مول الفز يقفز

عوض أن يذهب «الناشطون» الحقوقيون الإسبان إلى تيندوف لمؤازرة مصطفى ولد سلمى الذي اختطفته البوليساريو بسبب تعبيره عن رأيه المساند للحكم الذاتي في الصحراء، قرر هؤلاء «الناشطون» القدوم من الجزائر، حيث شاركوا برفقة سبعين انفصاليا في ندوة دولية بالجزائر، إلى العيون لإعادة السيناريو نفسه الذي مثلوه قبل شهر عندما خرجوا إلى الشوارع حاملين أعلام البوليساريو، فصادف ذلك أن التقوا بمشجعين خرجوا للتو من الملعب استفزهم منظر الإسبان وهم يلوحون برايات البوليساريو فلم يتمالكوا أنفسهم و«بوقلو» عيون بعضهم.
ولسوء حظهم، فقد قال لهم رئيس حكومتهم «تكبرو وتنساوها»، وطالبهم باحترام قوانين البلد المضيف، وإلا سيعرضون أنفسهم للمتابعة القضائية. بمعنى آخر، فالرئيس الإسباني يقول لمواطنيه الذين يأتون إلى المغرب لتحريض الانفصاليين على التظاهر بدون ترخيص «ذنوبكم على روسكم».
ويبدو أن أصدقاءنا «الناشطين» الحقوقيين الإسبان الأحد عشر جاؤوا هذه المرة إلى العيون لكي يتظاهروا ويحملوا أعلام البوليساريو في الشوارع لهدف واضح جدا، وهو التعرض للضرب والاعتقال ثم المحاكمة.
هكذا، تجد الآلة الإعلامية الإسبانية والجزائرية، التي ضربتها هذه الأيام «اللقوة» في قضية مصطفى ولد سلمى، صورا وأخبارا وقضايا تلوكها ضد المغرب الذي تمارس أجهزته العنف ضد من يخرجون إلى الشارع للتعبير عن رأيهم وضد الناشطين الحقوقيين الأجانب المسالمين، وبقية الأسطوانة المشروخة.
وهكذا تختفي قضية اختطاف واحتجاز وتعذيب مصطفى ولد سلمى بسبب تعبيره عن رأيه وتتوارى إلى النسيان، لكي تحل محلها في الإعلام الإسباني والجزائري والدولي قضية ضرب واعتقال ومحاكمة «الناشطين» الحقوقيين الإسبان بسبب دعمهم للانفصاليين في معركة التعبير عن رأيهم في العيون.
لذلك، فإيفاد هذه الكتيبة الإسبانية إلى العيون في هذه الظروف بالذات، حيث وزير الخارجية أنخيل موراتينوس نفسه يوجد في وضع لا يحسد عليه إلى الحد الذي رفض معه إعطاء أي تصريح صحافي في قضية اختطاف مصطفى ولد سلمى، يهدف إلى إذابة جليد الحرج السميك الذي كبر داخل إسبانيا بسبب الصمت الرسمي والإعلامي والحقوقي حول اختطاف مواطن صحراوي واحتجازه وتعذيبه لمجرد تعبيره عن رأيه.
تريد الآلة الإعلامية والحقوقية الإسبانية أن تحول الأنظار المستنكرة، المركزة عليها بسبب صمتها المتواطئ مع البوليساريو وجنرالات الجزائر ضد الحق في إبداء الرأي، نحو المغرب. ولإنجاح هذه الخطة، ليس هناك أحسن من اللعب على ورقة حقوق الإنسان في الصحراء وإرسال الكتيبة إياها لإشعال فتيل الفتنة حتى يصبح الضحايا الرئيسيون في نشرات الأخبار ووسائل الإعلام هم «الناشطون» الإسبان وليس مصطفى ولد سلمى.
إن المعركة في ملف الصحراء كانت دائما إعلامية بالأساس. ومن يستطيع استغلال وسائل الإعلام بذكاء للدفاع عن موقفه سينجح، بغض النظر عن سلامة موقفه. فكم من قضية عادلة تولى الدفاع عنها محام فاشل فخسرها وأعطى الفرصة لمغتصبي الحقوق لكي يقدموا أنفسهم كحماة لها.
وعندما نسمع عبد العزيز بلخادم، الأمين العام لجبهة التحرير الجزائرية و«الممثل» الشخصي للرئيس بوتفليقة، يقول إن الجزائر ليست لها أطماع في الصحراء، وإن كل ما تطالب به الجزائر هو تنظيم الاستفتاء في الصحراء حتى يقرر «الشعب الصحراوي» في مصيره، نفهم أن الرجل لا يفعل غير تصريف الحرج الكبير الذي شعر به جنرالات الجزائر بعد تورطهم في اختطاف مصطفى ولد سلمى. «مول الفز يقفز». لقد فهم بلخادم وبوتفليقة وجنرالاتهما أن بيانات المنظمات الدولية موجهة إليهم.
اليوم، عندما أصبحت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية، تطالب بإطلاق سراح المختطف، وأصدرت المنظمات الحقوقية الدولية بيانات تندد بالاختطاف، أصبح جنرالات الجزائر يحاولون الاختباء في بزاتهم العسكرية شاهرين الراية البيضاء لإيهام الرأي العام الدولي بأن كل ما يطالبون به هو تنظيم استفتاء في الصحراء لكي يقرر «الشعب الصحراوي» في مصيره.
وبما أن جنرالات الجزائر لديهم كل هذه الغيرة على حرية الشعوب ومصائرها، فلماذا يا ترى كلما طالب أبناء منطقة «القبايل» بتقرير مصيرهم أرسل إليه بوتفليقة شاحنات العسكر المدجج بكل أنواع الأسلحة لتفتيت عظامهم في الشوارع؟
كيف يريد السي بلخادم أن يقنع العالم بأن رئيسه وجنرالاته لا أطماع لهم في المغرب، وهم الذين طرحوا مشروع تقسيم الصحراء بين المغرب والجزائر لفض النزاع.
اليوم فقط، يكتشف بلخادم أن الجزائر لا أطماع لها في المغرب. لقد كان على بلخادم أن يكون واضحا مع نفسه ويقول إن الجزائر هي الطرف الآخر الذي يجلس تحت طاولة المفاوضات بين المغرب والبوليساريو، وإنه قد حان الوقت لكي تخرج الجزائر من تحت الطاولة وتجلس حولها لكي تفاوض بوجه مكشوف.
وإذا كان بوتفليقة لا أطماع له في الصحراء، فلماذا يبدد كل هذه الأموال في تسليح وتكوين وتأطير البوليساريو منذ عشرات السنين؟ لماذا ينشغل بتقرير مصير منطقة بعيدة عنه علما بأن منطقة القبايل التي توجد تحت نفوذه أجدر بدراسة مطلب تقرير مصيرها؟
إن الشعب الذي يجب أن تـُعطاه حرية اختيار تقرير مصيره ليس هو «الشعب الصحراوي» أو الشعب القبايلي»، وإنما هو الشعب الجزائري الشقيق.
إن هذا الشعب الأبي، الذي قدم مليون شهيد في جهاده ضد الاستعمار، يستحق قيادة أشرف وأنظف وأنزه من هذه التي تمسك بخناقه وتدوس كرامته ونخوته.
المغاربة أيضا، يا سيد بلخادم، لديهم مطلب لديكم مثلما هو مطلبكم الذي ترغبون من ورائه في تنظيم استفتاء لـ«الشعب الصحراوي»، وهو أننا كمغاربة نريد منكم أن تستفتوا الشعب الجزائري الشقيق في تقرير مصيره، لكي تعرفوا هل يريد أن يظل تحت الأحذية العسكرية الثقيلة للجنرالات، أم تراه يريد أن ينتخب رئيسا حقيقيا عليه، رأسه خال من العقد، يمد يده إلى المغرب وبقية الجيران لتحقيق حلم أبناء المنطقة في العيش والتنقل بحرية داخل بلدان المغرب العربي الشقيق.
إن حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره والتحكم في ثرواته الغازية، التي يصرفها الجنرالات على صفقات التسلح ويجنون من ورائها العمولات التي تسمن في حساباتهم البنكية بسويسرا، حق مشروع يجب أن يسانده كل أحرار العالم.
فليس مقبولا أن تكون الجزائر أول مصدر للغاز في العالم، ومع ذلك يستمر شبابها في ركوب قوارب الموت لتسول الخبز في مطابخ الجيران.
ليس مقبولا أن تصل عائدات مبيعات النفط والغاز الجزائري إلى 44 مليار دولار السنة الماضية، ومع ذلك تعيش ملايين العائلات الجزائرية تحت خط الفقر، إلى الحد الذي أصبحت معه الجزائر في مصاف الدول التي تتفشى فيها ظاهرة الانتحار بسبب الضغط والمشاكل الاجتماعية.
إن الحل بالنسبة إلى إخواننا في الجزائر ليس هو أن يرحلوا ويهاجروا ويفروا عبر القوارب تاركين ثروات بلادهم للجنرالات وأبنائهم، وإنما الحل هو أن تذهب العصابة التي تسرق أرزاقهم وترهن مستقبلهم ومستقبل أبناء المنطقة المغاربية برمتها.
أول دولة في العالم مصدرة للغاز تجاور أول دولة في العالم مصدرة للفوسفاط. مادتان لا يستطيع العالم أن يعيش بدونهما دقيقة واحدة. تخيلوا لو فتحت الحدود بين الدولتين وتوطدت المبادلات التجارية بين شركات البلدين، وأصبح المغرب والجزائر امتدادين اقتصاديين وجغرافيين واجتماعيين لبعضهما البعض، كيف سيكون المستقبل..
إن مستقبلا كهذا لا يصنعه المعقدون والمرضى بعقد التاريخ الذي لسنا، كجيل، مسؤولين عن هفواته وكوارثه.
نحن أبناء اليوم، في المغرب كما في الجزائر، حلمنا هو أن نضع أيدينا في أيدي بعضنا البعض حتى نجعل مواردنا الطاقية وإمكانياتنا الطبيعية والبشرية في خدمة مستقبل بلدينا.
إن من يفكر في مصلحة الأجيال القادمة، عليه أن يفهم أن مستقبل المغرب والجزائر يمر حتما عبر طمر خلافاتهما التاريخية وعقدهما المشتركة في حفرة عميقة ونسيانها إلى الأبد.
وللأسف الشديد، فهذا المشروع يظل حلما بعيد المنال مع استمرار وجود أناس في قصر المرادية يحترفون الكوابيس.
ولعل ما يبعث على الأمل هو أن هناك اليوم في الجزائر بوادر إيجابية تبشر بوجود رؤية أخرى لدى الطبقة السياسية والاقتصادية للعلاقات المستقبلية مع المغرب خارج الصورة السلبية التي ترسمها صحافة العسكر.
لعشرات السنين وحكام الجزائر يضربون سورا فولاذيا على الشعب الجزائري لكي لا يأتي أبناؤه إلى المغرب، وظلوا يرسمون للشعب الجزائري صورة مخيفة عن المغرب لترسيخ كراهيته في قلوبهم.
لكن هذا المخطط باء بالفشل، لأن ما يجمع الشعب الجزائري بالشعب المغربي أكثر من مجرد الجوار والجغرافيا والتاريخ.. ما يجمع بيننا هو الأخوة في الدين. وهذا ما لن يستطيع جنرالات العالم بأسره تفتيته، حتى ولو زرعوا جميع أشواك الدنيا في خاصرة المغرب، وليس فقط شوكة البوليساريو التي تحولت، بسبب قضية ولد سلمى إلى شوكة في خاصرة بوتفليقة.
ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
... تابع القراءة

كلنا مصطفى ولد سلمى

من المفارقات العجيبة أن النقاش الدائر حاليا بين نواب البرلمان الإسباني ومدراء الجرائد الإسبانية ليس حول اختطاف مصطفى ولد سلمى من طرف البوليساريو بتهمة التعبير عن الرأي، وإنما النقاش الذي يسيل مدادا كثيرا، ولعابا كثيرا أيضا، هو حول مشروع قانون منع الجرائد الإسبانية من الاستمرار في الاستفادة من عائدات القوادة.
فلأول مرة يعرف الرأي العام الإسباني، ومعه الدولي، أن الصحافة الإسبانية المكتوبة تعيش أساسا على عائدات الإعلانات الإشهارية التي تنشرها العاهرات والمتحولون جنسيا والشواذ على صفحاتها بحثا عن زبائن.
وسواء تعلق الأمر بجريدة رصينة كـ«إلباييس»، تعيش على إرث الرصيد الاشتراكي، أو كـ«إلموندو»، التي انحسرت مبيعاتها بسبب نكبة اليمين، أو كـ«الأ بي سي»، المخترقة منذ القدم من طرف الجيش، فإن الأغلبية الساحقة من الصحف والمجلات الإسبانية تقتات من عرق العاهرات والشواذ الذين يحصلون على زبائن بفضل الخدمات الإعلانية التي تقدمها إليهم على صفحاتها.
واليوم هناك ما يشبه صحوة ضمير في البرلمان الإسباني، فقد وجد نواب الشعب أن انتقاد الصحف الإسبانية لتجارة الجنس والشبكات الإجرامية المتحكمة في عائداتها يتناقض كليا مع بيع مساحات إشهارية في هذه الجرائد لنشر أرقام هواتف وعناوين وأسعار خدمات هؤلاء العاهرات والشواذ، خصوصا وأن الجرائد التي تنشر هذه الإعلانات ليست لديها الإمكانية للتحقق من كون العناوين والهواتف التي تنشرها لا تتحكم فيها شبكات منظمة تستعبد هؤلاء النساء للمتاجرة في لحومهن.
وبالإضافة إلى هذا الرأي المطالب بمنع الجرائد الإسبانية من ممارسة القوادة مدفوعة الأجر، فهناك رأي آخر يقول إن نشر هذه الإعلانات يدخل في باب حرية التعبير. فالدعارة ليست ممنوعة في المجتمع الإسباني، وبالتالي فالدعاية لها غير ممنوعة أيضا.
هناك، إذن، تفهم لحرية التعبير عند جيراننا الصحافيين الإسبان عندما يتعلق الأمر بنشر إعلانات الدعارة، إلى درجة طرح المسألة في البرلمان. وفي مقابل هذا، نرى كيف أن هؤلاء «الزملاء» أنفسهم يجدون صعوبة كبيرة في تفهم حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بإفصاح مصطفى ولد سلمى عن رأيه بخصوص الحكم الذاتي في الصحراء.
عندما قامت أميناتو حيدار بإضرابها عن الطعام في مطار «لانزاروتي»، أقام البرلمان الإسباني الدنيا ولم يقعدها وذهب إلى حد مطالبة الاتحاد الأوربي بمراجعة الوضع المتقدم الذي منحه للمغرب بدعوى إخلال الرباط بحقوق الإنسان في قضية أميناتو.
مع أن الجميع يعرف أن مشكلة أميناتو لم تكن حقوقية وإنما كانت قانونية صرفة. فليس هناك بلد في العالم يسمح لمواطنيه بأن يدخلوه أو يغادروه دون إتمام الإجراءات الإدارية القانونية للمغادرة أو الدخول عبر حدوده. السيدة أميناتو تحدت هذه الإجراءات الإدارية ورفضت الخضوع لمساطرها كما يصنع كل المغاربة، ورفضت الاعتراف بالمغرب رغم أنها تسافر عبر العالم بجواز سفره.
ولذلك فالذين حاولوا ترسيخ قضية أميناتو كقضية حقوقية تتعلق بالحق في التعبير عن الرأي، غالطوا الرأي الدولي بمكر. فأميناتو وبقية زملائها يعبرون عن رأيهم الانفصالي في قضية الصحراء منذ سنوات داخل المغرب وخارجه. ولم يتم اعتقالها بسبب التعبير عن رأيها وإنما بسبب رفضها الامتثال لمسطرة إدارية عادية ينص عليها القانون.
كما أن التامك وزملاءه لم يتم اعتقالهم ومحاكمتهم بسبب التعبير عن آرائهم وإنما بسبب اصطفافهم داخل خندق الخصوم وإساءتهم إلى المغرب الذي يحملون جنسيته وجواز سفره. وعندما يقارن البعض بين اعتقال التامك ومحاكمته وبين اختطاف مصطفى ولد سلمى واحتجازه في حاوية للمساعدات الغذائية، فإنه يرتكب مغالطة كبرى الهدف منها وضع المغرب في موقف الدفاع عن النفس والتبرير.
وهي وظيفة لا يحتاج المغرب إلى شغل نفسه بها، لأن اعتقال التامك وزملائه قضية يؤطرها القانون الجنائي في دولة مؤسسات ذات سيادة، فيما اختطاف ولد سلمى من طرف البوليساريو يقع ضمن دائرة نشاط العصابات المتخصصة في خطف الرهائن للمطالبة بالفدية أو المقابل السياسي.
ولذلك فاستعمال وكالتي الأنباء الفرنسية والإسبانية لمصطلحات مثل «اعتقال» و«محاكمة» ولد سلمى بتهمة «الخيانة والتجسس والتخابر مع العدو»، يكشف عن خطة مدروسة لتقديم البوليساريو أمام المنتظم الدولي كدولة لديها أجهزة للقضاء والسجن والشرطة والإعلام وباقي مؤسسات الدولة الديمقراطية الحديثة. والحال أن الأمر يتعلق بميليشيا تحكم مخيما بقبضة حديدية بدأ الصدأ يتسرب إلى أطرافها.
ولعل خوف جنرالات الجزائر وأذرعهم العسكرية في جبهة البوليساريو من تآكل هذه القبضة بسبب الموقف الشجاع الذي عبر عنه مصطفى ولد سلمى، هو ما دفعهم إلى المسارعة إلى كتم صوته وتقديمه عبر وكالات الأنباء الموالية للجزائر، خصوصا مكتب وكالة الأنباء الفرنسية في العاصمة الجزائر، على شكل خائن وجاسوس ومتآمر يستحق المثول أمام القضاء.
مصيبة جنرالات الجزائر، ومعهم عساكر جبهة البوليساريو، أنهم لن يستطيعوا إقناع العالم بكونهم دولة مؤسسات، فالجميع يعرف الآن أن تندوف مجرد سجن كبير مفتوح على السماء يقايض به قادة البوليساريو الإعانات وتستعمله الجزائر لاستنزاف جهد المغرب الدبلوماسي والاقتصادي.
وقد أرسل الله إلى قادة البوليساريو واحدا منهم لكي يفضح إحدى الأكاذيب الكبرى التي بنوا عليها معركتهم ضد المغرب، وهي معركة حرية التعبير. لقد فعلوا المستحيل، عبر الكونغرس الأمريكي ولجان حقوق الإنسان في الاتحاد الأوربي، لكي يدفعوا مجلس الأمن إلى تبني ملف حقوق الإنسان في الصحراء، وجعل هذا الملف تحت سلطة «المينورسو».
ولم تمض سوى أشهر قليلة على مطالبهم هذه حتى فضحهم الله أمام العالم. فهؤلاء الذين يطالبون الأمم المتحدة بفرض وصاية على المغرب في مجال حقوق الإنسان في الصحراء، لا يستطيعون أن يتقبلوا سماع مجرد رأي مخالف لما يؤمنون به. فمصطفى ولد سلمى لم يتنكر لمبادئه وأفكاره التي نشأ عليها داخل مخيمات البوليساريو، وإنما تجرأ على التعبير عن رأي مخالف لمبدأ تقرير المصير. وطبعا، فمبدأ تقرير المصير ليس قرآنا منزلا لكي لا يتم تغيير الناس لموقفهم منه.
وإذا كان الله تعالى، الذي خلق الكون، يمنع الإكراه في الدين والإيمان بالكتاب السماوي المنزل من عنده والذي قال فيه تعالى «لا إكراه في الدين» وقال فيه «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، وقال فيه «إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء»، فكيف، إذن، بعد هذا كله يسمح بشر لنفسه بأن يفرض على بشر مثله الإيمان عنوة بفكرة من خلق العقل البشري؟
إذا كان الله، الذي خلق كل شيء، يعطي الإنسان حرية الإيمان به من عدمه، وإذا كان الكتاب والسنة يخلوان مما يفيد بتعنيف أو قتل المرتدين والكفرة طالما أنهم لم يعتدوا على الغير، فكيف يسمح البشر الفاني لنفسه بإجبار غيره على الإيمان بأفكاره تحت طائلة الخطف والاحتجاز والتعذيب والقتل.
لهذا كله، فاختطاف مصطفى ولد سلمى من طرف البوليساريو، وتحت المسؤولية المباشرة لجنرالات الجزائر، يطرح سؤالا محرجا على الضمير الحقوقي الأممي، مثلما يطرح سؤالا أخلاقيا على أحرار الجزائر الذين نعرف أنهم يدينون، في قرارة أنفسهم، هذا الاختطاف الجبان لمواطن أعزل لم يقترف من جريمة سوى التعبير عن رأيه.
إن أحرار الجزائر، بلد المليون شهيد، لن يرضوا لبلدهم بأن يظل رهينة إعلام مأجور يريد أن يسوق اختطاف واحتجاز مواطن أعزل على شكل «اعتقال» لأحد أعداء مصلحة «الشعب الصحراوي».
قضية مصطفى ولد سلمى ليست قضية قانونية، وإنما قضية حقوقية تدخل في إطار الدفاع عن حرية التعبير.
وكل من يدافع عن الحق في حرية التعبير في العالم يجب أن يطالب الجزائر والبوليساريو بالإطلاق الفوري وبدون شروط لمصطفى ولد سلمى، وتمكينه من حقه الطبيعي والقانوني في التعبير السلمي عن رأيه.
إذا كان المغرب يقبل بأن تنشر الصحافة الوطنية حوارات ومقالات رأي تساند الانفصال وتدافع عنه، وإذا كان المغرب يقبل بأن يسافر هؤلاء الانفصاليون بجوازات سفر مغربية لحضور المؤتمرات العالمية للدفاع عن أطروحتهم ثم العودة إلى أرضه لكي يعلقوا على جدران بيوتهم ميدالياتهم وجوائزهم الفخرية التي تعطيهم إياها المنظمات الحقوقية جزاء لهم على جرأتهم في التعبير عن رأيهم، وإذا كان المغرب يسمح بكل هذا انسجاما مع مبادئ حرية التعبير التي يدافع عنها المنتظم الحقوقي الدولي، فكيف لا ينتفض هذا المنتظم الحقوقي الدولي وهو يرى كيف تدوس البوليساريو ومعها أحذية جنرالات الجزائر على حق مواطن أعزل اسمه مصطفى ولد سلمى في التعبير عن رأيه.
إن المغرب، الذي تجرجره المنظمات الحقوقية العالمية في الوحل كل سنة، أعطى المثال الحي على التصالح مع أشرس المعارضين الذين كانوا يخالفونه الرأي، فقد احتضن الصحراويين الذين حملوا السلاح في وجهه وجعلهم سفراء وولاة ووزراء وموظفين كبارا، وجلس إلى طاولة الحوار مع اليساريين والانقلابيين والثوار الذين كانوا يخططون لقلب الأوضاع، فأصبح لرأيهم مكان ولأحزابهم مقاعد في البرلمان ولجرائدهم مكان في الأكشاك. وبمعنى آخر، فالمغرب الذي يقدمونه في تقاريرهم أمام العالم كبلد تختنق فيه الحريات، مغربٌ لا يوجد سوى في خيالهم، لأن المغرب الذي نعيش فيه اليوم يسمح للجميع بالتعبير عن رأيه، عكس ما يحدث في دول قريبة منا يعتبر فيها الحق في التعبير امتيازا ينعم به المسبحون بحمد الجنرالات.
ومن يفتح الصحف والمجلات التي تصدر في المغرب يندهش وهو يقرأ، حول الدين والملكية والوطن، مقالات وآراء يكفي ربعها في دول «شقيقة» لاعتقال أصحابها وضرب أعناقهم.
لهذا كله، فمعركة ولد سلمى ليست معركة الحقوقيين المغاربة وحدهم، بل معركة كل أحرار العالم الذين يجب أن يرفعوا شعارا كبيرا يقول «كلنا مصطفى ولد سلمى».
... تابع القراءة

هزك الما ضربك الضو

توصل سكان الدار البيضاء والمحمدية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بفواتير مملحة من شركة «ليدك» التي تبيعهم الماء والكهرباء الذي تشتريه من المكتب الوطني للماء والكهرباء بأسعار تفضيلية.
وفي الوقت الذي كانت فيه ملايين العائلات تحصي خسائرها بسبب هذه الزيادة الصاروخية في الفواتير، كان مدراء الشركة الأم في باريس يفركون أيديهم وهم يحصون أرباحهم الخيالية التي حققها فرعهم بالمغرب خلال الستة أشهر الأخيرة. فقد وصلت أرباح شركة «ليدك»، التي ستخرج بالعملة الصعبة من بنك المغرب، إلى أكثر من 12 مليار سنتيم.
طبعا، ستقول لنا الجرائد الاقتصادية التي تلعق أحذية الشركات العالمية إن هذه الأرباح، التي ستخرج من المغرب بالعملة الصعبة، ستعوضها أرباح صفقة بيع عثمان بنجلون وصندوق الإيداع والتدبير لحصتيهما من «ميديتيل» لشركة «فرانس تيليكوم»، والتي ستدر على الخزينة 800 مليار سنتيم.
هكذا يكون الملياردير عثمان بنجلون، الذي يحتج الأساتذة العاملون ضمن سلسلة المدارس التابعة لمؤسسة زوجته بسبب تجميد تعويضاتهم، قد ربح في أقل من سنة مائة مليار سنتيم لوحده.
وعندما يزفون إلينا خبر دخول 800 مليار سنتيم من العملة الصعبة إلى خزينة المملكة، فإنهم ينسون أن يخبرونا كم ستخرج شركة «فرانس تيليكوم» من المغرب كأرباح بالعملة الصعبة في السنة المقبلة. وإذا كانت زميلتها «فيفاندي» قد نجحت في إخراج 900 مليار سنتيم كأرباح هذه السنة، فيمكننا تخيل الرقم الذي ستنجح «فرانس تيليكوم» في إخراجه «منا» بدورها.
فقطاعا الاتصالات والكهرباء في المغرب هما الأكثر غلاء في العالم بأسره، ولذلك تتهافت الشركات الفرنسية على شراء أسهم فيهما. فهي تعرف أنها ستسترجع رأسمالها في الأشهر الستة الأولى وستبعث الأرباح إلى الشركة الأم في الستة أشهر الثانية.
رجالاتنا في الاقتصاد ينطبق عليهم المثل المغربي الذي يقول «شاف الربيع ما شاف الحافة»، فهم يرون الشيك السمين الذي سيحصلون عليه الآن بالعملة الصعبة لإنقاذ بنك المغرب من السكتة القلبية التي تتهدده بسبب نضوب احتياطيه من هذه العملة، وفي الوقت نفسه يتعامون عن رؤية الشيكات السمينة التي ستغادر بنك المغرب بعد سنة من الآن عندما سيجلس محاسبو الشركة لإحصاء الأرباح الخرافية التي سيحققونها بفضل الخدمات الباهظة التي تبيعها شركات الاتصالات للمغاربة.
وإلى حدود اليوم، نجحنا في تسليم رقبة المغرب إلى الأجانب في مجالين حيويين هما الاتصالات والطاقة. وعوض أن يحتفظ المغرب لنفسه بإدارة هذين القطاعين الحيويين، باعهما وصرف أموالهما على ميزانيات الإنفاق العمومي.
وكل مرة يشعر فيها الاقتصاد المغربي بالأزمة، يبيع قطاعا حيويا من قطاعاته. وهكذا، باع وزير الخوصصة السعيدي شركة «لاسامير» للسعوديين، مع أنها شركة تتحكم في قطاع حيوي بوسع فقدان التحكم في أسعاره أن يشل حركة الاقتصاد المغربي. وكان جزاء السعيدي على إنجاح هذه الصفقة هو تعيينه على رأس إدارة الشركة البترولية بعد مغادرته للحكومة، فأصبحت الشركة السعودية تجني الأرباح في تكرير البترول بينما سكان المحمدية يجنون الأمراض والعاهات بسبب التلوث القاتل التي تنفثه مداخن الشركة، وأطنان الرماد الذي تلقيه في البحر.
وبعده، باع بنهيمة محطة الجرف الأصفر للأمريكيين «بطاطا برطل»، ثم باعها الأمريكيون بأضعاف ثمنها للإماراتيين الذين يبيعون المغرب اليوم الكهرباء بـ«دقة للنيف». والأدهى من ذلك أن شركة «طاقة» الإماراتية لم تكتف فقط بمحطة الجرف الأصفر، وإنما طمعت في المحطتين الخامسة والسادسة لكي تتحكم في أربعين في المائة من سوق الكهرباء الذي يستهلكه المغرب. وعندما رفض يونس معمر أن يبيع المحطتين لشركة أبو ظبي الوطنية للطاقة بدون اللجوء إلى مزاد علني دولي، واعترض على السماح لها بإخراج سبعة ملايير درهم كأرباح في صيف 2008، دفع ثمن «قصوحية الراس» ووجد نفسه مجبرا على ترك مكانه لعلي الفاسي الفهري الذي فوت المحطتين إلى الشركة الإماراتية.
وبينما ينشغل الجميع في المغرب بفضيحة المدرب البلجيكي «غيريتس» الذي تعاقد معه علي الفاسي الفهري وأخبار امتناع هذا الأخير عن الإفصاح عن ثمن هذه الصفقة لدافعي الضرائب الذين سيخرج راتبه السمين من جيوبهم، يكاد يجهل الجميع تقريبا تفاصيل الفضيحة الكبرى التي فجرها الرئيس التنفيذي السابق لشركة «طاقة» الإماراتية الأمريكي «باركر هوميك»، والتي امتدت شظاياها لتصيب علي الفاسي الفهري و«شلته» من المسيرين للمكتب الوطني للكهرباء.
فقبل أسابيع قليلة، وضع «باركر هوميك» شكاية لدى إحدى محاكم ولاية «ميشيغان» ضد شركة «طاقة» بتهمة ثقيلة أخطرها اتهامه الشركة الإماراتية بإجباره على التوقيع على مصاريف وتعويضات غير قانونية ورشاوى من أجل الحصول على صفقات بأمر من مسؤولين إماراتيين أعضاء في مجلس إدارة الشركة.
وبما أن المدير السابق للمكتب الوطني للكهرباء رفض تفويت مشروع شركة «طاقة» التي كانت قد وضعت نصب أعينها الفوز بصفقة توسيع محطة الجرف الأصفر واقتناء المحطتين الخامسة والسادسة، فقد انتظر مسؤولوها إلى حين مجيء علي الفاسي الفهري لإنجاح الصفقة.
وهي الصفقة التي يتهم المدير التنفيذي السابق لشركة «طاقة» مسؤولين مغاربة بمقايضة الإماراتيين ضوءَهم الأخضر لاقتناء المحطتين بمنح مالية سخية قدرها «باركر هوميك» بمبلغ خمسة ملايين دولار، فقط لا غير.
ورغم التغطية الإعلامية الكبيرة التي حظيت بها شكاية المدير التنفيذي السابق لشركة «طاقة» الإماراتية التي أصبحت متحكمة في 40 في المائة من إنتاج المغرب الكهربائي، ورغم توجيه صاحب الشكاية أصابع الاتهام نحو مسؤولين مغاربة في المكتب الوطني للكهرباء، فإن السيد علي الفاسي الفهري يفضل أن يلهي المغاربة بحكاياته السخيفة مع المدرب البلجيكي وراتبه السري العجيب، ضاربا «الطم» عن هذه الفضيحة التي تزلزل الدول التي تتعامل مع شركة «طاقة» المملوكة لإمارة أبو ظبي.
فلا عبد السلام جودلال الذي يرجع إليه الفضل، بعد عودته من التقاعد، في «السهر» على توقيع صفقة تفويت المحطتين الخامسة والسادسة بالجرف الأصفر إلى الإماراتيين، ولا مجيد العراقي ممثل شركة «طاقة» بالمغرب، ولا علي الفاسي الفهري المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء، فتحوا أفواههم بتعليق واحد على هذه الاتهامات الثقيلة التي وجهها إليهم من ولاية «ميشيغان» المدير التنفيذي السابق للشركة الإماراتية.
وهكذا، بعد أن كان اسم المكتب الوطني للكهرباء يذكر في المحافل الدولية كمنافس شرس لشركات الكهرباء العالمية، أصبح اليوم، في عهد علي الفاسي الفهري، يذكر في فضائح الارتشاء داخل المحاكم الأمريكية.
ومنذ وصول علي الفاسي الفهري إلى رئاسة المكتب الوطني للكهرباء، تم تجميد كل الاستثمارات التي كان المكتب يقوم بها في إفريقيا، متجاهلا أن المغرب يتوفر على مؤهلات وخبرات في مجال الطاقة الكهربائية، استطاع بها أن يقنع دولا إفريقية بتغيير موقفها في قضية الصحراء لصالحه -كما حدث،  مثلا،  في أنغلولا وسيراليون وغانا- بل إن المكتب الوطني للكهرباء على عهد مديره السابق استطاع أن ينتزع صفقة في السنغال من فم  شركة EDF الفرنسية ذات التاريخ العريق في هذا المجال.
واليوم، مع مجيء علي الفاسي الفهري إلى المكتب الوطني للكهرباء، انسحب المغرب من هذه الدول وأفسح المجال أمام الفرنسيين الذين استراحوا من شبح المنافسة الذي بدأ المغرب يلوح به في العمق الإفريقي.
وأصبح كل اهتمام علي الفاسي الفهري منصبا على إعطاء التصريحات الجوفاء حول مهارات المدرب البلجيكي الذي سينقذ الكرة المغربية، بينما «شلته» تهندس في الخفاء لأكبر وأخطر مشروع لدمج المكتب الوطني للكهرباء والمكتب الوطني للماء في بعضهما البعض، بعيدا عن أنظار البرلمان الذي سيكتفي سكانه بالتصويت عليه بالموافقة. هذا إذا حضروا طبعا.
واضح أن ما يهم علي الفاسي الفهري و«شلته» التي تهندس من الرباط لهذا الاندماج الغريب بين الماء والكهرباء، والذي لا يوجد له مثيل في أية دولة أخرى غير باكستان، هو الصفقات الكبيرة وباهظة الثمن التي يبرمها المكتب يوميا.
وسترون كيف أن الصفقات الكبرى للمكتب الوطني للكهرباء ستذهب مباشرة إلى الشركات الفرنسية، مثلما يصنع أخوه عثمان الفاسي الفهري مع صفقات الشركة الوطنية للطرق السيارة.
وهكذا، سيستمر نزيف العملة الصعبة باستمرار إخراج الشركات الفرنسية لأرباحها السنوية من المغرب. وطبعا، للتخفيف من حدة النزيف سيبيعون ما تبقى لهم من أسهم في شركات الاتصالات، وستقول الصحافة اللاعقة لأحذية الشركات الرأسمالية الفرنسية إن «الصفقة» في صالح المغرب وإنها ستنعش خزينة الدولة.
إلى أن يأتي علينا يوم نكتشف فيه أننا بعنا كل شيء للأجانب وبقينا على «الحديدة».
وهذا هو أسوأ أنواع الاستعمار. 
... تابع القراءة

عين الحسود فيها عمود

من فوق سرير مرضه بمستشفى الشيخ زايد، كتب مصطفى العلوي، شفاه الله، متسائلا كيف يستطيع «نيني يا مومو»، كما سماني متهكما، أن يكتب يوميا بحرا من المداد دون أن يتعب.
وتساءل مندهشا من «الطاقة الخارقة على كتابة عمود يومي منذ كذا سنة، مما لا يمكن لبشر ولا لصحافي في تاريخ الصحافة العالمية أن كان له نظير». وأضاف عميد صحافة الإثارة في المغرب أن هذه القدرة العجيبة على الكتابة اليومية وبانتظام تدفع إلى تخمين أن هناك جنا وعفاريت يكتبون لي في الليل ما أنشره في «مساء» الغد.
ولا يسعني في هذا المجال سوى أن أشكر العلوي على اهتمامه بما أكتبه يوميا، فهذا يدل على أنه، في هذا العمر المتأخر، لازال يقرأ شيئا آخر غير «الحسيفة»، وهذا في حد ذاته خبر سار.
كما أنني أشكره على إتاحته لي هذه الفرصة لكي أوضح لكل من يتساءل عن السر الغريب وراء انتظامي في الكتابة اليومية منذ سنوات، في الصحة كما في المرض، في العطلة كما في أيام العمل، في «الصباح» كما في «المساء».
فزملاء كثيرون، مثل العلوي، يعتقدون أنني أملك كتيبة من العفاريت والجن تحت إمرتي، يخطون لي كل ما أريده ويأتونني بالأخبار التي يشقى الآخرون في البحث عن فتاتها. فالمساكين لا يملكون من تفسير لهذه الملكة العجيبة سوى ردها إلى عالم السحر والشياطين، ويعلم الله كم هم كثر في هذه المهنة التي أصبح ضرب «الخط الزناتي» أحد أهم أجناسها الصحافية
الأساسية.
يعتقد العلوي ومن يشاطره هذيانه أنني بدأت أكتب في السنوات الأخيرة. والحال أنني لا أكاد أذكر، منذ تعلمت الحروف الأبجدية، أنه مر علي يوم دون أن أكتب فيه شيئا.
وحتى عندما اضطرتني ظروف الحياة الصعبة إلى أن أشتغل بعضلاتي في حقول وأوراش البناء في إسبانيا، فإنني كنت بمجرد ما أنتهي من العمل أغتسل وأحمل أوراقي وأقلامي وأقصد أقرب مقهى للكتابة.
لذلك، فالكتابة بالنسبة إلي ليست مشقة يومية بل متعة وضرورة حيوية، مثل الهواء والطعام والماء.
وطبعا، بالإضافة إلى الجهد الفكري هناك الملكة والموهبة الربانية التي يعترف لي بها خصومي قبل أصدقائي. وإلى جانب هذا كله، هناك تجند مئات الآلاف من القراء والمصادر لتزويدي يوميا بالأخبار والتحاليل والآراء التي تفتح أمامي مجالات فسيحة للتأمل والتقصي. ولولا جنود الخفاء هؤلاء لما استطعت، في كثير من الأحيان، المحافظة على إيقاع الكتابة اليومي بكل هذا الزخم في الأفكار والأخبار والرؤى.
لذلك، فأنا لا أترك فرصة تمر دون أن أشكر لهؤلاء الجنود حرصهم على بقاء هذا العمود شامخا ومزعجا وعصيا على التسلق والتقليد.
وإذا كانت هناك من فضيلة لهلوسة العلوي الأخيرة، شفاه الله، فهي أنها منحتني الفرصة لكي أعيد شريط الذاكرة إلى الخلف وأتذكر تاريخ إصابتي بلوثة الكتابة. ووجدتني أتخيل نفسي فجأة متكئا فوق «خنشة» من ذلك «الخيش» المليء بالتبن الذي يحمل علامة «كوزيمار»، غارقا في قراءة الرسائل التي كانت تصلني على عنوان دكان جدي رحمه الله.
ففي تلك الطفولة البعيدة، اكتشفت أن علاقتي الوحيدة بالعالم الخارجي لن تكون سوى عبر الرسائل. وكانت العناوين، طبعا، متوفرة في أغلب المجلات والجرائد والبرامج الإذاعية. الجميع كان يبحث عن ربط علاقات صداقة وتعارف بالمراسلة، وليس مثل اليوم حيث عوض البريد الإلكتروني هذه الأخيرة برسائله السخيفة التي تدعوك إلى قراءتها وعدم تفويت أجر إرسالها إلى مائة من معارفك وإلا سيعذبك الله عذابا شديدا، وحيث رسائل الهاتف القصيرة المليئة بالأخطاء حرمتنا من متعة الجلوس إلى الطاولة أمام ورقة بيضاء أو بطاقة سياحية عن مدينتنا لكتابة رسالة بعبارات مختارة بعناية.
أستطيع أن أقول إنني أصبحت مدمنا على الكتابة بسبب الرسائل. وكانت علاقتي بالمراسلة قد بدأت وعمري ثلاث عشرة سنة.
مر وقت طويل وأنا أكتب رسائل الجيران لأحبابهم إلى اليوم الذي انتقلوا فيه إلى مدينة أخرى. فقلت مع نفسي إنني يجب أن أبحث لي عن أصدقاء أستطيع مراسلتهم عبر البريد، خصوصا وأن دكان جدي كان عنوانا قارا مشتركا بين عشرات الزبائن الذين كانوا يأتون لاقتناء حاجياتهم والسؤال عن رسائلهم، خصوصا زوجات الجنود الذين كانوا يرابطون في الصحراء، فقد كن يسألن عن رسائل أزواجهن ابتداء من منتصف الشهر، موعد إرسال الحوالات البريدية.
وبالإضافة إلى زوجات الجنود، كان دكان جدي عنوانا للأساتذة والمعلمين والموظفين الذين حلوا بالمدينة حديثا، واكتروا بيوتا في أحياء لا تحمل اسما ولا رقما. وهكذا كان دكان جدي «بوسطة» حقيقية تجتمع فيها رسائل من كل جهات المغرب. وفي آخر السنة، كانوا يبيعون الكتب المستعملة بالكيلو لتلفيف الخميرة. فكنت أستطيع أن ألتهم الكثير منها قبل أن تنتهي نهايات مأساوية بسبب «راس الحانوت».
في تلك الثمانينيات، كان الحصول على أصدقاء عبر المراسلة صعبا ومكلفا، وليس مثل اليوم حيث يستطيع أي مراهق بنقرة واحدة على زر حاسوبه الشخصي أن يعثر عبر «الميسنجر» على آلاف الأصدقاء الافتراضيين الذين يسكنون في الشبكة طيلة اليوم والليلة. لذلك كان يجب البحث عن ركن التعارف في صفحات المجلات والجرائد، وقضاء وقت طويل في التربص بالبرامج الإذاعية التي تذيع عبر الهواء عناوين وأسماء الراغبين في التعارف في ما بينهم.
هكذا، أصبح لي أنا أيضا أصدقاء من مختلف مدن المغرب، أتبادل معهم الرسائل والبطاقات البريدية التي تصل على عنوان دكان جدي.
وفوق كومة التبن المتبقي من «خيش» سكر «كوزيمار»، كنت أقضي ساعات طويلة في قراءة الرسائل التي تصلني، وبعدها أغرق في قراءة الكتب التي يبيعها أصحابها لجدي لكي يلف بها الخميرة وحبات عباد الشمس و«التحميرة». التهمت ما لا حصر له من الكتب وأرشيفات الإدارات التي تباع بالكيلو. ولم يكن يفوق نهمي للقراءة سوى نهم الجرذان السمينة لالتهام أقراط صابون المنجل وعلب مساحيق التصبين. تلك الجرذان التي كان جدي متخصصا في صيدها بتلك «النشبة» الحديدية الصدئة التي كان يضع فوقها كسرة من الخبز المدهون بالزيت، ويجلس بانتظار أن تطبق على «طوبة» قادها حظها العاثر إلى تلك الوليمة المفخخة.
فقد كان جدي رحمه الله يائسا من خدمات ذلك «المش» الكسول الذي تعود على أكل رؤوس الدجاج وأضرب عن القيام بمهمته الأساسية التي جلبه جدي من أجلها، وهي صيد الجرذان. ولذلك كان جدي يركله في كل مرة يجده فيها نائما فوق «الهيضورة» التي كان يصلي فوقها، قبل أن يلعنه بالشلحة. فجدي كان يتحدث الدارجة عندما يكون عاديا، لكنه عندما كان يفقد أعصابه بسبب القط، أو بسبب عدم تسديد زبون لديونه في الوقت المناسب، أو بسبب عدم «نصب» جدتي لطاجينه المفضل بلحم الغنم، كان يزمجر بالشلحة، وكأنه كان مقتنعا بأنه ليست هناك لغة أخرى في الوجود تستطيع أن تستوعب غضبه غير لغته الأم.
عندما تركت مدينتي الصغيرة وذهبت إلى الجامعة، استطعت أن أحصل على عناوين لأصدقاء في الخارج. أكثر من ذلك، بدأت أرسل قصائدي وقصصي القصيرة إلى مجلات عربية من أجل النشر، وعوض أن أتلقى رسائل مجاملة أصبحت أتلقى شيكات من فئة مائة دولار عن كل قصيدة أو قصة يتم نشرها لي. وكانت هذه التعويضات أول مقابل مادي سأحصل عليه بفضل كتاباتي.
في السابق، كانت الجارات يطلبن منا نحن الأطفال المتعلمين كتابة رسائل لأزواجهن وأقربائهن البعيدين، واليوم تجلس الأمهات والآباء أمام «الويب كام» في مقاهي الأنترنيت للتحدث مع أبنائهم في كندا وأوربا بالصورة والصوت عبر «الكاسك».
كانت عناويننا عبارة عن دكاكين الحومة واليوم لكل منا عناوينه الخاصة على «الهوت مايل» و«الجيمايل» و«الياهو». كنا نلتقي بأصدقائنا بعد سنوات من المراسلة، والآن يلتقي أبناء اليوم بأصدقائهم عبر «الماسنجر» كل ليلة.
كنا نوفر مصروف الجيب لكي نشتري طوابع البريد والأظرفة، واليوم صار أبناء اليوم يوفرون مصروف الجيب لشراء بطاقات التعبئة لهواتفهم النقالة وشراء ساعة من الوقت للجلوس أمام شاشة خرساء وجامدة لكي يتحدثوا مع غرباء لن يلتقوا بهم أبدا ربما.
كانت المراسلة والقراءة في المكتبات البلدية وكراء المجلات والكتب من مكتبة المدرسة، أقرب طريق سلكته نحو الكتابة. ولم يكد يمر يوم دون أن أكتب قصة أو قصيدة أو خاطرة أو رسالة.
وبفضل هذا التمرين اليومي العذب تمكنت من إدخال الكتابة ضمن احتياجاتي اليومية الحيوية في سن مبكرة. وهكذا ربحتني الصحافة وخسرني الشعر.
وهذه هي كل الحكاية يا عزيزي العلوي، وليس ثمة شياطين ولا جن ولا هم يحزنون.
«كاين شي شيطان قد بنادم».
... تابع القراءة

ياك غير الملح

بما أن الدولة والحكومة فشلتا في التقليص من نسب الفقر والأمية والتضخم وعجز الميزان التجاري، فإننا نتمنى أن تفكرا معا في تقليص نسبة استهلاك المغاربة لملح الطعام.
ربما تبدو هذه الدعوى للبعض سخيفة أو مثيرة للسخرية، لكنني أستطيع أن أؤكد لكم أن حياة الملايين من المغاربة تتوقف على هذا التحدي.
إن الخطر الحقيقي الذي يستنزف جيوب وأعمار المغاربة اليوم هو الإفراط في استهلاك ملح الطعام.
فالملح الذي نأكله يوميا يتحمل مسؤولية مباشرة في وصول أعداد المصابين بأمراض ارتفاع الضغط الدموي إلى حوالي ثلاثين في المائة من المغاربة. بمعنى أن عشرة ملايين مغربي مصابون بارتفاع الضغط الدموي ومهددون بالإصابة بأمراض القلب والشرايين.
ولهذا السبب بالضبط، فالسبب الأول للوفاة في المغرب ليس هو السيدا التي تقام من أجلها التظاهرات و«التيليطون» لجمع الأموال، ولا حتى حوادث السير التي تقوم حول مدونتها كل هذه القيامة، وإنما هو أمراض القلب والشرايين التي يتسبب فيها الإفراط في استهلاك الملح.
ورغم أن منظمة الصحة العالمية حددت نسبة استهلاك الملح في خمسة غرامات في اليوم، فإن وزارة الصحة المغربية ليست لديها أدنى فكرة عن نسب الملح المرتفعة التي تستعملها شركات إنتاج المواد الغذائية الاستهلاكية، والتي تتجاوز نسبة خمسة غرامات التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية.
وفي السابق، كان استهلاك المغاربة للصوديوم، المسؤول عن رفع ضغط الدم، في الملح لا يتعدى 2 غرامات، أما اليوم فنسبة استهلاكه تتجاوز 10 غرامات، أي خمس مرات أكثر من المسموح به.
وبالنسبة إلى المغاربة الذين يكتشفون إصابتهم بمرض ارتفاع ضغط الدم ويتبعون حمية غذائية خالية من الملح، فإن الأغلبية الساحقة من هؤلاء المرضى يكتشفون أن حالتهم تزداد سوءا رغم توقفهم عن استعمال ملح الطعام في وجباتهم. والسر وراء تفاقم مرضهم هو أن 75 في المائة من الطعام الذي يستهلكونه معد بمواد استهلاكية تحتوي على نسب عالية من الملح. بمعنى أن الملح الذي يوفرونه على شراينهم والموجود في 25 في المائة من الأكل الطبيعي الذي يعدونه في بيوتهم، يسترجعون أضعافه في 75 في المائة من المواد الغذائية التي يشترونها من الأسواق. «اللي حرثو الجمل دكو».
إن التفسير الحقيقي للإحصائيات المخيفة التي نقرؤها كل يوم حول عشرة ملايين مغربي مصاب بالضغط الدموي وأمراض القلب والشرايين، وحول ملايين المصابين بأمراض الكلى والجهاز الهضمي والسمنة والضعف الجنسي المرتبط بارتفاع الضغط وغيرها من الأمراض العضوية والنفسية المزمنة والقاتلة، يوجد داخل علبة الملح الذي لا يخلو منه بيت مغربي.
فثقافتنا الغذائية مبنية على «التملاح»، وليس هناك طبق يخلو من الملح. والمصيبة أن الملح الذي يستهلكه المغاربة يحتوي على نسبة عالية من الصوديوم الذي يعتبره الأطباء بمثابة المسدس كاتم الصوت الذي يغتال القلوب غدرا. وهي المادة القاتلة التي يفرض الاتحاد الأوربي ووزارة الصحة الأمريكية على صانعي المواد الغذائية احترام نسبها بدقة تحت طائلة سحب تلك المواد من السوق. وبالفعل، فقد أدى التحكم في نسبة الصوديوم في ملح الطعام إلى خفض نسبة الإصابة بالضغط الدموي المؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب والشرايين. وبالتالي انخفضت كلفة العلاج ووفرت حكومات هذه الدول ميزانيات كانت تصرفها فيما قبل بسبب الإفراط في تناول الملح.
عندنا في المغرب، ليس هناك للأسف وعي بخطورة هذه المادة على الصحة العامة ولا على الموازنة العامة. ولذلك فمنتجو المواد الغذائية المعلبة والمعدة للاستهلاك، يأخذون راحتهم في «تملاح» منتوجاتهم الاستهلاكية. والثمن في الأخير يؤديه المستهلكون الذين يهلكونهم وينتهي الملايين منهم مصابين بالضغط الدموي وأمراض القلب وتصلب الشرايين والذبحة الصدرية. وبما أن الصحة في المغرب قطاع عمومي، فإن ثمن هذا الإفراط في استهلاك الملح تؤديه خزينة الدولة التي تتحمل مصاريف الإنفاق على المستشفيات العمومية. هذا، طبعا، دون أن نتحدث عن التأثير السيئ للإفراط في تناول الملح على السلوك اليومي للمغاربة في البيت وأماكن العمل والأماكن العمومية، وخصوصا على الطرقات. فمن خلال استعمال المغاربة للطريق، نكتشف المرض المزمن الذي نعاني منه جميعا بدرجات متفاوتة، هذا المرض هو الضغط. وطبيعي أن تصاب المجتمعات بالضغط، لكن عندنا في المغرب وصل الضغط إلى مستوى الجرعة القاتلة. والدليل أن نرى كيف يستميت كل سائق سيارة في تجاوز السائق الذي يوجد أمامه أو بجانبه، وكيف يستطيع أن يسترخص في ذلك حياته أحيانا، دون الحديث عن حياة الآخرين طبعا، لكي يقف في الأخير أمام الضوء الأحمر. هذا إذا توقف عنده أصلا.
وإذا أراد الواحد منا أن يدرك الحد الذي وصلت إليه أعصاب المغاربة، فيكفي أن يأخذ سيارته وينزل إلى الشارع لكي يقيس بنفسه درجة حرارة هذا الجسد المغربي المريض بنقص حاد للهدوء.
واستعمال الطريق يكشف أيضا عن الوجه العدواني للمواطن المشبعة شرايينه بالصوديوم. فبمجرد ما تتوقف سيارة أحدهم بسبب عطب أو لمجرد أنه تاه وحاول التوقف للسؤال عن عنوان يقصده، تنهال عليه أبواق السيارات بالزعيق، وتتسرب إلى أذنيه شتائم وكلمات ساقطة، أحيانا من مواطنين بربطات عنق وبذلات مكوية بعناية من أولئك الذين قال فيهم الله تعالى: «وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة».
وكم من مشادة كلامية بدأت بشتائم يطلقها أحد السائقين نحو سائق آخر فتتطور بخروج أحدهما من سيارته وتنتهي بخروجهما «الطريق» معا.
ولعل أكبر المصابين بالضغط هم سائقو سيارات الأجرة، وأنا أتحدى أي واحد منكم أن يشتغل سائق طاكسي ليوم واحد في الدار البيضاء دون أن ينهي يومه مصابا بانهيار عصبي.
ورحلة بسيطة عبر سيارة أجرة تكشف لك عن القدرة الفائقة للمغربي على الاستخفاف بغيره من السائقين والمشاة واحتقارهم. فكل سائق يعتبر نفسه الوحيد الذي يفهم في الطريق وفنون السياقة، وكل الآخرين مجرد رعاة أجلاف باعوا عجلا أو اثنين واشتروا جواز مرور ومعه سيارة ونزلوا إلى الطرقات ليسيروا فيها كما يسير الفلاح في الحرث وراء محراثه الخشبي.
أما عندما تكون سائقة السيارة امرأة، فهنا تظهر بجلاء مكانة المرأة الحقيقية في لاوعي الرجل المغربي. فهي، أولا، سبب الازدحام الذي تعرفه حركة السير، وسبب الحوادث التي تقع في الطرقات، مع أن الإحصائيات تدل على أن النساء هن الأقل عرضة لحوادث السير. وهناك نوع من المغاربة بمجرد ما تقع أبصاره على امرأة وراء مقود سيارة حتى يذهب خياله المريض إلى أنها حصلت عليها بطريقة غير شريفة. ويستنتج بسهولة بالغة أن السيارات في المغرب أصبحت تسوقها النساء فقط، بينما الرجال لا يجدون حتى دراجة هوائية يسوقونها. مع أن الإحصائيات تؤكد، مرة أخرى، أن النساء مستعملات الطريق لسن سوى أقلية صغيرة مقارنة بالرجال. وهذا السلوك يعكس العداء الخفي بين الرجل المغربي والمرأة المغربية والحروب الطاحنة التي تدور في الخفاء بين الحدود الإقليمية لكل واحد منهما، والتي لم يزدها دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق إلا اشتعالا. فقد فهمت طبقة من الرجال أن المدونة ليست سوى اقتصاص من مياههم الإقليمية لصالح المرأة، وانتصار لها ضد الرجل.
وتفسير كل هذه السلوكيات المنحرفة، بصرف النظر عن تدني مستوى التربية، هو ارتفاع الضغط الدموي الناتج عن الاستهلاك المفرط للملح. فعندما يرتفع الضغط، يبدأ الإنسان في البحث عن أي شيء لكي يخلق حوله مشكلة لكي يصرف ضغطه المحتقن. والضحايا المحببون لتصريف الضغط يكونون غالبا هم المرأة أو الأولاد أو الجيران.
وهذه القيم والسلوكيات والعقد، التي نطورها يوميا بسبب الضغط، تنعكس على الصورة التي نعطيها كشعب للسياح والزوار الأجانب الذين يأتون إلى المغرب. وبقدر ما كنا نعطي عن أنفسنا في السابق صورة ذلك الشعب الودود المضياف والمتسامح، أصبح الآخر يرى فينا شعبا عصبيا وعدوانيا سريع الاشتعال. فأصبحت شوارع المدن التاريخية ساحات للقتال بواسطة السيوف والخناجر وشفرات الحلاقة بين العصابات المتناحرة بسبب لفافة تبغ أو عود ثقاب. وأصبحت طرقات المملكة حلبات ملاكمة بين السائقين المتعاركين بسبب من له الأسبقية في المرور أولا. وهذا، طبعا، ستكون له نتائج كارثية على مستقبل السياحة المغربية، لأن السائح عندما يختار المجيء إلى بلد معين فلكي ينعم بالأمان والأمن، لا لكي يتفرج على معارك داحس والغبراء أينما ذهب.
أدخل أول صيدلية في حيك واسأل صاحبها عن الدواء الذي يطلبه المغاربة بكثرة، سيقول لك إن الجميع يطلب أدوية للجهاز العصبي والمهدئات والضغط الدموي. ولو أردنا أن نكون صريحين حول نسبة إصابة المغاربة بالضغط لقلنا إن تسعين في المائة من المغاربة مصابون به.
لذلك نرى هذا الإقبال المرضي على الانتحار بشتى الوسائل، على الطرقات بسبب التهور في السياقة، وفي الأسواق بسبب التفاهات، وداخل الأسر بسبب غياب الرحمة والمودة، وأمام أبواب المستشفيات بسبب غياب العناية، وداخل البارات التي يشرب فيها المغاربة من الكحول 131 مليون لتر سنويا لكي ينسوا الضغط الاجتماعي والمهني، إلى الحد الذي أصبحت معه الروح في المغرب أرخص من بصلة.
الحل الوحيد للخروج من هذه الدوامة بسيط وغير مكلف.
يجب أن تضع وزارة الصحة برنامجا إجباريا لخفض نسبة الصوديوم في ملح الطعام الذي تستعمله شركات المنتجات الغذائية بالمغرب. وكل طعام لا يحترم النسبة المقررة ينبغي أن يتم سحبه من الأسواق ومعاقبة الشركة التي تنتجه. كما يجب على الإعلام العمومي أن يخوض حملة إعلامية دائمة لشرح مخاطر الإفراط في تناول الملح على القلب والشرايين والكلى والنشاط الجنسي، وأيضا لتوعية الأمهات وربات البيوت بضرورة القطع مع عادة «غير حفن ولوح» التي تعودن عليها في مطابخهن.
وإذا استطاعت الدولة والحكومة أن تتحكما في نسبة استهلاك الملح المسبب للضغط، فإنها حتما ستستطيع التحكم في نسبة حوادث السير ووتيرة النزاعات العنيفة والجرائم والارتفاع المهول في قضايا الطلاق والإقبال الكارثي على استهلاك الكحول والمخدرات وجميع الوسائل التي يلجأ إليها المغاربة «المفقوصين» للتخفيف من ضغطهم.
«جربو، ما خسرتو والو. ياك غير الملح».
... تابع القراءة

دوي علينا وجي علينا

تطرح قضية اعتقال مصطفى ولد سلمى من طرف الدرك الجزائري أمام أبنائه ومنعه من العودة إلى مخيمات تندوف، سؤالا أخلاقيا على الصحافة والمنظمات الحقوقية الدولية ومجلس الأمن والخارجية الأمريكية.
ومثلما تحركت كل هذه المؤسسات لمؤازرة أميناتو حيدار خلال مسلسل إضرابها عن الطعام في مطار لانزاروتي للمطالبة بعودتها إلى بيت أسرتها بالعيون، وطالبت المغرب باحترام حقها في التعبير عن نوازعها الانفصالية، فهذه المؤسسات الإعلامية والحقوقية والدبلوماسية مطالبة اليوم بالوقوف إلى جانب مصطفى ولد سلمى الذي لم يقترف جريمة أخرى غير ممارسة حريته في التعبير عندما قال إن «مشروع الحكم الذاتي، الذي تقدم به المغرب، هو الحل الأمثل لإنهاء معاناة أسوأ مخيمات في العالم».
هذه الجملة، التي قالها مصطفى ولد سلمى خلال زيارته لمدينة السمارة، كشفت عن الوجه الفاشي والدكتاتوري لقادة جبهة البوليساريو وجنرالات الجزائر، الذين يحركونهم من وراء الستار، والحزب اليميني الإسباني وصحافته وبرلمانييه الأوربيين الذين يتكفلون بضمان الميزانيات المالية لتغطية تكاليف الحرب الدبلوماسية والإعلامية على المغرب.
فالصحافة الإسبانية، التي تطالب المغرب باحترام حق أميناتو حيدار في التعبير عن أحلامها الانفصالية ومنحها حق العودة إلى بيتها في العيون، هي الصحافة نفسها التي تسكت عن اعتقال الدرك الجزائري لأحد الأعضاء المؤسسين لجبهة البوليساريو لمجرد أنه مارس حقه في التعبير وتبنى علانية فكرة مشروع الحكم الذاتي وأراد العودة إلى أسرته الصغيرة في مخيمات تندوف.
ننتظر أيضا من هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية، التي طالبت المغرب باحترام حق أميناتو في التعبير، أن تطالب الجزائر والبوليساريو باحترام حق مصطفى ولد سلمى في التعبير كذلك.
فولد سلمى وأميناتو حيدار ينتميان إلى نفس الجبهة التي حملت السلاح ضد المغرب، والفرق بينهما هو أن لكل واحد منهما تصوره الخاص لمستقبل الصحراء. والأمم المتحدة والخارجية الأمريكية والمنظمات الحقوقية الدولية توجد جميعها اليوم أمام مسؤولية ضمان الحق في حرية التعبير لجميع الأطراف، وليس فقط للأطراف التي تتبنى خيار تقرير المصير.
وإذا كنا، كمغاربة، نفهم حسابات الجهات الإعلامية الأجنبية ومنظماتها الحقوقية التي تتحرك طبقا لأجندة سياسية تتحكم فيها الجهات المانحة، فإننا، حقيقة، لا نفهم إصرار بعض الصحافيين من بني جلدتنا على الوقوف في خندق الخصوم، رغم أنهم يشتغلون في وكالات صحافية تعطي الدروس يوميا في أخلاقيات المهنة.
وإلى حدود اليوم، لم يصدر مكتب وكالة الأنباء الفرنسية في الرباط أية قصاصة حول اعتقال الصحافيين المغربيين من طرف قوات الأمن الجزائري لمنعهما من تغطية عودة مصطفى ولد سلمى إلى تندوف.
ولم تصدر أية قصاصة، إلى حدود كتابة هذه الأسطر، حول اعتقال مصطفى ولد سلمى من طرف الدرك الجزائري ومنعه من العودة إلى بيته بمخيمات تندوف. ولم تصدر منظمة «هيومن رايتس ووتش» أي بلاغ حول ما وقع للصحافيين المغربيين والقيادي والمدير العام لجهاز الشرطة في البوليساريو، رغم أن المنظمة لم توفر جهدا لتقريع المغرب في تقريرها الأخير حول حقوق الإنسان وحرية التعبير، والذي وصفته فيه بالبلد الذي يقيد الحريات ويزجر ويسجن المعارضين المسالمين الذين «ينتقدون الملكية ويشككون في مغربية الصحراء أو يسيئون إلى الإسلام».
ورغم أن الصحافيين المغربيين اللذين اعتقلهما الدرك الجزائري لم يقوما سوى بواجبهما المهني في تغطية رحلة عودة مصطفى ولد سلمى إلى بيته بتندوف، من أجل إخبار قرائهما بتفاصيل الرحلة، فإن منظمة «هيومن رايتس» لم تر ضرورة لإصدار بيان تدين فيه منع الصحافيين المغربيين من القيام بواجبهما الإعلامي. وهي الممارسات التي ظلت تتباكى عليها المنظمة متهمة المغرب بتكميم أفواه الصحافيين واعتقال المعارضين المسالمين الذين يمارسون حريتهم في التعبير.
وكأن مصطفى ولد سلمى، الذي تم اعتقاله من طرف الدرك الجزائري، لا يدخل ضمن خانة هؤلاء المعارضين الذين تدافع منظمة «هيومن رايتس» عن حقهم في التعبير عن آرائهم المسالمة دون التعرض للزجر أو السجن.
خلال إضراب أميناتو حيدار عن الطعام لإجبار السلطات المغربية على السماح لها بالعودة إلى عائلتها بالعيون، كتبت الصحافة الإسبانية أكثر من 1500 مقال، كلها مساندة لأفكار السيدة، ولم تحترم هذه المقالات شروط المهنية وراحت تتبنى وجهة نظرها وتهاجم المغرب بشكل فج يخلو من اللياقة.
وعندما عبر المدير العام لجهاز الشرطة في البوليساريو، مصطفى ولد سلمى، عن رأيه المساند لمشروع الحكم الذاتي في الصحراء وأراد العودة إلى أسرته في تندوف، رأينا كيف تعرضت عائلته للاعتداء من طرف البوليساريو وكيف تم اعتقاله من طرف الدرك الجزائري أثناء عودته، ومع ذلك لم تصدر في الصحافة الإسبانية أكثر من ثلاث مقالات.
هنا نفهم أن الديمقراطية وحرية التعبير، اللتين تتبجح بهما وسائل الإعلام الإسبانية وبعض وكالات الأنباء الأوربية، لا تسريان على الجميع وإنما تسري فقط على الناشطين والحقوقيين والإعلاميين الذين يتبنون أطروحة الانفصال في الصحراء ويعادون المصالح الحيوية للمغرب.
أما الذين يتبنون المشروع السياسي الذي اقترحه المغرب، فهؤلاء -في نظرهم- مجرد خونة يستحقون أن يعتقلوا ويختطفوا دون أن تكتب عنهم هذه الصحافة الديمقراطية سطرا واحدا، ودون أن تصدر في شأنهم منظمة عتيدة في الدفاع عن حقوق الإنسان، اسمها «هيومن رايتس ووتش»، بلاغا مقتضبا تدافع فيه عن حق هؤلاء «الخونة» في التعبير.
إن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ونحن نرى التحيز الواضح لهذه المؤسسات الإعلامية التي تعتمد صحافيين في الرباط، ووقوف منظمة دولية كمنظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى جانب «ناشطين» صحراويين دون «ناشطين» آخرين، هو كيف يقبل مغاربة بالاشتغال والتعاون مع هذه المؤسسات الإعلامية والحقوقية وهم يرون كيف أن هذه المؤسسات لا تحترم المهنية ومبدأ الاستقلالية في الدفاع عن حرية التعبير وحقوق الإنسان؟
وإذا كان بعض الصحافيين المغاربة يقدمون يد المساعدة إلى هذه الوكالات الإعلامية الأجنبية ويعينونها على ضرب المغرب في أكثر مناطقه إيلاما أمام المنتظم الدولي، فإن هناك مغاربة آخرين يوجدون في مواقع المسؤولية داخل الأجهزة المقررة لمنظمات حقوقية دولية يطرح وجودهم فيها أسئلة محرجة حول «تعارض المصلحة».
والجميع يعرف أن الأمير مولاي هشام، الذي لديه مشاريع استثمارية في المغرب كما في بقية دول العالم، يشغل منصبا مرموقا في المجلس الإداري لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» بنيويورك، وهو المجلس الإداري الذي لديه صفة استشارية. وتبعا لذلك، فإن تقارير المنظمة حول أوضاع الصحافة وحرية التعبير والخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تمر تحت أنظار الأمير قبل أن تتقرر «مباركتها» وتعميمها.
ولذلك، فالتواجد داخل المجلس الإداري لمنظمة دولية مثل «هيومن رايتس ووتش» تهاجم المغرب في مجال حرية التعبير وحقوق الإنسان، رغم اعتراف العاملين في هذا المجال بتقدم المغرب حقوقيا على غيره من الدول العربية، يطرح إشكالا أخلاقيا، خصوصا إذا كان عضو المجلس الإداري للمنظمة المعادية لمصالح المغرب العليا أميرا ينتمي إلى العائلة الملكية ويتقاضى ميزانية سنوية مسطرة ضمن اللائحة المدنية التي يصوت عليها البرلمان.
إن أول من يجب عليه أن يحتج على التعامل التمييزي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» وتعتيمها على قضيتي مصطفى ولد سلمى والصحافيين المغربيين اللذين تم اعتقالهما في تندوف هو الأمير مولاي هشام.
أولا، لأنه أحد أعضاء المجلس الإداري للمنظمة. وثانيا، لأنه كاتب رأي في منابر إعلامية دولية مؤثرة. وثالثا، لأن الأمر يتعلق بقضية مصيرية هي مشروع الحكم الذاتي الذي يدافع عنه المغرب أمام المنتظم الدولي، وهي القضية المصيرية التي تحتاج إلى جهود جميع المغاربة في الداخل كما في الخارج، وخصوصا المغاربة الذين يشغلون مواقع حساسة داخل الأجهزة الاستشارية للمنظمات الحقوقية المؤثرة، ولديهم موطئ قدم داخل هيئات تحرير وسائل الإعلام الدولية.
المغرب يحتاج إلى أبنائه هنا والآن للدفاع عن وحدته المهددة من طرف الخصوم الذين يخططون لتجزئته إلى دويلات تحكمها عواصم القوى الإمبريالية.
هذه هي المعركة الحقيقية التي تواجه المغاربة اليوم. «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».
... تابع القراءة

دجاجة بكامونها

يقولون إن العملة المزيفة تنجح دائما في طرد العملة الجيدة من السوق.

هذه القاعدة الاقتصادية تنطبق على العديد من المؤسسات والإدارات العمومية التي ينجح فيها المسؤولون الفاسدون والمرتشون في طرد العناصر الجيدة من صفوفها حتى يخلو لهم الجو لكي يعيثوا فيها فسادا.
الجميع استغرب الطريقة المفاجئة التي تم بها إعفاء محمد بنبلة من مهامه على رأس الشرطة السياحية بالدار البيضاء. لكن لا أحد حاول أن يفهم خلفيات هذا الإعفاء، خصوصا وأن المعني به لم تسجل ضده أية مخالفة جسيمة أو خطأ مهني يستوجب عزله أو إعفاءه.
ما لا يعرفه كثيرون هو أن المجال السياحي بالدار البيضاء تروج فيه رؤوس أموال كبيرة جدا ورشاوى تقدر بالملايير، خصوصا إذا عرفنا أن العمود الفقري للسياحة بالعاصمة الاقتصادية يقوم على السياحة الجنسية لأثرياء الخليج. وفي غالب الأحيان، يصبح مطلوبا من الشرطة السياحية أن تحرس هؤلاء الداعرين وتؤمن لهم الأجواء عوض ترصدهم وإلقاء القبض عليهم.
وعندما نتأمل المصالح المادية المباشرة المرتبطة بهذا «النشاط» السياحي، نكتشف أن قطاعات اقتصادية واسعة ترتبط بهذا القطاع الفاسد. فهناك علب الليل حيث يتم ترويج المخدرات بجميع أصنافها، وهناك الفنادق من صنف خمسة نجوم المتخصصة في الدعارة الراقية والتي تتوفر على مصاعد خاصة بهؤلاء السياح، تنزل إلى العلب الليلية في الدور الأرضي وتحمل العاهرات إلى غرفهم مباشرة.
وهناك سلسلة من الشقق المفروشة تعد بالمئات في جميع مناطق الدار البيضاء مخصصة لاستقبال زبائن مستعدين لإنفاق الملايين في ليلة واحدة.
كل هذه القطاعات، التي تحرك رؤوس أموال خيالية، لا يمكن أن تشتغل إذا لم يكن هناك تساهل من طرف الشرطة السياحية. فمصالح هذه الشرطة لديها خريطة متكاملة ودقيقة عن جميع أوكار الفساد، وتعرف جميع الخطط التي تتحرك بها شبكات ترويج المخدرات وشبكات الدعارة.
وخلال تحمل محمد بنبلة لمسؤولية قيادة الشرطة السياحية، أصبح عمل هذه الشبكات محاطا بالعديد من المصاعب. ولم يعد دور الشرطة السياحية مقتصرا على حماية السياح من لصوص «البزاطم»، وإنما امتد لكي يشمل ترصد وتفكيك شبكات الدعارة الراقية والمخدرات.
ولهذا السبب، عندما صدر قرار إعفاء بنبلة من مهامه على رأس الشرطة السياحية، كتبت جريدة «الصباح» معللة هذا الإعفاء بكون المعني بالأمر «تجاوز اختصاصاته المرتبطة بحماية السياح».
والواقع أن الخطأ القاتل الذي ارتكبه رئيس الشرطة السياحية لم يكن تجاوزه لاختصاصاته، وإنما تطبيقه الصارم للقانون وتفانيه في القيام بواجبه الذي تحتمه عليه مسؤولياته.
وطبعا، عندما تقوم الشرطة السياحية بواجبها المتمثل في محاصرة وتفكيك عصابات الدعارة والمخدرات والسرقة المنظمة، فإن «جيوب» العناصر الفاسدة داخل بناية ولاية الأمن بالدار البيضاء، التي لديها جذور ممتدة داخل الإدارة العامة للأمن الوطني، يصيبها الجفاف.
لأنك عندما تحاصر جيوب الفساد والجريمة داخل القطاع السياحي برئة المغرب الاقتصادية، فإنك تقطع الإمدادات الحيوية عن جيوب الذين يحمون هذا «النشاط» الاقتصادي داخل جهاز الأمن، وبالتالي تعرض نفسك لحملة منظمة تنتهي منطقيا إما بإعفائك من منصبك وإحالتك على ولاية الأمن، كما حدث لمحمد بنبلة، أو برَمـْيك في سجن عكاشة بعد تكفينك بتهمة ثقيلة، كما حدث للضابط الممتاز عبد الكريم زعزاعي، رئيس الفرقة الولائية الجنائية الخامسة، الذي انتهى متابعا في حالة اعتقال بتهمة الابتزاز والارتشاء.
والغريب في الأمر أن ما يجمع بين الرجلين هو كون سيرتيهما تخلوان من أية سوابق. وربما كانت أكبر جريمة اقترفاها هي أنهما كانا وراء تفكيك العديد من الشبكات الإجرامية المتخصصة في الدعارة والمخدرات والتزوير، بعضها يتم الإفراج عن معتقليه في اليوم الموالي من طرف الشرطة القضائية في ظروف غامضة. مما جلب عليهما سخط «شلة الأنس» المستفيدة من «النشاط» الليلي لتجار المخدرات واللحوم البيضاء.
يجب أن تكون لدينا الجرأة لكي نسمي ما يحدث داخل أسوار ولاية الأمن بالدار البيضاء باسمه الصحيح.. إنها حملة منظمة لتصفية الأمنيين النزهاء وإبعادهم عن التدبير اليومي للشأن الأمني للعاصمة.
وهي أيضا رسالة واضحة إلى المسؤولين الأمنيين الآخرين، تأمرهم بالاصطفاف إلى جانب «شلة الأنس» ومسايرة الإيقاع العام المفروض من طرف المستفيدين من عائدات عليل الدار البيضاء وكائناته.
الدار البيضاء ليست بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهبا بالنسبة إلى المرتشين والفاسدين في الجهاز الأمني، إنها دجاجة تبيض ذهبا أيضا بالنسبة إلى الإدارة العامة للوقاية المدنية. ومثلما تعرف «شلة الأنس» بولاية الأمن بالدار البيضاء كيف تكفن أطرها الأمنية وتتخلص من العصا التي تضعها هذه الأطر في العجلة، فإن الكولونيل بنزيان، الحاكم بأمره داخل الإدارة العامة للوقاية المدنية، على مرأى ومسمع من الجنرال اليعقوبي «مول ثلاثة الخبزات»، عرف كيف يتخلص من القائد الجهوي للوقاية المدنية بالدار البيضاء، بعد أن أغلق هذا القائد صنابير الرشوة التي تعود المقاولون على تقديمها للحصول على تراخيص الموافقة من الوقاية المدنية.
لكي نفهم تفاصيل هذه القصة دعونا نرجع قليلا إلى الوراء، وبالضبط إلى الفترة التي تلت اندلاع حريق فاجعة «روزامور». ولعل الجميع يتذكر التدابير الصارمة التي اتخذتها الوقاية المدنية بعد توجيه أصابع الاتهام نحوها بسبب تورط بعض عناصرها في إعطاء تصاريح الموافقة للشركات والمصانع دون احترام مباني هذه الأخيرة لشروط السلامة القانونية.
من أجل إخماد نيران هذه الفضيحة، تقرر تغيير القائد الجهوي للوقاية المدنية في الدار البيضاء، ووقع الاختيار على عنصر من عناصر الوقاية المدنية بفاس اسمه زكريا حجاجي، مشهود له بالاستقامة، أسندت إليه مسؤولية المكتب المكلف بإعطاء موافقة الوقاية المدنية على مشاريع البناء، أي أن الموظف الجديد تسلم مسؤولية إغلاق «الروبوني» الذهبي الذي تصب منه الرشاوى التي تقدر بالملايين بفضل وثيقة إدارية موقعة بعبارة سحرية اسمها «بدون اعتراض».
أشهرا قليلة على تعيين زكريا حجاجي في منصبه، تعرقلت عشرات ملفات البناء التي تقدم بها أصحابها إلى مصالح الوقاية المدنية للحصول على الطابع السحري الذي تعودوا عليه. لكن المشاريع الهندسية التي كانت تتعارض مع القانون كانت تصطدم بجدار الرفض. وهكذا قفز ثمن الرخصة من 3000 درهم إلى 100.000 درهم دفعة واحدة، خصوصا بالنسبة إلى المقاولين الذين شيدوا مبانيهم ويرون أن إعطاء رشوة بعشرة ملايين أهون عليهم من تدمير بناياتهم وإعادة بنائها طبقا لشروط السلامة التي تنص عليها مصالح الوقاية المدنية.
هنا، تحركت «شلة الأنس» المكونة أساسا من لوبي المقاولين في العقار، واستطاعت إيصال شكواها إلى الكولونيل بنزيان الذي كان على علم بما يحدث في الدار البيضاء بسبب «تزيار» رئيس مكتب «تنسيق مشاريع البناء» لصنبور الرشاوى المليونية. فقد شعر بنزيان بأن «المرقة» لم تعد تصل إلى الرباط، وأن دور الرجل النظيف في القيادة الجهوية للوقاية المدنية بالدار البيضاء قد انتهى بانتهاء التركيز الإعلامي على فاجعة «روزامور». ولذلك فأحسن جزاء يمكن أن يناله المسؤول النظيف هو تجميد مهامه. وبعد محاولة يائسة لإلباسه قضية مفبركة بسبب تدخين أحد موظفيه للحشيش أثناء مزاولته لمهامه، جاء قرار الكولونيل بنزيان بتجريد زكرياء من مهامه بدون سبب إداري وتعويضه بقبطان سبق للكولونيل بنزيان أن عاقبه بنقله من القيادة الجهوية للوقاية المدنية بأكادير بسبب تورطه في قضية ارتشاء نشرت خبرها جريدة «الصباح».
وهكذا، عاد «البزبوز» الذهبي إلى سابق عهده في الدار البيضاء أنفا، وعادت «الرشاشات» إلى مستواها السابق وأكثر. وبالمقابل، اشتغلت آلة العقاب في حق كل المسؤولين الذين لم يفهموا أن دورهم الأساسي هو تسهيل وصول الغنائم إلى الرباط وتسريع وتيرة إعطاء التراخيص لمن يطلبها، حتى دون توفره على شروط السلامة القانونية.
وهكذا، طار قائد وحدة «بوجي» بعد رفضه الامتثال لأوامر القائد الجهوي الذي يفرض عليه إعطاء تراخيص غامضة لمشاريع عقارية. وطار قائد وحدة درب السلطان الفداء نحو مديونة. وطار قائد وحدة عين السبع نحو الجديدة، ومنها على بيته بعد إعفائه من مهامه سنة بعد ذلك، عقابا له على انتقاده لدليل «السلامة حول الحرائق» الذي قدمه الكولونيل بنزيان إلى عباس الفاسي ووافق عليه وعممه على مصالح كل الوزارات، رغم تناقضاته الكثيرة وعدم قابليته للتطبيق. والمصيبة هي أنه لا الكولونيل بنزيان ولا القائد الجهوي للدار البيضاء يتوفران على شهادة تخولهما صياغة الدراسات التقنية حول السلامة، ومع ذلك يقرران في مدى استجابة تصاميم المهندسين لشروط السلامة التقنية، علما بأن تحمل هذه المسؤولية يفترض مسبقا الحصول على شهادة على أيدي خبراء فرنسيين بمدرسة الوقاية المدنية بالدار البيضاء.
وبالإضافة إلى تصفية كل هذه الأطر، هناك آخرون دفعوا إلى تقديم استقالاتهم، مثل رئيس الخلية التابعة للوقاية المدنية بميناء الدار البيضاء الذي قدم استقالته بعد رفضه التواطؤ في صرف أموال الصندوق الأسود الخاص بتعويضات رجال الوقاية المدنية عن مراقبتهم للبواخر.
وفي الوقت الذي تتم فيه تصفية الأطر النظيفة والمستقيمة، تتم ترقية أصحاب السوابق. وهكذا، تم تعيين قائد منطقة أصيلة الحالي بعدما سبق للإدارة أن عاقبته بنقله من الرباط إلى آسفي سنة 2001، ومن آسفي إلى أكادير سنة 2005، ومن أكادير إلى الوحدة المتنقلة الوطنية سنة 2009.
وتم تعيين قائد منطقة تارودانت رغم أن سيرة هذا الرجل المهنية «معطرة» بالمخالفات. فسعادة القبطان سبق له أن تورط في قضية اختفاء أموال من الصندوق الخاص الذي تودع فيه تعويضات رجال الوقاية المدنية الذين يشتغلون مع شركات الإنتاج السينمائي الدولي. وبناء عليه، قرر الجنرال اليعقوبي نقله إلى وحدة مولاي رشيد بالدار البيضاء. سنة بعد ذلك، سيتم تعيين «صاحبنا» قائدا إقليميا للوقاية المدنية بتارودانت
ولذلك فعوض أن يتفرغ الجنرال اليعقوبي لمراسلة رجال الوقاية المدنية لمطالبتهم بقضاء إجازاتهم المرضية فوق أسرة الثكنات عوض قضائها فوق أسرة بيوتهم، فعليه أن يلتفت نحو كولونيله بنزيان الذي اشترى مؤخرا، بثمن تفضيلي، فيلا فخمة في طنجة يؤدي أقساطها الشهرية من الوقاية المدنية «نسيبو» الذي ليس سوى القائد الجهوي للوقاية المدنية بمراكش.
وما خفي كان أعظم.


... تابع القراءة

الطلاب يطلب ومرتو تصدق

يعيش المغرب، بفضل انتعاش صادرات الفوسفاط، طفرة مالية نوعية، حيث وصلت عائدات مبيعات المغرب من هذه المادة الحيوية، برسم النصف الأول من السنة الحالية، إلى 19 مليار درهم، أي بزيادة 78،7 في المائة مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية.
بمعنى أوضح، فالعجز المالي الذي يسجله الميزان التجاري، والذي وصل إلى 48 مليار درهم، يعول على عائدات الفوسفاط لكي يحافظ على توازنه ويجنب البلاد السقوط في أحضان التضخم.
جميل أن يعلن وزير المالية صلاح الدين مزوار أنه سيقتطع عشرة في المائة من ميزانيات جميع الوزارات عدا وزارتي الصحة والتعليم، كما سيقوم بتجميد سلم الأجور. لكن الأجمل منه كان سيكون إعلانه تقليص راتبه أولا ورواتب كبار الموظفين العموميين، كما صنعت الحكومة الإسبانية مؤخرا، وعلى رأسهم مدراء وزارة المالية الذين يتقاضون رواتب خيالية وتعويضات شهرية وسنوية تصل إلى مئات الملايين.
إن مأساة المغرب الاقتصادية والمالية هي أن الجزء الأكبر من عائدات الفوسفاط تذهب لكي تشحم دواليب ميزانية الدولة التي يتفاقم عجزها سنة بعد أخرى. بمعنى أن كل الملايير التي يربحها المغرب بفضل مبيعات الفوسفاط تذهب إلى الإنفاق العمومي.
مشكلة وزراء المالية المغاربة أن ذاكرتهم قصيرة. ولو أنهم عادوا ثلاثين سنة إلى الخلف لوجدوا أن المغرب يعيش الأزمة المالية نفسها التي عاشها على عهد حكومة كريم العمراني بعدما وصلت مبيعات المغرب من الفوسفاط إلى مستويات قياسية جعلت الملك الحسن الثاني، رحمه الله، يقول في خطاب للأمة إن المال «أصبح يحرق أصابعنا».
وبتوصية من صندوق النقد الدولي، الذي كان يريد أن يغرق لنا «الشقف» لكي يفرض علينا فيما بعد توصياته المجحفة، بادرت الحكومة إلى مضاعفة الإنفاق العمومي عبر توظيف أعداد كبيرة من الموظفين الذين لا حاجة بالإدارة إليهم. أشهرا بعد ذلك، ستنهار أسعار الفوسفاط في الأسواق الدولية بعد حملة منظمة من لوبيات دولية نجحت في خفض الأسعار باللعب على أطروحة «البيك فوسفاط» le pic du phosphate، مثلما نجحت OPEC في خفض أسعار البترول بعدما تم اللعب على أطروحة «البيك بترول»  le pic du pétrole.
بعدها سيدخل المغرب أزمة مالية حادة جعلته فريسة سهلة لصندوق النقد الدولي الذي فرض عليه التقويم الهيكلي، فأصبح (المغرب) دولة تحت وصاية صندوق النقد الدولي الذي صار يتحكم في عائدات الفوسفاط الذي يبيعه المغرب في الأسواق الدولية ويستخلص منها القروض التي في ذمة المغرب. أي، بعبارة أخرى، أن تفاقم عجز الميزان التجاري أدى إلى وضع ثروتنا الوطنية الأولى بين يدي مؤسسة دولية تتصرف في مبيعاتها وعائداتها. لقد أدى المغرب آنذاك ثمن غبائه الاقتصادي باهظا، ورهن مستقبله لعشرات السنين بأيدي البنوك العالمية بسبب القروض التي أثقل بها كاهله.
يبدو أن التاريخ يعيد نفسه مجددا هذه الأيام، خصوصا عندما نسمع بأن صلاح الدين مزوار يستعد للطواف على البنوك العالمية لاقتراض مليار أورو.
مع فارق بسيط هو أن مزوار فهم أن الانسياق خلف وعود عباس الفاسي وحزبه بالزيادة في الرواتب سيقوده إلى الكارثة حتما، لذلك نجده يتحدث اليوم، بمناسبة إعداده للأجواء النفسية قبل الإعلان عن ميزانيته المالية الجديدة، عن تجميد سلم الأجور وتقليص ميزانيات الوزارات بعشرة في المائة.
لكن كل هذه الإجراءات ليست سوى ذر للرماد في العيون. فرغم كل الجهد الذي يبذله مزوار لإعطاء الانطباع بأنه بصدد «تزيار السمطة»، فإن المشكل الحقيقي يوجد في مكان آخر.
المشكل الحقيقي اليوم هو أن بنك المغرب يعول بشكل أساسي على عائدات الفوسفاط، وهذا يخفي حقيقة اقتصادية مريعة وهي أن باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى تعاني من فشل مريع، وتعول على عائدات الفوسفاط لكي تخفي فشلها، رغم كل الميزانيات التي تصرفها عليها الدولة.
هناك اليوم عجز مريع في مجال التجارة الخارجية. فعدا الفوسفاط والسمك والمنتجات الفلاحية، لم يعد المغرب قادرا على اقتحام الأسواق الأجنبية بسبب ضعف التنافسية. وبالمقابل، تضاعف ميزان الواردات بشكل كبير، فأصبحت أسواقنا الداخلية غارقة بالمواد المستوردة. وعندما يشتري الشخص أكثر مما ينتجه، فهذا يعني منطقيا أنه يعيش فوق مستواه. ولكي يستطيع الاستمرار في العيش فوق مستواه، فأمامه حل واحد فقط وهو الاقتراض والعيش على تسديد الديون. وطبعا، لكي تحصل على ديون يجب أن ترهن ممتلكاتك لدى البنوك، حتى إذا ما فشلت في تسديد أقساط ديونك فإن البنوك تضع أيديها على المؤسسات موضوع الرهن.
هنا نصل إلى جوهر الحكاية. عندما تحدثنا في مقال الأمس عن أهمية الفوسفاط بالنسبة إلى الأمن الغذائي العالمي، وتحدثنا عن استهداف الجزائر للفوسفاط المغربي والدفع باتجاه خلق مؤسسة دولية لتدبير تخزينه وتسويقه، كما هو مطروح في إحدى جلسات «المنتدى العالمي الاقتصادي» الذي سينظم في مراكش بفضل الأموال التي منحها أنس العلمي، مدير CDG، وعلي الفاسي الفهري، مدير ONEP، وعثمان بنجلون، مدير BMCE، فإننا كنا نسعى إلى قرع جرس الإنذار لإشعار من يهمهم الأمر بالمخطط الأسود الذي يستهدف السطو على ثروة وطنية تسعى القوى الدولية إلى احتكارها من أجل التحكم في الأمن الغذائي العالمي.
ويكفي في هذا الصدد الرجوع إلى قمة روما، التي عقدتها منظمة الأغذية والزراعة مؤخرا، ومراجعة توصياتها حول الفوسفاط لكي نفهم أننا نملك تحت أقدامنا أهم سلاح في القرن الواحد والعشرين.
لذلك فالإصرار الغبي والبليد على اعتبار الفوسفاط طوق النجاة الوحيد الذي تتشبث به وزارة المالية لكي تنقذ نفسها من التضخم والعجز، سيؤدي بنا لا محالة إلى تكرار خطأ السبعينيات القاتل والسقوط في براثن صندوق النقد الدولي، كما حدث لليونان. ولا يغرنكم غزل «دومينيك ستروس خان» الذي يفرش لنا التبن فوق الماء بثنائه على اقتصادنا ونسبة نموه الخارقة للعادة. وأنا أفضل أن أستمع إلى تحذيرات رجل حكيم ومجرب كالجواهري، والي بنك المغرب، على الانسياق وراء نشيد الحوريات الذي يطلقه كواسر صندوق النقد الدولي في انتظار سقوط اقتصادنا بين أيديهم لكي ينهشوه كما يحلو لهم.
إن الأزمة الاقتصادية التي طالما نفى عباس الفاسي وصهره نزار بركة وصولها إلى المغرب، أصبحت اليوم واقعا ملموسا.. فالبنوك تشكو من شح السيولة، واحتياطي العملة الصعبة في بنك المغرب انخفض إلى مستويات قياسية لم يصل إليها من قبل، والسياحة وتحويلات العمال المغاربة بالخارج تراجع مستواها بسبب البطالة التي تضرب أوربا، وفي إسبانيا وحدها أصبح لدينا 120.000 مهاجر مغربي عاطل عن العمل.
ووسط هذه اللوحة الداكنة، يظهر الفوسفاط كضوء في آخر النفق المظلم يجذب إليه الأنظار.
إنه الضوء المبهر نفسه الذي جذب إليه أنظار حكومة كريم العمراني المأزومة بسبب الفساد المالي واقتصاد الريع وضعف التنافسية، وانتهى الأمر إلى وضع المغرب رهينة لدى صندوق النقد الدولي.
لقد اعتمد المغرب، اقتصاديا، دائما على الحلول السهلة لتمويل ميزانيات نفقاته العمومية. وكلما اشتدت عليه الأزمة أخرج أحد ممتلكاته النفيسة لبيعها في «الدلالة». وهكذا انتهينا إلى بيع جواهر نفيسة كرخصة الهاتف الثابت ومؤسسات عمومية حيوية وقطاعات للتدبير المفوض من ماء وكهرباء ونظافة وشركات تكرير النفط وإنتاج الطاقة، إلى الحد الذي بعنا فيه حتى الأزبال التي ننتجها.
والمصيبة أن هذه الشركات الأجنبية التي بعناها مؤسساتنا العمومية أصبحت تخرج أرباحا بالعملة الصعبة كل سنة من بنك المغرب وتبعث بها إلى شركاتها الأم في العواصم الأوربية، دون أن تستثمر جزءا من تلك الأرباح في المغرب، كما هو مفروض قانونيا وأخلاقيا.
وهذا الولع المغربي بالحلول السهلة هو الذي رسخ في أذهان وزراء المالية المتعاقبين على الحكومات أن عائدات الفوسفاط ستكون هي الخلاص من الأزمة. وهذا عين الجهل ومنتهى قصر الرؤية.
بوسع الفوسفاط أن يصبح بترول المغرب الذي يجلب إليه الرخاء المالي والاقتصادي ويعطيه إشعاعا دوليا يضعه في مقدمة الدول المنتجة لمصادر الطاقة. لكن ذلك لن يكون ممكنا مع استمرار استخدام عائدات الفوسفاط لتشحيم دواليب الميزانية الصدئة بسبب التضخم والعجز عن الحركة.
الرهان الحقيقي على الفوسفاط يجب أن يتجه نحو الاستثمار في الأسمدة والمواد المهمة كاليورانيوم الذي يحفل به الفوسفاط المغربي. وعندما نقول الاستثمار في الفوسفاط، فهذا يعني إتمام المشروع الكبير الذي بدأه كريم العمراني والذي لم يستمر بسبب وضع صندوق النقد الدولي لشروط مجحفة في وجه المغرب تمنعه من التصرف في أموال مبيعات فوسفاطه. وهذه المشاريع، المتوقفة منذ ثلاثين سنة والتي تشمل البنيات التحتية لتطوير إنتاج الفوسفاط ومشتقاته، يجب أن تنطلق وأن تخصص لها الموارد المالية الكافية. وسواء أخذ هذا المشروع خمس أو عشر سنوات فهذا لا يهم، ما يهم هو أن تصبح للمغرب بنيات إنتاج واستثمار تتحكم في تصنيع وتسويق هذه الثروة الهائلة التي رزقنا الله إياها وفضلنا بها على سائر بلاد العالمين.
إن من سيفهم أن معركة المستقبل ستدور حول الخبز، سيفهم حتما الدور الحيوي الذي ستلعبه الأسمدة، والتي بدونها لن يكون هناك إنتاج زراعي. ومن يفهم أن الأسمدة لا يمكن استخراجها سوى من الفوسفاط وأن 80 في المائة من فوسفاط العالم يوجد تحت أقدامنا، هنا في المغرب، سيفهم لا محالة أن غذاء العالم بأسره يوجد قراره بين أيدينا.
فهل سنكون يا ترى في مستوى التحدي، ونكف عن التعامل مع هذه الثروة بمنطق «الطلاب يطلب ومرتو تصدق». نتمنى ذلك.
... تابع القراءة

المخطط الأخطر

من يتأمل حال وزير المالية وهو يستعد للطواف حول بنوك العالم من أجل اقتراض الملايير لترقيع ميزانيته السنوية الجديدة، يكاد يخلط المغرب بذلك الجزار الذي رغم توفره على اللحم في دكانه فإنه يتعشى باللفت.
والمغرب ليس دولة فقيرة كما يبدو ظاهريا، بل نحن أغنياء جدا، وربما سنصبح بعد سنوات قليلة إحدى الدول التي يتوقف عليها المصير الغذائي للكرة للأرضية بأسرها. كيف ذلك يا ترى؟
الجميع يعرف تقريبا أن المغرب هو أول مصدر للفوسفاط في العالم. وهذا الدرس علمونا إياه في مدارس الابتدائي منذ كنا صغارا. لكن القلة القليلة فقط من المغاربة تعرف أن احتياطي المغرب من الإنتاج العالمي للفوسفاط يصل إلى ثمانين في المائة، أي أن عشرة في المائة فقط من الفوسفاط توجد خارج المغرب موزعة على العالم. ومن يقول الفوسفاط يقول مواد التخصيب الفلاحية المستخلصة من الفوسفاط، والتي بدونها لا يمكن للإنتاج الفلاحي أن يكون.
بمعنى آخر، فالمغرب ينتج الفوسفاط الذي منه يتم استخلاص مواد التخصيب الفلاحية الضرورية للمحافظة على الأمن الغذائي العالمي. وبدون فوسفاط ليست هناك مواد تخصيب، وبدون مواد تخصيب ليس هناك إنتاج فلاحي، وبدون إنتاج فلاحي مرحبا بالمجاعة وما تتسبب فيه من حروب وفوضى وكوارث.
هذه الخلاصة انتبه إليها الجزائري الإسباني الذي سينظم في مراكش الدورة المقبلة من World Economic Forum 2010 في الفترة الممتدة ما بين 26 و28 أكتوبر المقبل، وهو نفسه الجزائري الذي ربح على حساب المؤسسات العمومية المغربية أموالا طائلة بمناسبة إعداده لمؤتمر «دافوس» الذي دفع الفقراء المغاربة ثمن أكل وشراب أثرياء العالم الذين حلوا ضيوفا عليه.
ولأن الأخ الجزائري الإسباني، الذي ظل يطرق أبواب المؤسسات العمومية المغربية لتمويل مؤتمره بمنح تصل إلى مئات الملايين، يعرف أهمية هذه الثروة العظيمة التي يجلس عليها المغرب، فقد دس محورا في المؤتمر حول الفوسفاط قدم له كالتالي: «نظرا إلى أسباب لها علاقة بالأمن الغذائي، فإن الفوسفاط سيصبح، بلا شك، أحد المعادن الأكثر أهمية خلال القرن الواحد والعشرين. ومع ذلك، لا توجد هناك مؤسسة دولية تهتم بتدبير هذا المعدن النفيس، عكس ما يحدث مع موارد أخرى استراتيجية». قبل أن ينتهي صاحبنا إلى طرح السؤال الخطير المصيري: «هل الميكانيزمات التسويقية الحالية للفوسفاط بوسعها أن تضمن استعمالا وتخزينا دائما لهذه المادة».
السؤال هنا ليس بريئا تماما، خصوصا إذا عرفنا أن الحرب الدائرة مؤخرا ضد المغرب في ملف الصحراء من طرف الجزائر تستهدف ضربه في القلب النابض لاقتصاده الوطني، أي الفوسفاط. ومن أجل عرقلة عمل هذه الآلة الاقتصادية الجبارة التي ستجعل من المغرب أحد المخاطبين الاقتصاديين الأساسيين في العالم، وضعت الدبلوماسية الجزائرية كل إمكانياتها المالية رهن إشارة لوبي قوي في أمريكا وأوربا من أجل استعمال ورقة حقوق الإنسان في الصحراء لإحراج الشركات العالمية التي تتعامل مع المغرب في مجال الفوسفاط، ودفعها إلى مقاطعته تجاريا بحجة أن الفوسفاط الذي يبيعها المغرب إياه مستخرج من الصحراء التي يحتلها. ولإنجاح حملتها المنظمة مولت الجزائر مكاتب دراسات في السويد وأستراليا لإنجاز بحوث موجهة حول الفوسفاط تقول خلاصتها إن الاحتياطي العالمي المتبقي حاليا لم يعد يتجاوز أربعين سنة في أحسن الأحوال، وإن فترة تراجع الإنتاج، أو ما يسمونه
le pic du phosphate، قد بدأ منذ 1989، وإن النسبة الكبرى من الفوسفاط الموجود بالمغرب توجد في الصحراء. ولذلك يجب الدفع في اتجاه وضع مؤسسة مستقلة شبيهة بمؤسسة «الأوبيب»، التي تتحكم في تدبير البترول، يعهد إليها بتدبير الفوسفاط في الصحراء.
هنا نصل إلى الخلفيات السياسية الحقيقية للسؤال الاستنكاري الذي سيطرحه الجزائري الإسباني الذي ينظم «المنتدى الاقتصادي العالمي» بمراكش خلال أكتوبر القادم. والمصيبة أن هذه الجلسة التي سيطرح فيها هذا السؤال سيترأسها سعد العلمي، الرئيس المدير العام لصندوق الإيداع والتدبير، إحدى المؤسسات الرئيسية المساهمة في ميزانية هذا المؤتمر. يعني أن الجزائر ستنجح في اختراق المغرب من الداخل، وفوق هذا وذاك ستنتج في هذه المهمة بفضل أموال دافعي الضرائب المغاربة.
وهكذا ستنجح الجزائر في الترويج من مراكش لفكرتها التي تدور حول التفكير في إسناد تدبير تخزين وتسويق الفوسفاط إلى مؤسسة مستقلة، وبحضور ورعاية صندوق الإيداع والتدبير، إحدى المؤسسات الراعية للمؤتمر.
وهكذا، عوض أن يبادر المغرب إلى تقديم الحقائق العلمية حول ثروته المعدنية الثمينة، فإنه يمول المؤتمرات الدولية التي تدس فيها الجزائر السم في الدسم وتقحم في جلساتها محاور تحرض المنتظم الدولي على فرض الوصاية على فوسفاطه بحجة الحرص على الأمن الغذائي العالمي.
ولعل المغرب مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يشرح للعالم أن الدراسات العلمية الموجهة التي مولتها الجزائر في أستراليا والسويد، والتي تحاول نتائجها أن تقنع المنتظم الدولي بأن أكبر احتياطي من الفوسفاط يوجد في الصحراء، كلها مبنية على الرغبة في منع المغرب من تطوير استثماراته الفوسفاطية حتى لا يصبح رقما صعبا في المعادلة الدولية، مثلما هي الجزائر بفضل الغاز.
ولذلك، فعوض تمويل المؤسسات العمومية المغربية لمؤتمرات تخدم مصلحة خصومنا، فالأجدر بها تمويل مؤتمرات علمية تشرح للمنتظم الدولي أن الفوسفاط الذي يستخرجه المكتب الشريف للفوسفاط من الصحراء لا يشكل سوى خمسة في المائة من مجموع الإنتاج الوطني من هذه المادة، وأن 95 في المائة من احتياطي الفوسفاط الذي يتوفر عليه المغرب يوجد في الشمال وليس في الجنوب، وأن احتياطي الفوسفاط المتبقي في المغرب يقدر بمئات السنين وليس بأربعين سنة كما تقول مكاتب الدراسات التي تمولها الجزائر، وأن الهدف الحقيقي من استغلال مناجم الفوسفاط في الصحراء ليس استنزاف خيرات المنطقة وإنما الهدف هو المحافظة على مناصب الشغل هناك، رغم أن أرباح البيع لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج. ثم إن عائدات الفوسفاط الذي يستخرجه المغرب من الصحراء لا يستفيد منها الشمال كما تقول الدعاية الجزائرية، وإنما يتم إنفاقها على المنطقة بمقتضى التزام موقع بين المغرب والشركات العالمية التي يتعامل معها تجاريا، ويحمل شارة أشهر مكتب محاماة أمريكي.
جنرالات الجزائر يعرفون أكثر من أي مسؤول مغربي أهمية الفوسفاط بالنسبة إلى الأمن الغذائي العالمي، ولذلك فكل جهدهم منصب اليوم على إشاعة الأكاذيب حول توفر الصحراء على النصيب الأكبر من الاحتياطي العالمي للفوسفاط، وأيضا إشاعة المخاوف بشأن قرب انقراض هذه المادة الحيوية للاستقرار العالمي. والهدف، طبعا، هو دفع المنتظم الدولي إلى إنشاء مؤسسة دولية مستقلة للتحكم في الفوسفاط.
أي بعبارة أخرى أوضح، استعمال ورقة حقوق الإنسان في الصحراء من أجل مصادرة هذه الثروة من المغرب لصالح مؤسسة دولية بحجة الحرص على الاستقرار العالمي.
ولذلك، فالمخطط الجزائري يسعى إلى إثارة الفتنة في الأقاليم الصحراوية ودفع انفصاليي الداخل إلى القيام بأعمال شغب. وعندما تشتعل منطقة من مناطق العالم، فإن ضوءا أحمر يشتعل في خريطة كبيرة موضوعة في أكبر قاعة وأهمها في العالم على الإطلاق. طبعا، لا نتحدث عن قاعة مجلس الأمن، وإنما عن قاعة بورصة «وينيبيغ» بولاية «مانيطوبا» الكندية حيث توجد أكبر بورصة في العالم خاصة بـ... القمح.
في هذه البورصة، التي تتحكم في خارطة الخبز العالمية، يشتغل خبراء دوليون، مهمتهم الأساسية مراقبة خارطة النزاعات الإقليمية والحروب الأهلية عبر العالم. وكلما اندلعت مشاكل اجتماعية مرتبطة بالفقر أو الجوع أو السياسة، ترتفع أن تنخفض أسهم القمح والذرة التي تتحكم فيها أربع شركات عالمية كبرى.
هذه الشركات الكبرى، التي تراقب درجة حرارة العالم على مدار الساعة داخل كواليس بورصة «وينيبيغ»، لديها حساسية كبيرة تجاه كل الأخبار التي تتعلق بالفوسفاط وإنتاجه. فبفضل الفوسفاط ومشتقاته، أي البوطاس والآزوط، يتم تخصيب آلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحية في أمريكا وكندا والتي تنتج نصف احتياطي العالم من القمح والذرة والصوجا.
وهذه الشركات العالمية، التي تتحكم في خبز ساكني الكرة الأرضية، تسعى اليوم بكل الوسائل إلى إخضاع شعوب العالم لسيطرتها عبر فرض زراعة الفسائل المعدلة جينيا، والتي بمجرد استعمالها مرة واحدة يصبح الفلاحون رهينة إلى الأبد لدى الشركة المنتجة لهذه الفسائل والتي تصبح متحكمة في مصيرهم وحجم إنتاجهم وصادراتهم.
فهل يدرك المغرب، إذن، قيمة الكنز الثمين الذي يوجد تحت أقدامه؟ وهل يفهم، أخيرا، أهمية الحرص على التدبير الجيد والعقلاني لهذه الثروة لضمان موقع حيوي وهام في عالم الغد، وتجنب تكرار الخطأ الجسيم الذي وقع فيه سنوات السبعينيات عندما عرف الفوسفاط عصره الذهبي؟
ذلك ما سنحاول شرحه في عدد الغد.
... تابع القراءة

حلم يتحقق

أحيانا يدعو الواحد منا نفسه إلى جلسة في مكان هادئ.. يفتح كتاب ذكرياته ويتأمل قليلا حياته الماضية. وبين ورقة يقلبها وأخرى يتذكر أحلام طفولته ومراهقته وشبابه، ويفكر هل استطاع أن يحقق شيئا من كل تلك الأحلام الكبيرة التي ظل يرسمها في خياله خلال لحظات شروده الطويلة كما يرسم الطفل فوق الرمل، قبل أن تأتي الموجة وتمحو كل رسوماته.
والواقع أن المحظوظين من الناس هم من ينجحون في تحقيق أحلامهم وامتهان حرفة يحبونها. وبحلول هذا اليوم، تكون «المساء» قد أقفلت سنتها الرابعة وهي تقود قافلة الصحافة الوطنية المستقلة والجادة والأكثر التصاقا بقضايا الشعب وطموحاته ومطالبه، وأكون شخصيا قد حققت حلما قديما طالما راودني عندما كنت أشتغل في مؤسسات الآخرين، وهو أن أعيش بقلمي وأن أكون سيد كتاباتي واختياراتي التحريرية، وهو ما تحقق لي بفضل الله أولا، وبفضل ثقة القراء ووفائهم وسخائهم غير المحدود وعطفهم على هذه التجربة الإعلامية الرائدة في المغرب والعالم العربي.
ولذلك، فإنني لا أستطيع أن أترك هذه الفرصة تمر دون أن أتقدم بشكري وامتناني العميق إلى كل تلك الآلاف من القراء الأوفياء الذين يقدمون الدليل يوميا على أن المغاربة شعب قارئ ونهم لالتهام الصحافة رغم كل ما يقال عن تبرمه من قراءة الجرائد. فالأزمة في المغرب هي أزمة صحف وليست أزمة قراء.
ونحن ندخل سنتنا الخامسة لا يسعنا سوى أن نشكر قراءنا الأوفياء لأنهم حققوا لنا حلما عزيزا وهو أن نشتغل في مجال نحبه ونقدره ونعتز به.. مجال الكتابة الصحافية وممارسة السلطة الرابعة بالقلم الذي يخط الرأي الحر والخبر اليقين.
لكن وكما أن هناك من يحقق أحلامه القديمة وينتهي محترفا شغلا طالما تمناه، هناك كثيرون منا يجدون أنفسهم بعد إنهاء تقليب صفحات كتب ذكرياتهم أنهم أصبحوا في واد وأحلامهم القديمة أصبحت في واد آخر.
أغلبهم أصبح يشتغل مهنة مملة لا علاقة لها بالمهنة التي تمنى دائما احترافها، ويسكن في المدينة التي لم يطق يوما أهلها، ولديه جيران كل ما يجمعه بهم هو تحيـّتا الصباح والمساء. هذا إذا كان هؤلاء الجيران من الذين يردون السلام طبعا.
بعضنا كان يحلم بأن يصبح طبيبا. وبسبب ضيق ذات اليد، درس الأدب حتى السنة الثانية ثم غادر الجامعة جريا وراء الخبز، وانتهى طبيبا مختصا في علاج أوضاع عائلته المادية، عوض أن ينتهي طبيبا مختصا في علاج القلب كما كان يحلم.
بعضنا كان يحلم عندما اشتغل بأن يتزوج بنت الجيران التي تبادل معها الرسائل الغرامية طيلة مراهقته. وعندما عاد إلى مدينته وجاء ليطلب يد فتاة أحلامه، وجد أن هناك من أتى قبله ولم يطلب يدها فقط بل طلبها عن آخرها وأخذها إلى حيث تربح ما تصرفه على عائلتها الفقيرة.
بعضنا كان يحلم بأن يصير مهندسا يرسم العمارات والفيلات الفخمة. وبسبب موت الأب، سقطت كل البنايات التي رسمها في خياله فوق رأسه. وعوض أن يرث بقعة أرضية يشيد فوقها مشاريعه، ورث الديون وقبيلة من الإخوان الذين صاروا يرون فيه مهندسهم الخاص الذي يجب أن يرسم لهم من جيبه مستقبلهم واحدا واحدا.
بعضنا كان يحلم بأن يصير شاعرا وظل يكتب قصائده ويخبئها في دفاتره الخاصة، وعندما كبر اكتشف أن كل البيوت الشعرية التي بناها في قصائده لن تنفعه في بناء بيت حقيقي يؤوي فيه زوجته وأبناءه، فترك بناء البيوت الشعرية بالاستعارات والكلمات الجميلة جانبا وتفرغ لبناء بيت حقيقي من الإسمنت والطوب!
بعضنا كان يحلم بأن يصير ممثلا تملأ صوره الشوارع والقاعات السينمائية، وعندما كبر نجح في أن يصير مجرد كومبارس يلعب دورا تافها في الحياة وليس في السينما. وعوض أن يملأ الشوارع بملصقات أفلامه ملأ حياته بالأدوار الرديئة وأصبح يمثل على الناس دور البطولة. وعندما ينهي أفلامه لا يجد من جمهور ينادي عليه باسمه سوى استدعاءات مخافر الأمن، ولا يجد من معجب يطلب منه توقيعه سوى محرر محاضر الاستماع في مقرات الشرطة.
بعضنا كان يحلم بأن يهاجر إلى الخارج بعيدا عن هذا الوطن، وأن يبدأ دراسته من جديد وأن يتزوج امرأة أجنبية ويغير جنسيته. وعندما كبر هجر وطنه دون أن يغادره، وبدأ دراسة وضعه المادي عوض الجامعي، وتزوج زميلته في العمل. وعوض أن يغير جنسيته، غير زجاج نظارتيه ومفتاح الباب واستقر في السكن الوظيفي إلى الأبد.
بعضنا كان يحلم بأن يكون فنانا بشعر أشعث وفرشاة ألوان في الجيوب، يسكن في كوخ بعيد عن المدينة ويعيش على بيع لوحاته. وعندما كبر وجد نفسه وقد أصبح فنانا يرسم الصفقات وجيوبه مليئة بأقلام الحبر الغليظة التي يوقع بها على الشيكات عوض الفرشاة التي كان يحلم بأن يوقع بها اللوحات.
بعضنا كان يحلم بأن يصبح كاتبا مشهورا يكتب الروايات والقصص، فانتهى كاتبا عموميا يكتب الشكايات وعقود البيع والشراء والكراء.
بعضنا كان يحلم بأن يصبح صحافيا يفضح اللصوص ويميط اللثام عن زعماء العصابات والأحزاب، فانتهى مناضلا في أحد هذه الأحزاب التي كان يحلم بأن يفضح زعماءها، وعوض أن يميط اللثام عن زعماء العصابات أصبح لوحده عصابة قائمة الذات.
بعضنا كان يحلم بأن يصير جنديا يدافع عن حوزة الوطن، وعندما كبر وجد أنه لم يدخل إلى الجندية، لكنه مع ذلك وجد نفسه مجبرا على الدفاع عن حوزة نفسه ضد كل الدخلاء والأشرار الذين يحاولون التدخل في شؤونه الخاصة.
بعضنا كان يحلم بأن يتزوج بحبه الكبير، وعندما كبر وجد نفسه مجبرا على الزواج بحب صغير وضيق جدا على قلبه، ومع الوقت أصبح هذا الحب يجرحه في صدره كما يجرح الحذاء الضيق القدم بسبب المشي.
بعضنا كان يحلم بأن يصبح مغنيا مشهورا، وقضى سنوات مراهقته يدرب حباله الصوتية في الحمام على أغنية «أروح لمين»، وعندما كبر وجد نفسه مازال في الحمام نفسه، وعوض ترديد أغنية «أروح لمين» أصبح يردد «أغدا ألقاك» وهو يتخيل راتبه الشهري التعيس.
بعضنا كان يحلم بالشهرة فحصل على الفضيحة.
بعضنا كان يحلم بالسلطة فسلطها الله عليه.
بعضنا كان يحلم فقط بالستر فافتضح أمره.
بعضنا كان يحلم بالثروة ونسي أن الثروة الحقيقية هي حب الناس، وأن ابتسامة صغيرة واحدة يمنحك إياها في الشارع شخص لا تعرفه أثمن وأغلى من رصيد سمين وجامد في بنك.
بعضنا كان يحلم بالثورة في شبابه، وعندما تجاوز مرحلة الحماس استبدل الثورة بالثروة، فربح الثروة وخسر نفسه.
بعضنا كان يحلم بأن يكون مناضلا، وظل يخطط في ساعات عزلته للإطاحة بكل الأفكار التي لا تمشي في صفه، وعندما كبر وأصبح بمستطاعه أن يقود أفكاره إلى النصر وأن يقود انقلابا ناجحا، غير البندقية من كتف إلى كتف وقرر أن يصبح مهادنا وأن ينفذ انقلابا ناجحا ضد مواقفه السابقة.
بعضنا كان يحلم بالاشتراكية العمالية فانتهى رأسماليا ولم يحتفظ من الاشتراكية سوى بالسيغار الكوبي وأطباق الكافيار المستورد وربطة العنق الحريرية الحمراء.
بعضنا كان يحلم بالشيوعية فانتهى ملكيا أكثر من الملك.
بعضنا كان يحلم بقلب النظام فانتهى في قلبه.
بعضنا بدأ ضابطا صغيرا في الجيش وانتهى تاجر سمك كبير في أعالي البحار.
بعضنا كان مغرما بقضية المرأة في شبابه. وعندما تزوج زميلته في النضال، كسر أضلاعها في اليوم الموالي، وعوض أن يقضي معها شهر العسل في فندق بخمس نجوم، قضى معها عمرا كاملا من الحنظل رأى فيه النجوم في عز الظهر.
بعضنا كان دائما ينتظر أن تأتي فرصة العمر، وعندما أتته ضيعها لأنه كان مشغولا بالنظر إلى فرص الآخرين.
بعضنا كان يحلم، فانقطعت عنه عادة الأحلام وأصبحت تزوره الكوابيس فقط.
 ومع ذلك، رغم الخيبات والانكسارات، لا مفر للإنسان من الحلم، لأنه الملجأ الأخير للأمل، العدو اللدود لليأس.
فالأحلام مثلها مثل العادة الشهرية، تنقطع عنا بمجرد ما يدخل طموحنا سن اليأس.
شكرا لكم جميعا لأنكم حققتم حلمنا الكبير، ومنحتمونا الفرصة لكي نبرهن لكم على أنكم لم تضعوا ثقتكم في فراغ. ومثلما حققتم حلمنا بمنحنا فرصة الاشتغال في مهنة نحبها، فإننا نعاهدكم على عدم تخييب ظنكم فينا، والبقاء دوما على العهد.. عهد الصدق والأمانة والإخلاص لواجب إخباركم بكل ما يحدث حولكم بتجرد واستقلالية وجرأة.
... تابع القراءة

الكرابة

تقول النكتة إن منشط برنامج للمسابقات طلب من أحد المستمعين أن يعطيه أسماء ثلاثة أشهر هجرية لكي يفوز بجائزة، فسكت المستمع لحظة ثم قال «شعبان»، وسكت قليلا، ما يكفي لكي يتذكر الشهر الذي يليه، ثم قال «رمضان»، ثم سكت مرة ثالثة قبل أن يقول «مرجان».
وفي عرف الكثير من المغاربة، فنهاية رمضان ترتبط بالذهاب إلى مرجان و«أسيما» و«لابيل في» للتزود بالاحتياطي الأسبوعي من المشروبات الكحولية. نتحدث هنا عن معدل استهلاك سنوي للخمور في المغرب يصل إلى 131 لترا. فالمغاربة هم أحد الشعوب التي تستهلك المشروبات الكحولية بشكل كبير، حيث تشكل «البيرة» 25 في المائة من المشروبات التي يستهلكها المغاربة، أما «الروج» فيشكل 13 في المائة، متبوعا بالويسكي بنسبة 12 في المائة.
طبعا، هناك من يختار اقتناء احتياطيه الخاص من «عيشة الطويلة» من محلات «الكرابة»، كما هو الشأن مع «الناشط» الحقوقي عبد الله زعزاع الذي ذهب في يوم ثاني عيد عند «كرابة» بمنطقة «دار بوعزة» لاقتناء «الروج» فاعتقلته دورية أمنية وقدمته، في حالة اعتقال، أمام وكيل الملك بتهمة نية اقتناء المشروبات الكحولية.
وعادة، بمجرد ما ينتهي رمضان تعاود البارات وأروقة بيع الكحول فتح أبوابها أمام زبائنها. والسؤال الذي يتكرر بعد العيد على نطاق واسع بين أفراد قبيلة «الشاربان» هو «واش طلقو الشراب؟».
المشكلة أن احتياطي «البيرة» و«الروج» المتوفر في الأسواق سينفد خلال الأربع والعشرين ساعة المقبلة. والسبب هو أن مصانع شركة «براسري دي ماروك» الثلاثة، التي تستحوذ على 97,5 من حصة سوق الكحوليات في المغرب، توقفت عن الإنتاج منذ الرابع من شتنبر الماضي.
والسبب الكامن وراء هذا التوقف ليس هو استجابة الشركة لدعوات عمدة فاس الذي طالب بإغلاق الحانات والملاهي التي تقدم المشروبات الروحية وتطهير فاس من بلائها المبين، وإنما يعود في أصله إلى نزاع بين شركة «براسري دي ماروك» وشركة سويسرية كلفتها إدارة الجمارك المغربية بصفقة إلصاق بطاقات الهوية الضريبية على قناني المشروبات الروحية التي تنتجها الشركة انسجاما مع قانون المالية الجديد الذي نص على فرض الضريبة الداخلية على الاستهلاك على كل المشروبات الغازية والكحولية.
وهي العملية التي يرتقب أن تجني منها خزينة وزارة المالية حوالي 600 مليار سنتيم كضرائب.
المشكلة أن شركة «براسري دي ماروك» ترفض أداء فواتير الشركة السويسرية المترتبة عن شهري جوان وجويي الماضيين، فهي تجد أن الأثمان التي تأخذها الشركة السويسرية عن كل قنينة تطبع عليها «بطاقة الهوية الضريبية» مبالغ فيها، وتطالب بمراجعتها: (درهم وعشرون سنتيما عن كل قنينة «روج»، ودرهمان و30 سنتيما عن كل قنينة ويسكي، وثلاثة سنتيمات عن كل قنينة بيرة).
أي أن الصراع القائم اليوم بين الشركتين المغربية والسويسرية هو، في الأصل، صراع بين منتج للخمر ومنتج للحبر. فشركة «براسري دي ماروك» تستحوذ على سوق الكحول بالمغرب فيما شركة «SICPA» تستحوذ على سوق الحبر السري الخاص بطبع جوازات السفر والأوراق المالية وأوراق ألعاب القمار. وكل طرف متمسك بموقفه ويرفض أن يراجع أسعاره.
وبالنسبة إلى خزينة وزير المالية، فالأمر لا يتعلق فقط بنزاع تجاري وصل إلى ساحة القضاء بين شركتين، وإنما يتعلق بضياع الدولة في مليار ونصف سنتيم كل يوم بسبب هذا النزاع. أما شركة «براسري دي ماروك» فيكلفها هذا التوقف عن العمل حوالي 30 مليون درهم كخسارة في رقم المعاملات وبطالة حوالي 850 مستخدما من مستخدميها.
لا بد أن المليارديرات الثلاثة، إدريس جطو وعثمان بنجلون وعادل الدويري، الذين يشكلون أقطاب مجموعة «ميطانديس» التي تملك 14 في المائة من رأسمال «براسري دي مارك»، يعانون هذه الأيام من الأرق بسبب «بوطزطاز» الذي تسبب لهم فيه توقف معاصر شركتهم عن إنتاج «البيرة» و«الروج» لقبيلة «الشربان» المغاربة، وبالتالي فإن أرباحهم السنوية مهددة بالتراجع، خصوصا أرباح وزير السياحة الاستقلالي السابق عادل الدويري الذي يملك الحصة الأكبر في صندوق «ميطانديس»، والذي ليس سوى ابن الزعيم الاستقلالي ووزير التجهيز في «حكومة بلافريج» محمد الدويري، رئيس جهة فاس الحالي، والذي كان وراء تحريك الدعوى لمنع بيع الخمور في فاس بعد إعلانها من طرف العمدة مدينة مقدسة.
وهكذا، فالزعيم الاستقلالي، الذي ينادي بمنع ترويج الخمور في الجهة التي يسيرها، يبارك استثمارات ابنه في مجال صناعة الخمور، لا بل يبارك أيضا استثماراته في مجال الصناعة البلاستيكية التي توفر لشركة «براسري دي ماروك» قناني التعبئة عبر شركة CMB PLASTIQUE التي تملكها مجموعة «ميطانديس» والتي يسيرها أحد مدراء الاستثمار السابقين في المجموعة.
محمد الدويري، الذي يعتبر أحد أقطاب الحركة الوطنية وحزب الاستقلال المنادي بالمحافظة على المبادئ الإسلامية، لا يضيره في شيء أن يصدر حزبه بيانا يدعم الدعوة التي أطلقها عمدة فاس لمنع ترويج الخمور في العاصمة الروحية للمملكة، بينما ابنه يربح الأموال بفضل خمور معاصر ومصانع شركة «براسري دي ماروك» التي يساهم فيها، مثلما لا يضيره أن يدافع حزبه عن الطبقة العاملة عبر نقابة شباط، في الوقت الذي تشغل فيه زوجته مستخدمين في مكتبتها بقلب العاصمة الرباط براتب شهري بائس لم يتحرك منذ خمس وعشرين سنة درهما واحدا.
واضح أن هؤلاء الاستقلاليين يعملون بقاعدة «أنظروا إلى ما أقوله ولا تنظروا على ما أفعله». وهي القاعدة الذي يعمل بها السيد خالد الشدادي، مدير «الصندوق المهني المغربي للتقاعد»، والذي أدخل الصندوق إلى دائرة المساهمين في رأسمال شركة «براسري دي ماروك» في حدود 14 في المائة.
وهكذا، فالموظفون في القطاع الخاص والمنخرطون في «الصندوق المهني المغربي للتقاعد» لا يعرفون أن الاقتطاعات الشهرية التي يقتطعها الصندوق من رواتبهم يستثمرها هذا الأخير في مجموعة من القطاعات، منها شركة إنتاج الخمور «براسري دي ماروك» التي تملك فيها شركة «كاستيل» الفرنسية حصة الأسد بحوالي 66 في المائة، وشركة «مازاغان» التي تملك كازينو للقمار بالجديدة.
وإذا كان من حق الوزير الأول السابق إدريس جطو، والملياردير عثمان بنجلون، ووزير السياحة السابق الاستقلالي عادل الدويري استثمار أموالهم في تجارة الخمور، بحكم أنهم أحرار في طريقة تدبير ثرواتهم، فإن الإشكال الذي يطرح نفسه بالنسبة إلى الصندوق المهني المغربي للتقاعد يبقى إشكالا أخلاقيا وقانونيا.
بمعنى، هل أخذ السيد خالد الشدادي الإذن من الـ4397 شركة المنخرطة في خدمات الصندوق في استثمار مدخرات تقاعدها في شركة لإنتاج الخمور وشركة تعتمد أرباحها أساسا على عائدات القمار والمشروبات الكحولية؟ بمعنى آخر، هل يعرف المنخرطون في الصندوق الذين وصل عددهم إلى 258.577 منخرطا أن تقاعدهم يتم استثماره في الخمر والقمار؟
وإذا كان هؤلاء المنخرطون لا يعرفون هذه الحقيقة، فإن الرأي العام لا يعرف أيضا أن صندوق الإيداع والتدبير، الذي يتصرف في أموال اليتامى والأرامل، يساهم «بشي بركة» في رأسمال محطة «مازغان» التي أصبحت قبلة للمقامرين وهواة الليالي الملاح.
والمصيبة أن هذه المؤسسات العمومية وشبه العمومية تساهم بأموال المسلمين في شركات تنتج منتجات يحرم القانون المغربي تعاطيها على المسلمين. والكارثة الأعظم أن نصيب الأسد من أرباح هذه الشركات يفوز به المساهمون الأجانب و«يخرجونه» عملة صعبة من المغرب عبر مكتب الصرف.
ولكم أن تتخيلوا كم تخرج شركة «كاستيل» كل سنة من المغرب كعملة صعبة نتيجة أرباحها عن بيع 131 مليون لتر من الكحول كل سنة للمغاربة.
والواقع أن أحسن منتوج يوزع بشكل مضبوط ومدروس اليوم في المغرب هو الخمور. وفي مقابل توفر أحسن شركات توزيع الجرائد والمطبوعات على خمسة آلاف نقطة بيع، فإن شركات الخمور لديها أكثر من 80 ألف نقطة بيع عبر ربوع المملكة. مما يجعل قنينة «البيرة» أو «الشمس الحارقة» (شود صولاي) في أبعد منطقة من مناطق المغرب أقرب إليك من الجريدة أو الكتاب.
ارتفاع مداخيل وزارة المالية من العائدات الضريبية على الكحول يعني بالضرورة ارتفاع معدل استهلاك المغاربة اليومي للخمور. وإذا كانت الخزينة قد ربحت برسم سنة 2007 حوالي 742 مليون درهم كضرائب على الخمور، و744 مليون درهم برسم سنة 2008، فإن أرباح سنة 2009 قفزت إلى 791 مليون درهم، وهو رقم مرشح للارتفاع في السنوات المقبلة بعد زيادة الرسوم على بيع المشروبات الكحولية التي ارتفع سعرها بعد دخول قانون المالية الجديد حيز التنفيذ.
إن الجهل بمخاطر اتساع دائرة استهلاك الكحول بالمغرب، وارتفاع الإقبال عليها من طرف فئات عمرية شابة، سيجعلان الدولة تدفع ثمن هذا الجهل باهظا في المستقبل، لأن فاتورة علاج الأمراض العضوية والاجتماعية والنفسية ومعطوبي وقتلى حوادث السير التي تتسبب فيها الكحول ستخرج من ميزانية الإنفاق العمومي.
أي أن «جوج فرنك» التي تربحها خزينة الدولة من ضرائب الكحول ستدفعها على شكل ميزانيات لوزارتي الصحة والنقل والمؤسسات العمومية العاملة في ميدان رعاية الأيتام والمعوقين.
الرابح الوحيد من وراء هذه التجارة هو الشركات الأجنبية التي تجني أرباحها السنوية بالعملة الصعبة عن طريق توسيع دائرة مستهلكي منتجاتها الكحولية بالمغرب، مستغلة الغياب التام لوسائل الإعلام العمومي في التصدي لمخاطر الغزو الكحولي لبيوت المغاربة ولعقر مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم التي أصبحت «عيشة الطويلة» تباع داخلها «بالعلالي».
... تابع القراءة

وما خفي كان أعظم.

بالأمس، تحدثنا عن كواليس تفويت الصفقات العمومية إلى بعض مكاتب الدراسات المسنودة من طرف شخصيات نافذة في الدولة والحكومة. دعونا اليوم نتحدث عن كواليس تفويت الصفقات إلى الجمعيات الدائرة في فلك أحزاب الوزراء.

فالجميع يتحمس للحديث عن مدونة السير الجديدة التي ستدخل حيز التنفيذ مطلع أكتوبر المقبل، ولا يكاد يتحدث أحد عن الصفقات التي يبرمها الشرايبي، رئيس اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، مع الشركات والجمعيات التي تشتغل في مجال التواصل والإشهار، كوكالة «أوبفيزيون» التي جلبت إلى التلفزيون متعهد حفلات يسخر من المواطنين وهو يشرح لهم بنود مدونة السير الجديدة.
كل جهة تحاول استغلال ورقة المدونة لصالحها.. فهناك من لديه مصالح مالية، وهناك من لديه حسابات سياسية. حتى إن هناك بوادر حرب حزبية بين الاستقلال والأصالة والمعاصرة ستدور رحاها بسبب هذه المدونة. فيبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة يريد أن يخلط الأوراق ويضع ظهر عباس الفاسي على الحائط حتى يلعب دور «فكاك الوحايل» مجددا، كما صنع السنة الماضية عندما تدخل القائد الهمام الشيخ بيد الله لتخليص الوزير غلاب من قبضة نقابات النقل الخانقة وإنهاء الإضراب الذي شل اقتصاد البلاد.
وهناك صفقة أطلقتها لجنة الشرايبي منذ سنة 2004 اسمها عملية «أصدقاء المرور»، تهدف إلى التواصل المباشر مع مستعملي الطريق بالساحات والشوارع الأساسية بإحدى عشرة مدينة، يقوم بها شباب ينشطون في الجمعيات. وهؤلاء الشباب هم الذين نراهم في الشوارع يخاطبون الراجلين ومستعملي الطريق عبر مكبرات الصوت، ناصحين إياهم باحترام قوانين المرور.
هؤلاء المنشطون تأخذ الجمعية الفائزة بالصفقة مبلغ 70 درهما عن كل واحد منهم مقابل ست ساعات عمل يومي.
وبعدما فضحنا في عمود سابق تفويت الشرايبي، رئيس اللجنة الدائمة للوقاية من حوادث السير، صفقات بمئات الملايين إلى وكالة «أوبفيزيون»، بتزكية من مستشارة وزير النقل مدام «بورارة»، الصديقة الحميمة لرئيسة الوكالة، أصبح الشرايبي، الذي تجمعه بالمرأتين صداقة قديمة، يجد حرجا كبيرا في الاستمرار في إغداق صفقات اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير على هذه الوكالة المدللة.
وهكذا، فبعدما استفادت وكالة «أوبفيزيون» طيلة سنتي 2008 و2009 من صفقات عملية «أصدقاء المرور»، أصبح من الصعب على الشرايبي أن يمنح الوكالة المزيد من صفقات هذا البرنامج.
وحتى يخلط الشرايبي «الضواصا» قليلا ويعطي الانطباع بأنه أغلق الباب في وجه وكالة «أوبفيزيون»، اختار أن يفوت صفقة سنة 2010 إلى إحدى الجمعيات. المصيبة أن الشرايبي «جا يحكل ليها عماه»، فالجمعية التي «أهداها» صفقة «أصدقاء المرور» ليست سوى جمعية ATT التي كانت تسمى سابقا «جمعية التربية والتخييم»، والتي تدور في فلك حزب الاستقلال ويرأسها الخصاصي، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، الحزب الذي ينتمي إليه وزير النقل والوزير الأول.
طبعا، لم تفهم الجمعيات التي تشتغل في مجال السلامة الطرقية شيئا مما حدث، فاللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير تكتمت على الصفقة ومررتها في سرية تامة ولم تخبر أية جمعية من الجمعيات الإحدى عشرة المتخصصة في التربية الطرقية والتي كانت تتكلف بالعملية عن طريق اللجنة ووكالة «أوبفيزيون»، رغم أن رؤساء هذه الجمعيات كانوا مدعوين، على حسابهم، إلى اللقاء الإخباري الذي نظمته اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير بمقرها في شارع العرعار بحي الرياض بالرباط يوم الأربعاء 30 يونيو الماضي لتقديم المخطط التواصلي لمدونة السير الجديدة.
بعبارة أخرى، فالصفقة مرت «حسي مسي»، ولا أحد يعرف مقدار المبلغ الذي تم الاتفاق على صرفه من ميزانية اللجنة للجمعية الاستقلالية التي لم يسبق لها أن نظمت نشاطا مرتبطا بالسلامة الطرقية. فيبدو أن القرابة الوحيدة التي تربط رئيس هذه الجمعية هي القرابة الحزبية مع عباس الفاسي وكريم غلاب.
وهكذا، ففي مقابل الضجيج الإعلامي المرافق لقرب دخول مدونة السير الجديدة حيز التطبيق، لا تكاد طريقة تفويت الصفقات المرتبطة بهذه المدونة إلى المقربين من حزب الاستقلال وأصدقاء مستشارة وزير النقل تثير أي نقاش.
تفويت الصفقات العمومية إلى جمعيات المقربين ووكالات أسفارهم ليست ظاهرة جديدة في المغرب. وعندما كتبنا عن استفادة وكالة أسفار أخ زوجة وزير الهجرة الاتحادي عامر من صفقات أسفار ومبيت الوزارة وضيوف مؤتمراتها، اعترف الوزير بالخطأ وتعهد بعدم تكراره.
لكنه عوض أن يستمر في إسناد الصفقات إلى أخ زوجته، قام بتشغيل أكثر من سبعة عشر فردا من أفراد عائلته بين تاوريرت ووجدة وفاس.
ولماذا لا يفعل ذلك وقد سبقه اتحادي آخر اسمه خالد عليوة إلى القيام بنفس «المهمة» العائلية عندما ثبـّت أفراد عائلته في سلسلة فنادق «رياض السلام» التي كانت تابعة للقرض العقاري والسياحي قبل بيعها لشركة «صناديق مهد السلامة»، حيث لا عمل آخر لهؤلاء المحظوظين غير «الراحة والسياحة». وهكذا بعدما غادر عليوة المركب بعد فضيحة تفويت شقة تابعة للبنك لفائدته بثمن أرخص من ثمنها الحقيقي، ترك وراءه أخته مدام بلفقيه براتب شهري يصل إلى 22 ألف درهم، وأخاه أمين عليوة، إضافة إلى ابن أخته براتب شهري يصل إلى 12 ألف درهم مع السكن داخل الفندق في «سويت».
وحتى أصدقاء العائلة يحظون بمعاملة تفضيلية داخل فنادق هذه السلسلة التابعة للبنك العقاري والسياحي، خصوصا أولئك الذين ينحدرون من عائلة لديها رائحة الشحمة فالشاقور مع عائلة الجواهري، والي بنك المغرب. وهكذا، رأت إحدى هؤلاء المحظوظات من أصدقاء عائلة عليوة، اللواتي كن يشتغلن في «البوتيك» داخل الفندق، راتبها يقفز من 3500 درهم إلى 9000 درهم، بعد إبعاد أحد الموظفين من مراكش 800 كلم إلى أرفود وإعطائها مكانه.
إذا كانت هناك طرق كثيرة لجعل المقربين والأصدقاء يستفيدون من صفقات ومناصب المؤسسات العمومية، فإن هناك طرقا أخرى أكثر ذكاء لاستفادة بعض أصحاب الفنادق والرياضات، عن طريق الجمعيات، من عائدات المناسبات والمهرجانات التي تنظمها.
ورئيس المجلس الجهوي للسياحة بفاس مثلا، السيد إدريس فصيح، والذي يتولى في الوقت ذاته مهمة الإدارة التجارية لمهرجان فاس للموسيقى الروحية، يعطي مثالا بارزا على المسؤولين العموميين الذين يضعون مجهودهم في خدمة «لوبي» الفنادق والرياضات التي يملكها منعشون عقاريون أعضاء في جمعية فاس سايس التي تشرف على تنظيم أغلب مهرجانات المدينة.
وغير خاف على أحد أن ضيوف هذه المهرجانات التي تتولى جمعية فاس تنظيمها على مدار السنة ينزلون ضيوفا في رياضات وفنادق هؤلاء المنعشين السياحيين الذين يعرفون كيف يزاوجون بين رنين الموسيقى ورنين الدرهم بشكل متناغم.
عندما نراجع أسماء أعضاء ومؤسسي جمعية فاس سايس، التي تحتكر تنظيم مهرجانات العاصمة الروحية للمملكة، ونبحث عن أسماء الرياضات التي يملكونها في دروب المدينة القديمة، نفهم حرص الجمعية الكبير على تحويل فاس إلى عاصمة للسياحة الروحية.
فهذه «الروح» تدر الملايين على أصحاب الرياضات الذين يستضيفون، على مدار السنة، ضيوف المهرجانات المدعومة من طرف البنوك والمؤسسات المالية والعمومية الكبرى، مثلما حدث خلال دورة هذه السنة عندما مول الملياردير عثمان بنجلون حفل تكريمه خلال مهرجان الموسيقى الروحية بملايير محترمة.
والقصة نفسها تتكرر في الصويرة مع جمعية «الصويرة موغادور» لصاحبها أندريه أزولاي، والتي تحتكر تنظيم مهرجانات في مدينة الرياح على مدار السنة. ولأن أزولاي لديه أسهم عبر أخيه مارسيل أزولاي في فندق «سوفيتيل»، فإن جميع الأمسيات والحفلات المرتبطة بمهرجاناته وضيوفه يكون مسرحها هذا الفندق.
وهكذا، فخلف أضواء الموسيقى الروحية و«قراقب» كناوة، هناك «تقرقيبة» حقيقية تدور خلف الكواليس. وخلف حملات التوعية بمخاطر الطريق، هناك صفقات خفية لا يكاد ينتبه إليها أحد.
وما خفي كان أعظم.
... تابع القراءة

بزبوز د النحاس

سمع الجميع الوزير الأول ووزير المالية ينصحان بقية الوزراء بتخفيض النفقات العمومية، بالاقتصاد في استعمال سيارات الخدمة، والتقشف في تعويضات السفر والرحلات، وإلغاء الحفلات التي تصرف عليها ميزانيات الأكل والشراب بدون فائدة تذكر، اللهم تلك «الفوائد» التي تجنيها شركات المناولة التي يؤسسها مقربون من دواوين بعض الوزراء ويبرمون معها العقود المجزية عملا بمقولة «خيرنا ما يديه غيرنا».

فالميزانية المقبلة ستكون ميزانية «الزلط» الحكومي بامتياز. فبعد أن أخرجت الشركات الأجنبية أرباحها الأسطورية من المغرب وتركت بنك المغرب على «الحديدة»، وبعد أن «أكل» صندوق الموازنة ميزانيته المخصصة للسنة المقبلة، وبعد أن باعت الدولة كل «مجوهراتها» ولم يتبق لها في دولاب ثيابها سوى «خردة» اسمها «لارام» و«دوزيم» وبعض المؤسسات التي لن ينبح عليها حتى «بوبي» بسبب إفلاسها المعلن، ها نحن نرى كيف استفاق وزير المالية، الذي يقود خلية للتفكير تعاني من أعراض الباركنسون، من أحلام النمو اللذيذة التي ظلت تسبح في رذاذها الطبقة السياسية بعد أن اكتشف أن الماء وصل إلى ركبتيه وأن أحلام نسب النمو المنشودة أغرقتها كوابيس نسب التضخم والعجز المالي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل تكفي مطالبة الوزراء بالتخفيف من نفقات وزاراتهم لكي يستطيع وزير المالية إخراج ميزانية متوازنة يخلص بها المغرب من عنق الزجاجة؟
نطرح هذا السؤال لأن هناك ما هو أفظع من نفقات الوزراء على السفريات وتعويضاتها، والسيارات وبنزينها والحفلات وحلوياتها.
عندما كتبنا في هذا العمود خلال رمضان الماضي حول إنهاء وزير الشغل، الاتحادي جمال أغماني، لفيلته الثانية في الهرهورة بعد فيلته الأولى في طريق زعير، وتزامن ذلك مع بناء مقر الوزارة الجديد، نشر سعادة الوزير ردا في جريدته الحزبية وعلى موقع «هيس بوليس»، عفوا «هيسبريس»، يشرح فيه ظروف تشييده لفيلته الجديدة، دون أن يفوت فرصة دعوتنا إلى تناول الإفطار عنده لتمتين أواصر الأخوة والصداقة. ونحن هنا لا يسعنا سوى أن نشكر الوزير على دعوته الكريمة، دون أن يفوتنا تذكيره بأن ذلك لن يمنعنا من الاستمرار في طرح الأسئلة حول الظروف التي يتم فيها إسناد الصفقات المجزية إلى الشركات المتعاملة مع وزارته والتي «يلعب» فيها أحد أذرعه اليمنى في ديوانه دورا أساسيا.
الجميع تقريبا يعرف أسماء الوزراء، لكن قلة قليلة تعرف من يكون نائب الوزير الحقيقي. إنه مكاتب الدراسات. وهذه المكاتب، التي توجد في ملكية الفرنسيين على الخصوص، تلهف سنويا ميزانيات بالملايير تغادر المغرب بالعملة الصعبة.
وبما أن السيد جمال أغماني يحب التواصل مع الصحافة عبر بيانات الحقيقة، فإننا نطلب منه أن ينورنا في موضوع مكتب للدراسات اسمه «كويفيسينس» يحتكر منذ عشر سنوات صفقات كتابة الدولة المكلفة بالتكوين المهني.
نريد من سعادة الوزير أن يشرح لنا لماذا عندما حاول رئيس مصلحة بوزارة التشغيل ذات سنة أن يخرج عن هذه القاعدة «الخايبة» ومنح الصفقة لمكتب دراسات آخر أقل سعرا من مكتب «كويفيسينس» وأكثر حنكة منه، استدعى سعادة الوزير هذا الموظف ونقله من مديريته الأصلية إلى مديرية التواصل. وتم خلق جميع العراقيل أمام المكتب الذي فاز بالصفقة حتى يتراجع في السنة الموالية عن تقديم ترشيحه. وفعلا نجحت الخطة، ومنذ 2007 عادت ريما إلى عادتها القديمة واستطاع مكتب الدراسات المحظوظ أن يسترد صفقاته المجزية مع الوزارة وكتابة الدولة المكلفة بالتكوين بقيادة الحسن بنموسى. ولا يبدو أن سعادة الوزير ولا بنموسى أبديا انزعاجا بسبب تكرار حصول هذا المكتب على صفقات وزارة الشغل بانتظام، خصوصا وأن المكتب لا يتوفر على الموارد البشرية الكافية لإنجاز جميع الصفقات داخل الآجال المتفق عليها. لكن لماذا سيحمل المكتب المحظوظ هما للآجال القانونية المتفق عليها، مادامت الوزارة «تتفهم» جيدا إمكانياته، ولذلك فسعادة الوزير يعطيه كل الوقت الذي يحتاجه لإنجاز المطلوب، كما يضع رهن إشارته المؤهلات البشرية التي توجد في الوزارة، مثلما حدث مع صفقة «تكوين المكونين» لسنة 2007. وقد أصبح هذا المكتب مرجعا بالنسبة إلى وزارة التشغيل إلى الحد الذي أصبح يضع طابعه على الشهادات التي تمنحها الوزارة لمدراء المؤسسات الخاصة عوض طابع الوزارة وكتابة الدولة المكلفة بالتكوين المهني.
وسنويا يفوز المكتب المحظوظ بصفقتين مع وزارة الشغل، قيمة كل واحدة منهما تتجاوز 300 مليون سنتيم. والعمل الأساسي لهذا المكتب هو القيام بدراسات محاسبة للمؤسسات الخاصة ومؤسسات التكوين المهني تقتصر فقط على إحصاء عدد الساعات التي يعملها أساتذة المعاهد التي يصل عددها إلى 240 معهدا عوض الانكباب على الجانب الإداري والبيداغوجي لمعاهد التكوين المهني. المشكلة أن الموظفين الذين يعتمد عليهم هذا المكتب يشتغل جلهم كأساتذة وموظفين في الجامعات، مما يفقد المكتب مبدأ الاستقلالية والحياد المفروض توفره في المراقبين والمحاسبين، خصوصا وأن المكتب يحتكر صفقات جانبية مرتبطة بكتابة الدولة في التكوين المهني، كصفقة تكوين المكونين، وصفقة تكوين المدراء، وصفقة تقييم البرامج، وصفقة وضع البرامج، وصفقات أخرى تتم فوترتها على حساب الوزارة بمئات الملايين.
ويكفي أن يعود السيد بنموسى إلى أرشيفه لكي يراجع توقيعات وتقارير الموظفين الذين يشتغلون مع مكتب الدراسات المحظوظ لكي يكتشف أن أحدهم أستاذ جامعي يقضي من وقته في مكتب «كويفيسينس» أكثر مما يقضيه في مكتبه بجامعة أكدال، وآخر أستاذ من تازة لا علاقة له بالتكوين المستمر، وثالث موظف في معهد الزراعة والبيطرة.
السيد بنموسى لن يقول لنا شيئا حول ظروف اشتغاله مع هذا المكتب بالضبط، كما لن يقول لنا شيئا حول علاقة كل هذا بأخيه الذي يملك شبكة من المدارس الخاصة للتكوين المهني تحت اسم «ميلتيكسا»، تستفيد من منح للدعم من التعاون الدولي.
وحكاية ميزانيات برنامج التعاون الدولي بالمغرب حكاية ذات «سجون» عفوا ذات شجون، فأغلب هذه البرامج تصل ميزانياتها إلى الملايير، خصوصا برنامجي «ميدا واحد» و«ميدا اثنين» وبرنامج «الملينيوم تشالانج»، ولذلك فلا غرابة أن يسيل حولها لعاب كثير، خصوصا وأن أعين الإعلام والبرلمان غير «مسلطة» عليها بما يكفي بسبب غياب المعلومات.
لذلك فإذا كانت هناك نية حقيقية لدى وزير المالية لترشيد النفقات العمومية للوزارات، فإن أول شيء عليه القيام به هو مراقبة الطريقة التي تفوت بها أغلب الوزارات صفقاتها إلى مكاتب دراسات بعينها وبصفة منتظمة.
نعرف أن سعادة وزير المالية لن يغامر بوضع قدميه فوق هذا الملعب الملغوم، لأن أخاه بدوره يوجد على رأس مكتب دراسات يحظى بصفقات مؤسسة الضمان الاجتماعي التابعة بدورها لوزارة الشغل. لكننا نجد أنه من الضروري في هذه الأزمنة الصعبة، التي كثر فيها الحديث عن ترشيد النفقات العمومية، أن نثير انتباه سعادة وزير المالية إلى وجود «بزبوز» كبير في صناديق ميزانيات الوزارات تتسرب منه مئات الملايين سنويا لصالح مكاتب دراسات تفوز بصفقات برامج يستطيع أطر الوزارات القيام بها على أحسن وجه لو أعطيت لهم الإمكانيات والتشجيع اللازم.
مشكلة بعض الوزراء أنهم يقفون عاجزين أمام شهية بعض مكاتب الدراسات المفتوحة للصفقات، خصوصا عندما تكون المجالس الإدارية لهذه المكاتب مكونة من بعض الشخصيات النافذة التي لا يرد لها طلب.
فقد اكتشف بعض المسؤولين أن أحسن طريقة للاغتناء السريع هي تأسيس مكتب دراسات، أو فتح فروع في المغرب لمكاتب دراسات عالمية ووضع أسماء نكرة في الواجهة، والسعي بكل الوسائل إلى الحصول على صفقات لدى الوزارات والمؤسسات العمومية تقدر بمئات الملايين.
ولعل أبرز مثال على الأرباح الخيالية التي تجنيها مكاتب الدراسات بفضل شراكاتها مع الوزارات والمؤسسات العمومية، ذلك المبلغ الخرافي الذي جناه مكتب تحول، في ظرف خمس سنوات، إلى أول مكتب دراسات في المغرب، وهو «فاليانس»، الذي وصلت أرباحه ما بين جوان 2008 وجوان 2009 إلى ثمانية ملايير ونصف المليار سنتيم.
وعندما نبحث عن الصفقات التي أبرمها هذا المكتب، نكاد نعثر على كل الوزارات. فقد حصل المكتب على صفقتي «إقلاع1» و«إقلاع 2» اللتين أطلقهما وزير التجارة والصناعة، وحصل على صفقتي «رؤية 2010» و«رؤية 2020» اللتين أطلقتهما وزارة السياحة، وحصل على صفقات مع وزارة الطاقة والمعادن، كما حصل على صفقات أغلب المناطق الصناعية وصفقات مؤتمرات وصالونات الصناعة، وصفقات إعادة هيكلة الشركات العمومية والدراسات المرتبطة بها، مثل الدراسة التي أعدها مكتب «فاليانس» لفائدة المركز السينمائي المغربي حول وضعية القاعات السينمائية، وهي الدراسة التي كشفنا حينها أنها كلفت المركز 200 مليون سنتيم ولم يتجرأ الصايل على نشر نتائجها على العموم.
هناك، إذن، حاجة ماسة اليوم إلى مراقبة وزارة المالية لكل هذه الأموال التي تصرف لحسابات مكاتب الدراسات المغربية والأجنبية.
وسيرى وزير المالية كم من الملايير سيوفر لخزينة الدولة ولبنك المغرب إذا ما نجح في «تزيار» هذا «البزبوز د النحاس» الذي «يكب الفلوس بلا قياس».


... تابع القراءة

وأعرض عن الجاهلين

لعل أسوأ وأجهل رد على استفزازات رجال الدين المتطرفين الذين يمزقون ويحرقون القرآن أمام البيت الأبيض هذه الأيام، هو ما قام به مسلم في جنوب إفريقيا عندما حاول إحراق الإنجيل.
عندما نشاهد نشرات الأخبار العالمية ونرى تلك الأمواج العاتية من المسلمين الغاضبين الذين يتظاهرون في العواصم الغربية والإسلامية مطالبين برؤوس هؤلاء المتطرفين، مضرمين النار في صورهم وفي العلم الأمريكي، نفهم أن مخطط هؤلاء الشياطين قد نجح.
فالغاية من إطلاق هذه الحملة المنظمة لتمزيق وإحراق القرآن هي استفزاز وتهييج مشاعر المسلمين لدفعهم نحو الخروج إلى الشوارع وإحراق السفارات الغربية وراياتها وتصوير ذلك كله ونقله عبر نشرات الأخبار إلى المشاهد الغربي لترويعه وإخافته، حتى إذا ما قررت أمريكا وحلفاؤها ضرب دولة إسلامية أو احتلالها فإن الرأي العام الغربي يكون مهيأ لقبول هذا الاعتداء، لأنه في نهاية المطاف اعتداء على همج وقتلة ومتخلفين لا يفهمون سوى لغة النار والحديد.
وإلى هذه الكذبة الكبيرة، التي تم إخراجها بذكاء إعلامي شيطاني، تنضاف كذبة أخرى نطق بها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في معرض تعليقه على قرار إحراق القس الأمريكي للقرآن في الذكرى التاسعة لهجمات الـ11 من شتنبر، حيث قال إن أمريكا لن تدخل أبدا في حرب ضد الإسلام وإنما هي في حرب ضد القاعدة.
فالحرب التي تخوضها أمريكا وحليفتها إسرائيل ضد الإسلام ليست حربا ظاهرة مثل تلك التي عبر عنها القس الأمريكي الغبي الذي هدد بإحراق القرآن، أو تلك التي أوقد نيرانها رسامو الكاريكاتير الذين استهزؤوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما حرب أمريكا والصهيونية على الإسلام تتخذ طابعا خفيا وتستهدف حرق القرآن في قلوب المسلمين وليس حرقه في الساحات العامة.
وعملية الإحراق الممنهجة للقرآن في قلوب المسلمين تبدأ بإصرار الإدارة الأمريكية على حذف بعض الآيات القرآنية من البرامج التعليمية في الدول الإسلامية، والوقوف خلف دعوات ترجمة القرآن إلى اللهجات المحلية لنزع القداسة عنه وتمييع معانيه وتشجيع جهات إعلامية ومدنية على التشكيك في آياته ونزوله والمطالبة بمراجعته.
هذه هي المؤامرة الحقيقية التي تستهدف القرآن. وهدفها الأساسي هو القرآن الذي في قلوب المسلمين وليس القرآن الذي في رفوف مكتباتهم. والرسول الكريم لم يتعرض فقط لسخرية أجداد هؤلاء الجهلة الذين يعيشون بيننا اليوم، وإنما تعرض لأذاهم أيضا، ورجم سيد الخلق بالحجارة حتى أدمت قدميه، وعندما طلب منه الصحابة أن يدعوَ عليهم دعوة تجعل الجبال تنطبق عليهم أعرض، فقد يأتي منهم الخير.
وللأسف، فإن المسلمين يفعلون كل ما بوسعهم لحماية القرآن المكتوب في الأوراق وينسون أن الدفاع الحقيقي عن القرآن هو ترسيخ معانيه في معاملاتهم اليومية وإعطاء المثل للآخرين في العدل والإخاء والمساواة والسلام والمحبة.
وإنه لمن المثير للانتباه أن الجماهير الهائجة التي خرجت تحتج على دعوات إحراق القرآن في أمريكا تعطي بلدانها أسوأ الأمثلة في الحكم وإدارة الشؤون.
وهكذا، فالذين ظهر فيهم دين الرحمة أصبحوا هم أصحاب أكثر القلوب قسوة في العالم، والذين ظهر فيهم نبي السلام أصبحوا هم أكثر الشعوب نزوعا نحو التقاتل ونهش بعضهم البعض. وما وقع بين الجزائر ومصر مؤخرا يعطينا مثالا واضحا على أن أكبر خطر على العرب والمسلمين هو أنفسهم. وأصبحت أمة «إقرأ» هي أمة «ما أنا بقارئ»، فبينما يقرأ كتابا واحدا 500 بريطاني، يقرأ في العالم العربي الكتاب الواحد حوالي 12 ألف عربي. وخلال 35 عاما الأخيرة من حكم هؤلاء الملوك والرؤساء الخالدين في العالم الإسلامي، ارتفع عدد الأميين في أمة «إقرأ» من 50 إلى 70 مليونا.
وفي الوقت الذي ترفض فيه بعض الدول الإسلامية الترخيص للبنوك التي لا تتعامل بالربا، نرى كيف أن فرنسا وإنجلترا ودولا علمانية أخرى بدأت تقرر في جامعات اقتصادها شـُعبا متخصصة في الاقتصاد الإسلامي، ومنها من بدأت في الترخيص لهذه البنوك بالعمل. أكثر من ذلك، هناك من اقتنع بأن النظام البنكي الإسلامي هو الحل للجم الرأسمال الجشع.
والنتيجة هي أن المسلمين فروا هاربين من بلدانهم إلى أوربا وأمريكا وتشردوا في سائر بقاع العالم كما تشرد اليهود من قبلهم. وها هو العالم اليوم يعيش أزمة اقتصادية خانقة كتلك التي عاشتها أوربا قبل تغول النازية. والمشجب الذي يريد اليمين العنصري المتطرف في الغرب أن يعلق عليه اليوم أزمته ومشاكله هو العرب والمسلمون، فربَط الإعلامُ صورَتهم بالإرهاب وربَط الإسلامَ بالتطرف، وأصبحت اللغة العربية مشبوهة، فبدأت المضايقات والاستفزازات والتلميحات إلى أن المشكلة تكمن في طريقة تفسير المسلمين للإسلام، إلى أن وصلنا اليوم إلى حد أصبحوا معه يقولون صراحة إن المشكلة ليست في المسلمين فقط بل في الإسلام كدين. وقد قالتها المجموعة المتطرفة التي مزقت وأحرقت القرآن أمام البيت الأبيض صراحة، عندما بررت ما قامت به برغبتها في «وقف كذبة أن الإسلام دين مسالم».
ولو رجعنا إلى ما كتبه أحمد عصيد حول عدوانية الدين الإسلامي وتشجيع القرآن على الإرهاب، فإننا سنجد أن آراء المتطرفين حول الإسلام والقرآن متشابهة رغم بعد الشقة بينهم.
كل هذا يحدث رغم أن المسلمين تفوقوا عدديا على المسيحيين الكاثوليكيين في إحصاء أعلنت عنه كنيسة الفاتيكان السنة الماضية ولأول مرة في التاريخ، مرجعة سبب هذا التفوق إلى ارتفاع نسبة المواليد عند المسلمين. وبفضل هذا «النشاط» الجنسي الذي نساهم به، نحن المسلمين، في تكثير «سواد» الأمة وصل عددنا إلى مليار مسلم فاصلة ثلاثة على وجه الكرة الأرضية.
لا أعرف لماذا عندما سمعت نتيجة هذا الإحصاء وخبر هذا «التفوق» العددي على أصحاب الكتب السماوية الأخرى من يهود ونصارى، ورأيت أمواج الحجاج المتلاطمة بملايين أثواب الإحرام حول بيت الله الحرام، تذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال للصحابة مستشرفا حال أمته بعد موته بقرون طويلة «ستداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا «أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله»، قال «بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن»، قالوا «وما الوهن يا رسول الله»، قال «حب الدنيا وكراهية الموت».
هذا الحديث الشريف ينطبق حرفيا على حال المسلمين اليوم. فنحن والحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه، كثيرو العدد ونتكاثر مثل الجراد. وفي الجزيرة العربية، حيث ظهر الإسلام غريبا أول مرة، يوجد أحد أهم مصادر الطاقة في العالم. وفي ظرف الثلاثين سنة الأخيرة، تحول الحفاة العراة، رعاة الشاة، إلى أثرياء يتطاولون في البنيان. وأصبحت الجزيرة العربية القاحلة الجرداء، التي كانت تذرعها قوافل النوق والجمال، حدائق غناء تتوسطها الأبراج العائمة التي يخترق طولها عنان السماء. وبعدما كانت قبائل العربان تمتطي الخيول والمهور سعيا وراء الظباء والغزلان لصيدها والعيش على لحومها، أصبحت اليوم تذرع رمال الصحراء ممتطية سيارات «الهامر» أمريكية الصنع بحثا بأجهزة الـ«جي بي إس» كورية الصنع عن طيور الحبار للتسلي بصيدها.
وها هم العربان، بسبب الأزمة الاقتصادية، يرون كيف ستنهار أمام أعينهم ناطحات سحابهم وكيف ستنفجر فقاعة الصابون المالية لكي تبتلع جزرهم الاصطناعية العائمة، فيعودون إلى سابق بداوتهم.
ورغم توفر كل هذه الثروات في بلدان المسلمين، ورغم تحكمهم في أسهم البورصات العالمية بفضل إنتاج النفط، فإنهم عاجزون حتى عن إنتاج المواد الغذائية التي يقتاتون عليها، وبفضل أموال النفط صاروا عاجزين حتى عن العمل. وفي قطر وحدها يوجد، بفضل عائدات الغاز الطبيعي، ثلاثة أجانب في خدمة كل مواطن قطري.
إن سبب كل هذا التخلف الذي ترفل في «نعيمه» أغلب بلدان المسلمين هو البعد عن المعاني العميقة للقرآن. فالعمل والصدق والأمانة والقول اللين وحسن الجوار واحترام الآخر والقبول باختلافه والصبر على أذاه، كلها قيم تزدريها الأمة الإسلامية في مقابل «ارتكاب» قيم الغدر والخيانة واضطهاد المعارضين والعلماء وتكميم الأفواه وكبح الحريات وحصر الجهاد في شعبة القتال، علما بأن مراتب الجهاد كثيرة ليس القتال سوى إحداها، فهناك جهاد العقل على التعلم والصبر وتحصيل المدارك والعلوم، وجهاد النفس على تجنب الرشوة والفساد، وجهاد الأمة بكاملها في سبيل الرقي والتقدم وإكرام مواطنيها واحترام آدميتهم وضمان أمنهم وصحتهم وغذائهم.
ما جدوى أن يهب المسلمون للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضد من يسيء إليه بريشته، في الوقت الذي يسيء هؤلاء المسلمون أنفسهم إلى الرسول ببعدهم عن حلمه وصبره وأمانته وكل مكارم الأخلاق النبيلة التي جاء ليتممها. أنظروا إلى المراتب المخجلة التي تحتلها الدول الإسلامية في لوائح الدول المرتشية والفاسدة والمستبدة لكي تعرفوا حجم الإساءة.
ما جدوى أن يهب المسلمون لمنع إحراق القرآن من طرف المتطرفين المسيحيين، في الوقت الذي ترفض فيه أمة «إقرأ» أن تطبق الأمر الإلهي الذي يطالبها بأن تقرأ، مفضلة ظلمات الجهل والأمية على نور القراءة والمعرفة.
قبل أن نطالب الآخرين باحترام رسول الإسلام وكتاب الله علينا، كمسلمين، أن نقدم المثال في احترام قرآننا ونبينا. وأفضل طريقة للتعبير عن هذا الاحترام هي استحضار قيم الإسلام السمحة في معاملاتنا، فالدين المعاملة. وعندما نغير سلوكنا، فإن نظرة الآخر إلينا ستتغير. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى