد ما يحتج مواطن على وجود خطإ في بطاقته الوطنية يطلبون منه إعادة جمع الوثائق المكونة للملف.
ولكثرة هذه الأخطاء أصبح البعض يقول إن الإدارة العامة للأمن الوطني تتعمد اقتراف الأخطاء لكي تضاعف من أرباح الدولة عن الوثائق والطوابع الكثيرة التي يؤدي المواطنون ثمنها في سبيل الحصول على البطاقة الوطنية.
والواقع أن محنة استخراج البطاقات الوطنية البيوميترية تعطينا فكرة واضحة عن تخلف الإدارة المغربية وجمودها وتفشي الرشوة داخلها، فضلا عن عدم فاعليتها.
ومنذ بدء العمل بنظام البطاقات الجديدة وأماكن وضع ملفاتها وتسلميها تعرف اكتظاظا منقطع النظير في كل المدن تقريبا، إلى درجة أن المواطنين أصبحوا يبيتون الليالي أمام مخافر الأمن في انتظار أن يحظوا بتسجيل أسمائهم في الصباح على اللائحة السحرية التي ستحظى بمقابلة الموظف الذي سيتسلم منهم وثائقهم، وكأنهم سيحصلون على «الغرين كارت» وليس على البطاقة الوطنية.
مثل هذه الإجراءات في الدول التي اكتشفت «البطاقة البيوميترية» تحل عبر الأنترنيت أو البريد العادي، بدون حاجة إلى المبيت أمام أبواب المخافر وإعطاء الرشاوى لرجال الأمن والحراس من أجل الظفر بفرصة التسجيل على لائحة المحظوظين الذين سيقبلون لوضع ملفاتهم.
وبعد أيام من «سير حتى تجي»، وأيام من الجري وراء المقدم لكي يمنحك شهادة السكنى، وأيام من الانتظار، تخرج «لالة لاكارط» مرصعة بأخطاء يندى لها الجبين تجبرك على إعادة القصة من أولها، وعلى حسابك.
وإذا كانت أخطاء البطاقة الوطنية توجد في الأسماء، فإن الخطأ الذي تم اكتشافه مؤخرا في بطاقات رخص السياقة البيوميترية هو أن حوالي المليون و36 ألف بطاقة التي تم توزيعها إلى حدود اليوم تتضمن فقط تاريخ بداية صلاحية البطاقة ولا تتضمن تاريخ نهاية الصلاحية.
وهذا، طبعا، يتناقض مع مدونة السير الجديدة التي بدأ العمل بها منذ فاتح أكتوبر الماضي والتي تعطي رخص السياقة فترة زمنية محددة في عشر سنوات يتم بعدها تجديد الرخصة.
بمعنى أن شرطة المرور ورجال الدرك من حقهم أن يفرضوا غرامات على كل السائقين الذين يتوفرون على رخص السياقة البيوميترية بسبب عدم استجابتها لشروط مدونة السير الجديدة.
وبما أن وزارة النقل هي التي تحكمت في صفقة إعداد البطاقات بواسطة شركتي «السياقة كارد» المتفرعة عن «سيجيم سيكيريتي» وشركة M2M، وتحكمت أيضا في «صفقة» المدونة، فإنها تحولت بسبب هذا الخطأ إلى خصم وحكم في الوقت نفسه، أما الضحية فهو المواطن الذي دفع أمواله من أجل استخرج بطاقة مرور هي أول «من» يخرق أحد بنود مدونة السير.
ويمكن أن يفهم المرء قلة تركيز وزارة النقل والإدارة العامة للأمن الوطني عند كتابة التواريخ أو أسماء المواطنين على البطائق البيوميترية، لكن أن تصل قلة التركيز إلى حد عدم الاكتراث لوجود خطأ مطبعي في آية قرآنية مكتوبة على التاج الملكي الذي يجسد شعار المملكة المغربية، فهذا شيء يدعو إلى الاستهجان.
وكل من سيخرج بطاقته الوطنية البيوميترية من جيبه ويتمعن في الآية الكريمة المكتوبة أسفل التاج المحاط بأسدين سيلاحظ أنها تحتوي على خطأ مطبعي، فعوض أن تكتب الإدارة العامة للأمن الوطني «وإن ينصركم الله فلا غالب لكم»، كتبت «وإن ينصرككم الله فلا غالب لكم»، أي أنها أضافت حرف الكاف إلى كلمة ينصركم فتحولت إلى «ينصرككم».
والخطأ جسيم وغير مقبول لثلاثة اعتبارات مهمة على الأقل، أولها أن الخطأ وقع في آية قرآنية مكتوبة في وثيقة رسمية صادرة عن مؤسسة عمومية، وهو الخطأ الذي لم يثر حفيظة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ولا المجلس العلمي، ثانيها أن الخطأ وقع في شعار من شعارات المملكة ورمز من رموز سيادتها، وثالثها أن المؤسسة التي صدر عنها الخطأ ليست مؤسسة عادية وإنما مؤسسة الأمن الوطني التابعة لوزارة الداخلية المفروض فيها حماية رموز الدولة من العبث.
إن الوضع الطبيعي يفرض على الإدارة العامة للأمن الوطني استعادة جميع البطائق البيوميترية التي وقع فيها هذا الخطأ الجسيم، وتدميرها ثم استخراج بطاقات جديدة خالية من الأخطاء.
هذا، طبعا، يتطلب ميزانية ضخمة، وأيضا محاسبة الجهة المسؤولة عن الخطأ. فإما أن الإدارة العامة للأمن الوطني هي التي أرسلت الخطأ، وإما أن الشركة التي أنتجت البطاقات هي التي اقترفته أثناء الطبع.
وفي كلتا الحالتين يجب أن تكون هناك محاسبة، لأن الأمر يتعلق بضياع الملايير من أموال دافعي الضرائب من أجل إصلاح خطأ جسيم كهذا الذي يحمله مئات الآلاف من المغاربة في بطاقاتهم الوطنية.
هذا الخطأ يجرنا إلى الحديث عن الطريقة التي تدار بها الصفقات المتعلقة بالبطائق وجوازات السفر البيوميترية. وما لاحظه المواطنون الذين استخرجوا جوازات سفرهم البيوميترية أن الكتابة المذهبة التي توجد على غلاف الجواز تمحى بسهولة، عكس النسخة القديمة من الجواز التي تصمد كتابتها لسنوات طويلة.
والملاحظ أن هناك في المغرب تساهلا، وربما ازدراء، لكل ما له علاقة بالوثائق والرموز الرسمية والسيادية للدولة. فالبطائق الوطنية تصدر حافلة بالأخطاء، وجواز السفر تمحى الكتابة التي على غلافه بسهولة، والرايات الوطنية يصممها كل واحد على مزاجه ويعلقها مقلوبة وبالشكل الذي يحلو له، حتى إننا البلد الوحيد في العالم الذي يمكن أن ترى فيه راية طولية تعلوها نجمات كثيرة.
ومن كثرة ما تحولت الراية الوطنية إلى وسيلة لاستجداء عطف الجمهور وإظهار الأحاسيس الوطنية المنافقة، أصبح كل من صعد منصة وأمسك مايكروفونا، لكي يرقص أو يغني، يتحزم بالراية الوطنية ويمسح بها عرقه أمام الجماهير.
في الدول التي تقيم وزنا لهيبتها، هناك مؤسسة خاصة بالراية الوطنية هي التي تحدد المقاييس والأشكال والأحجام التي تصدر بها الرايات التي تعلق في المؤسسات العمومية، أي أن هناك نموذجا موحدا للراية الوطنية تسهر على صناعته وترويجه مؤسسة معروفة هي التي تتحمل مسؤولية حماية الراية من التشويه الذي يمكن أن يطالها من طرف تجار الثوب الذين يبهدلونها بتلك الألوان الفاقعة والأثواب الرخيصة التي يستعملونها في صنعها.
إن الأخطاء التي تحدثنا عنها لا توجد فقط في البطائق الرسمية وإنما أيضا في الراية الوطنية. فكم من راية تصنع بشكل خاطئ بحيث تكون أضلاع النجمة مقلوبة. وهذا الخطأ لا يكاد ينتبه إليه أحد، لكنه موجود حتى في الرايات التي تعلق فوق المؤسسات الرسمية.
هناك اليوم اختراق صيني لصناعة الرايات، بعدما تم توقيف شبكة لترويج صور الملك كانت تطبع الصور الملكية في الصين بثمن بخس وتعيد بيعها في المغرب محققة أرباحا طائلة. ومثل هؤلاء الوسطاء لا يهتمون كثيرا باحترام المقاييس المطلوبة في الراية الوطنية، كما أنهم يجهلون الشكل السليم الذي يجب أن تكون عليه مقاساتها. فهم يتعاملون مع الراية كسلعة تجارية فقط. وتلك الرايات التي يقترحها عليكم الباعة المتجولون في الطرقات وبجانب علامات المرور، كلها من صناعة وسطاء صينيين يعيدون صناعة كل ما يمكن أن يشتريه المغاربة، حتى إنهم دمروا صناعة البلغة المغربية بقرصنتهم لها وصناعتهم لبلاغي تساوي عشرة دراهم. طبعا كل من يلبس هذه البلاغي يكتشف أن أصابع قدميه بدأت تطل منها بعد الأسبوع الأول لوضعها في رجليه. «عند رخصو تخلي نصو».
لكن بالنسبة إلى الشركات التي تتعاقد معها الإدارة العامة للأمن الوطني ووزارة النقل، فالأمر لا يتعلق بعشرة دراهم، وإنما بعشرات الملايير.
ومشكلة الشركات التي تعهد إليها الإدارة العامة للأمن الوطني بمهمة إنجاز البطائق وجوازات السفر البيوميترية، هي أنها تتعامل مع هذه الوثائق بوصفها «صفقة» وليس بوصفها وثائق تجسد هيبة الدولة ومؤسساتها الرسمية.
طبعا، تبقى مسؤولية الإدارة العامة للأمن الوطني ثابتة في هذه الأخطاء. والسبب الرئيسي يعود إلى تهميش هذه الإدارة لحوالي 1000 إطار وتقني من خيرة التقنيين والأطر الذين يشتغلون داخلها، والذين من الممكن الاعتماد على خبراتهم لتجنب الوقوع في مثل هذه الأخطاء المشينة.
غدا نتحدث عن هذه الفئة من الموظفين داخل جهاز الأمن، والتي تسري عليها الواجبات نفسها التي تسري على جميع رجال الأمن، لكنها لا تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها هؤلاء.
... تابع القراءة

الشناق

في حوار أعطاه حفيظ العلمي لمجلة «فينانص نيوز» سنة 2006، انتقد إمبراطور التأمينات في المغرب كون الدولة، عندما كانت تملك شركة «السعادة»، أخذت قرضا ماليا من صندوق «تضامن مؤسسات التأمين»، وعندما تعافت صحتها المالية لم ترجع الدولة القرض وإنما باعت «السعادة» لشركة «أريج» البحرينية. وحسب العلمي، فهذا السلوك غير معقول.
سنوات بعد ذلك، عندما سيشتري حفيظ العلمي «السعادة» من البحرينيين، سيلجأ بدوره إلى صندوق «تضامن مؤسسات التأمين» وسيقترض منه 80 مليارا. وعوض أن يرد الملايير إلى صندوق وزارة المالية بعدما تعافت الصحة المالية لشركة «السعادة»، بدأ يخطط لدخول البورصة لبيع أسهمها.
والمدهش في الأمر أن ما اعتبره حفيظ العلمي غير معقول سنة 2006 أصبح يراه عين العقل في 2010.
حكاية «مولاي» حفيظ العلمي حكاية غريبة وعجيبة تستحق أن تحكى:
عندما قضى مولاي حفيظ العلمي ثلاث سنوات على رأس «الباطرونا» المغربية خلفا للمغضوب عليه، آنذاك، الشامي، صرح بأنه لا يريد ولاية ثانية لأن منصبه شغله عن مشاريعه في مجموعته الأخطبوطية «هولدينغ سهام».
والحقيقة أنه حتى وهو مشغول بمشاكل «الباطرونا» على رأس الاتحاد العام للمقاولات بالمغرب، لم يدع هذا الملياردير الطموح، الذي ظن يوما أنه يحكم البلاد، الفرصة تفوته دون أن يستولي على شركتي تأمين مريضتين على التوالي سنتي 2005 و2006، وذلك بثمن بخس، ويوجه «سهامه» إلى صدور وكلائها العامين ووسطائها، لينتزع منهم اعترافات خيالية بديون الشركتين عليهم «بالثالث والمثلث» تحت طائلة جرجرتهم أمام المحاكم.
 ولتحقيق مخططه، وضع على رأس الشركة الأولى رمسيس عروب، ابن أحد جنرالات الجيش، كمدير عام مساعد، في حين وضع على رأس الثانية صديقه أحمد رضى الشامي قبل أن يصبح وزيرا.
سعادة رئيس نقابة المقاولين لم يكن يدافع إلا عن مصالح كبريات الشركات القابضة، أما المقاولات الصغرى والمتوسطة، مثل وكلاء التأمينات الذين طحنهم وكسر ضلوعهم، فلا يهمه أن تقبض أنفاسهم أو أن يذهبوا إلى الجحيم أو إلى السجن أو أن يتعرضوا للتشرد والضياع في الشارع، كما هو الشأن بالنسبة إلى ذلك الوكيل العام الذي تحول من وكيل محترم إلى متخلف عقليا يجوب الشوارع بعدما زج به رئيس «الباطرونا» في متاهات ديون خيالية وشيكات ضمان لم يستطع تأديتها، أو مثل العديد من الوكلاء الذين يرزحون تحت نير شكاياته ودعاواه أمام المحاكم، والذين خصص لجرجرتهم نخبة من كبار المحامين.
ما يعرف على حفيظ العلمي أو «برنار طابي المغرب» أنه في ساحة الأعمال، رغم مظهر «البلاي بوي» الذي يوحي به شكله، لا يرحم في مجال الصفقات، حتى إنه معروف في وسط رجال الأعمال بكونه يشتم رائحة الصفقات المربحة مثلما يشتم الوحش طريق فريسته، ويعرف متى وكيف وأين ينقض عليها لينتزعها فجأة من بين مخالب منافسيه، ولذلك فليس صدفة أن جميع صفقاته انصبت على شراء شركات مريضة، سرعان ما يتولى تلميعها و«تطهير» حساباتها بواسطة قروض بنكية أو قروض من صندوق دعم شركات التأمين، استعدادا لإعادة بيعها بـ«دقة للنيف».
والغريب أن العلمي، الذي نجا من المحاكمة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، هو الذي يحاول أن يعصر «الحامض» في عيون وكلاء التأمين التابعين لشركته، فبعدما كان لهؤلاء اسم تجاري خاص بهم، فرض عليهم تغيير لوحات وكالاتهم في إطار صفقة مربحة أخرى على حسابهم، تخلوا بموجبها عن اسمهم التجاري الخاص لفائدة الاسم التجاري للشركة التي يمثلونها، ولأنه بارع في مجال العلامات الصناعية مثل «بيكديل» وغيرها، فقد تفتقت عبقريته عن تحويل اسم «سهام»، وهو اسم «الهولدينغ» الذي أسسه في أقل من 10 سنوات، إلى علامة تجارية تتوسط اللوحات الإشهارية والملصقات والإعلانات والمطبوعات الخاصة بشركة تأمينات «سينيا السعادة»، وسجل اسم «سهام» كعلامة تجارية لدى المكتب المغربي لحماية الملكية الصناعية، فقام من خلال هذه الصفقة بضرب عصفورين، على الأقل، بحجر واحد، هما: أولا، القضاء على الاسم التجاري للوكلاء وعلامتهم التجارية، حتى يمنع عليهم التحول إلى وكلاء لشركات تأمين أخرى. وثانيا، إشهار مجموعة «سهام» بطريقة مجانية، من خلال لوحات إشهارية خاصة تضاء ليلا من ميزانية الوكلاء وتؤدى عنها الضريبة من حساباتهم، فيما كتب اسم الوكلاء صغيرا جدا لا يكاد يقرأ أسفل اللوحة بدون إضاءة.
ورغم أن وزارة المالية لم ترخص لـ«سهام» بممارسة عمليات التأمين، وعلى الرغم من كون «سهام» هي مجموعة أخطبوطية تضم التأمين إلى جانب الدواء إلى الاتصالات إلى الأزياء والأثاث وغيره، فإنها تنعم بإشهار مجاني على أرصفة المدن والقرى المغربية على حساب وكلاء تأمينات «سينا السعادة» عملا بقاعدة من «ليحيتو لقم ليه».
وبالعودة إلى «نجاة» الشريف العلمي من غضبة الملك الراحل وهروبه إلى كندا، فتتلخص في أن السيد العلمي -الذي اكتشفه «روبير أسراف» عندما كان مديرا عاما على «أونا» واستقدمه من كندا سنة 1988، ليكون مديرا عاما للشركة الإفريقية للتأمين- استطاع أن ينقلب عليه ويتقرب من رئيس المجموعة فؤاد الفيلالي، ثم ينقلب على هذا الأخير وينسحب من مجموعة «أونا» سنة 1996 من أجل العمل لحسابه الخاص، بعدما «نيش» جيدا أين ستكون ضربته القادمة، وأحاط بأولى كبرى فرائسه التي لن تكون سوى شركة «أكما للوساطة في التأمينات» AGMA.
فقد خرج الشريف العلمي بتعويضات مهمة من خلال فصله عن العمل من «أونا» نتيجة نزاعه مع فؤاد الفيلالي، فقرر أن يشتري حصصا من شركة «أكما للوساطة في التأمين» بمساعدة عبد الحق بناني، المدير العام «لوفابنك»، آنذاك، وبتحالف مع عثمان بنجلون الذي سهل له عملية السيطرة على رأسمال الشركة.
 وبما أنه كان كاتبا عاما لـ«أونا»، فقد كان يعرف الكثير عن خبايا الشركة وما ستؤول إليه من تطور، خاصة وأنه خبير في مجال «تطهير» حسابات الشركات «المريضة» وابتلاع الشركات الصغيرة، فابتلع، في ظرف ستة أشهر، شركة Service International d’assurance ASI وربط شراكة مع شركة «مارتش ماكلينان» الأمريكية المتخصصة في الوساطة في التأمين، التي أبدت رغبة في اقتناء «أكما»، ثم قام بطرح  22 في المائة من أسهم الشركة بالبورصة في الدار البيضاء، وسرعان ما ارتفعت أسهم الشركة من 425 درهما للسهم إلى 1100 درهم للسهم بعد أسابيع قليلة، وهكذا اكتشفت مجموعة «أونا» أن الشريف العلمي خدعها بطريقة «جوج وضامة» التي يتقنها.
ومع ذلك، اضطرت «أونا» إلى إبرام اتفاق مع العلمي، حتى لا تباع الشركة للأمريكيين، فرضت عليه من خلاله إعادة الشركة إلى أصحابها سنة 1999 بثمن السوق. فخرج العلمي رابحا من الصفقة مبلغ 126 مليون درهم في بضعة أشهر، وغاب عن الأنظار عند «ماما» كندا، في انتظار هدوء العاصفة، قبل أن يعود سنة 2002 يفرك أصابعه بحثا عن غنيمة جديدة.
ولدى عودته من كندا، شرع في تطوير مجموعته، فارتفع رقم معاملاتها بمعدل 182 في المائة في السنة، وبما أنه يعرف خبايا التأمين و«مزاياه»، فقد قرر شراء شركة «سينيا للتأمين» من مجموعة «أريج» البحرينية سنة 2005، وبضربة «جوج وضامة» سينتزع صاحبنا الصفقة من بين فكي «البنك الشعبي»، في وقت كان فيه «نور الدين العماري»، المدير العام للبنك، على وشك إنهاء الصفقة لحساب هذا الأخير، وقد استعان حفيظ العلمي في إتمام الصفقة هذه المرة بصديقه وكاتم أسراره خالد الودغيري، الذي كان يشغل منصب المدير العام لـ«التجاري وفا بنك» والذي فر إلى فرنسا وانتهى مدانا ومحكوما غيابيا بالسجن في قضية «بوفطاس».
أما في سنة 2006 فقد اشترى العلمي شركة التأمين «السعادة» من عائلة «الوزاني» بثمن رمزي، عندما كانت الشركة على وشك الإفلاس، فاستحوذ بذلك على 15 في المائة من سوق التأمينات بالمغرب، ثم حصل لفائدتها على دعم من صندوق دعم شركات التأمين بقيمة 800 مليون درهم، قبل أن يقوم بابتلاعها بواسطة «سينيا» التي سبق لها أن استفادت من دعم نفس الصندوق عندما كانت مملوكة للدولة.
كما تمكن العلمي من شراء حصة 4 في المائة من مصرف «القرض العقاري والسياحي»، وهي حصة كافية لتخوله كل الامتيازات المرتبطة بالضمانات المالية، التي يحتاج إليها.
وفي سنة 2007 سيطر العلمي على شركة «تسليف» للقروض الشخصية، وأطلق عليها شركة افتراضية للاتصالات تحت اسم «موبيسود» بشراكة مع «فيفاندي» الفرنسية.
أما في 2009 فقد وضع العلمي قدمه  في مجال الصناعة الدوائية بشرائه لثاني أكبر مصنع أدوية بالمغرب GSK الموجود بعين عودة على مساحة 12 ألف متر مربع، مستغلا بذلك رغبة الإنجليز في التخلي عن المصنع نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، فاشترى المصنع بثمن أقل مما اقترحه آخرون، هذا في الوقت الذي يخطط فيه لشراء عيادات طبية قديمة من أجل تحديثها في انتظار إصدار ياسمينة بادو لقانونها الكارثي الذي سيجيز لـ«مالين الشكارة»، أمثال العلمي، المشاركة في رأسمال العيادات.
هكذا يخطط العلمي لكي يسيطر دفعة واحدة على حلقة التأمين والدواء والاستشفاء والقروض الشخصية.
وأخيرا، من أجل حماية نفسه من الغارات الصحفية المحتملة عليه بمناسبة صفقاته الكبرى والعجيبة، قرر صاحبنا أن يصدر جريدته «ليزيكو اليومية» وراح يخطط لإنشاء مجموعة صحفية ليشكل حزاما أمنيا على سعادته، بعدما كان مجرد مساهم في جرائد اقتصادية.
واليوم، بعد كل هذه المسيرة المحفوفة بالصفقات الغامضة يستعد الملياردير لدخول البورصة عبر شركة «السعادة». رغم كل الدعاوى القضائية التي يستعد بعض الوكلاء العاملين في شركته لرفعها ضده بتهمة النصب والاستمرار في استيفاء دين سبق انقضاؤه، بعدما اكتشف بعض هؤلاء الوكلاء أن المبالغ التي يطالبهم بها سعادته تختلف عن المبالغ والحسابات التي يصرح بها لدى وزارة المالية،، مما قد يربك حسابات العلمي في ولوج سوق البورصة.
فهل بمثل رجال أعمال من هذا الصنف سيتقدم المغرب إلى الأمام يا ترى.
... تابع القراءة

بيع القرض وضحك على من شراه

إذا كان المدير العام السابق للمكتب الوطني للمطارات، عبد الحنين بنعلو، والمدير الحالي للمكتب الوطني للماء والكهرباء، علي الفاسي الفهري، قد أصابتهما «اللقوة» وقررا عدم إصدار توضيح، فبالأحرى تكذيب، للخبر الذي نشرناه في هذا العمود حول شركتيهما اللتين استفادتا من 28 مليون دولار لتشجيع الطاقة الشمسية، قبل أن يبيعا أسهمهما فيهما وتتبخر الدولارات ومعها مشاريع الطاقة الشمسية، فإن الملياردير حفيظ العلمي فك الله عقدة لسانه وقرر أن يصدر بلاغا يوضح فيه ملابسات حصوله على قرض بـ80 مليارا من صندوق «تضامن مؤسسات التأمين» التابع لوزارة المالية.
وقد جاء البلاغ الذي نشره في جرائد عدة، إلا «المساء» التي كشفت سر هذا القرض الكبير، على شاكلة «التقلاز من تحت الجلابة». أولا، لأنه لا يشير إلى الجريدة التي نشرت الخبر ويكتفي بالحديث عن «شي توضيحات ما توضيحات». وثانيا، لأنه ينطوي على مغالطات عوض تقديم حقائق.
ولعل أول مغالطة أراد صاحب «السعادة» تمريرها هي أن القروض الممنوحة من طرف الصندوق تتم المصادقة عليها مسبقا من طرف اللجنة المزدوجة المنصوص عليها في قانون التأمينات.
والحقيقة هي أن اللجنة المزدوجة، المكونة من الإدارة وممثلي القطاع، لا تصادق على القروض، بل إن مجال تخصصها ينحصر في نقطتين فقط، أولاهما التأكد من قدرة الشركة على الاستمرار، وثانيتهما استجابتها للشروط المطلوبة للاستفادة من القرض.
ومباشرة بعدما تتفق اللجنة الثنائية حول هاتين النقطتين، فإن «صندوق تضامن مؤسسات التأمين» DAPS هو من يقوم بتحديد شروط منح القرض، وخصوصا ما يتعلق بالقيمة المالية للقرض ومدته وشروط تسديده.
بمعنى أنه في حالة أصحاب «السعادة»، فإن قيمة القرض وشروط تسديده (15 سنة بدون فوائد) تم تحديدها فيما بعد من طرف «التهامي البركي»، مدير «صندوق تضامن مؤسسات التأمين»، وليس من طرف اللجنة الثنائية التي يتحدث عنها البلاغ.
أما قمة السخرية في بلاغ أصحاب «السعادة» فهي النقطة التي يقولون فيها إنه «أثناء عملية اندماج الشركتين «سينيا للتأمين» و«السعادة»، تحملت الشركة الجديدة «سينيا السعادة» للتأمين القرضَ حسب مبدأ «التحويل الكلي للأصول والخصوم للشركة المندمجة».
بمعنى أن الشركتين المندمجتين ستتحملان أوتوماتيكيا قرض الـ80 مليارا. وهذا هو ما يسميه المغاربة «بيع القرض وضحك على من شراه»، لأن لجنة قطاع التأمينات اقتنعت بضرورة دعم شركة «السعادة» بمبلغ 80 مليارا، وليس مجموعة «سينيا السعادة» التي لا تعاني اليوم من أية مشاكل مادية.
ولذلك فالبلاغ يغالط الرأي العام عندما يقول إن تحمل شركة «سينيا السعادة» للقرض يدخل ضمن إطار تحملها لقرض عادي، بينما القرض الذي أخذته «السعادة» من «صندوق تضامن مؤسسات التأمين» ليس قرضا عاديا بالمرة، لأن حفيظ العلمي أخذه بصفر فائدة وبفترة تسديد تمتد إلى 15 سنة، يعني «على خاطر خاطرك».
أما قضية توزيع الأرباح، وهذه هي «اللقطة الخايبة فالفيلم»، فقد قال بشأنها بلاغ أصحاب «السعادة» إن «بنود قروض «صندوق تضامن مؤسسات التأمين» المتعلقة بتوزيع الأرباح قد تغيرت، وذلك عند دخول مدونة التأمينات حيز التنفيذ، حيث تم إدخال مساطر احترازية جديدة للقطاع»، ولذلك فإن «شروط تسديد القروض الممنوحة لشركة «السعادة» من طرف الصندوق لا تحيل على المعالجة الخاصة بالأرباح».
«بالعربية تارعرابت»، فالسيد حفيظ العلمي يريد أن يطمئن المستثمرين الذين سيبيعهم أسهم مجموعته في البورصة الربيع المقبل، على أن أرباحهم مضمونة بمجرد دخول الشركة إلى البورصة وبيعها. فليس هناك في بنود القرض ما يمنعه من ذلك.
عندما يلجأ الملياردير العلمي إلى الاختباء وراء «التعديلات» التي طرأت على بند توزيع أرباح الشركات المستفيدة من قروض «صندوق تضامن مؤسسات التأمين»، فإنه ينسى، في غمرة حماسه، شيئا مهما اسمه «قانون التأمينات». وهذا القانون، الذي يعرف العلمي جيدا كيف يقفز عليه، ينص صراحة على شروط احترازية تلزم شركات التأمين بالخضوع لها حرفيا. أولها أن أية شركة تأمين لا تستطيع أن توزع أرباحا على مساهميها قبل أن تكون لديها في حساباتها سيولة كافية تمكنها من الاستمرار، وثانيها ضرورة تغطية المتأخرات.
وفي حالة توزيع شركة تأمين استفادت من القرض للأرباح دون احترام أحد هذين الشرطين، فإن «صندوق تضامن مؤسسات التأمين»، صاحب القرض، يصبح من حقه استرجاع أرباح هذه الشركة لصالحه.
و«قانون التأمينات» واضح في هذا الباب ولا يتحدث عن الشركات التي تأخذ قروضا من «صندوق تضامن مؤسسات التأمين»، بل عن شركات التأمين بشكل عام.
ويبدو أن الملياردير العلمي ساهم دون أن يدري في «تفياق العمى لضرب الحجر»، إذ لا أحد ربما في قطاع التأمينات كان على علم بالتعديلات التي وقعت على بنود قانون إعطاء «صندوق تضامن مؤسسات التأمين» القروض للشركات التي تعاني من صعوبات مالية.
وها نحن نعلم أخيرا، بفضل بلاغ أصحاب «السعادة»، بأن الشروط القاسية التي كانت مفروضة على الشركات التي تستفيد من ملايير صندوق دعم شركات التأمين، تم حذفها، بحيث إن أصحاب «السعادة»، مثلا، حصلوا على قرض بثمانين مليارا ممتد لخمس عشرة سنة وبدون أية فوائد مع عدم وضع أي شروط حول تقسيم أرباح الشركة عندما تقف على رجليها وتدخل البورصة.
وهنا يجب أن نطرح سؤالا كبيرا على أصحاب «السعادة» وعلى الجهات التي كانت وراء حذف هذه البنود التي تضع «الكالا» أمام الشركات المقترضة حتى لا تستعيد عافيتها وتقسم أرباحها دون أن تعيد ديونها إلى صندوق وزارة المالية: لماذا وضع الصندوق، قبل 2002، جميع عراقيل الدنيا في وجه شركات تأمين محتضرة، في الوقت الذي فرش فيه الورود لشركة حفيظ العلمي سنة 2007؟
ولعل النقطة التي نغصت على الملياردير العلمي حياته، منذ بدء الحديث عن قصة قرض الـ80 مليارا في هذا العمود، هي إشارتنا إلى أن الملايير التي لازالت في ذمته تدخل ضمن المال العمومي الذي على وزير المالية أن يطالب باستعادته، عوض أن يذهب لكي يستجدي القروض عند البنوك الأجنبية.
ولذلك فقد أشار بلاغ أصحاب «السعادة» إلى أن ««صندوق تضامن مؤسسات التأمين» هو حساب خاص له مهام معينة تجاه مقاولات التأمين في وضعية صعبة ولا يتدخل في التوازنات المالية العمومية».
بمعنى أن الـ80 مليارا التي أخذها العلمي لم يأخذها من أموال دافعي الضرائب وإنما من الضرائب المفروضة على عقود التأمين والمساهمات التي تعطيها شركات التأمين حسب النتائج المالية لكل واحدة منها، أي أن الملايير الثمانين التي حصل عليها العلمي ملايير خاصة وليست مالا عموميا.
طيب، إذا كان صحيحا أن هذه الملايير الثمانين التي أخذها العلمي ليست أموالا عمومية، فإن ما ليس صحيحا هو أن أموال هذا الصندوق تدار بطرقة خاصة. فالدولة، ممثلة في وزارة المالية، هي التي تدير أموال هذا الصندوق، وشيك الثمانين مليارا الذي حصل عليه العلمي والذي ضخته «السعادة» في حسابها، خرج من الخزينة العامة للمملكة. ولذلك فوزير المالية، بوصفه وصيا على «صندوق تضامن مؤسسات التأمين»، من واجبه أن يتساءل عن الأسباب الحقيقية التي جعلت مدير الصندوق «التهامي البركي»، ووزير المالية السابق فتح الله والعلو يوقعان للملياردير العلمي على قرض الـ80 مليارا دون تكليف أنفسهم وضع شروط تتعلق بتسديد الدين بمجرد استعادة الشركة لعافيتها وقبل توزيع الأرباح.
السؤال الحقيقي الذي لم يجب عنه بلاغ أصحاب «السعادة» هو: لماذا، بعد مرور ثلاث سنوات على تسلم القرض، لم تبادر شركة «سينيا السعادة» إلى رد أقساط الدين إلى «صندوق تضامن مؤسسات التأمين»؟
إذا كانت قيمة شركة «سينيا السعادة» تساوي اليوم في السوق 450 مليارا، بفضل تضاعف رقم معاملاتها لثلاث مرات في ظرف ثلاث سنوات، فلماذا لا تبادر إلى رد أقساط الدين الذي في ذمتها قبل التفكير في دخول البورصة وتقسيم الأرباح على المساهمين؟
أليس من الأنسب رد الدين أولا قبل التفكير في تقسيم الأرباح أم إن الطمع يعمي الأبصار ويفتح الشهية والجشع لجمع المال ولو على حساب بيع «الوهم» للناس؟
الواقع أن تجارة «بيع الوهم» مزدهرة في المغرب هذه الأيام، حتى إن الملياردير حفيظ العلمي جعل منها مهنة قائمة الذات.
غدا نقترب أكثر من طريقة تدبير «بيرنار طابي» المغربي لصفقات «جوج وضامة» التي يجيدها بحسه التجاري الذي تعلمه منذ نعومة أظافره في ضيعة العائلة بمراكش، قبل أن يشحذ هذه الأظافر في كندا ويعود لكي «يحسن بلا ما» لكل من يقف في طريقه.
... تابع القراءة

طفرناه بكري

بالأمس، تحدثنا عن مسؤولية البرلمانيين في ما يتعرض له المال العام من نهب وسلب.
اليوم، سنخبركم ببعض انشغالات السادة النواب ورئيس البرلمان، فيبدو أنهم، «يحسن عوانهم»، لا يجدون الوقت لحك رؤوسهم.
قبل يومين، اتصلت إدارة البرلمان بالمستشار وعضو مكتب مجلس المستشارين السيد «عابد الشكايل»، لا لكي تحيطه علما بملف طارئ نزل على الغرفة الثانية، وإنما لكي تخبره بضرورة توجهه، على وجه السرعة، إلى معهد باستور لكي «يضرب الجلبة». طبعا، السيد «الشكايل» لا مشاكل صحية لديه، وليس مهددا بأنفلونزا الخنازير، بل إن خضوعه للتلقيح يفرضه وجود اسمه في لائحة المستشارين والبرلمانيين الذين سيتوجهون إلى بيت الله الحرام على حساب دافعي الضرائب.
المهم أن السي «عابد الشكايل» طلب من إدارة البرلمان أن ترسل إليه أحد السائقين الذين يشتغلون مع المجلس. وما هي إلا لحظات حتى وصل السائق إلى فيلا المستشار بانتظار أخذه إلى معهد باستور بالدار البيضاء. لكن سعادة المستشار لم يكن يريد الذهاب في سيارة البرلمان، فطلب من السائق أن يتركها أمام البيت ويأخذ سيارته الخاصة. فرفض السائق في أول الأمر، لأن القانون لا يسمح له بترك سيارة المؤسسة وسياقة سيارة خاصة. لكن سعادة المستشار، الذي استقر به الترحال أخيرا في حزب الأصالة والمعاصرة بعد أن تجول عبر كل الأحزاب الإدارية، أصر على رأيه، فلم يجد السائق المسكين من بد سوى الاستسلام.
اللقطة «الخايبة» في الفيلم بدأت عندما وصلت السيارة إلى الدار البيضاء ووجد السائق صعوبة في الوصول إلى معهد باستور، فبدأ المستشار يصرخ في وجه السائق. هذا الأخير فقد أعصابه وغادر السيارة وترك المفاتيح داخلها وعاد إلى الرباط في القطار، تاركا سعادة المستشار يتدبر أمره بنفسه.
طبعا، عندما وصل السائق إلى الرباط وجد قرار التوقيف عن العمل بانتظاره.
هذه الواقعة تطرح على الشيح بيد الله، رئيس غرفة المستشارين، سؤالا محرجا، هو الذي شبه، يومين بعد الخطاب الملكي الأخير، المجلس الذي يترأسه بالقط الذي يحاكي انتفاخا صولة الأسد:
هل السادة المستشارون والبرلمانيون محتاجون إلى أن يتكفل دافعو الضرائب بمصاريف حجهم ونفقات نقلهم إلى الدار البيضاء من أجل تلقيحهم؟
لقد سمعنا وزير المالية، الذي غرقنا في قرض أسطوري، يتحدث عن تخفيض النفقات العمومية للتصدي للأزمة. هل الاستمرار في تحميل ميزانية الدولة ومؤسساتها العمومية، وبالتالي دافعي الضرائب، نفقات حج المئات من مديريها وجنرالاتها الذين يملكون الإمكانيات للحج على حسابهم، يدخل في هذا الإطار؟
بأي حق يتم توقيف سائق بسيط وقطع رزق أبنائه لمجرد أنه لم يستطع تحمل المزاج العكر لمستشار أراد أن يتعامل معه كسائقه الخاص وليس كسائق يشتغل مع مؤسسة تشريعية؟
وإذا كان هؤلاء النواب والمستشارون سيذهبون إلى بيت الله الحرام لغسل ذنوبهم بأموال دافعي الضرائب المحرم عليهم استغلالها، فإن نوابا ومستشارين وأعضاء غرفة الفلاحة ببني ملال ذهبوا، منذ أسبوع، لغسل عظامهم في حمامات تركيا على حساب الغرفة.
وبالنسبة إلى الوفد المكون من أربعين عضوا، فيهم برلماني اتحادي وبرلماني استقلالي وبرلماني من الحركة وأعضاء الغرفة الذين يمثلون جميع الأحزاب تقريبا، فالرحلة، التي سموها رحلة دراسية إلى تركيا، ليست، في الحقيقة، سوى رحلة سياحية إلى بلاد «مهند ونور». فالرحلة لا تدخل ضمن اتفاقيات التعاون المشتركة بين المغرب وتركيا، كما لا أثر لها ضمن أي اتفاق بين غرفة الفلاحة ببني ملال وغرفة الفلاحة بإسطنبول.
ولمعرفة الميزانية الإجمالية لهذه الرحلة السياحية إلى تركيا لأعضاء الغرفة الفلاحية الأربعين، يكفي أن نأخذ مبلغ 10 آلاف درهم التي اشترطتها وكالة الأسفار عن كل «رأس»، وضربها في أربعين. وإذا استعملنا حساب «العجايزات»، فإننا سنستخلص ببساطة أن الرحلة الأسبوعية كلفت الغرفة أربعين مليون سنتيم. دون أن نتحدث، طبعا، عن تعويضات الجيب التي حصل عليها السادة أعضاء الغرفة لكي يشتروا تذكارات من بلاد الأناضول.
الفضيحة الكبرى لهذه الرحلة، التي نظمتها الغرفة الفلاحية، هي أنها لا تشمل أية زيارة لأية وحدات صناعية أو مصانع للمواد الغذائية أو الفلاحية، اللهم إذا عدلوا من فقرات البرنامج بعد أخذهم علما بهذا العمود. وكل ما تشتمل عليه الرحلة هو زيارة المآثر التاريخية لإسطنبول مع تخصيص زيارة لمدينة «بورصة» بعد المرور، طبعا، عبر محطة المياه المعدنية الساخنة «يالوفا» لـ«مسد» و«تكميد» الأطراف وإزالة البرودة.
طبعا، كل هذه المحطات السياحية التي سيزورها رئيس الغرفة والأربعون عضوا لا علاقة لها بالمخطط الفلاحي الكبير الذي وضع خطوطه الملك خلال زيارته، في أبريل الماضي، لبني ملال.
ورغم أن الملك وعد بالرجوع إلى بني ملال في أبريل القادم لتفقد المشاريع الفلاحية الكبرى التي أطلقها في المنطقة، فإن رئيس الغرفة الفلاحية يبدو مرتاحا للنتائج القليلة التي تحققت على أرض الواقع.
فمشروع تنمية التفاح بالمناطق الجبلية، الذي يدخل ضمن مشروع «تجميع الفلاحة»، لم ير النور بعد، ومشروع استبدال السقي الانسيابي بالسقي الموضعي، الذي رصدت له إعانة من وزارة الفلاحة قدرها 13 مليارا، يسير بخطى بطيئة، أما مشروع «مركز تربية العجلات»، الذي دشنه الملك سنة 2008 وكان من المفروض أن يفتتحه خلال زيارته لبني ملال أبريل الماضي، فلم ير النور قط، رغم أن جمعية «مربي المواشي» التي تعهدت بإنشائه أخذت منحة قدرها مليارا و500 مليون.
ويبدو أن المشاريع الفلاحية التي تسير بخطوات ثابتة في بني ملال هي مشاريع الخواص، أما المشاريع التي تسهر عليها الغرفة فأغلبها متعثر ويعرف تأخيرات كبيرة. وهذا طبيعي مادام أعضاء هذه الغرفة يفضلون الرحلات السياحية على الرحلات الجبلية في نواحي بني ملال لتفقد الفلاحين الصغار ومساعدتهم وفك العزلة والحصار عنهم.
كيف تريدون من البرلمانيين أن يفرطوا في الرحلات والأسفار من أجل زيارة فلاحي مناطقهم المنكوبين ومؤازرتهم في محنتهم، إذا كانوا يرون رئيسهم في البرلمان، عبد الواحد الراضي، لا يترك رحلة سياحية على حساب البرلمان إلا وترأسها، وآخرها رحلة إلى الصين دامت أسبوعا بمناسبة افتتاح رواق مغربي في معرض شنغهاي.
وكم ضحكت عندما سمعت عبد الواحد الراضي، خلال حفل تأبيني بفاس، يطالب الاتحاديين باستعادة فاس قلعة للاتحاديين كما كانت في سالف الأزمان. وربما يقصد ذلك الزمن الذي كان فيه الراضي يصاحب إدريس البصري داخل أدغال غابة المعمورة لصيد «الحلوف»، أي الزمن الذي كان فيه الاتحاديون الحقيقيون يتساقطون تحت ضربات السياط في المعتقلات السرية، بينما كان عبد الواحد الراضي ينجح في كل الانتخابات التي يتقدم إليها ويجمع الأراضي والضيعات إلى الحد الذي أصبح معه اليوم أحد أكبر إقطاعيي البلد بما يفوق 3500 هكتار من الأراضي الفلاحية والغابات بمنطقة «الدواغر»، بسيدي يحيى الغرب بسيدي سليمان التابعة لولاية القنيطرة، بالإضافة إلى 60 بقعة أرضية بإقليم سيدي سليمان والقنيطرة.
السي عبد الواخذ الأراضي، كما سماه الفنان الساخر أحمد السنوسي، استطاع، طيلة الأربعين سنة التي قضاها في البرلمان، أن يتحول إلى أحد كبار المليارديرات في المملكة. وبذلك يكون قد حقق معجزة خرافية عندما أعطى الدليل على أن الفيودالية والإقطاع يمكن أن يتعايشا مع مبادئ الاشتراكية.
ولأن الاشتراكية في عرف الإقطاعيين، أمثال الراضي، تعني، في ما تعنيه، إشراك الأهل والأحباب في تناول عسل الثروة عوض تجرع قطران الثورة، فقد عمل ما بوسعه لكي يضمن لأفراد عائلته الراضية المرضي عليها مكانا تحت شمس الثروة.
وهكذا، تحول ابن أخيه غير الشقيق، معاذ الراضي، الذي لا يتوفر بالمناسبة على الشهادة الابتدائية، إلى موظف في ولاية القنيطرة يحظى بسيارة المصلحة والمكتب الخاص والامتيازات التي لا يحظى بها كبار الموظفين، ولذلك فهو لا يستطيع أن يبدأ جملة دون أن يضع فيها كلمات من قبيل «عمي الراضي مشا، عمي الراضي جا».
أما ابن أخ الراضي، إدريس الراضي، سائق التاكسي السابق، والملقب بـ«الزيو»، أي الصفر، فقد تحول من «شيفور» إلى رئيس فريق حزب الاتحاد الدستوري بمجلس المستشارين. ولأن مسؤولية واحدة لا تكفي، فقد دفع به الراضي إلى رئاسة المجلس الإقليمي لسيدي سليمان، وهكذا تحول الرجل في ظرف وجيز من مجرد سائق تاكسي إلى ملياردير يمتلك أكثر من 500 هكتار بالمنطقة.
وهكذا أصبح عبد الواحد الراضي وأفراد أسرته يتحكمون في أغلب أراضي الغرب، ويضعون أيديهم على المؤسسات المنتخبة في المنطقة التي يغرق سكانها وفلاحوها كل سنة ويضطرون إلى اللجوء إلى الغابة لكي يزاحموا «الحلوف» الذي أفلت من رصاص الراضي خلال رحلات قنصه.
هذا باختصار هو رئيس البرلمان، وهؤلاء هم البرلمانيون الذين نعول عليهم لكي يدافعوا عنا أمام الحكومة.
«طفرناه بكري».
... تابع القراءة

وراكم عريتونا

قبل سنتين تقريبا، طالب الفريق البرلماني الاتحادي، برئاسة محمد الزايدي، بحضور المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء، يونس معمر، للإجابة عن أسئلة السادة النواب بشأن المشاكل التي سيعرفها المغرب في مجال التزود بالطاقة الكهربائية، خصوصا بعد الحديث الصريح لهذا الأخير عن احتمال اللجوء إلى قطع الكهرباء عن الأحياء الصناعية بسبب العجز الطاقي.
اليوم، وبعد تولي علي الفاسي الفهري المسؤولية الصورية على رأس المكتب الوطني للكهرباء، لأن المدير الحقيقي الذي يسير المكتب هو «محمدي علاش»، وإيصاله للعجز المالي لميزانية المكتب، إلى حدود نهاية شتنبر الأخير، إلى خمسة مليارات، وضياع أكثر من 24 في المائة من شبكة المكتب الوطني للكهرباء، فإننا لم نسمع أحدا في المعارضة يطالب بمثول علي الفاسي الفهري أمام البرلمان لشرح أسباب وصول عجز المكتب المالي إلى ما تحت الخطوط الحمراء.
طوال تاريخ المكتب الوطني للكهرباء لم تكن الشركات المتعاملة مع المكتب مضطرة إلى تسول مستحقاتها المتأخرة لأشهر طويلة. اليوم، أصبح على كل شركة ترغب في استلام شيكها أن تعثر على الطريق السالكة نحو مكتب «محمدي علاش»، فهو الآمر بالصرف الحقيقي داخل المكتب الوطني للكهرباء. وكل شركة يفشل مديرها في العثور على الطريق «الصحيح» لمكتب «السي علاش»، يمكنها أن تقول «باي باي» لمستحقاتها.
وإذا كانوا في الإدارة العامة للمكتب الوطني للكهرباء يلعبون مع مدراء الشركات المتعاملة مع المكتب لعبة «الغميضة» لكي يتهربوا من دفع مستحقاتهم، فإنهم لا يتهاونون في دفع تعويضات الموظفين الأشباح، وخصوصا تعويضات أمينة قنديل، المستشارة الوهمية لوزيرة الطاقة والمعادن والماء والبيئة، أمينة بنخضرة.
ولعل أول ملاحظة «سيقلعها» قضاة المجلس الأعلى للحسابات، لو أنهم أخضعوا مالية المكتب الوطني للكهرباء للمراجعة، هي الراتب السمين الذي تتقاضاه هذه المستشارة الوهمية من مالية المكتب دون أن تكون قد «عتبتها» ذات يوم داخل أحد مكاتبه.
وهكذا يدفع المكتب الوطني للكهرباء راتبا لمستشارة وزيرة في الطاقة يصل إلى 30 ألف درهم في الشهر. هذا دون أن نتحدث عن الفواتير الشهرية التي ترسلها المستشارة إلى الإدارة المالية للمكتب الوطني للكهرباء من أجل تعويضها، وهي جميعها فواتير عن مؤتمرات سافرت إليها سعادة المستشارة وليس هناك ما يفيد بأنها حضرت أشغالها.
إن ما يقوم به علي الفاسي الفهري، عندما يدفع رواتب وتعويضات موظفة تشتغل كمستشارة لوزيرة الطاقة، يعتبر عملا غير قانوني، لأن وزارة الطاقة مؤسسة والمكتب الوطني للكهرباء مؤسسة أخرى، ورغم وجود الثانية تحت مسؤولية الأولى فإن هذا لا ينفي أن لكل مؤسسة ماليتها الخاصة.
ويبدو أن بنخضرة ليست الوزيرة الوحيدة التي تخرق قانون الوظيفة العمومية، فزميلها بنسالم حميش، وزير الثقافة، قال لها «ماتعرفيش». فقد عين في ديوانه مستشارة اسمها مدام القندوسي سمية الدريدي، كانت موظفة شبحا في المندوبية الجهوية للثقافة بمكناس. فالسيدة تقضي معظم وقتها متنقلة بين مكناس وباريس، وليس لديها الوقت لكي تذهب إلى مقر عملها، فعملها على رأس شركتها العقارية بباريس Societé Civile Immobiliere Chazia تأخذ منها كل وقتها.
وقد كنا نعرف أن وزير الثقافة جاهل كبير بالتسيير، لكننا إلى حدود اليوم لم نكن نعلم بأن سعادته جاهل كبير أيضا بمجال قانون الشغل. فقانون الوظيفة العمومية يمنع على الموظف أن يجمع بين وظيفة عمومية ومسؤولية التسيير في شركة، خصوصا إذا كانت خارج المغرب وتتطلب حضوره الدائم لتسيير شؤونها، فبالأحرى أن يتم تعيين هذا الموظف مستشارا للوزير.
ويبدو أن حظ النساء من حكومة عباس الفاسي أكثر من حظهن في أية حكومة أخرى. وحتى بعض الوزيرات يقفن عاجزات عن التصدي لسطوتهن وحظوتهن لدى من أتوا بهن إلى الدواوين الوزارية.
ولعل وزيرة الصحة ياسمينة بادو تعرف معنى هذا الكلام أكثر من أية وزيرة أخرى. فقد لاحظت أن سكرتيرة أتى بها المكاوي، كاتبها العام، لتكون مشرفة على ديوانها، أصبحت تقرر في من ستقابله الوزيرة وفي من ترفض منحه شرف المقابلة. فـ«قندشت» الوزيرة الضاحكة وطلبت من المكاوي -الذي كان مجرد موظف عند زوجها علي الفاسي الفهري في المكتب الوطني للماء، فأصبح الآمر الناهي في وزارة الصحة- أن يطرد السكرتيرة. فقال الكاتب العام لياسمينة «نون يا كحل العيون»، وتشبث بالكاتبة. فلم تجد الوزيرة بدا من بلع لسانها والخضوع للأمر الواقع.
وهكذا، أصبحت أجندة سعادة الوزيرة مقلوبة رأسا على عقب، وآخر نتائج هذا الصراع الصامت داخل ديوان ياسمينة كان برمجة مشاركة الوزيرة في مؤتمر طبي دولي بمراكش في اليوم نفسه لافتتاح البرلمان من طرف الملك. وطبعا، تركت الوزيرة الأطباء والباحثين الدوليين «يتشمشون» في مراكش بعد أن جاء من يذكرها بأن الجمعة الثانية من أكتوبر هو يوم افتتاح البرلمان وليس يوم «النزاهة» في فنادق مراكش الفاخرة.
وإذا كان الوزراء يشغلون مستشارين خارج القانون كما هو حال وزيرة الطاقة ووزير الثقافة، أو يشغلون سكرتيرات بالرغم من أنوفهم، كما هو حال وزيرة الصحة، فإن وزراء آخرين يشغلون فتيات حديثات التخرج في مناصب تكبرهن حجما.
السيد جمال الرحماني، أو جمال أغماني كما يحب أن يناديه رفاقه، هو أحد هؤلاء الوزراء الذين تكثر في دواوينهم ومديرياتهم هذه الظاهرة.
وسعادة الوزير الرحماني نفسه وظف خريجة مدرسة ENCG ذات التسعة والعشرين ربيعا مديرة على إحدى أكبر المديريات وأكثرها حساسية، وهي مديرية الحماية الاجتماعية.
ولأن الفتاة لم يسبق لها أن اشتغلت في الإدارة ولا تملك أية تجربة إدارية أو تدبيرية، فقد اضطر الوزير إلى الإبداع في سيرتها الذاتية، واختلق لها سوابق مهنية في إحدى وكالات التنمية وشواهد عليا من فرنسا وغيرها.
والحقيقة التي يعرفها الوزير الرحماني أن توظيف «الشابة بتينة» جاء استجابة لطلب اليازغي، وزير الدولة بدون حقيبة، الذي تشتغل خالتها في ديوانه.
أما السيد ميمون بنطالب، فبمجرد تعيينه من طرف جمال الرحماني كاتبا عاما للوزارة فإنه لم يجد سوى موظفة تشتغل كمتصرفة مساعدة لكي يفرض «المراكشي» على الرحماني تعيينها مكلفة بتدبير شؤون المفتشية العامة للوزارة، رغم حداثة عهدها بالوزارة وتواضع مؤهلاتها العلمية، فالسيدة مجازة في الكيمياء ومعارفها في المحاسبة المالية ليست أحسن من معارف جدتي في علم الجبر.
لكن يبدو أن المفتشية العامة لوزارة الشغل بحاجة إلى مديرة ثقة تعرف كيف تكتم الأسرار، خصوصا وأن وزارة المالية سبق لها أن أعطت مبلغا ماليا قدره 800 مليون سنتيم لوزارة التشغيل من أجل تدبير الانتخابات المهنية لسنة 2009، وإلى يومنا هذا لا يعرف أحد كيف صرفت الوزارة هذا المبلغ الكبير.
ما يعرفه الجميع في وزارة الشغل أن الوسائل التي اعتمدت في هذه الانتخابات كانت وسائل بدائية، وحتى مفتشو الشغل لم يستفيدوا سوى من تعويض هزيل لم يتجاوز ألف درهم.
وفي وزارة الشغل، ليس هناك مكان فقط للفتيات الشابات خريجات المعاهد، بل هناك أيضا مكان للمناضلات القديمات اللواتي «طيحن» أسنانهن في السياسة. ولو أن النضال السياسي لا يترك لبعضهن الوقت للحضور إلى مقر عملهن الذي يحصلن بفضله على راتب شهري سمين.
ولعل أمينة بوعياش، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي لا تأتي إلى الوزارة إلا لكي تتقاضى حصتها من التعويضات الشهرية الجزافية، هي أكثر من يجب أن يشعر بالخجل من وضعية الموظف الشبح التي تعيشها داخل ديوان وزير الشغل.
وما عليها إلا أن تتأمل مثال المعارض اليساري «بيزانسنو» الذي يخطب في مناضلي حزبه ويترشح للانتخابات الرئاسية ضد ساركوزي ويحضر البرامج الحوارية التلفزيونية دون أن يمنعه ذلك كله من الاشتغال كساعي بريد يوزع الرسائل والطرود يوميا على البيوت فوق دراجته النارية.
السيدة أمينة بوعياش، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي لا تحضر الاجتماعات ولا تتابع الملفات ولا تقوم بأي عمل تستحق عليه أجرتها الشهرية والسيارة بالسائق التي وضعها الوزير رهن إشارتها، يجب أن تخجل من نفسها لأنها تتقاضى راتبا وتعويضات من أموال دافعي الضرائب دون أن تقوم بعمل تستحق عليه كل هذه الأموال.
رغم كل ما يحدث من تبذير للمال العام وإهدار للميزانيات في التعويضات والرواتب الكبيرة، فإننا لم نسمع أحدا في المعارضة يطالب بمثول هؤلاء الوزراء والمسؤولين العموميين أمام البرلمان لمحسابتهم.
بلى، سمعنا شيئا، سمعنا برلمانيين في العدالة والتنمية يحتجون على غناء مجندة إسرائيلية سابقة في حفل التسامح بأكادير، ويحتجون على نزع ممثلة لثيابها وبقائها بالمايو فوق الخشبة. مثلما سمعناهم سابقا يحتجون ضد غناء «إلطون جون» في مهرجان «موازين»، قبل أن يحضر عمدتهم في تطوان حفل «نوال الزغبي» الذي موله من ميزانية البلدية.
إن المذبحة التي يتعرض لها المال العام تستدعي من المعارضة، إذا بقيت هناك من معارضة في البلد، أن تترك المواضيع السخيفة جانبا، وأن تتجرأ على الاقتراب من المواضيع التي تهم الناس.
«بالعربية تاعرابات اللي بغا يتعرى يتعرى، راه القانون كاين، ما يعريناش غير حنا».
... تابع القراءة

بيت الداء

لكي نفهم حكاية «لصوق» بعض الوكلاء العامين للملك في أماكنهم لأكثر من 16 سنة دون تغيير، كما هو الحال مع الوكيل العام للملك حسن العوفي بالرباط والوكيل العام للملك المستاري في مراكش والوكيل العام للملك البوزياني في فاس، ضدا على القرار الذي صدر على عهد الراحل الحسن الثاني والقاضي ببقاء المسؤولين القضائيين في مدنهم لأربع سنوات فقط، يجب أن نفهم أولا شبكة العلاقات التي ينسجونها في ما بينهم، من جهة، ومع ممثلي السلطات المحلية، من جهة ثانية.
ولعل المتأمل في لائحة التنقيلات والترقيات الواسعة التي باشرها المجلس الأعلى للقضاء، سيلاحظ خلوها من أسماء هؤلاء الوكلاء العامين الخالدين في مدنهم منذ عشرات السنين.
وبالنسبة إلى الوكيل العام للملك بالرباط حسن العوفي، الذي شرحنا بالأمس كيف أخرج ابنته الموثقة صونيا من ملف تزوير ونصب وحولها من مشاركة إلى مجرد شاهدة، فمساره كقاض بدأ في اليوم الذي عين فيه بوجدة كنائب لوكيل الملك بمحكمتها، قبل أن يذهب إلى بركان كوكيل للملك، ثم إلى مكناس كوكيل عام للملك، ومنها سيأتي إلى الرباط كوكيل عام للملك لدى محكمة الاستئناف ويصادف دخول قانون الإرهاب حيز التنفيذ، ويتكفل ويسهر على تنفيذ خطة الجنرال العنيكري، الذي كان آنذاك مديرا عاما للأمن الوطني والذي اعتقل أكثر من ثلاثة آلاف متهم على خلفية التفجيرات التي شهدها المغرب.
بعد ذلك، ستعترف الدولة بتجاوزاتها الأمنية ومبالغاتها القضائية في تدبير هذا الملف. وفي الوقت الذي أشارت فيه جميع أصابع الاتهام إلى الجنرال العنيكري ورجاله، لم يلتفت أحد إلى الوكيل العام للملك حسن العوفي الذي بدونه «تعاونه» القضائي لم تكن تلك التجاوزات لتحدث.
ومخطئ من يعتقد أن العلاقات الواسعة التي استطاع حسن العوفي أن ينسجها، مع عالم السياسيين ورجال المال والأعمال والجنرالات النافذين، كانت بفضل مجهوده الشخصي، بل إن الفضل الكبير في فتح أبواب هذا العالم الرباطي أمام القاضي الريفي، القادم من قبيلة «بني سعيد» بالناظور، يعود إلى زوج أخته عبد الرحمان الإدريسي، الملياردير الذي استطاع، منذ ثمانينيات القرن الماضي، أن يربط علاقات قوية بكل وزراء العدل، ورؤساء البرلمان والغرفة الثانية وجنرالات نافذين، كالمنصوري بنعلي، أخ مصطفى المنصوري، المكلف بمهمة في الديوان الملكي، والذي ينحدر من نفس منطقته.
ومنذ الوفاة المبكرة لوالد حسن العوفي، قاضي قبيلة «تافرسيت»، سنة 1959، احتضن عبد الرحمان الإدريسي، أخ زوجته، وسهر على تعليمه وتربيته. فوالد حسن العوفي لم يترك لأبنائه من إرث آخر سوى أرض زراعية في قبيلة «بني سعيد» تكلف باستغلالها أخواه، قبل أن يتوفى أحدهما ويسهر الآخر على تدبير أمور الفلاحة العائلية.
ورغم أن حسن العوفي انسجم مع عوالم صالونات الرباط المخملية، فإن سعادة الوكيل العام للملك لم يفقد حسه الفلاحي، فبدأ يكتري الأراضي من الدولة بنواحي العرائش ويزرعها بشتى أنواع الفواكه النادرة والخضروات المعدة للتصدير. وتحت الرئاسة المباشرة لأبنائه، يشتغل مهندسون كثيرون بأدوات زراعية حديثة تستعمل أحدث تقنيات الري والسقي.
ولكي يرد جزءا من الجميل إلى ولي نعمته، زوج أخته، اشترى أراضي بنواحي عين عودة بالرباط، وأسند مسؤولية إدارتها إلى أحد أبناء عبد الرحمان الإدريسي. 
 لذلك، فمن يريد أن يفهم السر وراء انفجار فضائح العديد من الموثقين مباشرة بعد تولي وزير العدل الجديد مسؤولية وضع مشروع إصلاح القضاء على السكة، لا بد له، أولا، من أن يفهم السر وراء امتناع العديد من الوكلاء العامين للملك عن فتح التحقيقات في الشكايات التي كانت تصلهم من ضحايا هؤلاء الموثقين.
والسر هو أن هؤلاء الموثقين كانوا يعرفون أن ظهورهم محمية، ولذلك كانوا يتصرفون بحرية، وأحيانا بنزق مبالغ فيه. وأكبر مثال على «الحماية» التي ينعم بها بعض هؤلاء الموثقين ما يحدث اليوم في فاس، حيث وضع العديد من المواطنين شكايات بموثقين على الأقل، هما «الحمامصي» و«ابن سليمان»، لكن البوزياني، الوكيل العام للملك بفاس المنحدر بدوره من الريف والذي تجمعه علاقة بحسن العوفي، يرفض تحريك هذه الشكايات، خصوصا تلك المتعلقة بالتزوير والتدليس في أراضي الإصلاح الزراعي.
والسبب هو أن الوكيل العام للملك بفاس تجمعه علاقة بوالد الموثق «ابن سليمان»، ممون الحفلات المشهور، والذي تجمعه هو الآخر علاقات متينة بالجنرال القادري. وقد ظهرت متانة هذه الصداقة في اليوم الذي رفض فيه أحد الضباط الكبار في الجيش أداء مستحقات الممون ابن سليمان الذي نظم له، على شرف أحد أبنائه، عرسا فاخرا في «طريق زعير» بالرباط، وعندما طالبه بمستحقاته رفض الضابط الكبير دفع ما بذمته. وهنا سيلجأ الممون إلى صديقه الجنرال القادري الذي تدخل وأجبر الضابط على دفع الفاتورة.
أما الموثق «الحمامصي»، فقضيته أفظع، خصوصا عندما نعرف أنه قضي في حقه بستة أشهر حبسا نافذا في ملف له علاقة بالتزوير والتدليس، وفجأة تحول الحكم إلى حبس موقوف التنفيذ. وإلى اليوم، لازال يمارس مهامه رغم ركام الشكايات الموضوعة ضده فوق مكتب الوكيل العام للملك.
الضحايا المتضررون من معاملات بعض الموثقين بفاس، والذين يعرفون العلاقات النافذة للموثق ووالده بالشخصيات النافذة في الجيش وبالوكيل العام للملك الذي لازال إلى اليوم يقبل يد إدريس الضحاك، يعرفون أن شكاياتهم لن تتحرك مادامت رياح التغيير لم تهب بعد على محكمة الاستئناف التي يجلس على رأسها الوكيل العام البوزياني، والمحكمة الابتدائية التي يجلس على رأسها وكيل الملك فيصل، الريفي الذي حط في فاس قادما إليها من وجدة، والذي يترأس غرفة المشورة، يا حسرة، المخول لها قانونيا التشطيب على الموثقين المتورطين في التزوير.
لقد استبشر كثيرون خيرا عندما رأوا كيف أحال المجلس الأعلى للقضاء وكيل الملك بمحكمة القطب الجنحي بعين السبع، رشيد بناني، وزوجته سلوى الفاسي الفهري، رئيسة المحكمة الإدارية، على إحدى غرف المجلس الأعلى. لكن كثيرين تساءلوا لماذا لم يقترب المجلس الأعلى من الوكيل العام للملك عبد الإله المستاري وزوجته «الصفار»، القاضية بالمحكمة التجارية بنفس المدينة، واللذين عمرا في منصبيهما لسنوات طويلة.
السبب الحقيقي لخلود بعض الوكلاء والوكلاء العامين للملك والقضاة في مناصبهم ليس له علاقة بمستواهم المهني العالي أو عدم وجود إمكانية لتعويضهم، وإنما السبب الحقيقي هو ارتباطهم الوثيق بمراكز القرار داخل وزارة العدل نفسها. وهي المراكز التي جعلت أي وزير للعدل، مهما كانت صلاحياته، لا يستطيع المس بشعرة واحدة في رؤوسهم، فبالأحرى أن يمس بصلاحياتهم وجذورهم الممتدة في كل محاكم المملكة.
وقد رأينا قوة هذا اللوبي المسيطر داخل وزارة العدل عندما ذهب الوزير الناصري إلى أكادير أياما قليلة بعد تنصيبه، فاستقبله المحامون هناك بالاحتجاج. فقد كانت تلك طريقة «بشر»، المفتش العام لوزارة العدل، في تنبيه الوزير الجديد إلى ضرورة احترام المياه الإقليمية لكل صاحب نفوذ داخل الوزارة التي دخل إليها. فسعادة مدير الشؤون المدنية للوزارة سابقا -والذي اشتهر بإعطائه تعليماته بعقد جلسة ليلية في محكمة فاس في غياب كاتب الضبط، وإصداره لحكم ضد «متهم»، وعندما طلع النهار كان «الضحية» في سجن عين قادوس- يعرف أكثر من غيره كيف يجعل كل وزير عدل جديد يدخل الوزارة يسير فوق البيض ولا يكسره.
وإذا كان المفتش العام لوزارة العدل يمتلك القدرة على تحريك أذرعه في جهازي القضاء والدفاع معا، فإن «لديدي»، الذي يستمد قوته داخل وزارة العدل من بقايا إدريس البصري في وزارة الداخلية، خصوصا من رئيس قسم الشؤون العامة السابق مصطفى بنكيران والوالي إبراهيم بوفوس المدير العام للشؤون الداخلية، لازال قادرا على صناعة المطر والصحو، كما يقول الفرنسيون، داخل دواليب وزارة العدل، وأيضا حتى داخل المندوبية العامة لإدارة السجون، والتي استطاع خلال تحمله لمسؤولية إدارتها أن يحصل لصديقه المقاول السلاوي، رجل الأمن السابق، على مشاريع بناء بعض السجون، أبرزها سجن «الزليليك» الذي ظهرت عليه آثار التصدعات بسبب فيضانات السنة الماضية.  
 إن طغيان بعض الموثقين واستخفافهم بالأمانة الملقاة على عاتقهم وهضمهم لحقوق المواطنين، سببهما هو الحماية التي يتمتعون بها من طرف بعض الوكلاء والوكلاء العامين للملك.
وطغيان هؤلاء الوكلاء والوكلاء العامين للملك واستخفافهم بالأمانة الملقاة على عاتقهم سببه الحماية التي يوفرها لهم «اللوبي» القوي المتحكم داخل دواليب وزارة العدل منذ عشرات السنين.
ولذلك فالمعركة الحقيقية لإصلاح القضاء ليست مع كتاب الضبط والموظفين الصغار بالمحاكم والقضاة الذين لا حول لهم ولا قوة أمام طغيان وتجبر هذا «اللوبي»، وإنما المعركة الحقيقية لإصلاح القضاء تبدأ بتخليص الوزارة من السرطان الذي ينهشها من الداخل.
إن علاج السرطان لا يكون بالمسكنات، أي صباغة مقرات المحاكم وتزيينها والرفع من رواتب الموظفين والقضاة، وإنما بجلسات مكثفة للعلاج الكيماوي لاقتلاع المرض من جذوره.
وبدون حصص مكثفة من جلسات «الشيميوتيرابي»، فإن جسد القضاء سيظل يبدو ظاهريا معافى، لكن داخليا يبقى معرضا لخطر انتشار المرض الخبيث في كل أطرافه.
لذلك، فإنه من الحكمة معالجة الداء في مواطنه الحقيقية، أي داخل وزارة العدل، وليس الاكتفاء بعلاج أعراضه التي تظهر على محاكم المملكة.
... تابع القراءة

ولاد الفشوش

في خطابه الأخير، أكد الملك أن القضاء يجب أن يكون في خدمة المواطن. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، جاء فتح ورش إصلاح القضاء مع وزير العدل الاتحادي عبد الواحد الراضي، الذي فشل فيه، قبل أن تسند مهمته إلى الأستاذ الناصري.
قبل أن يغادر عبد الواحد الراضي إلى رئاسة البرلمان، الذي يسكن فيه منذ 1963 إلى اليوم، ترك ملفات ثقيلة تفوح منها رائحة غير طيبة، بعضها ورثه من رفيقه الراحل بوزوبع، وبعضها الآخر مر أمام عينيه دون أن يكون قادرا على تحريك أصبعه الصغير.
لكن ملفين كبيرين، سبق لنا أن تطرقنا إليهما، يظلان المثالين الأبرزين على أن القضاء يوجد في خدمة أبناء بعض المسؤولين الكبار في القضاء والجيش، وليس في خدمة المواطنين، وأن الوقت قد حان لتطبيق مضامين الخطاب الملكي وإطلاق السرعة النهائية القصوى لمشروع إصلاح القضاء.
المثال الأول لجعل القضاء في خدمة أبناء الذوات، هو ملف ابن الكولونيل محمد العراقي الذي نصب قبل ستة أشهر على بنكي BMCE و BMCI في مبالغ مالية تتجاوز 500 مليون سنتيم بعد أن قدم إليهما وثائق مزورة.
ولأن سعادة النصاب ليس ابن مواطن عادي، فإن الوكيل العام للملك بالدار البيضاء لم ير ضرورة لاعتقاله، بحجة أن القضاء لديه كل الضمانات بأن ابن الكولونيل لن يفر من العدالة، مع أن سجون المملكة تعج بمتهمين متابعين بسبب إصدارهم لشيكات بدون رصيد بمبالغ مالية سخيفة.
من جانبهما، فالبنكان اللذان نصب عليهما ابن الكولونيل لم يطالبا سوى باسترجاع المبالغ التي ضاعت منهما. فالبنوك في كل دول العالم لا مصلحة لها في اعتقال من ينصبون عليها، على قلتهم، بل كل طموحها هو أن تسترجع أموالها. وهذا ما وقع بالفعل بعدما نشرنا خبرا حول الفضيحة، فقد سارع ابن الكولونيل إلى إرجاع المبالغ التي نجح في استخراجها من البنكين بواسطة وثائقه المزورة، وانتهت الأمور عند هذا الحد.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو من كانت له المصلحة في عدم تفعيل المتابعة القانونية في حق ابن الكولونيل محمد العراقي من طرف إدارة القوات المسلحة الملكية، خصوصا وأن الوثائق المزورة التي نصب بها على البنكين كانت تحمل خاتم مؤسسة الجيش وتواقيع كولونيلات بهذه المؤسسة.
لماذا تخلت القوات المسلحة الملكية عن حقها في متابعة نصاب يستعمل اسمها وخواتمها للحصول على أموال من البنوك بواسطة فواتير مزورة لتبرير عمليات تزويد الثكنات بسلع وهمية؟
هذا السؤال مطروح على وكيل الملك بالدار البيضاء، رشيد بناني، الذي لم ير مانعا في تمتيع ابن الكولونيل  بجواز سفره، والذي بفضله يوجد اليوم خارج التراب الوطني.
إذا كان أبناء المغاربة يذهبون إلى السجن لمجرد أن أحدهم تورط في إصدار شيك بسيط بدون رصيد، فإن ابن الكولونيل العراقي لم يقض ليلة واحدة عند الشرطة القضائية، رغم أنه زور وثائق وتوقيعات وخواتم مسؤولين في مؤسسة الجيش.
ابنة مسؤول قضائي كبير في الرباط هذه المرة، تورطت في ملف الموثقين الذين يوجد بعضهم في سجن الزاكي بسلا، لكن عوض أن تكون الموثقة في السجن إلى جانب «زملائها» وشركائها، تم استدعاؤها إلى المحكمة لكي تحضر كشاهدة في الملف وليس كمتهمة. وحتى كشاهدة، لم تكلف الموثقة نفسها عناء الحضور للإدلاء بشهادتها. وربما كانت في تلك الأثناء منشغلة بالإعداد لعرس أخيها، وإرسال دعوة الحضور لوزير العدل عبد الواحد الراضي، والذي لم يتخلف عن حضور عرس ابن سعادة الوكيل العام للملك بالرباط، حسن العوفي.
وهكذا، ففي الوقت الذي قضت فيه المحكمة بمتابعة الموثقين وشركائهم في حالة اعتقال، كانت صونيا العوفي، ابنة الوكيل العام للملك، تحضر عرس أخيها إلى جانب وزير العدل.
أما شريكها البوخاري -الذي توسط بينها وبين الشركة الفرنسية الإيطالية التي تم النصب عليها في مبلغ مليار سنتيم كتسبيق مقابل أرض مساحتها 5000 هكتار بنواحي بولمان، بعد أن وعد البوخاري مسؤوليها بإتمام بيعها عند الموثقة- فقد كان في تلك الأثناء «يبرد» عظامه في سجن الزاكي بسلا.
وطبعا، فالبوخاري -الذي يوجد رهن الاعتقال، ليس ملاكا، فهو كان يعرف أن أحد مدراء الموارد البشرية في أحد البنوك البيضاوية متزوج من وريثة تملك 30 في المائة من الأرض- وقع وعدا بالبيع مع منعش عقاري لبيع الخمسة آلاف هكتار. وعندما فطن المنعش العقاري إلى أن البوخاري بصدد بيع الأرض وراء ظهره لشركة فرنسية إيطالية في مكتب الموثقة صونيا العوفي، بدون أن يتوفر على إذن بذلك من الورثة، وضع شكاية ضده أمام القضاء، فكان طبيعيا أن تتم متابعته واعتقاله.
ما ليس طبيعيا في هذه القصة هو عدول الوكيل العام للملك بالرباط عن متابعة ابنته الموثقة صونيا العوفي التي أنجزت عقد البيع، رغم عدم توفرها على الوثائق القانونية الكاملة لإنجاز البيع.
لكي نجيب عن هذا السؤال يجب أن نحكي القصة من أولها.
عندما وصلت رائحة طبخة المليار سنتيم التي أعدتها الموثقة صونيا العوفي إلى خياشيم والدها الوكيل العام للملك، فهم أن الطبخة ستحترق إذا لم يسارع إلى إضافة الكثير من الماء إليها. وهكذا أمر الوكيل العام ابنته الموثقة بإعادة مبلغ مليار سنتيم إلى البنك، والخروج من الملف كما تخرج الشعرة من العجين. هذا في الوقت الذي ذهب فيه شريكها إلى السجن حيث يهدد بخوض إضراب عن الطعام.
والسؤال، الذي يطرحه قضاة وموثقون ومحامون في الرباط اليوم، هو لماذا يسري القانون على الموثقين الذين ليست لهم جداتهم في العرس فيتابعون في حالة اعتقال أمام المحكمة، بينما تتعطل لغة القضاء عندما يتعلق الأمر بموثق أو موثقة تربطها علاقة قرابة مع سعادة الوكيل العام للملك بالرباط؟
والواقع أن صونيا العوفي وجدت نفسها في عالم التوثيق بسبب الصدفة لا غير. فبعد أن «سقطت» ثلاث سنوات متتالية في السنة الأولى من شعبة البيولوجيا، «طاحت» عليها فكرة اقتحام مهنة التوثيق. وبعد قضائها لفترة قصيرة كمتدربة عند واحد من أكبر مكاتب التوثيق في العاصمة، اجتازت مباراة الدخول أمام لجنة تحكيم يوجد على رأسها، ويا للمصادفة العجيبة، والدها حسن العوفي. وبعد ابتسامات وإطراءات قصيرة، خرجت صونيا بدبلوم «موثقة» تحت ذراعيها. وهو الدبلوم الذي «يتشحطط» المئات من أبناء الشعب ما بين عشر وخمس عشرة سنة وراءه قبل الحصول عليه. هذا إذا سمحت لهم العائلات العشر التي تحتكر هذه المهنة منذ الاستقلال بالدخول إلى ناديها محكم الإغلاق.
وحتى قبل أن تفتح الموثقة صونيا العوفي مكتبها الفخم بأكدال، سبقتها بطاقات زيارتها حيث اسمُها ورقمُ هاتفها إلى مقاهي العاصمة والناظور، مسقط رأس عائلتها. وكان موزع البطاقات يقول لكل من يسلمه واحدة منها إن الموثقة صونيا هي ابنة الوكيل العام للرباط، وإن أي مشكلة تعرض عليها تستطيع أن تجد لها الحل.
ثلاث سنوات بعد فتح مكتبها بحي أكدال، استطاعت صونيا أن تبني فيلا فخمة في منطقة بير قاسم. ومن أجل تصميم ديكورها، لجأت إلى خدمات مصمم متخصص. أما الأثاث فقد جلبته كله من الخارج، خصوصا من «مالغا» بإسبانيا التي عود حسن العوفي أبناءه على قضاء عطلهم في شاليهات «ماربيا» حيث يتردد باستمرار.
وهكذا، اشتهر اسم الموثقة صونيا العوفي بسرعة في كل أنحاء المملكة، وأصبح كل من يريد أن ينجز وثائق وعقود البيع والشراء يأتي إلى مكتبها، كما أصبح عنوانها مقصدا لكل من لديه مشاكل قضائية عالقة ينتظر حلها.
وسارت الأمور بشكل جيد بالنسبة إلى الموثقة صونيا إلى أن انفجرت قضية الموثقين الذين ينصبون على عقارات الدولة، وطارت رؤوس بعضهم وتلطخت ثياب البعض الآخر بالدماء.
ويبدو أن «الشلة» فهمت أن القضية «حامضة» هذه المرة، خصوصا بعد صدور تعليمات مشددة بتطبيق القانون إثر اكتشاف الأمن لاستعمال أحد المتورطين خواتمَ تحمل رموز المملكة.
ورغم كل الصرامة والتشدد اللذين أحيط بهما الملف، ورغم تضامن جمعية الموثقين مع زملائهم المعتقلين وتهديدهم بالوقفات الاحتجاجية أمام المحكمة ووزارة العدل، فإن الوكيل العام للملك بالرباط استطاع أن يخلص ابنته من براثن المتابعة القضائية، وأن يخرجها من الملف ويحولها إلى مجرد شاهدة بعد أن كانت هي الموثقة التي حررت عقد البيع المطعون في صحته.
فمن أين يستمد حسن العوفي، الوكيل العام للملك، قوته الغامضة هذه؟ وما هي قصته بالتحديد؟ وكيف استطاع أن يتحول من مجرد قاض في الشاون إلى وكيل عام للملك بعاصمة المملكة؟
غدا نحكي هذه القصة.
... تابع القراءة

الذين يسكنون المغرب والذين يسكنهم المغرب

الناس، لكثرة حنقهم وغضبهم بسبب كل الفضائح التي نكتب عنها يوميا دون أن يروا أن ما نكتبه تتبعه تحقيقات واعتقالات في حق الذين يثبت تورطهم في اختلاس المال العام، أصبحوا يتساءلون عن الجدوى من وراء ما نكتبه.
«لمن تعاود زابورك أداود». هذا ما يقولونه في جلساتهم داخل المقاهي وفي مقرات العمل وفي البيوت.
الناس يعتقدون أننا، كصحافيين، مطالبون بالقيام بواجبنا في مراقبة طرق صرف المال العام، وفوق ذلك يطلبون منا أن نمارس سلطة الشرطة القضائية. وهذا طبعا غير ممكن، لأن سلطة الصحافي تنتهي عند حدود النشر. أما فتح التحقيقات والمتابعات والاعتقالات فتلك أمور تدخل في اختصاص سلط أخرى يجب أن تظل مستقلة عن سلطة الصحافي.
السؤال الذي يؤرق الناس هو لمن نكتب، وما جدوى أن نكتب إذا لم يكن هناك تكامل بين سلطة الصحافة والسلطة التنفيذية التي بيدها إعمال القوانين وتفعيل قوتها.
وبما أنني أحد الذين يواظبون على الكتابة يوميا منذ أكثر من ست سنوات، فإنني أتلقى بشكل مستمر عنف هذا السؤال. بعضهم يقول لي ناصحا أن أترك المغرب وألتحق بهم في كندا لكي أعيش في المجتمع الذي أحلم به كل يوم. فهنا اللصوص ينتهون في السجون، والمال العام مقدس وكل من يغامر بوضع يده في جيوب المواطنين يقطعونها له بالقانون.
آخرون يقولون، بيقين العارفين، إن الأمور كانت دائما هكذا في المغرب ولن تتغير مادام الناس مصرين على الوفاء لعاداتهم السيئة وأمراضهم الاجتماعية الخبيثة.
ولذلك فكثيرون يسألون حائرين لمن نكتب، ولماذا نكتب كل صباح. البعض يعتبرنا مواطنين صالحين يهتمون بمشاكل أشباههم من المواطنين، وآخرون يعتبروننا خطرا عموميا، وسببا من أسباب مشاعر العدمية واليأس التي بدأت علاماتها تظهر على وجوه المواطنين وسلوكياتهم.
لذلك فمن المفيد التذكير بملامح وأنواع المواطنين الذين نتوجه إليهم كل صباح بكتاباتنا، والتذكير أيضا بملامح الذين لا نتوجه إليهم ولا يعنينا أن يقرؤوا ما نكتبه كل صباح.
الذين ينامون بلا مشاكل ولا يحتاجون وساطة الحبوب المنومة وملاعق المحاليل الصيدلية.
الذين لا يحلمون بالكوابيس ولا توقظهم ساعة المنبه إلا بمشقة بالغة.
الذين لا تهتز شعرة واحدة في رؤوسهم كلما اهتز مكان ما من العالم.
الذين يبتسمون كلما شاهدوا نشرة أخبار فيها الكثير من الجثث والجرحى، الذين لا يمارسون أي نوع من الرياضات ومع ذلك تجد أعصابهم فولاذية كأعصاب المصارعين اليونانيين.
الذين يعتنون بأسنانهم جيدا كل صباح، لأنهم يحتاجونها كاملة وناصعة في كل ابتسامة صفراء. الذين يملكون لكل كتاب النظارات المناسبة، ولكل لقاء جماهيري ربطة العنق والابتسامة الملائمتين والتدخل غير الملائم تماما.
الذين يقدمون التعازي دائما لأنهم لا يموتون أبدا، والذين يواظبون دائما على حضور حفلات التأبين لأنهم يتلذذون بتعداد مناقب الموتى، لأن هذا يطمئنهم بأن الشرور من نصيبهم ولا يزاحمهم عليها أحد.
الذين يملكون أكثر من موقف في قضية واحدة، والذين من فرط تغييرهم لمعاطفهم أصبح لديهم دولاب كبير من المعاطف الحزبية، ومن فرط تغييرهم لجلودهم انتهوا عراة بالكامل.
الذين يجلسون دائما في الصفوف الأمامية والذين تلتقطهم عدسات المصورين دائما آخذين في التفكير مثل تماثيل الحكماء في المتاحف اليونانية.
الذين يعطون التصريحات في كل مناسبة بأثمان معقولة، ويشرحون الأمور دائما بسبابات مرفوعة في الهواء وحواجب مبعثرة.
الذين يبرمجون دائما أوقاتهم نكاية في أوقات الآخرين، ويبنون شهرتهم فوق أنقاض المتواضعين الذين اختاروا فضيلة الصمت.
الذين يملكون ما يكفيهم لكي يعيشوا حتى آخر يوم قذر من أعمارهم الطويلة، ومع ذلك يبحثون لكي ينغصوا على الآخرين عيشتهم النظيفة والقصيرة.
الذين يتجولون بين كل التيارات بأفكار متخمة وقناعات مصطنعة، والذين لا يملكون غير حقارتهم يدافعون عنها في كل مناسبة، ولا يضيعون في دفاعهم المستميت هذا غير القليل من وضاعتهم. الذين ليست لهم مياه في وجوههم يحرصون عليها وليست لهم ذمم يخافون على طهارتها.
الذين لا يتعهدون أي نباتات في شرفات بيوتهم ولا يربون أي حيوان أليف في بيوتهم، لأن أزهار الشر التي تنمو في دواخلهم والحيوانات الضارية التي تتزاحم داخل أقفاصهم الصدرية تأخذ منهم كل وقتهم الثمين.
الذين لا يذهبون إلى البحر مخافة أن تبتل مواقفهم الوسخة، والذين لم يكملوا تعليمهم إلى المستوى الذي يجعلهم قادرين على تركيب كلمة «وطن»، والذين بسبب ذلك بعثروا الحروف بلا رحمة، فأصبح الوطن بسببهم عسيرا على النطق والعيش.
الذين يدافعون عن قضايا المرأة برجولية نادرة في الخارج وينددون بأعداء الأمة في الداخل بصوت خفيض وبنبرات أنثوية للغاية.
الذين لا يعلقون المرايا داخل بيوتهم مخافة أن تلتقي نظراتهم بوجوههم المخيفة فتفزعهم.
الذين لم يحاربوا عدوا في حياتهم ولم يحرروا وطنا ولم يشاهدوا سلاحا طوال عمرهم غير بنادق الصيد المعلقة على حيطان بيوتهم الفسيحة، ومع ذلك يستطيعون أن يحكوا عن الحرب أكثر مما يستطيع المقاومون الحقيقيون أن يفعلوا. أولئك المقاومون الشرفاء الذين ماتوا دون أن يغيروا نوع تبغهم ولا موجتهم الإذاعية ولا ماركة شايهم الرخيص.
الذين لا حول لهم ولا قوة كلما تعلق الأمر بمصير الشعب في الشوارع والساحات، والذين يتحولون إلى وحوش كاسرة في القاعات المكيفة وأمام ميكروفونات الجرائد المأجورة.
الذين ما إن تحتك بأحدهم في الشارع حتى يستعرض أمامك لائحة طويلة بأسماء معارفه في الوزارات والدواوين. الذين يسكنون داخل المغرب عوض أن يسكن المغرب داخلهم.
هؤلاء لا نكتب لهم ولا يعنينا رأيهم في ما نكتبه كل صباح.
نكتب للذين لا ينامون إلا بعد أن يمر شريط طويل بأحداث يومهم أمام أعينهم، شريط بطيء وقاس يمر أمامهم فيصيبهم بالأرق ولا يركبون سفينة النوم إلا بعد أن يكونوا قد فاوضوا طويلا كوابيسهم المخيفة.
نكتب للذين ينامون بلا حراك وبصوت مطبق، بحيث لا تستطيع أن تميز بينهم وبين الجثث في مستودعات الموتى، رغم أن أعماقهم يقظة أبدا.
نكتب للذين تفزعهم ضربات قلوبهم كلما اضطجعوا على الجانب الأيسر، والذين يستفيقون قبل ضربات ساعة المنبه بساعات.
نكتب للذين كلما نشبت حرب ما في مكان ما من العالم أحسوا بالذنب بسبب أيديهم المسدلة مثل أيدي الجبناء.
نكتب للذين يكرهون ابتسامات المذيعات البلهاء وهن يحصين أعداد القتلى والجرحى في انتفاضة ما من هذا الوطن العربي الجريح. نكتب للذين يمارسون رياضة الركض وراء الأوهام بلا توقف. نكتب للذين أعصابهم متلفة دائما مثل لعب الأطفال وأسنانهم في تساقط مستمر. نكتب للذين يملكون نظارة طبية واحدة تصلح لقراءة كل الكتب وتصلح لرؤية كل المواقع. نكتب للذين أعمارهم قصيرة مثل جبل الكذب ومواقفهم راسخة مثل الوشم على سواعد الريفيات. نكتب للذين يملكون معطفا واحدا يستعملونه في كل الفصول وربطة عنق واحدة تذكرهم دائما بحبل المشنقة. نكتب للذين خلقوا بجلد واحد لم يغيره شيء سوى شمس غشت على شواطئ البحر.
نكتب للذين يجلسون في الصفوف الخلفية دائما بحيث تعفيهم آلات التصوير والكاميرات من أضوائها الكاشفة، وفي المساء يعودون إلى بيوتهم بأيديهم في جيوبهم رفقة ظلالهم فقط. نكتب للذين لم يقدموا أبدا تصريحا حول قضية ولم يرفعوا سبابتهم يوما لطلب شيء سوى أمام زحام المحلات التجارية لطلب حليب الرضاعة لأطفالهم. نكتب للذين لا يشيدون شهرتهم فوق أنقاض أحد ولم يشيدوا في حياتهم شيئا آخر غير قصور الرمال خلال لحظات شرودهم الطويلة.
نكتب للذين تنظر إليهم فتخيفك الصفرة التي على وجوههم ونحول أجسادهم، والذين إذا تكلموا تركوك بفم مفتوح من الدهشة ومضوا برؤوس منحسرة إلى الظل.
نكتب للذين يعيشون في وحدة قاسية ومع ذلك لا يستطيعون الحديث عن الغربة، لأن هناك من يعيش في ألفة دافئة ويستطيع أن يتحدث عن الغربة أحسن منهم بعد أن يستعيروا ألم الآخرين.
نكتب للذين تحتقرهم موظفات الاستقبال في الإدارات الفخمة، والذين يشكك الباعة في المحلات الراقية في طلباتهم مخافة ألا يكون معهم ما يكفي لتسديد أثمان مشترياتهم. نكتب للذين لا يحتاجون أوراق هوية تثبت انتماءهم إلى هذا الوطن، لأن عيونهم تفضح عشقهم المخيف له. نكتب للذين تخذلهم عفويتهم أمام أبواب السفارات، الذين يخجلون من أنفسهم عندما لا يجدون في جيوبهم ثمن البوربوار فيتركون النقود فوق الطاولة ويغادرون خلسة مخافة أن تلتقي نظراتهم بنظرات النادل.
نكتب للذين يقفون أمام المستشفيات العمومية متأبطين الصور الإشعاعية لصدور آبائهم المخنوقة والملطخة بالألم. نكتب للذين لا يملكون ما يسددون به ثمن التحاليل الباهظة، والذين يملكون بالمقابل ما يكفي من دموع تحت الأغطية عندما ينصرف الجميع إلى النوم.
نكتب للذين يرتبكون عندما يسعلون في مقصورة القطار مخافة أن يكتشف الآخرون أن مكانهم الطبيعي يوجد فوق سرير أبيض في مستشفى الأمراض الصدرية وليس فوق مقعد في مقصورة قطار.
هؤلاء يهمنا رأيهم كثيرا، لأنهم المعنيون بما نكتبه كل صباح.
... تابع القراءة

الشمايت

بمجرد نشر خبر مثول عمدة الدار البيضاء محمد ساجد أمام الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات رفقة محاميه، سارع سعادة العمدة، الذي تعود أن يحسب لوحده، إلى جمع كل موظفي مجلس المدينة لكي يطلب منهم إعطاءه أجوبة عن حوالي مائة سؤال ينتظر الوكيل العام للمجلس التوصل بها.
وقد استغرب الموظفون كيف أن العمدة يريد أن يبرد «غدايد» الاستدعاء فيهم رغم أنه لم يكن يستشيرهم في أي أمر من أمور المجلس.
فيبدو أن العمدة فهم أن «النغمة» تغيرت هذه الأيام، وأن محاسبي المجلس الأعلى للحسابات، الذين كانوا في الولاية السابقة يحققون فقط في توقيعات نوابه، أصبحوا خلال الولاية الحالية يحققون في توقيعاته هو أيضا.
ولذلك فالعمدة ساجد أصبحت تنطبق عليه المقولة الشعبية «اللي دارها بيديه يفكها بسنيه». وعوض أن يفكها ساجد بأسنانه، فضل أن يرمي الكرة في مرمى موظفيه.   
عادة «تبراد غدايد» الموظفين الكبار في الموظفين الصغار عادة مغربية بامتياز. فعندما كتبنا في هذا المكان، قبل ثلاثة أشهر، عن والي وجدة «الهمام» الذي حط على المنطقة الشرقية بالمظلة بعد أن ساهم في إغلاق مصنع بالدار البيضاء وتشريد ألف من مستخدميه وبعد سنوات قضاها على رأس «الباطوار» في الدار البيضاء وإدارة «سوق الجملة»، سارع الوالي «الهمام» إلى الشك في أحد معاونيه بديوانه، وبدأ يستعد لطرده بتهمة تسريب الأخبار إلى الصحافة.
ومع أن كل الأخبار التي أوردناها صحيحة مائة في المائة، والدليل على ذلك أنه لم يتجرأ على تكذيب سطر واحد منها، فإنه حاول الانتقام من كل من شك في كونه أحد المصادر التي سربت تفاصيل سيرته الذاتية التي حاولت وكالة بوزردة للأنباء التعتيم عليها ما أمكن، خصوصا منها مرور «الهمام» بأروقة «الباطوار» و«مارشي كريو» وشركة «إيكوماي» التي كان «الهمام» يخيط ويفصل بآلاتها طيلة ست عشرة سنة «كوستيمات» من ماركة «فانغيلز» التي تمتلك حقوق استغلال اسمها في المغرب عائلة بنيعيش، مثلما تمتلك حقوق استغلال سلسلة مطاعم «لونوطر» وماركات عالمية أخرى.
المهم أن سعادة الوالي «الهمام» عندما فشل في معرفة المكان الذي جاءته منه «الدقة»، التفت يمينا وشمالا فلم يعثر سوى على موظف بسيط جعله يدفع الثمن.
والشيء نفسه قام به الكولونيل بنزيان الحاكم بأمره في المقر المركزي للوقاية المدنية بالرباط. فبعدما بلع لسانه وهو يقرأ سلسلة الفضائح التي نشرناها في هذا العمود حول الأطر المرتشية التي يرقيها في سلم المسؤولية، والأطر الجيدة التي يحتقرها ويهمشها ويعاقبها، ثارت ثائرته ولم يجد من حل يطفئ به العزة التي أخذته بالإثم سوى إصدار أوامره لكل رجال الوقاية المدنية بأن يضيفوا إلى مسؤولياتهم وظيفة جديدة هي «ضريب الجفاف» داخل الثكنات.
وهكذا تحول رجال المطافئ في ثكنات القنيطرة وسلا وطنجة وغيرها إلى عمال نظافة يمسحون الزجاج ويغسلون الغرف والأروقة بالماء و«الكراطة»، فقط لأن سعادة الكولونيل، بخطته العقابية الجديدة، لا يريد أن يوفر فقط تعويضات شركة النظافة وإنما أيضا مصاريف مواد التنظيف من «جافيل» و«سانيكروا» وغيرهما. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لصالح من يوفر سعادة الكولونيل ميزانيات النظافة وموادها؟
إن ما كتبناه حول ما يجري داخل ثكنات الوقاية المدنية تحت رعاية الكولونيل بنزيان، وأمام الصمت الغريب والمطبق للجنرال اليعقوبي، يكفي ربعه في أية دولة أخرى لكي تقوم القيامة داخل هذا الجهاز، فإما أن تسقط الرؤوس داخله، وإما أن نقف أمام القضاء بتهمة نشر أخبار زائفة. لكن بما أننا في المغرب فإنه لا شيء من هذا حدث.
الذي حدث هو أن رجال إطفاء بسطاء كانوا ينتظرون تعويضاتهم المتراكمة عن الساعات الإضافية منذ 18 شهرا، فاجأتهم إدارتهم العامة بعقوبات انتقامية بسبب مقال ليسوا مسؤولين عن صدوره، فحوّلتهم من رجال إطفاء إلى عمال نظافة.
ولكي «يركب» سعادة الكولونيل «الخلعة» في قلوب رجال الوقاية المدنية، هدد كل من يتجرأ على اقتناء أو إحضار أو مطالعة جريدة «المساء» بأوخم العواقب، وكأن «المساء» أصبحت، في نظر الكولونيل، أحد الممنوعات التي يحظرها القانون، مع أنه هو وجنراله لا يكادان يفركان أعينهما في الصباح حتى يطلبان إحضار الجريدة، طبعا ليس حبا فيها ولكن خوفا من نشر أخبارهما على صفحاتها.
وقد كان أحسن من عبر عن هذه «الخلعة» التي تركب بعض المسؤولين بسبب الصحافة هو وزير الاتصال خالد الناصري الذي قال إنهم أصبحوا يستفيقون في الصباح ويقولون «ناري علم الله آش غادي يخرج اليوم فالجورنان».
في البلدان الديمقراطية يسمون هذه «الخلعة» التي تتسبب فيها الصحافة المستقلة «السلطة الرابعة»، أما عندنا فيسمونها «الضصارة» التي يجب وضع حد لها. فأغلب المسؤولين يريدون أن تظل الصحافة في منأى عن «التخوفيش» الذي يقوم به بعضهم عندما يدسون أيديهم الطويلة داخل صناديق الدولة. وعندما تغامر الصحافة بالتسلل داخل محميات هؤلاء المسؤولين وفضح تجاوزاتهم، فإنهم عوض أن يلجؤوا إلى القضاء أو إلى إصدار بيانات تكذيب، فإنهم يفضلون اللجوء إلى حل جبان هو الانتقام من موظفيهم الصغار وتحويل حياتهم إلى جحيم وتحميلهم مسؤولية انفضاح أمرهم في الصحافة.
عندما كتبنا هنا قبل أسبوع عن الشركتين اللتين أسسهما الصديقان الحميمان عبد الحنين بنعلو وعلي الفاسي الفهري للاستفادة من ميزانيات مشاريع أمريكية قيمتها 29 مليون دولار لتشجيع استعمال ألواح الطاقة الشمسية منذ بداية التسعينيات، لم نر أي واحد من الشريكين يبادر إلى تكذيب الخبر أو نفيه. مع أن  نشر خبر مماثل يفرض على النيابة العامة أن تفتح تحقيقا حوله. فإما أن الشركتين لم يسبق لهما أن وجدتا، وإن لم تكونا موجودتين فإنه لم يسبق لهما أن استفادتا من الميزانيتين الأمريكيتين، وبالتالي يجب متابعتنا بتهمة نشر أخبار كاذبة، وإما أن الشركتين كانتا موجودتين بالفعل واستفادتا من دولارات الأمريكيين دون أن يكون لهذه الدولارات أثر في الواقع، وبالتالي فالمتابعة يجب أن تشمل الشريكين عبد الحنين بنعلو وعلي الفاسي الفهري.
وعوض أن تسير الأمور في هذا الاتجاه وتأخذ العدالة مجراها، فإن السي علي الفاسي الفهري جند مخبريه داخل المكتب الوطني للكهرباء لكي يبحثوا له عن المصدر الذي يزود «المساء» بهذه المعلومات الحساسة والخطيرة. فالسي علي لم يكفه أنه شرد وطرد أكثر الأطر الشابة تكوينا ومهارة، بل يريد أن يطرد كل من يتجرأ ويقول «اللهم إن هذا منكر» داخل المكتب الوطني للكهرباء.
فمأساة هذه الأطر الشابة التي قام علي الفاسي الفهري بمجزرة حقيقية ضدها هي أنها صدقت نداء «فينكم» الذي أطلقته الاتحادية نزهة الشقروني عندما كانت وزيرة منتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلفة بالجالية المغربية المقيمة بالخارج. فتركت وظائفها في أمريكا وكندا استجابة للنداء ودخلت إلى المغرب لكي تشتغل في المكتب الوطني للكهرباء، قبل أن تكتشف أن صاحبة نداء «فينكم» غادرت المغرب بعد تعيينها سفيرة في كندا. «غير هوما دخلو وهيا خرجات». وبعد سنوات من العمل الجاد والدؤوب ستجد هذه الأطر القادمة من كبريات المعاهد والجامعات الدولية نفسها غير مرغوب في وجودها داخل إدارة علي الفاسي الفهري. فخلق لها كل العراقيل الممكنة لكي «تطج» من حوله. والواقع أنه لم ينتظر طويلا لكي يرى أن جميع تلك الأطر المغربية الشابة التي جاءت من كندا وأمريكا «طجت» بالفعل، ومنها من فقد عقله، مثل حالة إحدى المهندسات اللواتي لم يستطعن تحمل «الفقصة»، فانتهت في مستشفى الأمراض العصبية بإحدى الدول الأوربية.
يحدث هذا في الوقت الذي توجد لدينا فيه مؤسسة محمد الخامس للتضامن، ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، ووزير للهجرة لا يصنع غير البحث عن فرص السفر نحو أبعد العواصم العالمية لكي يمارس السياحة على حساب دافعي الضرائب. وفي الوقت الذي لدينا فيه مجلس للجالية يوجد على رأسه «يساري» سابق من يساريي السيغار والكافيار اسمه إدريس اليزمي، لا يجيد سوى تنظيم الملتقيات التافهة حول مواضيع لا تخدم مصالح الجالية بقدر ما تخدم أجندة اللوبي الفرنكوفوني الذي جاء به إلى المجلس هو و«شلة الأنس» التي يوجد على رأسها صديقه الحميم إدريس أجبالي الذي يتقاضى 50 ألف أورو دون الحديث عن تعويضات السفر والمبيت في فندق حسان الذي ينظم  فيه المجلس كل «نشاطه».
ورغم وجود كل هذه المؤسسات التي تعنى بشؤون الجالية، فإنه لا أحد من رؤسائها ومسيريها انتبه إلى المجزرة الرهيبة التي نفذها علي الفاسي الفهري في حق مجموعة من خيرة الأطر المغربية المهاجرة التي لبت نداء الوطن وجاءت لكي تساهم في الدفع بعجلة المغرب الجديد.
فهل بمثل هذا التسيير العشوائي للمؤسسات العمومية سنشجع الأطر المغربية على العودة إلى بلادها للدفع به إلى الأمام؟ وهل سنشجعهم على القدوم بالإبقاء على مثل هؤلاء المسؤولين الجبناء الذين عوض أن يجابهوا التهم التي توجه إليهم بالحجة والدليل يفضلون الانتقام من موظفيهم الصغار وابتزازهم في خبزهم وخبز أبنائهم لإشاعة أجواء الرعب حتى يستمروا في حلب أثداء الدولة بعيدا عن الأعين؟
«الحاصول، الرجال رجال والشمايت يبقاو ديما شمايت».
... تابع القراءة

سياسة «التطهير»

قبل أسبوع، تصدر الصفحة الأولى لهذه الجريدة مقال حول عملية «التطهير» التي تقوم بها شركة «ليدك» التي فوت إليها مجلس الدار البيضاء تدبير الماء والكهرباء والتطهير، والتي تستهدف الأطر المغربية داخل الشركة لتعويضها بأطر فرنسية.
يومان بعد ذلك، سترد الشركة على مقالنا بحوار مع مدير الموارد البشرية في جريدة «الصباح» يقول فيه «إن «ليدك» تواصل نقل المسؤوليات من الخبراء الأجانب إلى المحليين». وهكذا، فعوض أن تنشر «ليدك» بيان حقيقة توضح فيه خلفيات حملة التطهير ضد الأطر المغربية، فضلت أن تلجأ إلى صفحات الجريدة التي تحتضن إشهاراتها وإعلاناتها عن انقطاع الماء والكهرباء وسائر ما يتعلق بحسابات الشركة السنوية.
فتاريخيا، كانت دائما منشورات ومايكروفونات شركة «إكوميديا» (الصباح، ليكونوميست، أطلنتيك راديو) مكانا مفضلا لتكذيب أي خبر ينشر في الصحافة حول «ليدك» وتجاوزاتها في حق المواطنين.
لكن المفاجأة التي لم تكن تنتظرها «ليدك» ولا مجلس مدينة الدار البيضاء هي استدعاء عمدة المدينة ساجد للمثول أمام الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات برفقة محاميه للإجابة عن أسئلة المحكمة بخصوص ملفات كثيرة لها علاقة بالاختلالات التي تعرفها المدينة، وخصوصا تلك المتعلقة بالتدبير المفوض للماء والكهرباء والنظافة الذي تديره شركة «ليدك».
وهو الخبر الذي لا يدخل نشره، طبعا، ضمن بنود العقد الإشهاري المتفق عليه بين «ليدك» والجرائد التي تتعامل معها هذه الشركة المدللة. وهو العقد الذي كانت «المساء» سباقة، قبل سنتين، إلى إلغائه من طرف واحد بعدما اتضح أنه عقد لشراء الصمت وليس لنشر إعلانات الشركة.
لا بد أن مدير الموارد البشرية في «ليدك»، الذي تطوع لتلميع صورة الفرع المغربي لشركة «لاليونيز دي زو» الفرنسية، يعرف أكثر من غيره أن ما قلناه عن حملة التطهير التي تستهدف الأطر المغربية داخل الشركة صحيح مائة في المائة، والدليل على ذلك أن سعادة مدير الموارد البشرية كان في السابق إطارا رسميا في الشركة قبل أن يحوله فرنسيو الإدارة العامة إلى إطار متعاقد.
ومن بين الأكاذيب الكبرى التي قالها مدير الموارد البشرية، في حواره «الإشهاري»، أن الأطر المستوردة من فرنسا تأتي بالخبرة الضرورية للتدبير المفوض إلى المغرب.
الحقيقة هي عكس ذلك تماما. فشركة «ليدك» لازالت تشتغل بنفس المساطر التي كانت تشتغل بها أيام المأسوف على انقراضها «لاراد» RAD. وإذا كانت الشركة تشتغل إلى حدود اليوم، فبفضل الخبرة التي يتوفر عليها مهندسون وتقنيون مغاربة يبذلون قصارى جهودهم لأداء واجبهم رغم ظروف التهميش والتحقير التي يتعرضون لها يوميا لمغادرة مناصبهم.
أما «الأطر» الفرنسية التي تأتي إلى شركة «ليدك»، وخصوصا منها التقنيون، فتأتي من أجل التكوين والتدريب قبل العودة إلى فرنسا لشغل مناصب أحسن في فروع الشركة «Suez Environnement» أو أحد فروعها. والكارثة أن الأغلبية الساحقة من الأطر التي تأتي بها الشركة من فرنسا لا تتشكل من مهندسين وإنما من مجرد تقنيين يتحولون بقدرة قادر إلى أطر تصدر الأوامر للمهندسين المغاربة الذين يقومون بالعمل مكانها.
وفي الوقت الذي تعسر فيه الشركة حياة الإطار المغربي تمنح الإطار الفرنسي كل سبل العيش الرغيد. فرواتب الأطر الفرنسية تضاعف أحيانا عشرين مرة راتب الإطار المغربي، وجزء من رواتب هؤلاء الأطر الأجانب يصرف بالعملة الصعبة في حساباتهم بفرنسا، كما أنهم يستفيدون من الامتيازات العينية التي تمثل ما بين 40 و50 في المائة من مجموع راتبهم، وهذه الامتيازات تغطي كل ما يحتاجون إليه في المغرب، بالشكل الذي يجعلهم معفيين من إنفاق أي درهم على أنفسهم أو على عائلاتهم داخل المغرب.
ولعل أكبر كذبة أطلقتها الشركة، لذر الرماد في العيون، هي ادعاؤها أنها بصدد مغربة الشركة ونقل المسؤوليات إلى المغاربة.
لكي نفند هذا الادعاء ليس هناك أفضل من إعطاء الأسماء الحقيقية للأطر الفرنسية التي تتحكم، من وراء الستار، في بعض الأطر المغربية التي وضعتها الإدارة العامة في الواجهة لتغليط المستخدمين والرأي العام.
الكل يعرف أن مدير الموارد البشرية مغربي، لكن قلة تعرف أنه ليس سوى صورة باسمة تصلح للنشر في الجرائد وتمثيل دور المحاور أمام النقابيين. ومنذ اليوم الأول لتعيينه، «لصقت» له الإدارة العامة مساعدا فرنسيا اسمه مارك بابيل «Marc PAPIL»، يشتغل في الكواليس وإليه يعود أمر اتخاذ كل القرارات الحاسمة بخصوص الزيادات والمكافآت والعقوبات والترقيات وكل ما له علاقة بإدارة الموارد البشرية للشركة.
وإلى جانب هذا المساعد الفرنسي الذي يتحكم في عصب الشركة، هناك المدير المالي للشركة والذي ليس سوى فرنسي اسمه سيريل «Ciril». أما بالنسبة إلى المسيرين المفوضين الخمسة للمقاطعات التي تسيرها الشركة فصحيح أنهم جميعهم مغاربة، لكن رئيسهم الإداري فرنسي واسمه «Jean Michel GAUCHET». هذا بالإضافة إلى أن المقاطعتين المتبقيتين، واللتين تحتضنان 60 في المائة من نشاط الشركة، تسيرهما أطر فرنسية.
داخل الشركة الأم La Lyonnaise Des Eaux  الفرنسية، لا يكاد الحضور المغربي يتجاوز واحدا على ثلاثة آلاف. والمغربي الوحيد الذي يشتغل داخل مكاتب الشركة الأم يشغل منصب رئيس وكالة، بعدما كان في المغرب يشغل منصب مدير مساعد. وهكذا، فالأطر المغربية عندما تشتغل في مقر الشركة بباريس تنزل في السلم الإداري، أما الأطر الفرنسية عندما تأتي إلى فرع الشركة بالدار البيضاء تترقى في السلالم الإدارية، حتى بدون حاجة إلى شواهد عليا.
منذ انطلاق مشروع السطو على كهرباء ومياه شرب ومجاري مياه سكان الدار البيضاء الكبرى، أيام إدريس البصري، ومجموعة Suez Environnement تخطط لطرد الأطر المغربية التي لا تساير سياسة الشركة المبنية على نهب جيوب المستهلكين كل شهر. وكل من يرفض الخضوع للتعليمات تتم تصفيته مهنيا. ولعل المستخدمين الرسميين هم الأكثر تعرضا للمضايقات والتحرشات الرامية إلى دفعهم نحو الباب الضيق للمغادرة، بحكم أن المستخدمين المتعاقدين مع الشركة يشكلون أقلية ولا يتمتعون بنفس الحقوق الوظيفية التي يعطيها القانون للمستخدمين الرسميين.
إن الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات قد تأخر كثيرا في استدعاء عمدة الدار البيضاء لمساءلته حول تجاوزات هذه الشركة التي فوض إليها مجلس المدينة تدبير أهم قطاعين حيويين في البلاد، وهما الماء والكهرباء. فهذا الاستدعاء كان يجب أن يتم منذ أمد طويل.
وفي الوقت الذي تحصي فيه ملايين العائلات بالدار البيضاء الكبرى خسائرها بسبب الزيادة الصاروخية في فواتير الماء والكهرباء وخدمات النظافة، كان مدراء الشركة الأم في باريس يفركون أيديهم وهم يحصون أرباحهم الخيالية التي حققها فرعهم بالمغرب خلال الستة أشهر الأخيرة، والتي تجاوزت  12 مليار سنتيم ستخرج بالعملة الصعبة من بنك المغرب.
ولعله من الطبيعي أن تربح «ليدك» كل هذه الملايير مادامت بضع قطرات من الأمطار تستطيع أن تسد كل شوارع المدينة. فالشركة منشغلة بعمليات «التطهير» التي تقوم بها ضد الأطر المغربية داخل دواليبها، وليس لديها الوقت للقيام بعمليات «تطهير» القنوات والمجاري.
لذلك تستطيع المسؤولة الإعلامية لشركة «ليدك» أن تشتري المساحات الإشهارية في الجرائد والمجلات لتكذيب ما ننشره حول حملة التطهير المنظمة التي تخوضها الإدارة العامة ضد الأطر المغربية.
فعندما تقرر جريدة أو مجلة الدفاع عن مصالح الشركات التي تمتص دماء المواطنين عوض الدفاع عن مصالح المواطنين، فإنها تكون قد اختارت الاصطفاف إلى جانب من يدفع وليس إلى جانب من يقرأ.
هناك اليوم داخل كل شركات التدبير المفوض الفرنسية، التي تحتكر «بيع» الماء والكهرباء وخدمات النظافة للمغاربة، حرب سرية محمومة ضد الأطر المغربية لدفعها نحو باب المغادرة وتعويضها بأطر فرنسية للتخفيف عن الشركات الأم التي تعيش وضعا ماليا صعبا بسبب الأزمة في فرنسا.  
ولعل أقل ما يجب أن تقوم به الحكومة هو تنبيه هذه الشركات إلى ضرورة تطبيق القانون الذي يحفظ للأطر المغربية مصالحها المهنية، والأهم من ذلك كرامتها الإنسانية.
فقد أصبح المهندسون المغاربة، الذين أفنوا زهرة شبابهم في المعاهد العليا، يتلقون الأوامر والتهديدات والتحرشات من طرف تقنيين فرنسيين نزلوا بالمظلات على هذه الشركات، وأصبحوا يتحكمون في أعصاب ومصائر الآلاف من المستخدمين والأطر المغربية، لا لشيء إلا لأنهم فرنسيون.
أحدهم سأل فرنسيا عن الشهادة التي يتوفر عليها فأجابه هذا الأخير:
- إنها جنسيتي الفرنسية.
فعلا لقد أصبحت الجنسية الفرنسية في المغرب شهادة لا تصمد أمامها أعرق الشواهد التي يحصل عليها أذكى المغاربة.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى