سيرو كونو تحشمو

هل هي مصادفة أن يصبح عبد الحنين بنعلو، مدير المطارات الذي كان يتحكم في إقلاع الطائرات ونزولها، ممنوعا من ركوب الطائرات والسفر بسبب المتابعة القضائية التي قررها وزير العدل في حقه؟
هل هي مصادفة أن تدور عجلة الحظ على فاضل الدريسي، المدير السابق لشركة «السويرتي» التي تحمل اسم «المغربية للألعاب»، حتى يصبح هو الآخر متابعا من طرف النيابة العامة، بأمر من وزير العدل، بسبب التجاوزات التي سجلها قضاة المجلس الأعلى للحسابات في تقريرهم برسم سنة 2008.
الرجل، الذي كان يتحكم في صعود وهبوط الطائرات، انتهى ممنوعا من ركوبها لمغادرة المغرب. والرجل، الذي كان يتحكم في شركة «السويرتي»، أصبح «سويرتي مولانا واش يفلت».
فقد أفلت الرجل منذ عشرين سنة عندما كان مديرا إداريا لمؤسسة «ماروك سوار» و«طرده» منها مولاي أحمد العلوي بعد عملية الافتحاص التي قامت بها شركة «بارسيلاش إي كومباني» سنة 1994، وكشفت من خلالها عن تبديد أموال الدعم التي كانت المجموعة الإعلامية تتوصل بها من الدولة.
وإذا كان إبعاد فاضل الدريسي عن إدارة مجموعة «ماروك سوار» جاء بسبب اكتشاف «أصحاب الحال» لفيلا راقية بمنطقة أنفا في ملكيته مجهزة بأحدث وسائل المراقبة والحراسة المتوفرة آنذاك، فإن إعفاءه من إدارة «المغربية للألعاب» جاء مباشرة بعد الزيارة التي قام بها رجال بنسودة، المدير السابق لإدارة الضرائب، واكتشافهم لحقيقة مريعة وهي أن الشركة التي يسيرها السي الدريسي مدينة لإدارة الضرائب بحوالي 42 مليار سنتيم.
فكانت تلك آخر مهمة أمر بها بنسودة قبل أن يغادر منصبه، وكان ذلك آخر يوم للدريسي في شركة «السويرتي» والتي لم «يضرب» فيها «الضربة» من ذلك اليوم.
الذين اقترحوا الدريسي على الوزير الأول الراحل عبد اللطيف الفيلالي، من أجل تنصيبه على رأس شركة «المغربية للألعاب»، كانوا يعرفون مسار الرجل الذي كان يجمع بين وظيفته كأستاذ في معهد ESCAE ووظيفة محاسب صغير في مجموعة «ماروك سوار»، قبل أن يترقى السلالم ويصبح المدير الإداري لأقوى مجموعة إعلامية في المغرب.
ومن غريب الصدف أن سعادة المدير الإداري كان يعطي الانطباع بأنه لا يتساهل مع المرتشين. ولكي ينفذ تهديداته، طرد صحافيا عجوزا اشتغل لسنوات طويلة في القسم الرياضي بتهمة تسلمه ظرفا ماليا بقيمة ثلاثمائة درهم.
الآن بعدما قضى الدريسي خمس عشرة سنة على رأس شركة «المغربية للألعاب»، قبل أن يأتي عباس الفاسي بزوج ابنته يونس مشرافي لكي يضعه على رأسها، فإن المدير السابق مطالب أمام القضاء بتبرير صرفه لمبالغ تتعلق بتعويضات عن التنقل وصلت في ظرف تسع سنوات إلى 216 مليون سنتيم، وهي التعويضات التي كان يشتري بها أغراضا شخصية يسدد ثمنها بواسطة بطاقتي الائتمان البنكيتين المسجلتين باسم الشركة على شكل تسبيق عن الأجرة.
وطيلة وجوده على رأس شركة «السويرتي» ظل الدريسي يجمع بين راتبين، رغم أن قانون الوظيفة العمومية واضح في هذا الباب. وفوق هذا وذاك، كان سعادة المدير ينتظر، بعد إزالته من منصبه، تعويضا مجزيا يسمونه تعويض نهاية الخدمة، وقد حدده الدريسي في 450 مليون سنتيم كتعويض عن قضائه خمس عشرة سنة على رأس «المغربية للألعاب».
لكن يبدو أن الدريسي سيجد نفسه مجبرا على انتظار حكم القضاء في نازلته قبل أن يسخن جيبه بالـ450 مليون سنتيم. فربما هو من سيكون عليه، في نهاية المطاف، أن يصرف تعويضات للشركة التي ظل على رأسها طيلة كل هذه السنوات وترك في ذمتها 42 مليار سنتيم كضرائب متأخرة.
المدير السابق لشركة «السويرتي» كان ينتظر تعويضا سخيا عن المغادرة، فإذا به يتلقى استدعاء للمثول أمام القضاء بتهمة تبديد أموال عمومية.
أما المدير السابق للمكتب الوطني للمطارات، فقد كان ينتظر أربع سيارات «كات كات» آخر طراز مجهزة بآخر الخدمات التقنية الدقيقة، طلبها لاستعماله الشخصي واستعمال المقربين منه، لكنه عوض أن يتلقى «الكات كاتات» تلقى قرارا بالعزل من منصبه، ثم تلاه استدعاء من النيابة العامة للمثول أمام القضاء للإجابة عن تهم تتعلق بتبديد أموال عمومية هو وسبعة عشر شخصا من معاونيه.
المصيبة الكبرى هي أن هؤلاء السبعة عشر معاونا، الذين ذكرهم تقرير المجلس الأعلى للحسابات، حظوا بثقة المدير الجديد «دليل الكندوز» الذي أخذ مكان بنعلو.
أكثر من ذلك، فبعض هؤلاء «المتهمين»، الذين استدعاهم القضاء للمثول بين يديه، حصلوا على ترقيات من طرف المدير الجديد، وهي الترقيات التي قررها بنعلو كرد من جانبه على تقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي اتهمهم بالمشاركة في تبديد أموال المكتب الوطني للمطارات.
ولعل الخطأ القاتل الذي ارتكبه دليل الكندوز، المدير الجديد للمكتب الوطني للمطارات، هو أنه صدق ما كان يردده عبد الحنين بنعلو في صالونات الرباط، وهو يدخن السيغار الغليظ، من أنه محمي من طرف جهات نافذة وأنها نصحته بأن يأخذ له عطلة يتمتع فيها بالسهرات الملاح مع أصدقائه بانتظار تعيينه على رأس مؤسسة كبرى قريبا. كما يبدو أنه صدق تصريحات بنعلو للصحافة التي ظل يكرر فيها أنه بريء وأن الصحافة هي التي تحاكمه وليس القضاء.
اليوم، ظهر أن من يحاكم بنعلو هو القضاء وليس الصحافة. لكن هذه الحقيقة انكشفت للمدير الجديد بعد فوات الأوان. فالأعوان السبعة عشر، الذين طلب القضاء مثولهم أمامه في ملف بنعلو، ثبتهم هذا الأخير، خلال شهر ماي الأخير، في أماكنهم وعمل على ترقية بعضهم وإعادة الموظفين الذين تم طردهم منذ الأسبوع الأول لتعيينه.
هكذا، إذن، عين دليل الكندوز، مدير مطار مراكش، في منصب مدير مطار محمد الخامس، رغم أن السيد لحكيم يوجد ضمن لائحة السبعة عشر المتابعين أمام القضاء.
وثبت أيضا «عبوش» في منصبه كمدير للهندسة، والسيد «ملين» على رأس المديرية المالية والإدارية، رغم أن الاثنين يوجدان ضمن لائحة السبعة عشر المتابعين.
لكن المفاجأة الكبرى كانت هي إطاحة دليل الكندوز بمدير المشتريات واللوجستيك «حجبي» في شهر فبراير، ثم تعيينه في المنصب نفسه خلال شهر ماي. والمفاجأة الأكبر أن القضاء في شهر يوليوز استدعاه للمثول أمامه إلى جانب بنعلو ومعاونيه.
مشكلة المدير الجديد للمكتب الوطني للمطارات لا تكمن فقط في تصديقه لأوهام عبد الحنين بنعلو، الذي يردد في كل الأمكنة التي يسهر فيها أنه ضحية للصحافة، وخصوصا «المساء»، ولكن مشكلته الحقيقية هي أنه نفذ أوامر مديره المباشر كريم غلاب، وزير النقل والتجهيز. وإذا كان عبد الحنين بنعلو قد نزل بالمظلة على المكتب الوطني للمطارات بتوصية من الراحل مزيان بلفقيه الذي جلبه من مركز الطاقات المتجددة، معبدا لشركة ابنه الطريق نحو صفقات مجزية مع مكتب المطارات، فإن دليل الكندوز يدين بالولاء لوزير النقل والتجهيز كريم غلاب الذي اقترحه لشغل منصب بنعلو الذي أطاح به قرار ملكي، خصوصا إذا عرفنا أن دليل الكندوز مكن زوجة كريم غلاب من إعطاء دروس في المدرسة الحسنية  للأشغال العمومية عندما كان مديرا لها.
ولم يكتف دليل الكندوز بوضع ثقته في رجال عبد الحنين بنعلو -المتهمين، حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات، بتبديد ملايير الدراهم- بل إنه ذهب إلى حد ترقيته لابن أخت بنعلو إلى منصب مدير على مطار الصويرة، بعد أن كان في عهد خاله يشغل منصب مدير مساعد لمدير مطار محمد الخامس.
عندما جاء الكندوز استبشر الجميع خيرا في المكتب الوطني للمطارات، فقد اعتقد الجميع أن صفحة بنعلو طويت إلى ما لا نهاية، خصوصا عندما رأى الجميع كيف أن الكندوز أخرج إلى النور مديريتين مهمتين، هما مديرية الصيانة ومديرية المحاسبة.
لكن زيارة سريعة لمطار محمد الخامس تجعلك تغادر المطار وأنت مقتنع بأن لا شيء تغير على عهد المدير الجديد. فالمديريتان منذ إخراجهما إلى الوجود وهما تفتقران إلى الهيكلة والأقسام ورؤساء المصالح المتفرعة عنها. وطبعا، ليست الاقتراحات ما يعوز المدير، بل الإرادة. وفوق مكتبه توجد مقترحات للعمل على تطوير هاتين المديريتين، لكن يبدو أن سعادة المدير يريد الاستمرار على نفس النهج الفوضوي في التسيير والصرف الذي كان يسير عليه المكتب الوطني للطيران على عهد بنعلو.
وهذه الفوضى يدفع ثمنها المغرب من سمعته، لأن مطار محمد الخامس هو وجه المغرب الذي يستقبل به ضيوفه. الكارثة أن أول شيء يكون في استقبال المسافرين الذين يضعون أقدامهم داخل مطار محمد الخامس هو الصهد. وقد وقفت شخصيا قبل أسبوعين لأكثر من ثلاثة أرباع الساعة أمام شباك دمغ الجوازات أتصبب عرقا برفقة مسافرين وسياح من مختلف الجنسيات، بسبب مكيفات الهواء العاطلة عن العمل.
وكانت قمة السخرية السوداء هي أنك عندما تقترب من مكتب شرطي الجوازات، الذي لا تعرف الابتسامة طريقا إلى قسمات وجهه العابس، تقرأ ملصقا مكتوب عليه بالإنجليزية «ابتسم أنت في المغرب».
ساعة إلا ربع من الانتظار داخل قاعة للصونا من أجل طبعة دخول عادية. وفوق ذلك كله، يطلب منك المكتب الوطني للمطارات أن تبتسم لأنك في المغرب.
«سيرو كونو تحشمو شوية».
... تابع القراءة

الصمت ليس مهنتي

عندما سألني مؤخرا أحد رجال الأمن عن بطاقتي الوطنية قلت له إنني أتوفر فقط على وثيقة سلمتني إياها مصالح الأمن بالرباط تثبت أنها سرقت مني ذات ليلة باردة من ليالي 2008. فسألني لماذا لم أستخرج بطاقة جديدة عوض تلك التي سرقت مني، فقلت له إنني لازلت أنتظر جواب الأمن بخصوص الشكاية التي وضعتها لدى مصالحه ليلة تعرضي للاعتداء بالسلاح الأبيض والسرقة أمام محطة القطار.
فإما أنهم سيبشرونني بالعثور على بطاقتي الوطنية وبقية وثائقي التي سرقت، وعندها لن تكون بي حاجة إلى استخراج وثائق جديدة، وإما أنهم سيخبرونني بأنهم فشلوا في العثور على وثائقي الضائعة، وآنذاك سأذهب لاستخراج أخرى غيرها. لكن مصالح الأمن لم تكلف نفسها عناء الاتصال بي لإخباري بالجديد في هذه القضية، وأنا لازلت أنتظر، وحتى سترتي الجلدية التي لازالت ملطخة بالدم لازلت أحتفظ بها في دولاب ثيابي، فربما يحتاجونها لأخذ بصمات المعتدين.
لماذا أتذكر قصة هذا الاعتداء الهمجي اليوم؟ ببساطة، لأنني تعبت من تلقي مكالمات مجهولة المصدر يهدد أصحابها بتحويل حياتي إلى جحيم إذا ما استمرت هذه الجريدة في النبش في بعض الملفات التي لا يسمونها والتي لا يريد أصحابها أن تصل رائحتها إلى أنوف من يعنيهم الأمر.
لقد تعففت طيلة كل هذه المدة عن الحديث حول هذا الموضوع، ليقيني الكبير بأن ما يهم القراء هو الكتابة والدفاع عن مشاكلهم وليس الكتابة والدفاع عن مشاكلنا الخاصة، لذلك كنت كل مرة أتلقى فيها مكالمة مجهولة، أو يتلقاها أحد مصادري المقربة، يهدد صاحبها بتلفيق تهمة أو تشويه السمعة أو التصفية الجسدية المبطنة، كنت أنسى الأمر وأنشغل بما هو أهم، أي إخبار القراء بما يدور حولهم، بجرأة وتجرد واستقلالية.
لكن هناك اليوم حاجة ماسة إلى الاعتراف بأن تجاهل كل هذه المكالمات المهددة، والتي يسعى أصحابها إلى زرع الخوف في نفوسنا وجعلنا ننظم حياتنا وكتاباتنا وفق نسبة هذا الخوف، ليس حلا سليما.
لذلك فكرت في إشراككم اليوم في هذا الجحيم الصغير الذي نعيشه نحن الصحافيين الذين نريد أداء مهمتنا بأمانة ودون أن نتحول إلى أدوات في أيدي الأجهزة الأمنية وجماعات الضغط والمافيات من كل نوع.
أعرف أن الهدف من كل هذه التهديدات هو إسكان الخوف داخل الأقلام. والخوف عندما يستوطن القلم فإنه يرتعش عندما يريد أن يكتب، وقد يحجم عن الكتابة. وهذا هو المطلوب بالضبط، أن نشعر بالارتعاش كلما فكرنا في الكتابة حول بعضهم، ثم نحجم عن ذلك.
كثير من الأصدقاء والمعارف الذين يقدرون خطورة وحساسية ما نكتبه أحيانا، يقولون لي إنك مجبر على التعاقد مع شركة خاصة للأمن لمرافقتك في تحركاتك، فأنت تتجول في الأسواق بمفردك وتذهب إلى المقاهي العادية بمفردك وتدبر حياتك اليومية مثلما كنت تصنع قبل عشرين سنة عندما كان لا يعرفك أحد.
وعندما أسألهم ما المانع من الاستمرار على نفس الوتيرة، فالبلاد، على كل حال، ليست خطرة إلى هذا الحد، يعودون ويقولون إن الخوف ليس من «مالين البلاد»، ولكن من كل الغرباء الذين يعيشون معنا في المغرب. فالمخابرات من كل نوع وجنسية تنشط على أراضينا، ولكل جهاز طرقه الخاصة في «تربية» المعارضين والمزعجين. أقول لهم دائما إنهم يبالغون، فنحن لا نشكل خطرا على أي أحد من هذه الأجهزة، وإذا كانت كتاباتنا لا تصب دائما في مصلحة بلدانهم، فعليهم أن يفهموا أن المصلحة الوحيدة التي تهمنا في هذه الجريدة هي مصلحة المغرب.
منذ اليوم الأول لصدور هذه الجريدة، كنت على اقتناع تام بأن الطريق لن تكون مفروشة بالورود. لكنني صراحة لم أكن أتوقع أن يصل الجبن بالبعض إلى كل هذه الحدود. فأنا كنت دائما مستعدا لمجابهة الخصوم المتنكرين على هيئة أصدقاء والأصدقاء المتنكرين على هيئة خصوم، وجها لوجه، مقالا بمقال. وأنا شاكر لكل هؤلاء شجاعتهم وجرأتهم على كشف وجوههم وأسمائهم. وأعترف بأنني أحيانا أصبت وأحيانا أخطأت، وحسبي أنني كنت أدافع بشراسة عن مؤسسة يريد كثيرون تشريد مستخدميها وقطع أرزاقهم. ولذلك ربما أكون قد قسوت على بعض خصومي أكثر من اللازم، لكنها قسوة كانت ضرورية لكي يفهم الطامعون ومن في قلوبهم مرض أن لحمنا مر لا يمضغ بسهولة.
لكنني نسيت، في خضم هذه المعركة اليومية التي لا تنتهي، أن هناك خصوما جبناء لا يستطيعون الكشف عن هوياتهم، يختفون وراء المكالمات مجهولة المصدر لكي يوصلوا تهديداتهم الخرقاء التي يريدون من ورائها جعلنا نغير نمط حياتنا اليومي حتى نعيش مرتجفين خائفين من سكاكين غدرهم التي لا نعرف متى تخرج من أغمادها.
لهؤلاء يسعدنا أن نقول إن تهديداتكم لن تخيفنا ولن ترهبنا. يمكنكم أن تستمروا في تغطية أرقام هواتفكم الخاصة وإقلاق راحتنا في جوف الليل بأصواتكم المبحوحة القادمة من زمن آخر، فنحن قد قررنا الاستمرار في أداء رسالتنا بأمانة إلى آخر رمق. لذلك، فما عليكم سوى أن تتحملونا لمزيد من الوقت.
وشخصيا، فأنا لست مستعدا لتغيير عاداتي وأماكني المفضلة بسبب نصائح الأصدقاء والمعارف الخائفين على سلامتي وسلامة بعض المقربين إلي. سأظل أمشي راجلا بمفردي في نفس الأزقة الضيقة، وأجلس في نفس المقاهي الشعبية، وأمارس طقوس حياتي اليومية كما كنت دائما. لن تجبرني هذه المكالمات التافهة على تغيير محطات حياتي اليومية.
لذلك لا تحاولوا كتم أنفاسنا لأننا لسنا سوى تلك القصبة الرفيعة التي يتنفس عبرها الآخرون، أولئك الذين يختنقون وسط هذا الوحل الذي جرجرنا إليه عديمو الضمير والوطنية رغما عن أنوفنا. وعوض أن تلعنوا الظلام حاولوا أن توقدوا شمعة، لكن ليس في ثيابنا طبعا. وإذا كان البعض يريد مغالطة الناس بتسمية السبع حمارا، فما عليه سوى أن يحاول وضع اللجام في فمه.
صحيح أننا أبناء الشعب ولسنا أبناء منحدرين من العائلات الكريمة. صحيح أن أسماءنا العائلية لا تثير خوف أحد بقدر ما تثير سخرية البعض أحيانا. صحيح أننا بلا حصانة، بحيث إن أتفه مسؤول في هذه البلاد يستطيع، في لحظة غضب، أن يدهس خبزنا وخبز عائلاتنا بحذائه المخزني الثقيل. لكننا، لحسن الحظ، لا نعيش على الخبز وحده، بل على الأنفة والكبرياء والكرامة والكثير من الأحاسيس النبيلة الأخرى التي يريد البعض في هذه البلاد قتلها في نفوسنا. الأحاسيس نفسها التي، بسبب المحافظة عليها، فضل الكثير من المغاربة أن يحزموا حقائبهم وأن يغادروا الوطن بسبب مضايقات صغار النفوس والعقول. هم ذهبوا أما نحن فباقون هنا، فالمغرب لنا لا لغيرنا. وعندما نقول «لنا» نقصد ثلاثين مليون مغربي طبعا، وليس 300 مغربي فقط.
ونحن هنا يهمنا كثيرا أن نفكر بصوت مسموع أمامكم وأن نطرح بعض الأسئلة المحيرة التي لا نجد لها جوابا:
من الذي يجب أن يهدد ويساق إلى المحاكم، اللص أم من يشير إليه بالأصبع؟
من الذي يجب أن يهدد في خبزه وخبز أبنائه، الفاسد أم من يرشد إليه؟
من الذي يجب أن يفضح ويشنع به، المرتشي أم من يسقط ورقة التوت عن عورته؟
من الذين يجب أن يتنصتوا على هواتفهم، العابثون بمصالح الشعب أم من يحاول أن يقول لهم كفى من العبث؟
لقد أصبح واضحا أن هناك من يحاول حجب الشمس بالغربال وخلط الأوراق لكي يتحول الجلاد إلى ضحية واللص إلى شريف والمرتشي إلى نظيف والانتهازي إلى صاحب قضية.
الكتابة بهذا المعنى قدرنا، ونحن نؤمن بالقدر خيره وشره، ونعرف أنه يمكن أن يأتينا الخير من الكتابة كما يمكن أن تجلب علينا الشرور.
وعندما يسألنا القراء لماذا لا تخافون على أنفسكم مما تكتبونه، نقول لهم إننا نخاف أكثر على الوطن، أما نحن فمجرد عابرين يحاولون أن يتركوا آثار خطوات أقدامهم على الرمل قبل أن تأتي موجة العمر الأخيرة وتجتاح شاطئ الحياة ذات غروب وتمسح كل شيء.
كل هذا لكي نقول للذين يريدون وضع الكمامة على أفواهنا بتهديداتهم الخرقاء إننا لن نصمت. أما الذين يفكرون في أكل لحومنا نيئة فنقول لهم إن لحمنا مر. وستظل ألسنتنا طويلة في قول الحق كما كانت ولن تنقص سنتمترا واحدا. سنظل نكتب إلى نهاية أيامنا. وإذا كان هناك في هذه البلاد من يفضل أن يولد في صمت ويعيش في صمت ويهان في صمت إلى أن يموت في صمت، فنحن ننتمي إلى فصيلة من البشر تفضل أن تعيش صاخبة كالموج. وإذا كان الصمت من ذهب، فإن الكلام من جوهر وياقوت. وقبل كل شيء، الصمت لم يكن في أي يوم من الأيام حكمتنا المفضلة.
... تابع القراءة

المكسي بديال الناس

لعله من المفيد أن يعير وزير الاقتصاد والمالية الأهمية اللازمة للإحصاء الأخير الصادر عن البنك الدولي حول نصيب كل مغربي من إجمالي الدخل القومي. فنصيب المواطن المغربي من إجمالي دخل المغرب القومي أقل مما هو في تونس والجزائر. أي، بعبارة أخرى، أن المغرب يوجد ضمن الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، حيث لا يتعدى نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي 2520 دولارا في السنة، أي حوالي 25000 درهم سنويا.
لدينا واحدة من أضعف نسب الدخل الفردي في العالم، ومع ذلك لدينا أغلى الأسعار على المكالمات الهاتفية في العالم، وأغلى الأسعار في الأدوية في العالم، وأغلى أسعار المساكن في العالم وأغلى أسعار تذاكر الطائرات في العالم.
أليست هذه مفارقة عجيبة.
ورغم التدني الشديد لمستوى الدخل الفردي للمغاربة، فإن المسؤولين المغاربة، المولعين بالنموذج الفرنسي في كلامهم ومظاهرهم، يتجنبون التشبه بهؤلاء المسؤولين الفرنسيين في طريقة تسييرهم للميزانيات المخصصة لهم، ويستمرون في صرف أموال دافعي الضرائب دون اكتراث للأزمة التي «شرفت» قبل مدة.
وإذا كان وزير المالية يريد حقا أن يضع قانونا للمالية للسنة المقبلة يكون على مقاس إمكانيات المغرب المالية، فما عليه سوى أن ينطلق من النقطة التي ينطلق منها كل وزراء المالية في العالم لوضع مشاريع قوانينهم المالية قبل طرحها أمام البرلمان. وهذه النقطة اسمها الناتج الداخلي الخام، أو كما يحب أن ينطقها مزوار بالفرنسية «PIB».
والناتج الداخلي الخام عند الاقتصاديين هو الثروة الحقيقية التي ينتجها كل بلد في الداخل خلال سنة واحدة. وبالنسبة إلى بلد فقير كالمغرب، فإن مستوى الناتج الداخلي الخام السنوي لا يتعدى 81.5 مليار دولار. أما فرنسا، التي يحلو لهم عندنا تقليدها في كل شيء، فقد وصل ناتجها الداخلي الخام إلى 2097 مليار دولار برسم سنة 2008، هذا يعني أن فرنسا تخلق ثروات 25 مرة أكثر مما يخلقه المغرب، بمعنى أن فرنسا أغنى من المغرب بخمسة وعشرين مرة.
طبعا، سيقول نزار بركة، صهر الوزير الأول ومستشاره الاقتصادي في الحكومة، إن الناتج الداخلي الخام تتحكم فيه أيضا كثافة السكان. فكلما كان عدد الساكنة مرتفعا كلما ارتفع الناتج الداخلي الخام. ولذلك اخترع الاقتصاديون منطقا آخر لحساب ثروة الدول، وهو تقسيم مجموع الناتج الداخلي الخام على كل مواطن، وهكذا نحصل في النهاية على الناتج الداخلي الخام لكل مواطن. ببساطة شديدة، نعرف كم ينتج كل مواطن سنويا من ثروة.
في المغرب، وصل الناتج الداخلي الخام لكل مواطن إلى 2520 دولار السنة الماضية، في مقابل 33600 دولار لكل مواطن فرنسي، علما بأن عدد سكان فرنسا يضاعف عدد سكان المغرب.
بعبارة أخرى، فالمواطن الفرنسي أغنى من نظيره المغربي بمعدل 12 مرة.
وما دام مسؤولونا لا يكفون عن التسبيح بحمد فرنسا بمناسبة وبدونها، فليسمحوا لنا بعقد جملة من المقارنات البسيطة، والتي ستفهمون من خلالها أن مشكلة المغرب الحقيقية هي أن مسؤوليه لا يكتفون فقط بالعيش على ظهره، وإنما يصرون على العيش فوق مستواه وطاقته.
إذا كانت فرنسا أغنى من المغرب 25 مرة، والمواطن الفرنسي أغنى من المواطن المغربي 12 مرة، فإن المنطق الاقتصادي السليم يقول إنه إذا كان الحد الأدنى للأجور في فرنسا هو 1200 أورو في الشهر، فإن الحد الأدنى للأجور في المغرب يجب أن يكون أقل من ذلك 12 مرة، بحيث لا يتعدى 100 أورو. عندما نحاول التأكد من هذه الفرضية، نجد أن الحكومة المغربية ملتزمة بهذا المنطق الاقتصادي السليم إلى أبعد الحدود.
فبالنسبة إلى شعب «المزاليط»، ليس هناك مجال للعبث الحكومي بالقواعد الاقتصادية. فالحد الأدنى للأجور الذي أقرته الحكومة لا يتعدى سقف 1800 درهم.
لكن المشكلة أنه في فرنسا يشكل الحد الأدنى للأجور عشرة في المائة من قيمة أعلى راتب في لائحة رواتب موظفي الدولة. مثلا، إذا كان الحد الأدنى للأجور هو 1200 أورو فإن أعلى راتب في الوظيفة العمومية لا يجب أن يتعدى 12000 أورو. ولذلك فالوزير الأول الفرنسي يتوصل كل شهر براتب لا يتعدى 22000 أورو، بمعنى أنه يتقاضى «السميك» مضاعفا ثماني عشرة مرة.
أما عندنا في المغرب -الذي يعتبر، حسب الأرقام الرسمية، أفقر 25 مرة من فرنسا وعائداتنا السنوية أقل من عائدات فرنسا 12 مرة- كم يا ترى يتقاضى الوزير الأول؟
حسب مستوى العيش في المغرب، فراتب الوزير الأول لا يجب أن يتعدى 20 ألف درهم. لكنه في الحقيقة يصل إلى 120 ألف درهم، بمعنى «السميك 120 مرة». وبالنظر إلى مستوى العيش الحقيقي للمغرب مقارنة بمستوى العيش الحقيقي لفرنسا، فوزيرنا الأول يتقاضى راتبا أكبر ست مرات من الوزير الأول الفرنسي.
هذا بخصوص الوزير الأول، فماذا بخصوص بقية الوزراء؟
على مدى تاريخ الحكومة المغربية كله، لم يسجل استغناء أكثر من ثلاثة وزراء عن رواتبهم وقبولهم الاشتغال في الحكومة مجانا والاستغناء عن سكنها الوظيفي وسيارات خدمتها. هناك الملياردير كريم العمراني، ووزير الفلاحة الأسبق الدمناتي، ووزير الفلاحة الحالي عزيز أخنوش. أما الباقون فجميعهم يتوصلون برواتبهم كاملة، حوالي مائة منهم غادروا الحكومة ولازالوا يتقاضون 38 ألف درهم كتقاعد.
يتقاضى كل وزير من وزراء الحكومة 70 ألف درهم كراتب شهري. ولديهم مساكن عبارة عن فيلات، بعضها مجهز بمسبح، ومستخدمون في المطبخ والحراسة وتربية الأبناء وسائقون وحظيرة من سيارات الخدمة من نوع «ميرسيديس كلاص سي» و«بي إم دوبل في»، وتعويضات عن التنقل والسفر غير محدودة.
في فرنسا، خامس أقوى دولة في العالم والعضو في مجموعة الثمانية التي تضم أغنى دول العالم، يتقاضى الوزير 13 ألف أورو. ليس له الحق سوى في سائق واحد وسيارة خدمة واحدة، لا حق للسيدة «حرام» الوزير في استعمالها للذهاب إلى «الصونا» أو «الكوافورة»، كما لا حق له هو نفسه في استعمالها خلال العطلة أو خلال نهاية الأسبوع. أما السكن، فليس هناك مجال للحديث عن الفيلا ولا عن المسبح ولا عن الخدم والحشم. السكن الوحيد الذي من حق الوزير الفرنسي هو مقر إقامته داخل وزارته إذا كان متوفرا، وإذا لم يكن ذلك ممكنا تصرف له الدولة تعويضا لكي يكتري منزلا شريطة ألا تتعدى مساحته 80 مترا مربعا. وفي حالة توفره على أبناء، تمتعه الدولة بعشرين مترا مربعا إضافية، وهي المساحة التي يخصص بعض الوزراء والمسؤولين عندنا ضعفها لكلب الحراسة في قصورهم الفسيحة.
أما بخصوص الوزير الأول الفرنسي، فعنوان سكنه هو قصر «ماتنيون» الجمهوري، وهو في الآن ذاته مكتبه الرئاسي. لديه في حوزته سيارة من نوع «سيتروين س6». ليس هناك مجال للحديث عن «ميرسيديس» ولا عن «جاغوار» ولا عن «بي إم دوبل في» أو «ليكسيس». أما بقية الوزراء فيركبون جميعهم على متن سيارات من نوع «بوجو 607». 
وإذا طبقنا المنطق الاقتصادي الذي يقول إن موظفي الدولة يجب أن يتقاضوا رواتب تتناسب مع الناتج الداخلي الخام لكل مواطن، فإن الجنرال العنيكري، مثلا، لا يجب أن يتعدى راتبه الشهري 6000 درهم. وهذا منطقي إذا علمنا بأن جنرالا فرنسيا بثلاث نجمات لا يتعدى أجره الشهري 6000 أورو في الوقت الذي يصل فيه راتب الجنرال عندنا إلى 120 ألف درهم. فإذا كان البرلماني الفرنسي يحصل على 6900 أورو شهريا فبرلمانينا -وبرلمانيونا بالمناسبة يغيب ثلاثة أرباعهم عن البرلمان طيلة السنة- يجب أن يحصل على 7000 درهم لا غير، أي أقل من نظيره الفرنسي بمعدل 12 مرة، ببساطة لأن فرنسا أغنى من المغرب 12 مرة.
وليس المغرب الرسمي وحده من يعيش فوق مستواه وقدراته، بل حتى الخدمات المقدمة إلى شعب الفقراء من المغاربة لا تحترم مستوى الناتج الداخلي الخام لكل مواطن. وإذا كان ثمن كراء شقة في باريس يساوي 1200 أورو، فإنه في الدار البيضاء لا يجب أن يتعدى 100 أورو، أي حوالي 1100 درهم. وإذا كان هناك سفر سياحي من باريس إلى مراكش لخمسة أيام بثمن لا يتعدى 600 أورو، ففي المغرب لا يجب أن يتعدى 600 درهم. 
وإذا كانت زيارة الطبيب في فرنسا تكلف 24 أوروها، فإنها في المغرب لا يجب أن تتعدى 2 أورو، أي 20 درهما لا غير، وفوق هذا يجب أن تعوضها شركة التأمين.
هذه أمثلة لكي تروا بوضوح أن تكلفة العيش في المغرب باهظة جدا وتنافس تكلفة العيش في الدول الغنية. هذا في الوقت الذي يحتل فيه المغرب الرتبة الـ126 في سلم التنمية البشرية عالميا، السلم نفسه الذي تحتل فيه فرنسا المرتبة الـ12.
على الجميع أن يفهموا أنه لتفادي الدخول في الحائط، فقد حان الوقت لكي يعيش المغرب بقدر إمكانياته وبقدر الثروة التي ينتجها، لا القروض التي يستوردها.
والمغاربة يقولون «المكسي بديال الناس عريان». 
... تابع القراءة

تندبو ولا ندب

واهمٌ من يعتقد أن أسرة آل الفاسي الفهري هي الأسرة الوحيدة المحظوظة التي يسيطر أبناؤها، منذ الاستقلال وإلى اليوم، على مناصب المسؤولية في المؤسسات الرسمية والحكومية.
هناك أسر أخرى وافدة إلى «دولة العائلات» لا يكاد يتحدث عنها أحد، ربما بسبب استعانتها على قضاء حوائجها بالسر والكتمان، وهو الشيء الذي لا تجيده أسرة آل الفاسي الفهري التي بالغت كثيرا في إظهار نفوذها.
بفضل بحث ميداني معمق، استطعنا أن نفكك الخيوط المتشابكة التي تنسجها بعض هذه الأسر في السر من أجل إيصال أفرادها إلى مناصب المسؤولية، أو الاستفادة من صفقات عمومية خارج المنافسة.
لذلك فإنه من الظلم أن نركز الحديث على عائلة آل الفاسي الفهري وننسى عائلة آل بنعبد الله، أو عائلة آل عيوش، وعائلات أخرى سنأتي على ذكرها بالدور.
عندما كتبنا عن نبيل بنعبد الله، الوزير والسفير السابق والأمين العام الحالي لحزب التقدم والاشتراكية، وأشرنا إلى استفادة أخيه المهندس، فكري بنعبد الله، من صفقات هندسية بوزارة الاتصال ومعهد مهن السينما الذي ستشيده الوزارة بشراكة مع مؤسسات أخرى وراء مقرها، سمعنا من يؤاخذنا على «مهاجمتنا» لحزب صغير اسمه التقدم والاشتراكية. والحال أننا لم نهاجم الحزب المذكور بقدر ما نشرنا أخبارا حقيقية حول استغلال نبيل بنعبد الله، الأمين العام للحزب، لنفوذه داخل وزارة الاتصال من أجل تمكين أخيه المهندس من صفقات هندسية تمت بالتراضي ودون اللجوء إلى أي إعلان عن طلبات عروض. ورغم أن القانون يسمح بذلك، فإن «هبوط» كل هذه الصفقات الهندسية على أخ الوزير السابق يطرح أكثر من سؤال.
العجيب في بعض الصفقات الهندسية التي يحصل عليها المهندس فكري بنعبد الله من بعض مدراء المؤسسات، هو أن مسؤولي تلك المؤسسات «يناضلون» في حزب التقدم والاشتراكية. وعندما نبحث، مثلا، عن اسم المهندس الذي صمم مقر مركز الدراسات النووية بالمعمورة، فإننا نعثر على اسم المهندس فكري بنعبد الله. وربما ليس من قبيل الصدفة أن نجد أيضا أن الكاتب العام للمركز النووي، السيد عبد المجيد الصاوي، «مناضل» قديم في حزب التقدم والاشتراكية. وحتى المقر المؤقت الذي مكث فيه عبد المجيد الصاوي بجانب الحي الجامعي الدولي بمدينة العرفان لأربع سنوات، قبل أن يصبح له مقر خاص بالمعمورة كلف تصميمه حوالي مليار سنتيم، كان المهندس فكري بنعبد الله هو من صمم هندسته.
هذه الأيام، ومع اقتراب موعد المباراة التي سيتم على إثرها اختيار رؤساء الجامعات، اكتشفنا أن عائلة آل بنعبد الله لديها فرد من أفرادها يوجد على رأس جامعة مولاي إسماعيل بمكناس اسمه محمد زاهر بنعبد الله منذ خمس سنوات. وبفضل هذه السنوات الخمس التي قضاها زاهر بنعبد الله رئيسا لجامعة مولاي إسماعيل، نجح في وضعها في مؤخرة ترتيب الجامعات المغربية رغم الإمكانيات المادية والبشرية التي تتوفر عليها.
ما يخشاه الغيورون على سمعة التعليم الجامعي بالمغرب هو أن يتم التجديد لأخ نبيل بنعبد الله لأربع سنوات أخرى في رئاسة الجامعة. وتبقى مخاوف هؤلاء الغيورين في محلها، بالنظر إلى المسار المدهش الذي قاد زاهر بنعبد الله إلى رئاسة جامعة مولاي إسماعيل.
فقد بدأ «الرفيق» زاهر بنعبد الله أستاذا للكيمياء في جامعة العلوم بمكناس، قبل أن يغادرها خلال التسعينيات لكي يتفرغ لشركة صغيرة للتجهيزات الإلكترونية بشراكة مع أحد زملائه من أساتذة الكلية. وقد كانت أولى صفقاته مع كلية العلوم والتقنيات بالراشيدية التي جاء بنفسه لكي يحمل «العتاد» الإلكتروني إليها ويسهر على وضعه وتشغيله.
وبصعود نبيل بنعبد الله وزيرا للاتصال في حكومة سنة 1998، صعد أخوه زاهر بنعبد الله بدوره عميدا لكلية مكناس. وبما أن «الرفيق» زاهر بنعبد الله لا ينسى أصدقاءه، فقد «وضع» شريكه السابق في شركة التجهيزات الإلكترونية، أستاذ الفيزياء وبائع الخردة في أوقات الفراغ، في منصب نائب العميد، أي نائبا عنه.
وبعد ذهاب رئيس جامعة مولاي إسماعيل، عبد اللطيف بنشريفة، لشغل منصب والٍ على القنيطرة،  سيستمر زاهر بنعبد الله في ترقي سلالم الإدارة وسيأخذ مكان بنشريفة على كرسي رئاسة الجامعة سنة 2006.
ومن تلك الفترة إلى اليوم يكون زاهر بنعبد الله قد أتم فترة أربع سنوات التي يعطيها القانون لرؤساء الجامعات. لكن شهية «الرفيق» انفتحت عن آخرها للبقاء في رئاسة الجامعة للفترة الممتدة بين 2010 و2014.
عندما نعلم بأن راتب «الرفيق» زاهر بنعبد الله الشهري كرئيس للجامعة يصل إلى حوالي سبعة ملايين سنتيم، أي مثل راتب الوزير الأول عباس الفاسي، وعندما نعرف أن ميزانية الجامعة السنوية تقارب 14 مليار سنتيم في إطار برنامج المخطط الاستعجالي الذي وضعته الوزارة، وعندما نعلم بأن رئيس الجامعة يدير شؤون حوالي ثلاثين ألف طالب بين مكناس والراشيدية، نفهم سر هذا الإصرار على التشبث بكرسي الرئاسة، كما نفهم لماذا لا يريد زاهر بنعبد الله العودة إلى رئاسة شركته الصغيرة التي كان يبيع فيها الحواسيب وفئرانها.
إن الجامعات في المغرب عبارة عن ممالك صغيرة بميزانيات تقارب ميزانيات بعض الوزارات، يديرها رئيس الجامعة كما يحلو له، ومع من يختارهم حسب ذوقه وحساسيته السياسية والحزبية والإيديولوجية.
ولذلك فالجميع في التعليم العالي يترقب نتائج الاجتماع الذي ستعقده لجنة الاختيار خلال بداية شهر غشت، والذي سيسفر عن اختيار أسماء رؤساء الجامعات في مختلف جهات المغرب.
إن الترتيب الذي تحتله الجامعات المغربية على الصعيد الدولي مخجل للغاية. والأكثر إثارة للخجل منه هو الترتيب الذي تحتله جامعة مولاي إسماعيل على الصعيد الوطني. فقد وصلت، تحت رئاسة «الرفيق» زاهر بنعبد الله، إلى مستوى غير زاهر إطلاقا باستقرارها في مؤخرة الترتيب، مما يعني أن تجديد الثقة في الرئيس الحالي للجامعة يعني وصولها إلى مرحلة «الفلاس المبين».
وإذا كان بعض أعضاء اللجنة العلمية التي ستختار رؤساء الجامعات مشهودا لهم بأهليتهم واستقلاليتهم ونزاهتهم الفكرية، كمصطفى الطراب، مثلا، فإن وجود بعض الأسماء غير المقنعة ضمن اللجنة قد يؤثر على اختيار بعض الرؤساء.
وعندما نطالع التقرير الأخير لقضاة المجلس الأعلى للحسابات حول التدبير السيئ والعشوائي لقطاع الغابات من طرف عبد العظيم الحافي، المندوب السامي للمياه والغابات والتصحر، نندهش عندما نعثر على اسمه بين أعضاء هذه اللجنة التي ستختار رؤساء الجامعات المغربية.
كيف سيكون السيد الحافي، الذي فشل في إيقاف نزيف الأشجار الذي يكلف المغرب فقدان حوالي 31 ألف هكتار من الغابات كل سنة، مؤهلا لاختيار رؤساء جامعات تفقد سنويا مكانتها العلمية على الصعيد الدولي؟ هذا ما نسميه «تشبث غريق بغريق».
لكن السيد الحافي على الأقل يمتاز بفضيلة الإنصات، وهي الفضيلة التي تعوز أقرانه من مدراء ورؤساء مؤسسات عمومية انتقدها تقرير المجلس الأعلى للحسابات. فبمجرد ما قرأ في التقرير الخاص به أن «المندوبية السامية للمياه والغابات ومكافحة التصحر تفتقر إلى معلومات دقيقة ومضبوطة تصلح لكي تكون أرضية لبرنامج تدخلاته»، عين مدام سلمى في منصب مديرة مركزية للبرمجة وأنظمة المعلوميات.
مشكلة مدام سلمى أنها لا تتوفر على تكوين يتماشى ومنصبها الجديد. فما كان من السي الحافي «الله يجازيه بيخير» سوى أن «قيد» مدام سلمى في جامعة الأخوين لكي تستفيد من تكوين، يدوم سنتين، مدفوع الأجر من طرف المال العام. دون أن ينسى السي الحافي، بالمناسبة، تخفيض ميزانية التكوين المستمر لكافة موظفي المندوبية بحوالي عشرين في المائة. فالأزمة المالية التي تجتازها الحكومة تفرض هذه الأشكال من «الزيار».
وبانتظار إتمام مدام سلمى لتكوينها في جامعة الأخوين، سيظل منصب «المدير المركزي للبرمجة وأنظمة المعلوميات» بالمندوبية السامية للمياه والغابات ومكافحة التصحر فارغا بانتظار العودة الميمونة لمبعوثة «المندوب» السامي إلى إفران. «واش تندبو نتوما ولا ندب أنا».
... تابع القراءة

رسائل من الماضي


كلما جاء الصيف وبدأت قوافل المهاجرين العائدين من وراء البحر تصل إلى أرض الوطن، إلا وعادت بي الذاكرة ثلاثين سنة إلى الوراء.
هؤلاء المغاربة الطيبون، الذين يأتون مرة في السنة لتفقد أماكن ولادتهم وزيارة أهلهم وأحبابهم وشم رائحة تراب بلداتهم البعيدة، يثيرون في داخلي ذكريات عذبة تقذف بي نحو سنوات الطفولة البعيدة.
أتذكر جيراننا الذين يعودون بسياراتهم المحملة بالهدايا والحقائب المربوطة إلى الدراجات الهوائية. أتذكر على الخصوص جارتنا التي كانت تظل العام كله بانتظار إخوانها الذين يأتون في الصيف من فرنسا لكي يملؤوا عليها البيت الفارغ، وكيف كان نصيبنا من تلك الزيارات السنوية يكون دائما على شكل علب شاي صيني وأكياس من الحناء والقرنفل وقطع من صابون مارسيليا.
منذ أن كان عمري لا يتجاوز العقد الأول، فكرت فيها كثيرا لساعات طوال قبل أن أنام تلك الليالي البائسة، في هذا العالم الذي يوجد وراء البحر والذي يأتي منه كل هؤلاء المهاجرين.
ولسبب غامض تخيلت دائما هذا العالم على هيئة مدينة ألعاب عملاقة يمكن لطفل فقير مثلي أن يعثر فيها على دراجة هوائية مثل أبناء المهاجرين الذين يصلون مع الصيف محملين بكل تلك الدراجات الجميلة.
أحببت ذلك العالم الغامض، لأنني كل مرة كنت أكتب فيها رسالة لجارتنا لكي ترسلها إلى إحدى ضواحي باريس كنت أعود إلى البيت بهدية صغيرة. جارتنا كانت امرأة طيبة ككل أرملة، عندما كانت تصلها رسالة من أحد إخوانها بباريس كانت دائما تبعث في طلبي.
وكمترجم صغير وغير محلف، أمسك بالرسالة ذات المظروف الأبيض والطوابع البريدية الصغيرة حيث وجه سيدة باسمة اعتقدت دائما أنها السيدة فرنسا شخصيا. أفتح الرسالة بأدب ثم أطالعها بصوت مسموع حتى يمضي الحنين الحارق الذي في الرسالة مباشرة إلى قلب جارتنا الطيبة دونما وساطة من قلبي الصغير. بعد تلاوة الرسالة، تمنحني الجارة ورقة وقلما وتطلب مني أن أكتب فوقها طلباتها الملحة وسلامها الحار وأشواقها إلى إخوانها. كانت تلك الرسائل أول عهدي بالكتابة، بل إنني أعتقد أنني أصبت بلوثة الكتابة منذ ذلك الوقت بالذات.
عندما أنهي مهمتي تمنحني الجارة الطيبة حبة ليمون ويدعو لي أبوها بالنجاح في امتحان الشهادة الابتدائية وتقبلني أمها العجوز قبلتين إكراما لنجابتي. كانوا عائلة صغيرة بالكاد وكنا نسكن بجانبهم، ولم يكن بيتهم سوى تكملة لبيتنا وامتداد له.
في الصيف، عندما يصل إخوة الجارة محملين بسجادهم الثقيل وأواني الطبخ المستعملة وركام من الأحذية التي لا أول لها ولا آخر، تذهب أمي لتبارك وصولهم. وعندما تهم بالعودة تمنحها المرأة الطيبة قارورة كبيرة من العطر تكفي ليستحم بها كل أفراد العائلة، وصندوقا صغيرا من الشاي الصيني وقطعة صابون وحزمة من أعواد الند ذات الرائحة الزكية.
كنت أغضب وأعلن الحداد أسبوعا كاملا من أجل أن ترضخ الأم لطلبي وتمنحني قارورة العطر التي تحمل رسما لسيدة تضع قبعة كبيرة. لا أعرف لماذا كنت أفضل هذه الهدية بالذات، لكنني ما إن كنت أحصل عليها وأدسها تحت ثيابي حتى أنساها، إلى أن تمر الأسابيع فأصادف القارورة مرمية في الحمام، فأعرف أن الوالد أهرقها خلال وقفاته الصباحية الطويلة لحلق ذقنه، فأغضب من جديد بانتظار هدايا الصيف المقبل.
كان أحد إخوان المرأة الطيبة متزوجا من فرنسية، وكانت له بنت تصغرني بسنة أو سنتين، وكنا بحكم السن والجوار نلعب سوية. كانت هي تملك دراجة هوائية تركبها وتدور حولي مثل زوبعة جميلة، فيما أنا لم أكن أملك غير شاحنة مضحكة مصنوعة من الورق المقوى وبعض الأسلاك الرفيعة التي عثرت عليها قرب محلات الحدادة. لم أكن أرى الطفلة، لم أكن أرى ثيابها الزاهية ولا تسريحة شعرها الغلامية، لم أكن أسمع كلامها الذي لا أفهم نصفه ولا قهقهاتها المدللة. كنت لا أرى سوى الدراجة، أتفحص المقود البراق الذي ينتهي بمقبضين لينين بشكل ساحر. أتأمل العجلة الأمامية بمولد نورها الذي يدور رأسه الأسود فيولد الضوء، وأتمنى أن تترجل الطفلة النزقة وتمنحني جولة فوق دراجتها.
أتمنى أن أضغط على المكبح الخلفي والأمامي معا لأثير الغبار حولي، أن أسقط حتى، ويسيل الدم من جرح في ذراعي.
أتمنى أن أسوق بسرعة وأن أجعل نور المصباح ينير العتمة التي تخيم على طفولتي. لكن شيئا من هذا لم يحدث، وحدها الشيطانة الصغيرة كانت تدور حولي مثل زوبعة جميلة، وأنا خجول بما فيه الكفاية ولا أستطيع أن أطلب منها دراجتها لبعض الوقت. ولم أفهم لماذا تقسو علي فرنسا بهذا الشكل، لماذا لا تبعث إلي مع جيراننا بدراجة صغيرة حتى أمتحن طفولتي بشكل أفضل.
وهكذا كان يمضي صيف ويأتي صيف وأنا أكتب الرسائل الجوابية، والمرأة الطيبة تذرف الدموع وتضيف سلاما كثيرا إلى طلباتها الكثيرة، وفي الأخير تمنحني حبة ليمون، وتقبلني العجوز قبلتين، ويدعو لي أبوها بالنجاح في آخر العام، وحفيدتهما تأتي خلال الصيف الموالي ثم تدور حولي بدراجتها وتعذبني ثلاثة أشهر وتمضي، إلى أن نبت لي شارب فجأة وأدركت أنني كبرت.
انتقل الجيران الطيبون إلى مدينة أخرى، لكن هداياهم ظلت تصل بانتظام مع كل صيف، قارورة العطر العملاقة وأعواد الند وصندوق الشاي الصيني وقطعة صابون مارسيليا.
لم أعد أهتم بقارورة العطر كما في السابق وصرت أهتم أكثر بحفيدتهم التي كبرت مثلي.
وبسبب القمصان الفضفاضة ذات الأعناق المتهدلة التي كان يجلبها المهاجرون من فرنسا، تخيلت أن الفرنسيين كلهم أشخاص سمان، وكانت هذه القمصان تأتي إلى العائلة كهدايا من بعض الأقرباء الذين يجمعهم بنا دم غامض لم يفلح أحد حتى الآن في معرفة أصوله.
كنت أبدو داخل هذه القمصان كدمية رفيعة من القصب. ولم يكن يعفيني منها سوى تطاير أزرارها في مشاجرة أو تآكل أعناقها بسبب كثرة الاستعمال.
لكنني عندما كبرت فهمت أن الفرنسيين ليسوا سمانا إلى هذه الدرجة، وأن القمصان المزعومة لم تكن من فرنسا إطلاقا، بل كان هؤلاء الأقرباء الأوغاد يشترونها بالجملة من أحد أسواق البيضاء قبل أن يصلوا إلينا. ولم يكن يفوتهم أن يشتروا صناديق الشاي وقوارير العطر من الأسواق إياها ثم يقدمون مشترياتهم إلينا كهدايا نادرة تجعلنا نكرم ضيافتهم طوال الصيف.
أخبرني جدي عندما كان حيا أنه اشتغل في فرنسا أيام كان شابا في بدايات القرن الماضي. قبل أن يشحنوه مثل وديعة في السفينة، تفقدوا جيدا أسنانه وحاجبيه ومنخره تم تركوه يمر لأن بنيته كانت قوية.
هناك اشتغل في أحد المناجم بعض الوقت. ولأنه كان ذكيا، وربما كسولا، فضل العودة إلى بلاده واقفا فوق قدميه على العودة ممددا داخل صندوق صقيل بشهادة وفاة تحت رأسه.
كل أقرانه الذين مكثوا في المنجم ماتوا قبله بعشرات السنين، أما هو فقد ظل يتقاضى تقاعده البسيط إلى أن مات وسط أبنائه بسلام وعمره يناهز التسعين عاما.
عاد جدي من فرنسا قبل أن أولد وقبل أن تولد أمي حتى، واشتغل في مصنع للنسيج يديره فرنسي ثري، ثم اشترى دراجة هوائية فرنسية الصنع أيضا. جدي كان يحب دراجته إلى درجة أنه كان يربطها بسلسلة إلى شجرة، كنت أقف أمامها مشدوها ويائسا تماما وأتأمل اليافطة المعلقة أمام المقود: «صنعت في فرنسا» فيزداد كرهي للسلسلة التي تربط الدراجة إلى الشجرة.
كنت دائما أقول إنني عندما سأكبر سأذهب إلى فرنسا هذه وسأتخير لنفسي واحدة من أجمل الدراجات، عندما كبرت فهمت أنني لست بحاجة إلى دراجة هوائية بل إلى دبابة من صنع روسي لكي أدك بها كل هذه الأحلام الرائعة حتى لا تكبر وتشيخ قبل الأوان.
فليس هناك ما هو أقسى من أن تعيش بقية حياتك مع أحلام شاخت ووصلت سن اليأس دون أن تتحقق.
... تابع القراءة

بيع القرد وضحك على من شراه



عندما سأل اليساري السابق حميد برادة «رفيقه» القديم عبد اللطيف اللعبي، في برنامجه «ميزانكور» بالقناة الثانية، عن السبب الذي منعه من تعلم رياضة التسلق التي تعلمها رفاقه اليساريون ووصلت بهم إلى مناصب عليا، قال اللعبي إنه مثقف ولذلك فهو لا يتضايق عندما يقولون عنه إنه ساذج أو حمار. وأضاف كاتب رواية «قاع الخابية» أنه يؤمن بشعار «حمار وبيخير» الذي ترفعه مجموعة شبابية في الدار البيضاء.
ولعله ليس من قبيل الصدفة أن يأتي «اعتراف» المعتقل السياسي السابق عبد اللطيف اللعبي بنزعته الحمارية متزامنا مع نشر جريدة الاتحاد الاشتراكي، في عددها الأخير ليومي السبت والأحد، مقالا حول حصول الأمين العام لـ«جمعية الحمير»، عمر كلول، على الموافقة الرسمية على إنشاء حزب سياسي جديد بالعراق وصفته الجريدة الاتحادية بالوافد الجديد إلى الساحة السياسية العراقية.
لكن، وبعيدا عن المزاح هذه المرة، هل كان فعلا عبد اللطيف اللعبي ساذجا وحمارا إلى هذا الحد وهو يقدم نفسه على هيئة المناضل الطبقي الذي لم يستفد ماديا مثلما استفاد رفاقه السابقون في المعتقلات والمنافي؟
قليلون يعرفون أن عبد اللطيف اللعبي عندما غادر السجن استفاد من حوالي مائة مليون سنتيم في إطار مشروع جبر الضرر لضحايا سنوات الرصاص. وقد استفاد من علاقات رفيقه السابق في السجن عبد القادر الشاوي، من أجل تسريع صرف المبلغ عندما كان مستشارا في ديوان عزيمان على رأس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. وهكذا أخذ عبد اللطيف اللعبي مائة مليون سنتيم من أموال دافعي الضرائب، رغم أنهم لم يتسببوا للعبي ولا لغيره في أي ضرر، فالنظام السياسي هو الذي وضع اللعبي ورفاقه في السجن وليس دافعي الضرائب المغاربة.
عندما قبض اللعبي ثمن نضاله السياسي من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، تذكر أن وزارة التعليم مدينة له بحوالي ثماني سنوات من راتبه كأستاذ للغة الفرنسية، وهو الراتب الذي لم تدفعه له طيلة وجوده في السجن. ورغم أن اللعبي قال، في برنامج رفيقه السابق في السلاح، إن والده علمه أن يسمي المال وسخ الدنيا، وأن يفضل عليه الفقر، فإنه أصر على أن يأخذ نصيبه من هذا الوسخ.
وهكذا جمعوا له «حصيصة» أخرى من وزارة التعليم ربما تكون تجاوزت مائة مليون سنتيم إضافية.
المشكلة ليست هنا، فالحصة التي حصل عليها اللعبي من وزارة التعليم تعتبر حقا من حقوقه. المشكلة أن اللعبي كان على بعد ثلاث سنوات من التقاعد، ولذلك فقد طلبوا منه في الوزارة أن يلتحق بالثانوية التي كان يشتغل بها لكي يواصل مشواره المهني. لكن المناضل الطبقي رفض الالتحاق بالمؤسسة لأنه قرر الانتقال للعيش في فرنسا في ضواحي باريس مباشرة بعد خروجه من السجن.
ماذا سيفعل اللعبي لكي يفلت من هذه السنوات الثلاث التي تفصله عن التقاعد؟ سيقترح على اتحاد كتاب المغرب ووزارة التعليم، على عهد الاتحادي الحبيب المالكي، أن يتفرغ لإعداد دليل للشعراء المغاربة.
وهكذا تفرغ كليا لهذا «المشروع»، وظل يتوصل براتبه الشهري من الوزارة إلى أن انقضت السنوات الثلاث وحصل على تقاعده المريح.
لذلك، فمن حق اللعبي أن يأتي اليوم إلى برنامج حميد برادة، رفيقه القديم في السلاح، لكي يضحك على المغاربة ويقول لهم إنه «حمار وبيخير»، متصنعا السذاجة دون أن يتوقف عن النفخ على «خبيزته» بتلك التوقيعات التي يحشدها لبيانه حول الذاكرة المغربية والذي يطمح من ورائه إلى الحصول على منصب على رأس «المركز الوطني للذاكرة المعاصرة»، هذه المؤسسة الرسمية، أسوة برفاقه السابقين الذين حصلوا على مناصب حسب طول لسان كل واحد منهم.
هذه الأيام ليس اللعبي من يريد أن يضحك على المغاربة الذين أخذ ثمن نضاله من جيوبهم، بل هناك كثيرون. ولعل أكبرهم هو علي بوعبيد، رئيس «مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد»، الذي أصدرت «دائرة التحليل الاقتصادي» الدائرة في فلكه تقريرا في 85 صفحة تقول خلاصته إن مشاريع البنيات التحتية الكبرى والاستثمارات السياحية ومشاريع السكن الاجتماعي التي انخرط فيها المغرب طيلة العشر سنوات الأخيرة كانت مشاريع مبالغا فيها وغير كافية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي. الحل، حسب التقرير، لا يوجد في الإسمنت. والنتيجة، حسب التقرير، هي أن المغرب يفتقر إلى استراتيجية للتقدم الاقتصادي.
المشكلة هنا ليست في التقرير ونتائجه، فالأساتذة الذين أشرفوا على إنجازه لا يرقى الشك إلى مستواهم العلمي والأكاديمي. المشكلة تبدأ عندما يقول علي بوعبيد، الذي امتنع حديثا رفقة محمد الأشعري والعربي عجول عن حضور اجتماعات الكتابة العامة للاتحاد الاشتراكي، إن الغرض من وراء هذا التقرير هو فتح النقاش.
لأن الغرض الحقيقي من صدور هذا التقرير في هذا التوقيت بالضبط هو الاستعداد منذ الآن لانتخابات 2012، وحياكة غشاء بكارة جديدة لحزب الاتحاد الاشتراكي الذي يستعد علي بوعبيد والأشعري وعجول، إلى جانب بقية «الرفاق» الذين التحقوا حديثا بحركتهم «التصحيحية»، للانقضاض عليه وانتزاع قيادته من لشكر والمالكي والراضي ووالعلو.
ولو أن هذا التقرير، السياسي وليس الاقتصادي كما يقدمه أصحابه، تبنته مؤسسة أخرى غير مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد الاتحادية، لبدا الأمر عاديا جدا، بل مطلوبا. لكن أن يقدمه شخص يقود تيارا سياسيا داخل الاتحاد الاشتراكي يبحث له عن موطئ قدم في الحكومة المقبلة، فهذا يكشف عن مزايدة سياسية مفضوحة.
ولعل قمة الضحك على ذقون المغاربة هي مهاجمة التوجه الرسمي بخصوص المشاريع الكبرى والسكن الاجتماعي والسياحة من طرف تيار سياسي اتحادي كان جزء كبير من أطره مشاركا في الحكومة طيلة العشر سنوات التي يتحدث عنها التقرير.
فالأشعري، الذي يتحدث اليوم عن الأفق الديمقراطي الصعب في المغرب، كان في طليعة المدافعين عن نجاح الانتقال الديمقراطي. وتكفي في هذا الصدد العودة إلى أرشيف وكالة المغرب العربي للأنباء لقراءة قصائد الغزل التي كان ينظمها الأشعري في الانتقال الديمقراطي الناجح عندما كان وزيرا في حكومة اليوسفي وبعدها في حكومة جطو.
كما أن علي بوعبيد، الذي ينتقد اليوم سياسة الإسمنت، ظل لسنوات يشغل وظيفة مهمة في ديوان محمد اليازغي عندما كان وزيرا للماء والبيئة، حيث كان يتقاضى، بالإضافة إلى راتبه، تعويضات عن الملفات التي كان مكلفا بها تصل إلى سبعة ملايين سنتيم في الشهر.
أما العربي الجعايدي، أحد المساهمين في كتابة التقرير، فقد كان يشغل منصب المستشار الاقتصادي للوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي، ولم يثبت أنه اعترض آنذاك على سياسة الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا لم يعلن كل هؤلاء المعارضين الأشاوس، الذين يهاجمون سياسة الأوراش الكبرى، عن موقفهم المعارض لهذه السياسة الرسمية للدولة عندما كانوا في الحكومة وفي دواوين وزرائها. فلو أنهم فعلوا ذلك عندما كانوا في موقع المسؤولية ومراكز القرار لكان لموقفهم صدى ومصداقية. أما أن يفعلوا ذلك من موقع الاستعداد للانقضاض على الحزب لدخول معترك الانتخابات المقبلة، فهذا اسمه «بيع القرد وضحك على من شراه».
لحسن الحظ أن الاتحاديين الذين ينتقدون سياسة بناء الطرق السيارة وميناء طنجة المتوسط وعمارات السكن الاجتماعي والاستثمارات السياحية الكبرى، لا يوجد القرار السياسي بين أيديهم وإلا لكانوا أوقفوا كل هذه المشاريع التي لا تعود بالنفع على الدخل الفردي للمغاربة.
عندما كتبت في عمود سابق أن الصراع على السلطة بين اليساريين والحسن الثاني ضيع على المغرب خمسا وثلاثين سنة من التقدم، كان هناك من طالب بتوقيفنا عند حدنا لأننا تجرأنا على قول ما يردده كثيرون في السر دون أن يجرؤوا على المجاهرة به.
واليوم، أكثر من أي وقت آخر، يظهر جليا أن المغاربة كانوا محظوظين لأن هؤلاء اليساريين لم ينجحوا في الوصول إلى السلطة، لأنهم لو وصلوا إليها فسيكون من المستحيل أن تمسكوا في يوم من الأيام جريدة مثل هذه بين أيديكم.
إنهم يريدون أن يبرروا ركضهم الجنوني وراء السلطة بالدفاع عن الدخل الفردي للمغاربة. يريدون تبرير جوعهم التاريخي للحكم بالنضال من أجل رفاهية وازدهار المغرب.
نعم إن المشاريع والأوراش الكبرى، التي أطلقتها الدولة منذ عشر سنوات، ليست وحدها كافية لإخراج المغرب من عنق الزجاجة ووضعه في مصاف الدول النامية. لكن بدون هذه البنيات التحتية الأساسية فإن كل المشاريع الأخرى، التي ستساهم في التقدم الاقتصادي للمملكة، ستفشل.
التقدم يحتاج إلى طرق سيارة وقناطر وموانئ كبرى ومطارات بمواصفات دولية. وهذه البنيات الأساسية كان على المغرب أن يشرع فيها قبل ثلاثين سنة، سوى أن «رفاق» علي بوعبيد والأشعري واللعبي والحسن الثاني اختاروا أن يؤجلوا هذه المشاريع لكي يتفرغوا لتجنب الطعنات الغادرة التي برعوا في توجيهها إلى بعضهم البعض.
لذلك كله كان على «دائرة التحليل الاقتصادي» التي أصدرت هذا التقرير «السياسي» أن تحيي هذا الورش الكبير والمفتوح على طول المملكة، وأن تطالب بالاستمرار فيه إلى نهايته، حتى لا يأتي أحفادنا بعد ثلاثين سنة من اليوم ويقولوا نفس ما قلناه نحن عن مغرب العهد السابق.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى