بوس عمك

ما الذي يدفع تلميذة في الثانية عشرة من عمرها إلى الحديث عن مدير مدرستها الابتدائية بالطريقة التالية: «ملي تاندخل عند المدير كايقول ليا سيري سدي الباب ديال برا وسدي الشرجم، وتايبقى يعنق فيا وتايبوسني هنايا (تشير إلى فمها)، وتابيقى يعنقني بزاف، وتايبقى يقيسني هنايا (تشير إلى صدرها) يقيسني بزاف حتى تايضرني».
يمكن أن يكون خيال هذه الطفلة خصبا، ولذلك لجأت إلى اختلاق هذه القصة ضد مدير مدرستها. لكن لنستمع إلى شهادة تلميذة أخرى تقول متحدثة عن المدير نفسه: «دخلني للمكتب وسد عليا الباب وعنقني وقاس ليا بزازلي وباسني، وقال ليا ملي غادي تطلعي للإعدادي ماغاديش تبقاي تجي عندي».
وحتى إذا افترضنا أن خيال هذه التلميذة واسع، وأنها اتفقت مع صديقتها على اختلاق القصة نفسها، فما الذي يدفع بثلاث تلميذات أخريات إلى حكاية قصص تتشابه مع قصتي التلميذتين اللتين تتحدثان عن تعرضهما للتحرش الجنسي من طرف مدير مدرستهما.
الأطفال لا يكذبون عندما يحكون عن مكروه تعرضوا له، وعندما يصنعون ذلك فإنهم يفعلونه بتجرد وصدق. وما تحكي عنه تلميذات هذه المدرسة الابتدائية بالرباط يسمى في القانون الاستغلال الجنسي والتحرش ضد قاصرات. ولعل عائلات الطفلات اللواتي تحدثن عن معاناتهن مع المدير أعطت المثال على احترام القانون عندما قررت ألا تدين أحدا، وطالبت بالمقابل بفتح تحقيق عاجل لكي تستمع العدالة إلى شهادات الطفلات وشهادة المدير والعاملين بالمدرسة، وبعدها تقرر من الضحية ومن الجلاد. وإذا كان المدير قد ارتكب، فعلا، كل ما تدعيه الطفلات فيجب إيداعه السجن، وإذا كانت الطفلات قد اختلقن هذه الحكاية من أصلها فمكانهن هو الإصلاحية. هذا كل ما يطالب به آباء هؤلاء الطفلات.
يجب أن يضع كل واحد منا نفسه مكان هؤلاء الآباء الذين تحكي لهم طفلاتهم كيف أن مدير المدرسة، الذي يفترض فيه أن يحمي براءتهن، يتحول إلى وحش يدس أصابعه الخشنة تحت ثيابهن لكي يتحسس أعضاءهن الغضة.
إذا كانت عائلات هؤلاء الفتيات قد تجرأت وسجلت شهادات بناتها في قرص مدمج، فإن عائلات كثيرة في طنجة تتوارى خلف أستار الصمت والخجل السميكة. وإذا كان مدير المدرسة الابتدائية في الرباط يلوذ بالصمت، فإن مدير إحدى المدارس الابتدائية بطنجة يبرر إشباعه للتلميذات تقبيلا وضما وعناقا في الساحة وأمام المعلمين بكونهن «عزازات عليه بزاف». ويبدو أن مدير المدرسة المغرم بتقبيل البنات الصغيرات وعناقهن يجهل أن ما يقوم به يسمى تحرشا جنسيا يعاقب عليه القانون بالسجن.
وقد ذكرني هذا المدير بأحدهم كان يتشاجر مع أجنبي يمسك بذراع ابنه الصغير الأشقر ويحاول حمايته وراء ظهره. وعندما اقتربت لكي أفهم سر هذه الخصومة سمعت المواطن المغربي يقول للأجنبي:
- «مالنا غادي ناكلوه، راه بغينا غير نبوسوه»...
ففهمت أن المواطن المغربي حاول تقبيل ابن المواطن الأجنبي فمنعه هذا الأخير من ذلك. وربما تعود صاحبنا أن يقبل الأطفال الصغار الذين يكونون برفقة آبائهن في الأماكن العامة توددا. وربما كان فعلا مريضا جنسيا يستغل هذا التودد لإشباع جوعه الجنسي الشاذ.
ولعل واحدة من العادات المغربية السيئة التي يجب أن يوضع لها حد هي تجرؤ البعض على أبناء الناس في الشوارع والأماكن العامة، وحمله إياهم بين أذرعه وتقبيله إياهم دون أن تربطه علاقة بعائلات هؤلاء الأطفال. والناس يقبلون بهذا الاعتداء على براءة أطفالهم بحجة أن منع الغرباء من تقبيل أطفالهم قد يفسر بالتعفر والكبرياء، أي أن الناس يسترخصون براءة أطفالهم مقابل عدم اتهامهم بأنهم «دافعين كبير».
وكثيرا ما يشجع الآباء أبناءهم على تقبيل الغرباء عندما يلاحظون أن أطفالهم يمانعون في ذلك، فيخاطبونهم بلهجة آمرة «ماتحشمش بوس عمك».
في الدول الديمقراطية التي تحترم، فعلا، حقوق الطفل وتعلمه في المدرسة والإعلام العمومي أن جسده ملكية خاصة به ولا يجوز لأحد العبث بها، يمنع على كل غريب أن يضع يده فوق شعر طفل قاصر تحت طائلة السجن، فبالأحرى تقبيله.
ولهذا نفهم ردة فعل الأجنبي أمام السوق المركزي بالرباط والذي منع صاحبنا «البواس» من لمس ابنه. وفي الوقت الذي لازال فيه المغاربة يعتبرون تقبيل ولمس وضم أطفال الآخرين شكلا من أشكال الدفء الإنساني، فإن القانون في أوربا وأمريكا يمنع هذا «الدفء» على الغرباء حفاظا على الأمن الجسدي للأطفال والقاصرين.
إن ما تعيشه اليوم عائلات كثيرة في مدن مغربية مختلفة، بسبب ما يتعرض له أطفالها في بعض المؤسسات التعليمية من تحرشات، يعتبر انفلاتا تربويا وجنسيا مخيفا. ولعل الخطير في هذا الانفلات هو أنه آت من بعض رجال التعليم المرضى الذين يوجد مكانهم في السجن أو مستشفى الأمراض النفسية عوض القسم أو الإدارة.
المصيبة أن الخطر لم يعد يأتي فقط من داخل بعض المؤسسات التعليمية، وإنما من أمام أبوابها أيضا. وفي طنجة، فضحت تلميذات تتراوح أعمارهن بين التاسعة والعاشرة إحدى زميلاتهن التي تذهب من أمام باب المدرسة مع رجل يمنحها الحلوى مقابل العبث بجسدها الصغير داخل أحد «الكاراجات». ويبدو أن جشع هذا المريض الجنسي هو الذي فضحه، خصوصا عندما طلب من الطفلة أن تغري طفلات أخريات يدرسن معها في القسم، مقابل منحهن حلويات. فنجحت في استدراج سبع طفلات أخريات. وعندما حاولت استدراج المزيد من الضحايا، بدأت الطفلات يتحدثن إلى عائلاتهن عن التلميذة «اللي كاتمشي مع الرجال».
هناك اليوم حاجة ماسة إلى إحاطة أبواب المدارس الابتدائية والإعدادية بحماية أمنية. فالذئاب البشرية تحوم حولها طيلة النهار. وأمام إحدى الابتدائيات في طنجة، تحوم سيارة «فارغونيط» تختطف التلميذات  اللواتي تترواح أعمارهن بين 12 و13 سنة وتأخذهن إلى بيوت شقق مفروشة حيث يكتشفن أن فتيات أخريات سبقنهن إلى هناك. فيخضعن للتخدير من طرف خاطفيهن ويمارس عليهن ضيوف تلك الشقق الجنس بطريقة شاذة. وعندما ينتهون منهن يسلمونهن 30 درهما لكل واحدة منهن ويطلقون سراحهن بالقرب من المدرسة. عندما يعدن إلى بيوتهن ويزول أثر المخدر، تشعر الطفلات بالألم في منطقة المخرج، فيتحدثن إلى عائلاتهن عن الأمر. وعندما تكتشف العائلات عند الطبيب أن العنف الجنسي الذي تعرضت له طفلاتهن لم يتسبب في فقدان بكاراتهن، تكتم الأمر خوفا من الفضيحة.
وإذا كان العنف الجنسي الذي تمارسه هذه العصابة المتخصصة في اختطاف فتيات المدارس لا يفضي إلى افتضاض البكارة، فإن الاستغلال الجنسي لفتيات مدرسة أخرى بطنجة نتج عنه اكتشاف حمل ثلاث بنات لا تتعدى أعمارهن 12 سنة.
ولعل أكثر ما يشجع هذه الوحوش الآدمية على ارتكاب جرائمها الجنسية ضد الأطفال هي الأحكام القضائية المخففة التي تصدر في حقها في حالة اعتقالها وتقديمها إلى العدالة.
فالأستاذ، الذي اعتدى جنسيا على تسع من تلميذاته في مدرسة الانبعاث بسلا، لم تحكم عليه المحكمة سوى بثلاث سنوات. والأستاذ، الذي حكم عليه بتهمة اعتدائه على تلميذات بمدرسة عبد المالك السعدي، صدر في حقه حكم بالسجن لخمس سنوات في الابتدائي قبل أن تمنحه المحكمة البراءة في الاستئناف، وهكذا ربح هو البراءة فيما ضاعت براءة شيماء وأميمة والأخريات. والأستاذ، الذي اغتصب تسعا من تلميذاته بمدرسة جمال الدين الأفغاني، لم تحكم عليه المحكمة سوى بخمس سنوات.
والأستاذ الفرنسي «دانييل»، صاحب مجموعة مدارس الخزامى الذي سبق للقضاء أن قضى في حقه بعشر سنوات بتهمة اغتصاب أطفال قاصرين، عاد واستفاد في الاستئناف من حكم مخفف بخمس سنوات، قبل أن يحصل على العفو. وثمن هذا العفو دفعه طفل بريء قبل أيام اغتصبه هذا الفرنسي في مخيم بإموزار، لكي يتم اعتقاله مجددا ويحال على المحكمة التي مثل أمامها قبل يومين تمثيلية «موت أحمار» عندما سقط مغمى عليه أمام القاضي.
هذا دون أن نتحدث عن المعلم المتهم باغتصاب طفلات الروض بالخميسات والذي حصل على البراءة، أو أستاذ مدرسة الأزهر بالدار البيضاء المعتقل بتهمة اغتصاب 17 تلميذة والذي لم يصدر ضده أي حكم إلى اليوم.
لو كانت هناك عدالة في هذا البلد لرأينا كيف تنطق المحاكم في حق هؤلاء المجرمين، الذين تثبت في حقهم جريمة الاعتداء الجنسي على الأطفال، بالإعدام.
فهذه الوحوش الآدمية التي تفترس براءة الأطفال الأبرياء وتتسبب لهم في تشوهات جسدية ونفسية مؤبدة لا تستحق العيش في السجون على حساب دافعي الضرائب.
إن التشدد في الأحكام ضد المتورطين في اغتصاب الأطفال والتحرش الجنسي بهم، هو الحل الوحيد لردع هذه الوحوش.
مثلما أن كسر الآباء لحاجز الصمت والإحساس بالعار والخجل، وفضحهم لما تتعرض له بناتهن وأبناؤهم في بعض المؤسسات التعليمية، يشكل مدخلا أساسيا لإماطة اللثام عن هذا «الطابو» المخيف الذي يخشى الحديث عنه خوفا من الفضيحة.
... تابع القراءة

كور وعطي لعور

قررت «الفيفا» متابعة شركة الجعة الهولندية «بفاريا» بتهمة الإشهار غير القانوني في مدرجات ملاعب المونديال بجنوب إفريقيا. كما اعتقلت السلطات الجنوب إفريقية المشجعات الهولنديات اللواتي حضرن إلى المدرجات متنكرات داخل تنورات برتقالية تحمل علامة شركة الجعة الهولندية.
فالمنافسة بين ماركات «البيرة» العالمية على أشدها. وبالنسبة إلى جعة «هينيكين» التي اشترت من «الفيفا» حق احتكار إشهار اسمها وألوانها الخضراء طيلة أيام المونديال، فإنه ليس من المقبول أبدا السماح لألوان جعة منافسة بأن تزاحمها على مدرجات الملاعب.
الكحول، حسب جميع الدراسات والنصائح الطبية، مادة ضارة بالجسم وبالصحة العامة. لذلك فإنه من المستغرب أن تحتضن شركة للجعة، تصنع مشروبات كحولية، تظاهرة رياضية ككرة القدم.
لكن، ماذا تريدون، فليست جميع المشروبات والمأكولات التي ترعى الفرق والنوادي الكروية مفيدة للصحة والجسم. فمشروب كوكاكولا الذي يحتضن المونديال يتسبب في السمنة بسبب السعرات الحرارية العالية التي توجد فيه. وشرائح مورتاديلا «الكتبية» ونقانقها، التي ترعى بعض النوادي الكروية المغربية، إذا لم تستهلكها بحذر فإنك توشك على رفع نسبة «الكوليستيرول» في دمك. أما بيرة «هينيكين» التي ترعى تظاهرة المونديال، فالإفراط في شربها يمكن أن يؤدي إلى التهلكة.
وحتى مزمار «الفوفوزيلا» الذي «صمك» آذان اللاعبين والمشاهدين الذين يتابعون النقل المباشر للمونديال عبر العالم، وتسبب زعيقه الكريه في اندلاع عاصفة من الانتقادات بسبب مخاطره على الصحة، وجد رئيس «الفيفا» تبريرا مقنعا لاستمراره في الملاعب.
فقد قال «بلاتير» إن هذا المزمار المزعج يشكل أحد مقومات الثقافة الغنائية المحلية، وليس هناك مبرر لمنعه. والحقيقة أن «بلاتير» لا تهمه الثقافة الغنائية الشعبية الإفريقية بقدر ما تهمه العقود الإشهارية التي أبرمتها الشركات المحتضنة مع الشركات التي تصنع هذه المزامير، والتي ترسم علاماتها وألوانها عليها.
لذلك فعندما يطلب «بلاتير» من ملايير المشاهدين، الذين أفسدت عليهم أصوات هذه المزامير متعة الفرجة الكروية، أن يتحملوا الإزعاج ويصبروا، فإنه يحمي مصالح الشركة التي تصنع المزامير والتي تبيعها بخمسة عشر دولارا «للزمارة»، مثلما يحمي مصالح الشركات المحتضنة التي تعاقدت مع شركة «الفوفوزيلا». أما باقي العالم، فأمامه خياران: إما أن يشتري الخوذات الواقية من الضجيج التي صنعتها الشركة نفسها للوقاية من ضجيج مزاميرها، أو  «يمشي يزمر».
لقد كشف هذا المونديال أن «الفيفا» قادرة على أن «تشري الصداع» إذا أرادت، كما أنها قادرة على بيعه أيضا. وهذا يعني شيئا واحدا، وهو أن كرة القدم لم تعد فقط رياضة شعبية، وإنما أصبحت وسيلة للدعاية وربح المال والضغط السياسي في المقام الأول.
ولعل الدليل الأوضح على أن الكرة تأتي في مرتبة أهم من مصالح السياسية هو ما وقع في مجلس الأمن الدولي بنيويورك، والذي طالب رئيسه «كلود هيلر» بتعليق إحدى جلساته من أجل إتاحة الفرصة للدبلوماسيين من أجل الاستمتاع بمشاهدة مباريات الكرة التي تبدأ في العاشرة صباحا بتوقيت نيويورك.
ومن أجل متابعة مقابلة منتخب بلاده، قرر المكسيكي «كلود هيلر» تأجيل مناقشة ملف حول السودان إلى وقت لاحق، فوافقت جميع الدول ولم تستعمل أية واحدة منها حق الفيتو للاعتراض.
فمقابلة منتخب رئيس مجلس الأمن أهم من مشاكل المجاعة والحروب والفقر في السودان.
وعندما تخرق الشركات العالمية قانون الإعلانات المقدس للفيفا، تلجأ هذه الأخيرة إلى القضاء من أجل الدفاع عن حقوقها. لكن عندما تخرق «الفيفا» نفسها القانون الدولي وتقوم بالدعاية السياسية لكيان وهمي ضدا على المصالح العليا لدولة ذات سيادة وتاريخ وحضور دولي، فإنه لا أحد يرفع أصبعه الأصغر احتجاجا على هذا الاستغلال الفج لحدث رياضي عالمي يتابعه الملايير من أجل تصفية حسابات سياسية قديمة.
لنكن واضحين أكثر. باستدعاء «الفيفا» وحكومة جنوب إفريقيا لعبد العزيز المراكشي، زعيم البوليساريو، للجلوس في المنصة الشرفية لافتتاح المونديال، إلى جانب رئيس جنوب إفريقيا ورئيس «الفيفا»، وتركيز الكاميرا عليه لفترة طويلة مقارنة بالآخرين، تكون «الفيفا» قد قامت بالدعاية السياسية لدولة وهمية صنعتها الجزائر وقررت زرعها كشوكة في خاصرة المغرب.
وإذا كانت «الفيفا» تمنع الدعاية غير القانونية في مدرجات الملاعب التي تحتضن مباريات كرة القدم، فإنها يجب، وبدرجة مماثلة، أن تمنع على نفسها القيام بالدعاية السياسية غير القانونية للكيانات الوهمية التي تعرف حكومة جنوب إفريقيا قبل غيرها من صنعها، ولأية أهداف سياسية واقتصادية تم صنعها.
لقد أعدت حكومتا الجزائر وجنوب إفريقيا لحضور زعيم البوليساريو إلى حفل الافتتاح بشكل دقيق ومدروس. وخلال مباراة المنتخب الجزائري ومنتخب «سلوفينيا»، رأينا كيف كان الجمهور الجزائري، الذي حضر لتشجيع منتخبه الوطني، يلوح من المدرجات بأعلام البوليساريو جنبا إلى جنب مع أعلام الجزائر. رغم أن المغاربة عندما تأهل المنتخب الجزائري للمونديال خرجوا يلوحون بالعلمين الجزائري والمغربي معتبرين تأهل المنتخب الجزائري تأهلا للمغاربة أيضا.
عندما تصنع الحكومة الجزائرية أعلام البوليساريو وترسلها إلى جنوب إفريقيا لكي تلوح بها جماهير المنتخب الجزائري، فهي بذلك تريد أن تبعث رسالة إلى ملايير المشاهدين الذين يتابعون المونديال عبر العالم، مفادها أن «قضية البوليساريو» ليست فقط «قضية» الدولة الجزائرية وإنما «قضية» الشعب الجزائري أيضا.
وهذه مغالطة سياسية كبيرة شاركت جنوب إفريقيا و«الفيفا» الجزائر في إشاعتها، مستغلين تظاهرة كروية دولية في حجم المونديال لتمريرها وتسجيل هدف في مرمى المغرب. فبخلاف الصحافة التابعة للجنرالات والحكومة الجزائرية، لا تعير أغلبية الشعب الجزائري أية أهمية للبوليساريو، بل هناك أصوات كثيرة داخل الطبقة السياسية الجزائرية تساند وحدة المغرب الترابية وتنتقد تحيز الحكومة الجزائرية المفضوح لصالح البوليساريو وحكاية «تقرير مصيره».
إن الذي يطالب بتقرير مصيره هو الشعب الجزائري الذي يريد انتخابات حرة ونزيهة يصوت فيها على الرئيس الذي يختاره الجزائريون الأحرار بإرادتهم، وليس الرئيس الذي يفرضه الجنرالات وتجار الحرب الذين يريدون تأبيد الصراع مع المغرب لكي يبرروا نفقات التسلح الباهظة والتي يتسلمون عمولاتها في حساباتهم البنكية بأوربا.
ليس خافيا على أحد أن المحور الذي يضم جنوب إفريقيا وأبوجا والجزائر، يصنع كل ما بوسعه لكي يسجل النقاط ضد المغرب في قضية الصحراء. وقد وجد هذا المحور في المونديال فرصة مناسبة استغلها لإخراج المشاركة الجزائرية من سياقها الرياضي إلى سياق سياسي فج.
لقد كان الرد المناسب على هذا السلوك غير الرياضي هو تخلف رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم عن حضور حفل افتتاح المونديال واكتفائه بإرسال مندوبين عن الجامعة لتمثيل المغرب.
إن ما وقع في جنوب إفريقيا درس يجب أن يستوعبه القائمون على الشأن الكروي في المغرب. فالكرة ليست رياضة فقط، وإنما سياسة قبل كل شيء. وهذا ما لم يفهمه علي الفاسي الفهري الذي كلف شركة فرنسية هي «هافاس سبور»، مقابل مبلغ 200 مليون سنتيم، بإعداد الملف التجاري لصفقة بيع مقابلات البطولة الوطنية وكأس العرش والفريق الوطني للقنوات التلفزيونية التي تدفع أكثر.
إن الأخ علي الفاسي الفهري ينطبق عليه في هذه «الطبزة» المثل القائل «شاف الربيع ما شاف الحافة». فالرجل داخ عندما رأى قيمة المبلغ الذي اقترحته «الجزيرة الرياضية» لشراء حقوق بث البطولة وكأس العرش والفريق الوطني والذي وصل إلى 40 مليار سنتيم، ونسي أنه سيبيع قناة أجنبية، تملكها قناة أم كـ«الجزيرة» لديها مواقف عدائية معروفة من المغرب، حقوق بث مباريات كروية وطنية ككأس العرش يحضرها الملك أو الأمير مولاي رشيد من أجل تسليم الكأس إلى الفريق الفائز. وهي المناسبات التي تنقلها وسائل الإعلام العمومية إلى المشاهدين. ولنتخيل أن «الجزيرة الرياضية» اشترت حقوق بث هذه المقابلات من الجامعة وقررت إعادة بيعها للقنوات المغربية بـ40 مليارا للمقابلة، هل سيكون هناك من خيار آخر أمام هذه القنوات سوى
الدفع؟
نحتاج إلى مسؤولين كرويين لديهم حاسة شم سياسية متطورة، وليس فقط مسؤولين من طينة «كور وعطي لعور». فما كل شيء يباع.
... تابع القراءة

أحفاد مسيلمة الكذاب

ليس من قبيل الصدفة أن يتزامن النقاش الدائر حول ضرورة إقرار الدارجة في التعليم العمومي الأساسي مكان اللغة العربية مع النقاش الذي اندلع مباشرة بعد قرار الدولة طرد المبشرين المسيحيين وضرورة ترجمة القرآن إلى الدارجة.
ولعل أبرز المنادين بهذا المطلب، بعد الأخ رشيد الذي يعد برنامجا تلفزيونيا تبشيريا بتمويل من الكنيسة، نجد الأخ عصيد، العضو السابق في المجلس الملكي للثقافة الأمازيغية، والذي لا يخفي عداءه للغة العربية والعرب والدين الإسلامي بشكل عام، رغم أنه يحمل أحد أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم، ورغم أنه يكتب باللغة العربية ويتواصل بها في الصحافة واللقاءات والمؤتمرات.
عندما نقول إن عصيد يعادي اللغة العربية والإسلام ويحتقر القرآن ويبخسه قيمته فليس هذا من باب التحريض عليه، إذ يكفي الرجوع إلى كتابات الرجل لكي نتساءل عن سر هجماته المتكررة على أحد أهم مقدسات المغاربة والأمة الإسلامية قاطبة، في انسجام وتنسيق تامين مع أطروحات دعاة محو اللغة العربية وإعادتها إلى المشرق المتخلف من حيث أتت، وبالتالي تخليص الشعب المغربي من هذه اللغة التي تشكل عنصر وحدة يجمع المغاربة بمختلف لهجاتهم وأعراقهم وجهاتهم. فاللحمة التي تجمع المغاربة، حسب هؤلاء، ليست هي الإسلام وإنما ما يسمونه «تامغربيت». وهو مفهوم جديد يسعى غلاة «الفرنكفونية» و«الأمازيغية» والعلمانية إلى فرضه على المغاربة عبر وسائل الإعلام لضرب اللحمة الأساسية التي تجمع المغاربة وهي الإسلام. وعندما نقول الإسلام نقول القرآن، وعندما نقول القرآن نقول، طبعا، اللغة العربية التي نزل بها القرآن.
وبالعودة إلى كتابات عصيد، نجد أن الرجل تعدى التعبير عن الاختلاف أو إبداء الرأي، وأصبح جزء كبير مما يكتبه يدخل في إطار المس بمشاعر المسلمين وازدراء الأديان والسخرية من كتاب الله.
إن الحل بالنسبة إلى المسلمين، حسب عصيد، لكي يخرجوا من تخلفهم يمر حتما عبر مرحلتين لا ثالث لهما: أولا، اعتراف المسلمين بأنهم متخلفون وأن غيرهم من الأقوام يعيشون حياة متقدمة على شتى الأصعدة. وثانيا، وهذا هو صلب الموضوع، اعتراف المسلمين بأن المشكل لا يكمن فيهم فقط بل يكمن في صميم الدين الإسلامي وبين ثنايا نصوصه.
وقد قالها عصيد بوضوح في مقالة أخرى عندما أكد أن الإسلام دين عدواني وأن القرآن نصّ يحث ويشجع على الإرهاب. القرآن، حسب عصيد، ليس فقط نصا يشكو من التناقض والتنافر مع روح العصر، وإنما هو أيضا نص عادي وبسيط وسطحي. وللبرهنة على ذلك، يقول عصيد ساخرا، فقد كان كافيا الاستماع إلى تفسير آية «والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا» من طرف سكان إحدى بوادي سوس التي كان يقضي فيها عصيد عطلته أيام فترته الجامعية، لكي يستلقي هؤلاء البدو، وعصيد معهم، على أقفيتهم من شدة الضحك بسبب تفسيرهم العجيب لهذه الآية.
وعندما كان عصيد يشرح لهؤلاء البدو أن الآية لا تعني كل تلك الأشياء العجيبة والمهولة التي كانوا يتخيلونها، وأن الأمر يتعلق في الآية بالخيل فقط، كانوا يرفضون تقبل الأمر ويتمسكون بشرحهم الخاص.
هكذا يستنتج عصيد أن الحل الوحيد للبرهنة على سطحية القرآن وبساطة معانيه، أي ضرب إحدى أهم معجزات القرآن وهي الإعجاز اللغوي، هو ترجمته إلى الدارجة أو الأمازيغية حتى يفهم المؤمنون بهذه المعجزة أن الأمر يتعلق بكتاب عادي يستمد قوته من اللغة العربية وليس من كونه كلام الله المنزل على رسوله.
ويمضي عصيد بعيدا في تحليله عندما يقول إن الإعجاز البلاغي في القرآن مجرد خرافة، وإن هناك نصوصا شعرية جاهلية تتفوق على القرآن بلاغة، مما يعني أن القرآن يأتي في المرتبة الثانية من حيث البلاغة اللغوية أمام بعض قصائد الشعر الجاهلي.
إن الهدف الواضح من كل كتابات عصيد حول سطحية معاني القرآن وبساطته، هو الدعوة إلى إخراج القرآن من اللغة العربية وترجمته إلى الدارجة، ولم لا الصلاة بهذه الترجمة انسجاما مع الفتوى التي أطلقها أحد العلماء الترك الذي طرح مسألة الصلاة بالتركية.
وقد أتت هذه الدعوة مباشرة بعد صدور حوارات في الصحافة مع «الأخ» رشيد والتي قدم فيها آيات قرآنية مترجمة إلى الدارجة، خصوصا ترجمة سورة الكوثر والتي تحولت على يد هذا «الأخ» من «إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر»، إلى «راه عطيناك الرزق بلا عداد، وصلي لربك وذبح فالعياد، راه عدوك هوا اللي بلا ولاد».
هذه «القباحة» التي تجرأ «الأخ» رشيد على اقترافها سبقه إليها مسيلمة الكذاب بقرون طويلة عندما حاول تشويه سورة الكوثر» وحولها إلى «إنا أعطيناك الكواثر فصل لربك وبادر في الليالي الغوادر واحذر أن تحرص أو تكاثر».
هذا هو القرآن الجديد الذي يبشرون به المغاربة ويدعونهم إلى قراءته من أجل مساعدتهم على كشف أسطورة الإعجاز الذي يحيط به المسلمون المتخلفون قرآنهم ويدارون به جهلهم وإيمانهم الأعمى بقدسيته.
عندما نرى كيف يدافع مثقفون غربيون وعلمانيون عن الإسلام كديانة للتسامح والتعايش، وكيف يمدحون القرآن ككتاب سماوي يستحق الاحترام، ثم نقارن ذلك بما أصبح يكتبه وينادي به بعض غلاة الأمازيغية والعلمانية و«الفرنكوفونية» عندنا، نصاب فعلا بالصدمة.
عندما نسمع ولي عهد بريطانيا، الأمير تشارلز، يدعو العالم في محاضرة علمية إلى الاقتداء بالتعاليم الإسلامية في مجال البيئة، قائلا بالحرف في آخر محاضرة له بمعهد «أوكسفورد» للدراسات الإسلامية «إنني أدعوكم كي تبينوا لنا كيف يمكننا الاستلهام من الفَهم العميق للثقافة الإسلامية إزاء عالم الطبيعة لمساعدتنا على رفع التحديات الجسيمة التي نواجهها»، نصاب حقا بالصدمة.
عندما نسمع كيف يصف عصيد و«الأخ» رشيد القرآن بالكتاب السطحي والعادي، ونرى كيف يتحدث الأمير «تشالز» في المحاضرة نفسها عن القرآن بأدب واحترام وتقدير قائلا: «القرآن يقدم رؤية متكاملة للكون، حيث الدين والعلم والروح والجوهر تتضافر مكتملة، تشكّل جزءا لا يتجزأ من وعي حي واحد»، نصاب حقا بالصدمة.
عندما نرى كيف أن جامعة «دوفين» بباريس العلمانية فتحت أمام طلبتها شهادة «الماستر» في شعبة جديدة مخصصة للتمويلات الإسلامية المبنية على الشريعة الإسلامية في مجال البنوك والمعاملات المالية الخالية من الفوائد الربوية، ثم نسمع عصيد وأشباهه يتهمون الإسلام، وليس المسلمين وحدهم، بانطوائه على بذور التخلف والهمجية والرجعية، نصاب فعلا بالصدمة.
عندما نرى كيف أعلنت اليهودية «فحيمة» إسلامها مباشرة بعد الجريمة التي اقترفتها الآلة الصهيونية ضد «سفن الحرية»، بعد اقتناعها بعظمة الإسلام ونبل مبادئه المدافعة عن الحرية والشهامة والعدل والمساواة، ثم نسمع عصيد وأشباهه يصفون القرآن بالكتاب المشجع على الإرهاب، فيما الإرهاب الحقيقي الذي لم يشجبه عصيد قط هو الإرهاب الإسرائيلي الذي يستضيف زملاءه في التطرف الأمازيغي، نصاب فعلا بالصدمة.
عندما نرى كيف تتسابق الدول الأوربية والغربية على إطلاق قنوات فضائية باللغة العربية، آخرها إسرائيل، للوصول إلى العالم العربي، ثم نرى كيف يطالب كل هؤلاء عندنا بالقطع مع اللغة العربية في الإعلام والتواصل والاقتصار على الدارجة والفرنسية التي تعاني من الانحسار والتراجع، نصاب فعلا بالصدمة.
لكننا عندما نفهم أن كل هؤلاء الحاملين لألوية الحرب ضد اللغة العربية والقرآن والإسلام، ليسوا في الواقع سوى بيادق تحركهم أيدٍ خارجية فوق رقعة شطرنج كبيرة تريد للمغرب أن يكون مصيره هو التقسيم اللغوي والتشرذم العرقي والتيه الثقافي، نصاب بالخوف على مصير هذا البلد.
إن ارتباطات وأجندات هؤلاء البيادق أصبحت الآن مكشوفة ومفضوحة أكثر من أي وقت مضى.
وإذا كان الحق في الاختلاف ومبادئ العلمانية وحرية التعبير كلها أشياء تضمن للجميع التعبير عن رأيه بكل حرية، فإن القانون الذي يجب أن يكون فوق الجميع يمنع المساس بالمشاعر الدينية والروحية للآخرين، كما يمنع ازدراء الأديان والسخرية من كتاب الله الذي فرض احترامه حتى على الذين لا يؤمنون به.
لن يكون عصيد أول أو آخر من يسخر من القرآن، فقد سبقه كثيرون حاولوا ليس فقط ترجمة القرآن من أجل تسخيفه وإنما كتبوا قرآنهم الخاص. والجميع يتذكر قرآن مسيلمة الكذاب الذي قال فيه «الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وثيل ومشفر طويل وإن ذلك من خلق ربنا لقليل».
فأين هم هؤلاء الكذابون والأفاقون الذين تجرؤوا على كتاب الله، بل وأين آياتهم وسورهم التي خطوها بأيديهم. الجواب نجده في سورة الحجر «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ».
رفعت الأقلام وجفت الصحف.
... تابع القراءة

طبطب لي على الفأرة

بعد الندوة، التي نظمها منتدى «أماديوس» لصاحبه إبراهيم الفاسي الفهري حول التعليم، حيث تم التركيز على ضرورة اعتماد الدارجة المغربية في أقسام التعليم الأساسي، نظمت مؤسسة «زاكورة» لصاحبها نور الدين عيوش ندوة يومي الجمعة والسبت الماضيين حول «اللغة واللغات في المغرب».
القاسم المشترك بين الندوتين هو أنهما معا تشتركان في التحريض على اللغة العربية والتنقيص من قيمتها والدعوة إلى إقصائها وإحلال الدارجة المغربية على أنقاضها. هذا دون أن نتحدث عن التنقيص من شواهد الدكتوراه التي يحصل عليها الأساتذة الجامعيون الذين طالبهم عيوش بترك الشواهد جانبا والنزول إلى الميدان، قبل أن يضيف أنه يعرف دكاترة «مكلخين» وأغبياء كثيرين.
إنه لمن المدهش أن نرى كيف أن لغة حية كالعربية تتقدم ويتكاثر عبر العالم الراغبون في تعلمها وتتسابق البلدان الأوربية والأمريكية، وحتى إسرائيل نفسها، على إطلاق قنوات فضائية ناطقة بها، تتعرض في المغرب لهذه الحملة المغرضة. في الوقت الذي نرى فيه كيف أن اللغة الفرنسية التي ينحسر تأثيرها وانتشارها عبر العالم تحظى بكل هؤلاء المدافعين عن استعمالها في التعليم والإعلام وميادين التجارة والاستثمار.
ولعل أول شيء يمكن ملاحظته في ندوة عيوش هو أن اللغة «الرسمية» للندوة كانت هي الفرنسية. وكل من حاول تقديم مداخلته بلغة أخرى، كان المنظمون يطلبون منه «التفرنيس» حتى يفهم الجميع. مع أن العادة في مثل هذه الندوات الدولية أن يتدخل كل ضيف باللغة التي يريدها، وأن توفر الجهة المنظمة خدمة للترجمة إلى لغات المدعوين.
ولعل الهجوم الشرس على اللغة العربية جاء من جانب مدعوين مغاربة، أبرزهم الدكتور الموساوي، الذي يدرس علم النفس في كلية الطب بالدار البيضاء. وحسب هذا الدكتور، فالجنين عندما يكون في أحشاء أمه يتشبع بلغتها الدارجة التي يسمعها طيلة وجوده في الرحم. وعندما يخرج إلى الوجود ويذهب إلى المدرسة يكتشف أن هناك لغة أخرى هي العربية الفصحى عليه أن يتعلمها ويتقبلها كلغته الأم. والنتيجة أن الطفل يصاب بصدمة نفسية وحالة من الانفصام بسبب اللغة العربية التي تفرض عليه. ولهذا، وحرصا على سلامة الأطفال النفسية، يجب إعادة الاعتبار إلى الدارجة في كل مناحي الحياة، وعلى رأسها التعليم الأساسي، مع المطالبة بإقرار الدارجة لغة رسمية للمغاربة.
أما الباحث التونسي كلود حجاج، أستاذ بـ«كوليج دو فرانس»، فقد ركز على ثقل المقدس الذي ترزح تحته اللغة العربية والذي يحول دون تقدمها، وبالتالي يهددها بالانقراض ككل اللغات التي لا تتقدم.
الدكتور كلود حجاج، الفرنسي التونسي من أصل يهودي، يعرف جيدا أن اللغة العبرية التي لا يتكلم بها سوى بضع مئات آلاف في العالم، هي لغة التدريس في إسرائيل. وليس في الأقسام الابتدائية والثانوية وإنما في جامعات الطب والهندسة والكيمياء ومراكز الدراسات النووية.
والمثير في مداخلة الأستاذ كلود حجاج هو أنه ظل، بين جملة وأخرى، يتفقد هاتفه النقال ويخبر الجمهور بأن صديقته، التي قال إنها تصغره بخمسين سنة، لا تكف عن الاتصال به وطلب أخباره، وهكذا كان يقطع محاضرته للإجابة عن مهاتفة صديقته الملحاحة. ولكي يلخص كلود حجاج نظريته اللغوية قال ليومية «ليكونوميست» إن مستقبل المغرب هو الدارجة، أما عالم المال والأعمال فالفرنسية هي التي تصلح له.
بالنسبة إلى يوسف الجيراري، الذي يشتغل في وكالة عيوش للإشهار كمصمم إعلانات، فاللغة الرسمية التي يجب أن يتحدثها المغاربة يوجد معجمها الكامل في موقعه الخاص على الأنترنيت بعنوان «دارجة بوان كوم». وإذا أراد مغربي أن يسأل مغربية عن الوظيفة التي تقوم بها في حياتها فيجب أن يسألها هكذا «شنو كاديري فحياتك آ الصاطة».
أما بنشمسي، حامل لواء العداء المعلن ضد العربية، فقد اشتكى من كونه عندما يذهب إلى بلدان الشرق والخليج لا أحد يفهمه عندما يتكلم معهم بالدارجة المغربية. وعندما كان يبحث في أحد المواقع الإلكترونية عن مقابل جملة «إضغط على فأرة الحاسوب» وجد جملة تقول «طبطب على الفأرة». وحسب بنشمسي، فالجملتان لا علاقة لهما بلغة المغاربة، ولذلك فمن المستحسن تعويضهما بجملة فرنسية تقول «كليكي على لاسوري». ولكي يظل وفيا لروحه المستفزة طالب بتغيير النشيد الوطني من اللغة العربية إلى الدارجة.
وطبعا، بين «شنو كاديري فحياتك آ الصاطة» و«كليكي على لاسوري» نفهم اللغة التي يريد هؤلاء الأوصياء الجدد فرضها على أبناء المغاربة في المدارس، خصوصا إذا عرفنا أن الهدف من هذه الندوات والمؤتمرات حول مستقبل اللغة في المغرب هو الخروج بكتاب أبيض، كما هو الحال مع «أماديوس»، و«خارطة طريق» كما هو الحال مع «مؤسسة زاكورة للتربية» للتفكير والفعل من أجل تقديمها إلى مؤسسات الدولة والحكومة والبرلمان على أساس أنها مطالب ومقترحات المجتمع المدني.
تقدم الورقة التمهيدية للندوة الدولية لمؤسسة «زاكورة» مشكلة اللغة على أنها أساس أزمة التعليم العمومي بالمغرب، طارحة ثلاثة خيارات للخروج من هذا المأزق اللغوي، هي: أولا تحديد العلاقة بين اللغة العربية والدارجة، وثانيا هل يجب الاستمرار في اعتبارهما مجالين لغويين منفصلين والاحتفاظ بواحدة فقط على حساب الأخرى، وثالثا هل هناك إمكانية لربط الصلة بينهما؟
ورغم أن ورقة التقديم تطرح هذه الخيارات المتعددة، فإن الأساتذة الذين تمت استضافتهم من طرف مؤسسة «زاكورة» توجه أغلبهم نحو خيار القطع مع اللغة العربية والانتصار للدارجة كلغة تعليم وتواصل لتخليص المغرب من التخلف والجمود الذي تغرقه فيه اللغة العربية.
ولعل أخطر ما حدث في هذه الندوة الدولية ليس المحاضرات التي كانت مفتوحة على العموم، وإنما الورشات التي لم تستدع لها الجهة المنظمة سوى الضيوف الذين تسير محاضراتهم في اتجاهٍ معادٍ للغة العربية، وهي الورشات التي ستخرج منها «خارطة الطريق» المزعومة التي يريد نور الدين عيوش طرحها على الجهات المسؤولة من أجل حثها على «التفكير والفعل» لتطبيق خلاصاتها على أبناء المغاربة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو لمصلحة من تشتغل مؤسسة «أماديوس» ومؤسسة «زاكورة» عندما تجندان طاقاتهما وتوحدانها للدفاع عن إقرار الدارجة مكان اللغة العربية في التعليم الأساسي.
السؤال يستقي أهميته من كون إبراهيم الفاسي الفهري صاحب «أماديوس» وأبناء نور الدين عيوش صاحب «زاكورة» وأبناء الغالبية الساحقة من الداعين إلى ترسيخ الدارجة في التعليم، قد درسوا في مدارس البعثة الفرنسية ولا يجيدون التحدث لا بالعربية ولا حتى بالدارجة المغربية.
لماذا، إذن، يشهرون كل هذا الحماس لإقرار مشروع لغوي في مدارس الشعب ماداموا لا هم ولا أبناؤهم سيستفيدون من نتائج هذه السياسة التعليمية الجديدة التي يبشرون بها المغاربة.
الجواب بسيط للغاية. هؤلاء لا يدافعون عن إصلاح النظام التعليمي العمومي في المغرب ولا عن مستقبل أبناء المغاربة، وإنما يدافعون عن مصالح فرنسا الاقتصادية في المغرب. وإلا فلماذا لا يطالبون، مثلا، باستعمال الدارجة الفرنسية في تعليم أبنائهم بمدارس البعثة الفرنسية؟  
عندما طالب نواب فرنسيون في مجلس الشيوخ الجنرال «دوغول» بتقليص ميزانية الفرنكوفونية المخصصة لمستعمرات فرنسا السابقة، قال «دوغول» قولته الشهيرة «من يتكلم فرنسي يستهلك فرنسي».
لذلك، فالحرب المسعورة ضد اللغة العربية في المغرب، والتي يقودها «اللوبي الفرنكوفوني» تحت غطاء المساهمة في اقتراح حلول لإصلاح التعليم العمومي، هي في واقع الأمر حرب فرنسية بالوكالة للدفاع عن سوق اقتصادية تخشى فرنسا أن تتوسع لصالح اقتصاديات أخرى عربية وإسبانية وأمريكية تنافسها على حديقتها الخلفية.
وليست صدفة أن تركز جل المداخلات على حمولة المقدس التي تحملها اللغة العربية، وكيف أن السبيل إلى التحضر والتطور والخروج من التخلف والجهل المرتبط باللغة العربية يكمن أساسا في تفتيت هذا المقدس وتخليص اللغة من قيوده.
هنا نصل إلى صلب الموضوع، وهو أن الحرب على اللغة العربية ليست فقط حربا لتحصين مواقع اقتصادية فرنسية وصناعة نخبة مغتربة مفصولة الهوية واللغة عن جذورها الإسلامية، وإنما هي أيضا حرب ضد القرآن الذي نزل باللغة العربية.
عندما يطالبون بالتخلي عن اللغة العربية ويعملون جاهدين على إضعافها وتحقيرها وربطها بالتخلف والجهل والجمود، فإنهم في الواقع يبحثون عن ربط القرآن بكل هذه الأوصاف. ولعل هذا المخطط ينسجم تماما مع مخطط الداعين إلى ترجمة القرآن إلى الدارجة، ليس لتيسير معانيه، وإنما، كما يؤكدون بأنفسهم، لفضح سطحيته وخوائه وتفاهة معانيه. وحسب زعمهم، فعندما نجرد القرآن من اللغة العربية التي يتدثر بها فإنه يصبح كتابا عاديا تبعث معانيه على الضحك والسخرية.
غدا نتوقف مع أصحاب هذا الزعم ونتحدث عن توجهاتهم ومسؤولية الشياطين الخرس، أي العلماء، في هذه الحرب المعلنة على كتاب الله واللغة التي نزل بها على رسوله الكريم.
... تابع القراءة

البوط البوط آ الجيلالي

إذا كانت محطة «راديو مارس» قد اعتذرت، عبر بلاغ عاجل، عن الكلام الذي قاله ضيفها هشام عيوش حول الجمهورية المغربية، فإن محطة «هيت راديو»، التي عاقبتها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بالغرامة وبتخفيض سنة من عمر التصريح الذي منحتها إياه بسبب الكلام الساقط الذي أذيع في أحد برامجها، قررت أن تنشر بلاغا هي الأخرى، ليس من أجل تقديم الاعتذار إلى المستمعين وإنما لتحدي الهيئة وانتقاد تطبيقها للقانون واتهامها بقلة الفهم والتأويل الخاطئ، أي أن إدارة «هيت راديو» تتهم حكماء الهيئة العليا للسمعي البصري كما نقول في عاميتنا الجميلة بـ«التناوي».
ويبدو أن الشاب بومهدي، مالك المحطة الإذاعية، لم يستسغ كيف أغمضت الهيئات الرقابية في المغرب عينها عن معاقبة ابن مدام ميشيل، الفرنسي هشام عيوش، في الوقت الذي سلطت فيه عقابها على ابن البارونة الفرنسية «فرانسواز بوكيون»، أم الفرنسي يونس بومهدي.
ومع أن الاثنين منحتهما والدتاهما الجنسية الفرنسية وينتميان معا إلى عائلتين يوجد على رأسيهما أبوان لديهما نفوذ -الأول والده رجل إشهار ثري وصاحب مؤسسات تتاجر في الثقافة، والثاني والده جنرال متقاعد- فإن الأول تمتع بالتساهل و«التمياك»، فيما الثاني نزلت عليه مطرقة الهيئة العليا وأصبحت محطته الإذاعية الغنائية في مهب الريح.
وربما هذه أول مرة ترد فيها محطة إذاعية خاصة في المغرب ببلاغ حاد ينتقد قرارا للهيئة العليا لحكماء الاتصال السمعي البصري. فمنذ إطلاق الدفعة الأولى للتراخيص الإذاعية، ظلت المحطات تتلقى عقوبات الهيئة بدون اعتراض. فالقانون المؤسس للهيئة يعطيها الحق في سحب التراخيص من المحطات التي لا تحترم دفتر التحملات الذي التزمت بالتقيد ببنوده.
في نظر محطة «هيت راديو»، فمنشط البرنامج لم يبث في برنامجه المباشر «le morning de momo» أي اسم لأي عضو تناسلي ذكري، كل ما في الأمر أنه أراد ترجمة أغنية «alors on dance» إلى الدارجة المغربية، فتحول عنوان الأغنية من «alors on dance» إلى «هز البوط». وهي على كل حال ترجمة غير أمينة لكنها تبقى مقبولة بالنظر إلى مستوى القائمين على هذه المحطة في اللغة العربية، خصوصا إذا تذكرنا ما قاله مدير المحطة لمجلة «تيل كيل» من كونه لا يفقه شيئا في اللغة العربية عدا الدارجة.
الكارثة أن المنشط مومو، الناشط أكثر من اللازم، لم يكتف بترجمة أغنية «هز البوط»، وإنما لجأ إلى بثها بتقنية القطع كما هي في الأصل الفرنسي، بمعنى أنه عوض أن يبث بداية الأغنية بمطلع «هز البوط»، بدأ يقطع الجملة في النصف بشكل متكرر. وهكذا نجح مومو في تكوين جملة غير مفيدة سوى لشيء واحد، المس بالحياء العام. وعوض أن يسمع الناس جملة «هز البوط» أصبحوا يسمعون الكلمة الأولى متبوعة بحرف الباء. وهذا ما يفسر قرار الهيئة التي بررت عقوبتها ببث المحطة لاسم عضو تناسلي ذكري بشكل متكرر.
بالنسبة إلى المحطة، فنية المنشط لم تكن هي الإخلال بالحياء العام، بل فقط اللعب على تقطيع «أغنية مشهورة ومحببة لدى المستمعين، وذلك بعد تدريجها، أو «تدريحها» على الأرجح. ولذلك عمم مدير المحطة بلاغا يتهم فيه الهيئة بالتفسير السيئ لأغنية بريئة، يعني أن الخطأ -حسب بومهدي- ليس في محطته ومنشطها وإنما الخطأ في آذان حكماء الهيئة التي لا تجيد الاستماع إلى الأغاني الشبابية العصرية. فكان ضروريا إصدار بومهدي لهذا البلاغ الذي «يجبد» فيه آذان حكماء الهيئة، ويحول فيه نفسه من مخطئ إلى ضحية.
وقد ذكرني بلاغ «هيت راديو» بحكاية رجل من مدينتي اسمه الجيلالي. وكان الجيلالي يدمن انتعال «البوط» في كل الفصول. وذات يوم استضافه أحدهم إلى عرس عائلي، فقرر الجيلالي أن يقوم من أجل الرقص. وعندما اندمج صاحبنا مع الشيخات، بدأت قدماه تطلقان رائحة «النشاط» بسبب «البوط». ولكي يثير صاحب العرس انتباه الجيلالي إلى أصل المشكلة بدأ ينادي عليه قائلا:
- البوط البوط آ الجيلالي...
المصيبة أن الجيلالي كان كلما سمع «مول العرس» يقول له «البوط البوط آ الجيلالي»، تصور أن هذا الأخير يطلب منه أن يؤدي رقصة «البوط»، فيشرع في تحريك بطنه، معتقدا أن الجميع يستمتع برقصته في حين أن الجميع يوشك على «رد» العشاء الذي أكله بسبب رائحة «الخنوزية».
والشيء نفسه بالنسبة إلى محطة «هيت راديو» مع الهيئة. فالحكماء يشيرون إلى خطأ المحطة فيما بلاغ هذه الأخيرة لا يكتفي فقط باتهام حكماء الهيئة بسوء التأويل، أو بانتقاد العقوبة واعتبارها غير منطقية، بل يذهب إلى حد تحميل الهيئة مسؤولية تهديد مصالح محطته المالية ومستقبلها المهني ومزاج العاملين بها بسبب العقوبات المتتالية التي يتلقاها.
كما يثير مدير المحطة الانتباه في بلاغه إلى تنامي قسوة العقوبات التي يتلقاها والتي تهدد مستقبل محطته وتهدد حرية الإبداع الموسيقي المحلي، رغم اعتراف المحطة بشرعية الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وتفضيلها دائما لخيار الحوار معها.
نستخلص من هذا الكلام رسالتين مشفرتين. الأولى هي أن  مدير محطة «هيت راديو» يتحدث عن اعترافه بشرعية الهيئة، وكأن اعترافه بشرعيتها ضروري لوجود هذه الأخيرة. والحال أن هذه المؤسسة أنشئت بأمر من الملك. الثانية هي حديث مدير المحطة عن «خيار الحوار» الذي فضل دائما اللجوء إليه مع الهيئة، كما لو أن لديه خيارات أخرى غير ذلك أو كما لو أنه يصنع معروفا في الهيئة عندما يلجأ إلى خيار الحوار معها.
هنا ينتقل الشاب يونس بومهدي من انتقاد قرار سيادي للهيئة التي منحته رخصة العمل، واتهام حكمائها بالتأويل السيئ لأغنية بريئة، والسعي بقراراتهم العقابية إلى إفلاس مؤسسته، ومساسهم بحرية الإبداع الغنائي الشعبي، إلى لعب دور أكبر من حجمه.
عندما نعيد الاستماع إلى أغنية «هز البوط» التي «أبدعها» المنشط «مومو»، نقف فعلا على حجم الخطأ الفادح الذي ارتكبه هذا المنشط في حق القانون المنظم للإذاعات الخاصة، وفي حق الذوق والحياء العام.
ورغم كل التبريرات التي ساقها مدير المحطة للدفاع عن منشطه، الذي بالمناسبة تجني المحطة الملايين كل يوم من وراء المكالمات الهاتفية التي تهطل على برنامجه من طرف المراهقين، فإن سوابقه في إلقاء الكلام الساقط على الهواء مباشرة، وتلقيه لعقوبتين سابقتين بسبب التهم نفسها، تجعل دفاع مدير المحطة عن منشطه فاقدا لأي مصداقية، مثلما يفتح انتقاده لقرارات الهيئة واستياءه من عقوباتها الباب واسعا أمام المحطات الإذاعية الأخرى لإعلان التمرد على الهيئة وقراراتها وعقوباتها.
الخطير في بلاغ «هيت راديو» أن مديرها حاول الاحتماء وراء الدفاع عن حرية الإبداع في الأغنية الشعبية لانتقاد قسوة العقوبة التي نزلت عليه. والحال أن الفرق واضح وكبير جدا بين حرية الإبداع وحرية «الإفداع». فالمنشط لم يبدع في أغنية  alors on dance، وإنما «فدعها» كما ينبغي. وربما لو سمع المؤلف البلجيكي أغنيته وهي تتعرض للتشويه لتابع «مومو» أمام القضاء بتهمة التحريف والمسخ. فأغنية «ستروما»، التي تحمل عمقا سياسيا واجتماعيا عميقا، تحولت على يد «مومو» إلى مجرد «هزان للبوط».
لعل الفضيلة الوحيدة لما وقع خلال الأيام الأخيرة في برنامجين إذاعيين مباشرين من زلات، هي إماطة هذه الزلات اللثام عن موضوع خطير ومهم يتعلق بمحتوى بعض البرامج الإذاعية ومستوى المنشطين الذين يسهرون على تقديمها إلى المستمعين.
وعوض أن تكون المحطات الإذاعية قاطرة للانتقال الديمقراطي عبر فتحها النقاش السياسي والاجتماعي والثقافي حول راهن ومستقبل المغرب، كما وقع في إسبانيا، نندهش عندما نرى كيف أصبح منشطو ومنشطات أغلب هذه المحطات يتنافسون حول من سيأتي على ذكر أكبر عدد من الأعضاء التناسلية في اليوم.
لقد أصبحنا نسمع برامج إذاعية صباحية على الهواء حول الأوضاع الجنسية في السرير، وأصبحنا نسمع حكايات جنسية فجة لمواطنين يتصلون ببعض البرامج لعرض عقدهم الجنسية ومغامراتهم العاطفية وخياناتهم الزوجية، ببذاءة مستفزة تبعث على التقزز.
وعوض أن يلجم منشطو هذه البرامج انفلات هؤلاء المتصلين يصبون المزيد من الزيت على النار ويسألون أسئلة من قبيل «عاودي لينا كي دار ليك». «دّار ليكم إن شاء الله».
والمصيبة أننا أصبحنا، تحت غطاء النصائح الطبية، نسمع أخصائيين نفسانيين ينصحون الآباء بتربية أبنائهم منذ سن السابعة تربية جنسية صريحة وتسمية «الأشياء» بمسمياتها حتى يكبروا بلا عقد.
وهكذا، أصبح موضوع الجنس الشغل الشاغل لأغلب هذه المحطات، إلى درجة أن منشطا إذاعيا طلب من أم طفل تعرض للاغتصاب أن توقظه في منتصف الليل فقط لكي يتلذذ المستمعون بالطفل وهو يحكي تفاصيل اغتصابه. «واش هادو هترو ولا مالهم».
إن سبب هذا التهافت المحموم على موضوع الجنس والتربية الجنسية والنصائح الجنسية، التي تقدم بشكل فج، هو التسابق على رفع نسبة الاستماع، أي التصارع على كعكة الإشهار، بمعنى أن الهدف المادي هو الهاجس الذي يحرك هذه المحطات الإذاعية الخاصة ويجعلها مستعدة لتخطي كل الممنوعات والضوابط من أجل الوصول إليه.
لحسن الحظ أن هناك مؤسسة اسمها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وظيفتها الأساسية هي لجم هذا التنطع المراهق الذي يبديه بعض مدراء الإذاعات الخاصة.
لهذا يتوجب على الهيئة أن تستمر في تطبيق القانون، ولا شيء سوى القانون، بصرامة وموضوعية وتجرد. وإذا كانت المصلحة العليا والنظام العام يقتضيان سحب تراخيص المحطات التي تتلذذ بخرق القانون، فلتسحب ولتعطَ لإذاعات جديدة تتوفر فيها شروط النضج والاتزان. وتأكدوا أن هذا القرار لن يضر المغرب في شيء، بل سيفيده. فالمغرب كان وسيستمر، سواء بوجود هذه الإذاعات أو بدونها.
وعلى رأي جدتي «باش كان عايش بلارج حتى جا الجراد».
... تابع القراءة

فكها يا من وحلتيها



اليوم، يفتتح في جنوب إفريقيا أكثر حدث كروي عالمي ينتظره مئات الملايين عبر العالم. كل دول العالم تصارعت من أجل ضمان نصيبها من هذه الفرجة الكروية التي توحد الأصدقاء والأعداء على حد سواء.
دول كثيرة تفاوضت حول حقوق البث وضمنت الفرجة لشعوبها. في المغرب، لم تفشل الحكومة فقط في توفير الشغل للشباب العاطل أو العلاج للمرضى، بل فشلت حتى في توفير الفرجة الكروية للمواطنين.
منذ اليوم الذي اشترى فيه الشيخ حمد، مالك قناة «الجزيرة الرياضية»، حقوق بث مباريات كأس إفريقيا وكأس العالم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الملياردير السعودي الشيخ الكامل، مالك مجموعة قنوات ART، كان على وزير الاتصال ورئيس القطب الإعلامي العمومي أن يفهما أن المغاربة لن يشاهدا مباريات هذه اللقاءات الكروية أبدا بالمجان.
وإذا كان الشيخ الكامل قد تبرع على المشاهدين المغاربة خلال مونديال 2006 بأربع مقابلات هي مقابلة الافتتاح ومقابلتا نصف النهاية ومقابلة النهاية، بعد أن وعده المسؤولون في الرباط بحل مشاكله السياحية العالقة في فندق «الزهور» بأكادير، فإن مونديال 2010 وضع المغاربة ومسؤوليهم وجها لوجه مع الشيخ حمد، رئيس دولة قطر ومالك «الجزيرة الرياضية».
فالاتفاق الذي توصل إليه المسؤولون المغاربة مع الشيخ الكامل، والذي يقضي بإعطائه حق نقل مباريات البطولة الوطنية مجانا مقابل النقل الأرضي للمباريات الدولية كمباريات كأس إفريقيا 2008 وكأس العالم 2010، أصبح ملغى بعد دخول القطريين على الخط واقتنائهم حقوق البث من الملياردير السعودي.
وهكذا، صعق وزير الاتصال خالد الناصري عندما سمع عرض القطريين مقابل نقل مباريات المونديال. 15 مليون دولار لا غير. وقد رأينا كيف جاء الناصري إلى البرلمان «مكشكشا» كعادته وهو يبرر عدم قدرة الحكومة على دفع المبلغ المطلوب بكون هذا المبلغ يكفي لتمويل القناتين الأمازيغية والبرلمانية. «وعندك شي برلمان بعدا باش تكون عندك قناة ديالو».
وعندما نسمع ما يروج من أخبار حول المبلغ السنوي الذي سيتقاضاه «غيريتس» مقابل تدريب المنتخب المغربي، والذي سيكلف الجامعة -حسب البعض- 250 مليونا في الشهر، زائد مليار ونصف من أجل فسخ عقده مع فريق الهلال، نستغرب كيف أن الجامعة تسترخص كل هذه الملايير من أجل تدريب منتخب فاشل بينما تستكثر على المغاربة دفع المبلغ المطلوب من أجل تمكينهم من مشاهدة المونديال حيث الفرق الكروية الحقيقية وحيث الفرجة والمتعة.
حتى فرنسا، التي تعتبر عضوا في نادي الدول الغنية والتي لديها منتخب قوي مشارك في المونديال وسبق لها أن فازت بكأس العالم، لم تجرؤ على التعاقد مع مدرب بأكثر من 40 ألف أورو، أي حوالي خمسين مليون سنتيم. فيما المدرب «غيريتس»، لو قدر الله وتم التعاقد معه بهذا المبلغ الخرافي، فإنه سيتقاضى عن كل يوم عمل في المغرب حوالي ثمانية ملايين سنتيم. يحدث هذا في المغرب الذي تعاني خزينته من أزمة في العملة الصعبة. البلد الذي يتلقى مساعدات مالية من فرنسا لكي يمول مشاريعه العالقة بسبب جفاف السيولة من البنوك.
إن علي الفاسي الفهري، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مدعو إلى تأمل مثالين عبر عنهما فريقان كرويان مشاركان في المونديال بسبب الأزمة التي يجتازها بلداهما. المثال الأول ضربه المنتخب اليوناني الذي طالب مدربه الألماني بخفض راتبه بعد المونديال بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها اليونان. وقد قبل المدرب الألماني الطلب وقال لهم إنه سيظل يعيش على شريحة «ستيك» كل يوم كما هي عادته، ولن يموت من الجوع بسبب خفض راتبه.
أما المثال الثاني فقد ضربه لاعبو المنتخب الإسباني الذين قرروا التخلي عن تقاضي تعويضاتهم ومنحهم المالية طيلة لعبهم في الأدوار الأولى للمونديال، وذلك إلى حين وصولهم إلى ربع النهاية، بسبب الأزمة المالية التي تعيشها إسبانيا هذه الأيام.
«هادو تأهلو للمونديال ودايرين التقشف، وديالنا شابعين خسران وجايبين مدرب بـ250 مليون فالشهر. لالة زينة وزادها نور الحمام».
وحتى نعود إلى موضوع «الجزيرة الرياضية»، فهذه القناة، عندما اشترت حقوق بث كأس إفريقيا وكأس العالم للشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الشيخ الكامل، لم تصنع ذلك لكي تقوم بتوزيع البث على شكل هبات وصدقات على الدول التي لا تستطيع دفع مستحقات المشاهدة، كما يعتقد السي خالد الناصري، بل من أجل تحقيق هامش ربح مالي كبير بمناسبة المونديال.
ولذلك، فرضت «الجزيرة الرياضية» بطاقات انخراط لفك هذه «الشفرة الزغبية» ومتابعة مباريات الحدث الكروي الذي ينتظره الملايين عبر العالم.
المشكلة أن المغاربة، الذين دفعوا في البدء 850 درهما ثمن بطاقة «الجزيرة الرياضية»، وجدوا أنفسهم مدعوين إلى دفع 1100 درهم إضافية لفك «الشفرة». «كاينة شي «شفرة كثر من هاذي». ولذلك اجتمع هؤلاء الضحايا وقرروا تأسيس جمعية اسمها «ضحايا الجزيرة الرياضية». ويبدو أن هؤلاء الضحايا، عوض أن يتابعوا مباريات المونديال، سيتابعون الموزع الرسمي لبطاقات «الجزيرة الرياضية» أمام القضاء.
ذكاء القائمين على القسم التجاري في «الجزيرة الرياضية» لا يوازيه سوى غباء المسؤولين المغاربة عن الإعلام العمومي. ففي ظرف وجيز، وصل عدد المنخرطين المغاربة في باقة «الجزيرة الرياضية» إلى حوالي 500 ألف زبون داخل المغرب. طبعا، ليس بمستطاع البائعين المعتمدين اللذين سمحت لهما الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بترويج بطاقات «الجزيرة الرياضية» الوصول لوحدهما إلى تحقيق معدل 500 ألف زبون في هذا الظرف الوجيز. والواقع أن أكثر من ثلاثة أرباع البطاقات التي توجد بحوزة هؤلاء الزبائن هي بطاقات بيعت بطريقة غير قانونية عن طريق شبكة منظمة تأتي بالبطاقات من الجزائر وليبيا وتبيعها داخل «قيساريات» المغرب، مما يعني ضياع ملايين الدراهم من الضرائب على خزينة الدولة المغربية.
المشكلة الكبيرة والعويصة ليست هي أن المغاربة سيحرمون من مشاهدة المونديال بسبب تراخي وتكاسل جامعتهم الكروية، بل إنهم مهددون أيضا بفقدان حقوق مشاهدة مباريات البطولة الوطنية ومباريات كأس العرش.
وقبل عشرة أيام، أطلق علي الفاسي الفهري، رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، طلب عروض من أجل اقتناء مباريات البطولة التي تملك الجامعة حقوق بثها، وذلك برسم موسم 2011-2010 وموسم 2014-2013.
واقترح علي الفاسي الفهري على القنوات التلفزيونية التي ترغب في المشاركة في هذا العرض سبعة اختيارات تتضمن البطولة الوطنية الأولى والثانية، كأس العرش، لقاءات المنتخبات الوطنية والمحلية، بالإضافة إلى منتخبات الشباب ما تحت 19 و17 سنة والمباريات الأولمبية.
وكتاريخ لهذا العرض، أعطى علي الفاسي الفهري مهلة زمنية تمتد من السابع إلى الحادي عشر من هذا الشهر، في احترام تام للمساطر القانونية المنظمة لطلبات العروض.
علي الفاسي الفهري تصور أنه باحترامه للمساطر المنظمة لطلبات العروض، فإنه سينجح في بيع هذه الصفقة الكروية لمن يدفع أكثر، وبذلك ربما يستطيع تمويل الراتب الخرافي للمدرب الأجنبي. المشكلة أن علي وقع في فخ «الجزيرة الرياضية» مجددا، خصوصا عندما تقدمت هذه القناة النهمة بعرض خرافي قدره 400 مليون درهم، أي أربعة ملايير سنتيم، وهو المبلغ الذي لن تجرؤ أي قناة أخرى على منافسته، مما يعني قانونيا إرساء الصفقة على قناة «الجزيرة الرياضية». ماذا يعني هذا يا ترى؟
يعني أن «الجزيرة الرياضية» يمكنها أن تبث حصريا مباريات البطولة الوطنية على شاشتها. أكثر من ذلك، المطب الذي وضع فيه علي الفاسي الفهري نفسه هو أن جامعته سترى كيف ستحتكر «الجزيرة الرياضية» حقوق بث مباريات كأس العرش، وهي تظاهرة كروية لها رمزيتها السياسية والسيادية في المغرب. كنا في الكرة فأصبحنا في السياسة. ألم يقولوا دائما إن كرة القدم هي أقرب طريق بالنسبة إلى الباحثين عن السلطة. «كنا طامعين نتفرجو فالمونديال صدقنا موحالش غادي نتفرجو حتى فالبطولة».
«وفكها دابا يا من وحلتيها».
... تابع القراءة

حزب فرنسا



خصصت صونيا طرزاز، ابنة الكولونيل ماجور المعتقل، حيزا كبيرا من ندوتها الصحافية، أمس الثلاثاء، للرد على ما كتبناه بخصوص قضية الحكم بالسجن على والدها.
طبعا، من المفهوم جدا أن تدافع بنت عن والدها المسجون. كما أنه من البديهي أن تذهب مطالب المجتمع المدني في اتجاه العفو عن الكولونيل ماجور وإطلاق سراحه. ونحن لا يسعنا سوى أن نتمنى أن يتم طي هذا الملف ويعود الكولونيل إلى عائلته.
لكن القضية الآن لم تعد قضية كولونيل معتقل أو قضية عائلة تطالب الملك بالعفو عنه بإطلاق سراحه. القضية تجاوزت هذا الحد وتحولت إلى الشجرة التي تخفي غابة كثيفة ومتشابكة الأغصان. هذه الغابة المخيفة والمظلمة لديها اسم، إنه «حزب فرنسا» في المغرب.
أن تقصد السيدة صونيا مقرات الجمعيات الحقوقية فهذا يدخل في صميم برنامج أي مواطن يريد أن يضع قضيته بين أيدي المدافعين عن حقوق الإنسان. لكن أن تلجأ إلى قصر الإليزيه بباريس والبيت الأبيض بواشنطن، فهذا ما يدخل في باب إشهار ورقة الحماية الأجنبية في وجه المغرب.
وليس الجواز الفرنسي للكولونيل ولا الأوسمة العسكرية الفرنسية والأمريكية الرفيعة التي تقلدها هي ما يمكن أن يبرر هذا «اللجوء السياسي» غير المعلن. لا شيء على الإطلاق يبرر استقواء عائلة الكولونيل بـ«الكي دورصاي» ولا بالبيت الأبيض ضد المغرب.
ولعل الكولونيل يعرف أكثر من غيره أن العفو الملكي لا يأتي بهذه الطريقة. فحتى في فرنسا، الجمهورية التي يحمل جنسيتها، هناك قانون لطلب العفو الرئاسي. ولم يحدث قط أن رئيسا فرنسيا منح العفو الرئاسي لسجين فرنسي لجأت عائلته إلى الاستعانة بعواصم عالمية ضد باريس.
في المغرب، ونظرا إلى النفوذ الذي يتمتع به «حزب فرنسا»، فإن المساس بمصالح أي واحد من أعضاء هذا الحزب القوي والمنظم يجعلك تتوقع ردة فعل قوية وضارية من طرف قواعده المنتشرة في الإعلام والنسيج الحقوقي بالمغرب.
البعض يرى في الكولونيل طرزاز مجرد ضحية تصفية حسابات سياسية وعسكرية بين جنرالات ذوي طموح زائد. ممكن جدا. لكن إذا كان من فضيلة لاندلاع هذه القضية هنا والآن، فهي أنها أماطت اللثام عن أقوى حزب يوجد اليوم في المغرب. حزب لا يشارك في الانتخابات لكنه ممثل في مؤسسات الدولة والحكومة والمؤسسات العمومية. حزب لا يملك جريدة أو مجلة أو قناة تلفزيونية، لكنه يملك مواطئ قدم داخل بعض هيئات التحرير المؤثرة. إنه باختصار «حزب فرنسا» الذي يضع ضمن أهدافه الكبرى الإبقاء على المغرب ومؤسساته الاقتصادية والثقافية رهينة بين أيدي القوى الاستعمارية السابقة.
وللأسف الشديد، فطريقة إدارة ملف الكولونيل طرزاز من طرف ابنته صونيا جاءت لتؤكد هذه الحقيقة. فكم من إطار عسكري مغربي يتم الحكم عليه بالسجن أمام المحكمة العسكرية دون أن يستطيع أبناؤه الحصول على موعد صغير مع برلماني فرنسي، فبالأحرى الحصول على لقاء مطول بباريس مع «كلود غيون»، السكرتير العام للإليزيه، وآخر في واشنطن مع «دانييل شابريو»، مساعد الرئيس الأمريكي الخاص في الأمن القومي والمكلف بشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهما اللقاءان اللذان أنكرتهما صونيا طرزاز في ندوتها، لكن إلى حدود الآن لم يصدر أي تكذيب من طرف البيت الأبيض أو الإليزيه.
وإذا كانت صونيا لم تلتق بـ«كلود غيون» في باريس أو بـ«دانييل شاربو» في البيت الأبيض، فمن هي الشخصيات التي التقت بها، إذن، ما دامت تعترف بلجوئها إلى البيت الأبيض وقصر الإليزيه؟ لماذا لم تعقد ندوة صحافية مباشرة بعد لقاءاتها هذه لكي تطلع الرأي العام على فحوى اللقاءات التي جمعتها بمسؤولي الإليزيه والبيت الأبيض؟ بماذا وعدوها وما هو أسلوب الدعم الذي تعهدوا بتقديمه لقضية والدها؟ حول هذا الموضوع، تفضل صونيا الاحتفاظ بالصمت. وهو صمت يقول الكثير.
في المغرب، المكلف بملف الكولونيل طرزاز ليس شخصا آخر غير السفير الفرنسي «برونو جوبير» شخصيا، وهو أحد العارفين بالأبعاد السياسية لهذا الملف بوصفه أحد المهندسين السريين للخرائط والحكومات الإفريقية.
إن المعلومات التي نشرناها في هذا العمود حول المسار المهني للكولونيل طرزاز، والتي اعتبرتها ابنته صونيا، في ندوتها الصحافية، مجرد محاولة لتلطيخ سمعة والدها، لم تكن معلومات خاطئة أو مغرضة، وإنما هي معلومات حقيقية تستعرض المسار المهني للكولونيل طرزاز، وهي المعلومات التي لم تستطع صونيا أن تنفيها لأنها موجودة في الأرشيفات العسكرية الفرنسية والأمريكية.
وإذا كانت تطالبنا بالكشف عن مصادر أخبارنا فإننا نذكرها بالقاعدة الذهبية للصحافي، وهي حماية مصادره وعدم الكشف عنها تحت أي مبرر. سؤالها يجب أن يقتصر على صحة المعلومات من عدمه، ولا يمتد إلى الاستفهام حول مصدر المعلومات. وسواء حاولت صونيا أن تفصل بين ولاء والدها للملك وولائه للجمهورية الفرنسية، فإن الأوسمة والجنسية الفرنسية التي حصل عليها تجعله مرتبطا، قانونيا وأخلاقيا، بقصر الإليزيه والجمهورية الفرنسية التي قلدته وسام جوقة الشرف من درجة فارس ومنحته الجنسية الفرنسية التي لا تعطى إلا بعد تقديم القسم أمام الراية الفرنسية وترديد النشيد الوطني الفرنسي.
إن الجمهورية الفرنسية، التي يحمل الكولونيل طرزاز جنسيتها، تعطي المثال الواضح على احترامها للقوانين. وقبل أسبوع فقط، أصدرت إحدى محاكم باريس حكما يدين وزير الداخلية الفرنسي «بريس أورتفوه» بسبب تصريحات عنصرية ضد فرنسيين من أصل مغربي، كما حكمت عليه المحكمة بأداء غرامة مالية جزاء له على عنصريته. وقبله، حكمت محكمة أخرى على وزير الداخلية الأسبق «شارل باسكوا» بسنتين حبسا وهو في الثمانين من العمر. وقبل يومين ذكر اسم الرئيس الفرنسي نفسه في ملف له علاقة بالارتشاء، ومن الممكن جدا أن يقرر أحد القضاة متابعته قضائيا، تماما كما توبع الرئيس السابق جاك شيراك ووزير خارجيته «دومينيك دوفيلبان» في قضية «كليرستريم».
لقد كان ممكنا الإبقاء على هذه القضية داخل المغرب دون إشهار الجنسية الفرنسية للكولونيل كورقة حمراء في وجه الدولة المغربية. الآن وقد وقع العكس، فإن المسألة أصبحت تتجاوز كونها مجرد قضية كولونيل مسجون، لكي تصبح قضية ابتزاز وضغط على المغرب من طرف دول أخرى في ملف له علاقة بالسيادة القانونية للمغرب.
وعندما نتحدث عن السيادة القانونية للمغرب فنحن لا نقصد أن هذا القضاء العسكري الذي حوكم الكولونيل طرزاز أمامه قضاء عادل تماما. فمن الممكن جدا أن تكون محاكمته قد شابتها تجاوزات، مثل الكثير من المحاكمات العسكرية التي لا يكون فيها للمتهمين العسكريين مجال للتمتع بحقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة. الفرق الوحيد بين هؤلاء «المظلومين» والكولونيل طرزاز أن هؤلاء لا يحملون الجنسية الفرنسية وليس لديهم أبناء يطرقون أبواب العواصم العالمية بحثا عن الدعم.
ولعل أول شيء تجب المطالبة به من أجل الكولونيل طرزاز هو توفير شروط اعتقال إنسانية وكريمة تراعي أولا مكانته العسكرية وسنه ووضعه الصحي. إذا كان صحيحا ما قالته ابنته صونيا من أنه يعاني في سجنه من شروط اعتقال قاسية ومعاملة غير لائقة، وأن محاميه لا يستطيع زيارته، فإن أول شيء يجب أن يقوم به «السجان» بنهاشم هو إقالة المسؤول المباشر عن هذه المعاملة التي لا تليق بسجين في سن ومرتبة الكولونيل طرزاز.
من حق عائلة الكولونيل طرزاز أن تستمر في المطالبة بإطلاق سراحه. من حقها أن تستمر في حشد الدعم الحقوقي حول قضيته. ومن حقها أن تطالب بالعفو الملكي، لكن كمواطن مغربي وليس كمغربي يحمل الجنسية الفرنسية. فالعفو لا يكون تحت الضغط، وإلا تحول إلى شيء آخر يعرف اسمه جيدا مناضلو «حزب فرنسا» في المغرب.
... تابع القراءة

الله يخلينا فصباغتنا

من حق سفراء الدول الذين لبوا دعوة الجمعية التي نظمت «المهرجان الدولي المشوي» ببوزنيقة أن يخافوا على رؤوسهم ويغادروا المكان، خصوصا بعد أن دغدغت رائحة المشوي أنوف الحاضرين الذين تزاحموا حول النيران الموقدة، التي كان يتقلب فوقها ثلاثون خروفا، يشمون رائحة «الغنمي» وشحومه التي تذوب على مهل.
ولعله أصبح ضروريا في مثل هذه المهرجانات التي يتعلق الأمر فيها بالمشوي والكباب وبولفاف، والتي أصبحت تتكرر في مختلف ربوع المملكة، أن يحتاط المنظمون جيدا، وينبهوا المدعوين إلى ضرورة إخبارهم مسبقا بعلاقتهم الخاصة باللحوم. فـ«البشار مخلط»، وليس كل الناس نباتيين، فهناك الكائنات اللاحمة التي بمجرد ما يقع بصرها على «طرف ديال اللحم» تزيغ أبصارها و«تتشقلب» عيونها.  ونتحدث هنا طبعا عن اللحوم الحيوانية.
وهناك أيضا من يطيح بالعظام إذا رأى «قطيب ديال المشوي» دون أن يستطيع الوصول إليه. وهناك من «يتهاوش» ويتحول إلى «بنادم» آخر عندما يشم أدخنة الشحمة وهي تنبعث من المجمر.
ولهذا السبب تعود المغاربة كلما أعدوا شواية من اللحم أن يرسلوا «قطيبا» أو اثنين إلى جيرانهم الذين يمكن أن يكون بينهم «شي مهاوش» قد يتعذب بسببهم «وما فيهم ما يدي ذنوبو».
كان هذا يحدث في الماضي، أما اليوم فكل جار يقفل عليه باب داره و«يشنشط» الأكباد و«الكوطليط» دون أن يفكر في إطعام جاره الذي تتسلل الأدخنة إلى أنفه و«يتشنشط» من شدة «التهاويش».
طبعا، كل هذه الإشكاليات النفسية المعقدة للمغاربة لا يفهمها سفراء الدول الأجنبية الذين حضروا «المهرجان الدولي للمشوي» ببوزنيقة. ولذلك أحسوا بقليل من الخوف والتوجس وهم يرون تلك النظرات الزائغة للحاضرين الذين اقتربوا من النيران الموقدة تحت «الحوالى»، للظفر «بشي كوطليطة» أو «شي ضلعة». وهكذا بدأ الرفس والتزاحم والتصادم بين الحاضرين والمدعوين، وانطلق السباق نحو موائد المشوي. وعدا ثلاثة «حوالى» وضعها المنظمون تحت تصرف الضيوف المهمين والمنتخبين، فإن بقية «القطيع» المشوي لم يظهر لها أثر، باسم الله الرحمان الرحيم.
وطبعا، فالناس معذورون في ما قاموا به. فليس كل يوم يأكل الإنسان المشوي، خصوصا في هذه الأزمنة الصعبة التي أصبحنا نرى فيها كيف يتعرض الإنسان بنفسه للشي بسبب البطالة. وخلال الأسبوع الماضي، ارتفعت رائحة الشواء في سماء الرباط، وتشمم المواطنون لأول مرة رائحة شواء «لحم بنادم» عندما شبت النيران في جسد أحد المعطلين الذي كان يلوح بقماش ملتهب لكي يلتقط المصورون لقطة مثيرة للنار، فامتدت النار بسرعة إلى ثيابه وتحول إلى كتلة من اللهب فأصبح هو اللقطة المثيرة.
لحسن الحظ أن رجال المطافئ كانوا متواجدين في المكان، فأطلقوا خراطيم مياههم باتجاه مصدر الحريق، وبللوا أجساد المحتجين و«رقدوها» لرجال القوات المساعدة الذين غسلوهم بدورهم «غسيل الحنابل» من كثرة ما رفسوهم بأحذيتهم العسكرية الثقيلة، وكأن الضرب بالماء لا يكفي، فكان ضروريا إكمال المشهد بحصة من «الشتيف».
وبما أن عباس الفاسي يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن مهرجان الشواء الوطني هذا الذي أصبح يقام بين يوم وآخر أمام البرلمان، فإنه أصبح يستحق لقب «الشواي». فقد سبق له أن «شوى» ثلاثين ألف شاب مغربي في مستقبلهم وتركهم يحلمون بوظيفة وهمية في أعالي البحار، قبل أن يستفيقوا على السراب ويجتمعوا أمام البرلمان لكي يقولوا لعباس «يشوينا فيك».
المثير في المهرجان الدولي للشواء المنظم ببوزنيقة هو أن الخرفان التي تم «تشنشيطها» جاءت من مناطق مختلفة من المغرب، أي المغرب ممثلا بخرفانه في هذه التظاهرة العالمية. فهناك الخرفان الصويرية والدكالية والصردية وغيرها. كما أن سفراء البيرو وماليزيا ورومانيا المشاركين دعموا المهرجان بمشاركة شرفية. والحقيقة أنني لم أفهم معنى المشاركة الشرفية، هل ساهموا بخرفانهم المحلية أم بالفاخر أم بالمجامر، أم إنهم ساهموا فقط بأسنانهم.
ومثلما لم أفهم طبيعة المشاركة الشرفية لسفراء الدول الأجنبية في هذا المهرجان، لم أفهم أيضا ما علاقة وكالة تنمية الشرق، التي يرأسها المباركي، بمهرجان الشواء في بوزنيقة. ففي حدود علمنا، بلدية بوزنيقة تابعة لإقليم ابن سليمان ولا علاقة لها بالمنطقة الشرقية. ومع ذلك، ساهم السي المباركي ماديا في تنظيم مهرجان المشوي. وعلى العموم، فالسيد المباركي متعود على الشواء، ومنذ تعيينه على رأس الوكالة وهو يشوي في الميزانيات المخصصة للإشهار. وعوض أن يقوم بالتنمية على أرض الواقع، يفضل أن يقوم بها على «الماكيط» وفي المواقع الإلكترونية، يعني أنه يفضل التنمية بالتيمم.
ويبقى الشواء طريقة فعالة لاشتهار بعض المدن المغربية الصغيرة التي لا تذكرها الخرائط عادة. ومدينة بوزنيقة، التابعة ترابيا لعمالة إقليم ابن سليمان، اشتهرت بمحلات شوائها الموجودة على جانب الطريق المؤدية إلى الرباط. وقد توقع الجميع عند فتح الطريق السيار بين الرباط والدار البيضاء انقراضا سريعا لهؤلاء الشواية، لكن الأيام كذبت توقعاتهم. فأكلة اللحوم المشوية لازالوا أوفياء لتلك المحلات التي تنبعث منها أدخنة الشحوم واللحوم. فبوزنيقة لا يمكن تخيلها بدون تلك الرائحة التي بمجرد ما تتسلل إلى خياشيمك تتحرك في داخلك جينات الإنسان البدائي وتبدأ في البحث عن مصدر الرائحة كأي كائن مفترس.
ولذلك عندما فتحت محطات جديدة للتزود بالبنزين بالقرب من بوزنيقة، لجأت كلها إلى استعمال الشواء كطعم لجلب الزبائن. والشيء نفسه وقع في منطقة «العرجات» بنواحي سلا، فحوانيت الشواء القديمة تصارع محلات الشواء العصرية التي لجأت إليها محطات الاستراحة الكبرى على طول الطريق.
ويبقى لشواء الحوانيت الصغيرة والقديمة طعم خاص لا يتوفر لكثير من حوانيت شواء المحطات الكبرى.
وربما يرجع ذلك إلى الإفراط في النظافة. ولسبب غامض، عندما تدخل محلا من تلك المحلات التي «يتجاوق» عليها «الدبان» ويكاد يسد مدخلها، تشعر في البدء برغبة في الغثيان. لكنك بمجرد ما تجلس وتبدأ في التهام «القطبان» تشعر بلذة ومذاق تفتقده في المحلات المنمقة التي تشم فيها رائحة «سانيكروا» أكثر مما تشم فيها رائحة «الكوطليط».
أتذكر أننا خلال سنوات البطالة، بداية التسعينيات، كنا نتناقش كثيرا. من يسمعنا نتحدث عن النقاش يعتقد أننا كنا نناقش مشاكل الشرق الأوسط . والحال أن المناقشة الأساسية عندنا كانت «التناقش» في شواية وليس في شيء آخر. وكان كل واحد من المجموعة يتدبر عشرين درهما لتأمين ثمن المازوط الذي سيكفي لرحلتنا ذهابا وإيابا إلى بوزنيقة، وثمن الشواية وبراد من الشاي. أما الخبز فقد كنا نحمله معنا من بيوتنا.
كنا آنذاك جماعة من الشباب «ضاربين الدنيا بركلة». أو، على الأصح، «ضاربنا الدنيا بركلة».. نقضي اليوم في تحويل حياة العامل والباشا إلى جحيم بسبب اعتصامنا المفتوح احتجاجا على البطالة، وفي المساء نبحث عن وسيلة نقل للذهاب إلى بوزنيقة لتبريد «الغدايد» في «القطبان». وكان شعارنا آنذاك، «ناكلو الشوا اليوم وغدا يحن الله». 
وبعد سنة متواصلة من الاعتصام والمسيرات والاحتجاجات الصاخبة أمام مندوبية الشغل والعمالة والباشوية، فهمنا أن الحل ليس هو الحصول على وظائف في السلم سبعة والتحول إلى موظفين أشباح في أقسام العمالة والباشوية والقيادات. فتفرقت بنا السبل، ويمم كل واحد وجهه شطر الجهة التي يراها أنسب له ولمستقبله.
ونجح كل أعضاء «طائفة أكلة اللحوم المشوية» في العثور على عمل في ميدان بعيد كل البعد عن مجال دراسته وتخصصه. منا من هاجر وعاد، ومنا من مكث في البلد وتقاتل من أجل إحراز مكان صغير تحت الشمس.
ورغم مرور السنوات و«تبدال المنازل»، ظل موعدنا عند محلات الشواء في بوزنيقة ثابتا. مع فارق بسيط هو أن العائق الآن لم يعد ماديا بقدر ما أصبحت له علاقة بالوقت. فالله استجاب لدعائنا وحن علينا فعلا بعد أن «ترقع» أغلبنا، إلى درجة أن مشاغل الحياة ابتلعتهم ولم تعد تترك لهم وقتا لإحياء عادات أيام «الزلطة». 
وهي العادات التي يجب أن يرجع إليها كل واحد منا بين حين وآخر لكي يتذكر من أين أتى، وما مر عليه من كوارث ومآس قبل أن «يمسك» عليه الله. فالأصدقاء القدامى والأماكن القديمة والذكريات هي أغلى ما يملكه الإنسان. وإذا فرط فيها فإنه يصبح كمن يريد أن ينسى ماضيه وأصدقاءه وذكرياته.
وسواء عاش المرء بالشواء والكافيار أو فقط بالخبز الحافي، فإن أهم شيء يمكن أن يطلبه الإنسان في هذه الحياة هو «الله يخلينا فصباغتنا والسلام».
... تابع القراءة

كون سبع وكولني



اكتشف البعض طريقة ذكية لتحصين أنفسهم ضد النقد والمحاسبة. وعوض الاعتراف بأخطائهم وقبول النقد كما تصنع ذلك جميع الشخصيات العمومية في العالم الديمقراطي، أصبحنا نرى كيف أن هؤلاء الأذكياء بدؤوا يشهرون الحصانة الملكية في وجه كل من يتجرأ على محاسبتهم.
وقد رأينا كيف قال رئيس الشبيبة الاستقلالية، عبد الله البقالي، في برنامج تلفزيوني، إن الملك هو من يعين وزراء ورؤساء المؤسسات العمومية المنتمين إلى العائلة الفاسية الفهرية. وشاهدنا بعده وزيرة الصحة ياسمينة بادو، في برنامج تلفزيوني آخر، تدافع عن شرعية حصول عائلة زوجها على المناصب وتصف معارضي هذا الاحتكار السياسي بالعنصريين.
وبعدها بأيام، سمعنا إبراهيم الفاسي الفهري، ابن وزير الخارجية، يقول إن عائلته تحظى بالشرعية الملكية.
بعده بشهر، جاء «عمو عباس» إلى البرلمان لكي يقدم حصيلته الحكومية. وهنا أيضا لم يجد عباس الفاسي بدا من الاختباء وراء الملك، وعوض أن يستعرض حصيلته الحكومية بدأ في استعراض حصيلة المشاريع الكبرى التي يشرف عليها الملك شخصيا.
وقبل يومين، طرح أحد البرلمانيين سؤالا على وزير الداخلية بخصوص تفعيل قرار منع التدخين في الأماكن العمومية الذي وافق عليه البرلمان «هادي قرن وزمارة»، فأجاب وزير الاتصال مكان وزير الداخلية، وعوض أن يتحدث عن التبغ بدأ يستعرض جهود الداخلية في محاربة «الشيشا». فعقب عليه البرلماني وشرح له أن سؤاله كان حول التبغ وليس حول «الشيشا». فلم يجد وزير الاتصال شيئا يختبئ وراءه سوى جمعية لالة سلمى لمحاربة السرطان، وبدأ يستعرض جهودها الرامية إلى محاربة التدخين. فعاد البرلماني للتعقيب من جديد مطالبا وزير الاتصال بإطلاعه على ما قامت به الحكومة الموقرة لتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العمومية، لا ما تقوم به جمعية لالة سلمى لمحاربة السرطان. فأنشطة هذه الجمعية يراها الجميع في وسائل الإعلام. ما لا يرونه هو أنشطة الحكومة في هذا المجال.
وهنا بدأ وزير الاتصال «يترعد» كعادته عندما يحاصره أحدهم بسؤال محرج. فلم يجد من شيء يقوله للبرلماني سوى «حتى يجي وزير الداخلية ويجاوبك».
هكذا، أصبح الاختباء وراء الملك وشرعيته ومنجزاته بمثابة الطريقة المثالية للإفلات من تقديم الحساب أمام البرلمان، أو لتخويف الصحافة المستقلة والرأي العام من انتقاد استفراد عائلة واحدة بزمام المناصب العمومية.
آخر من لجأ إلى هذه العادة هو مدير المركز السينمائي المغربي، عبر أحد أصدقائه الصحافيين المقربين والذي أعد ملفا حول الجرأة في السينما المغربية، وذهب إلى القول بأن المسار الذي تسير فيه الأفلام السينمائية الحالية يعبر عن رغبة ملكية، بدليل أن الملك هو من عين نور الدين الصايل على رأس المركز السينمائي المغربي، وكأن تعيين الملك لمسؤول في منصبه يعني تحصين هذا المسؤول من المحاسبة. الملك عيـّن أيضا بنعلو في منصبه كمدير للمكتب الوطني للمطارات. وقد رأى الكل الجرائم التي اقترفها الرجل في حق هذه المؤسسة.
الخطير في الأمر أننا عندما نقرأ الملف بحثا عما يقصده صاحبنا بالجرأة، نصاب بالصدمة لكون صاحب الملف أراد أن يعطي الانطباع بأن الملك هو من يبارك ويشجع هذا التوجه السينمائي الذي يقوده رئيس المركز السينمائي، والذي يؤسس خطابه على الجرعة الجنسية الفاضحة. وهذا طبعا لديه هدفان، الأول هو محاولة إيقاف مسلسل النقد الجريء لمستوى الأفلام السينمائية التي تستفيد من أموال دافعي الضرائب، والثاني هو محاولة تصوير التوجه السينمائي لنور الدين الصايل كانعكاس للرغبة الملكية.
ومن يقرأ الملف الأسبوعي الذي نشرته مجلة «تيل كيل»، وسمته «جرأة السينما المغربية»، وخصوصا العمود المعنون بـ«كاستينغ ملكي»، يخرج بانطباع مفاده أن نور الدين الصايل، رئيس المركز السينمائي المغربي، لديه توجيهات ملكية بخصوص السينما التي تريدها الدولة وتخصص لها الملايير كل سنة.
هذه السينما، التي تكلف بها الصايل، تقوم أساسا على تحطيم ما يسمونه بالثوابت والمحرمات أو «الطابوهات». والسلاح الفتاك الذي يستعمله المركز السينمائي المغربي هو الجنس والخمر واللغة الساقطة.
ويتجلى ذلك في سماح المركز السينمائي برواج أو تمويل أفلام تسير على هذا النهج، ذكر بعضها صاحب التحقيق على سبيل الاستشهاد، ومنها فيلم مخرج شاب سينتهي قريبا من إعداده اسمه «فيلم»، يدور كله حول الجنس والخمر والسينما. ومن خلال اللقطات والحوارات التي استشهد بها صاحبنا في تحقيقه، نفهم قصة الفيلم. فالحوار كله «من السمطة لتحت، مكاين غير طلعتي ليا ف... وسيري تق...»، إلى غير ذلك من الشتائم الساقطة.
ومنه أيضا فيلم هشام عيوش، الحالم برئاسة الجمهورية المغربية، والذي لا تنتهي لقطة جنسية منه سوى لكي تبدأ جلسة طويلة في بار. أما الحوار «ما فيه ما يتهز باللقاط».
أما الفيلم الذي لا أحد يعرف كيف سمح له المركز السينمائي بالتداول فهو فيلم «حرش» لمخرجه إسماعيل العراقي. خطورة هذا الفيلم ليست في لقطاته المخلة بالحياء ولا بحواراته المليئة بالشتائم والكلمات النابية، كتلك اللقطة التي يسأل فيها البطل صديقه «الخوانجي» هل يقول باسم الله عندما يريد أن يمارس العادة السرية، ولكن خطورة الفيلم هي أنه يشجع على العنصرية والكراهية تجاه الصحراويين، خصوصا عندما يقول أحد أبطال الفيلم لصديقه «صحراوة عايشين على ظهر الدولة». إننا هنا لم نعد أمام فيلم سخيف مليء باللقطات الجنسية والحوارات النابية، وإنما أصبحنا أمام فيلم يروج لخطاب سياسي حول موضوع في غاية الحساسية هو الصحراء المغربية.
عندما نرى كيف تستعمل إسبانيا السينما من أجل الدفاع عن أطروحة البوليساريو، ونرى كيف تعبر عن استعدادها لتمويل فيلم للممثل العالمي «خافيير بارديم» حول تندوف، ثم نرى كيف يقدم المركز السينمائي المغربي خدمة مجانية للباحثين عن إثارة الفتنة بين الصحراويين والدولة، نكتشف أن هذا المركز لا يكتفي فقط بتغييب قضية الصحراء من أجندته، بل يتساهل مع الأفلام التي يمكن أن تضعف الموقف الداخلي في قضية الصحراء.
وإلا ما معنى أن تسمح لجنة الرقابة في المركز السينمائي المغربي بمرور جملة «صحراوة عايشين على ظهر الدولة» في فيلم «حرش». أليست هذه الجملة إهانة للصحراويين الذين حولهم المخرج إلى عالة على الدولة، متناسيا التضحيات الجسام التي قدموها ولا زالوا يقدمونها من أجل تقدم المغرب ووحدته؟ لماذا تناسى المخرج كل هؤلاء البورجوازيين الذين يعيشون على ظهر صحراوة ويستغلون ثرواتهم البحرية والبرية دون أن ينعكس ذلك على معيشة الصحراويين اليومية؟ أليس مصاصو الدماء هؤلاء أحق بالانتقاد من صحراوة الذين حولهم المخرج إلى عالة على الدولة؟ والكارثة أن ذلك تم بموافقة جهاز سينمائي تابع للدولة اسمه المركز السينمائي المغربي.
يفتخر صاحب الملف حول «جرأة السينما المغربية» بكون العهد السينمائي الجديد، الذي أدخلنا إليه نور الدين الصايل منذ سنة 2001، بدأ بإخلاء ممثل وزارة التربية الوطنية والأمن من مقعديهما في لجنة الرقابة التابعة للمركز السينمائي. ولذلك نفهم تساهل أفراد لجنة الرقابة مع الحوارات واللقطات السينمائية التي تمس بالثوابت الدينية والوطنية للمغاربة. فأصبحت أغلب الأفلام التي يمنحها المركز تأشيرة المرور نحو القاعات، أفلاما مليئة باللقطات الجنسية والحوارات الساقطة والجلسات الخمرية، وكأن السينما بدون هذا الثالوث المحرم لا يمكنها أن تكون، وكأن هؤلاء المخرجين لا يتابعون السينما العالمية ولا يرون هذه العودة نحو السينما الملتزمة التي تدافع عن قضية.. وأمامهم الفيلم الجزائري الفرنسي «الخارجون عن القانون» الذي أثار ضجة في مهرجان «كان» الأخير، والذي يدور حول الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي في الجزائر.
مشكلة نور الدين الصايل مع السينما التي فرضها على المخرجين بسلاح اسمه «صندوق الدعم»، هي أنه أعاد هذه السينما إلى سن المراهقة بعد أن ظن الجميع أنها ببلوغها خمسين سنة ستكون قد وصلت إلى سن النضج.
والنتيجة هي أن مواضيع أفلامنا اليوم تدور في أغلبها حول الجنس والشذوذ، وحواراتها مستلهمة من الكلام السوقي والفج، في غياب تام للقضايا الوطنية الكبرى التي نحن في أمس الحاجة إلى من ينقلها إلى الشاشة الكبرى ويغزو بها المهرجانات العالمية لكي يعطي للمغرب حضورا آخر أنبل وأشرف غير هذا الحضور البخس والسطحي والماجن الذي أوصلتنا إليه هذه الأفلام المراهقة.
صحيح أن الدولة والإرادة الملكية لديهما مخطط لتشجيع السينما وجعلها قاطرة للتنمية. لكن من باب مغالطة الرأي العام القول بأن التوجه الذي اختاره مدير المركز السينمائي للسينما المغربية هو تجسيد للإرادة الملكية، وكأن هناك من يريد أن «يمسح» كل شيء في الملك ويخرج من المعركة سالما غانما.
نعم، الدولة توفر الميزانية السنوية لإنتاج الأفلام، والملك يرعى مهرجانا دوليا للسينما في مراكش. لكن الذي يتحمل مسؤولية المنحدر الخطير الذي تسير فيه السينما المغربية هو مدير المركز السينمائي المغربي وحده، فهو الآمر بالصرف والمسؤول، أخلاقيا وقانونيا، عن القيم والأفكار التي تدافع عنها الأفلام التي يساهم في إنتاجها.
ولذلك، فمحاولة الإفلات من تحمل مسؤولية تمييع السينما المغربية والسخرية من الثوابت بالاختباء وراء الملك، ليس من قبيل الشجاعة الأدبية في شيء. ومن يريد أن يكون جريئا في الدفاع عن أفكاره فيجب أن يصنع ذلك بعيدا عن الاحتماء بالإرادة الملكية.
«كون سبع وكولني».
... تابع القراءة

كلها وهمو



استطاع وفد من سكان قبائل آيت عبدي خلال الفترة القصيرة التي قضوها ضيوفا على حديقة البرلمان بالرباط، أن يكونوا صورة واضحة عن العاصمة وسكانها ومؤسسة البرلمان التي احتجوا صامتين أمامها.
هكذا، عندما سيعودون إلى قراهم الجبلية المقطوعة عن العالم، حيث يموت الأطفال والنساء الحوامل بسبب البرد والجوع والمرض، سيستطيعون نقل انطباعاتهم عن العاصمة وبرلمانها الذي يتابع جلساته السكان المحظوظون الذين يملكون جهاز تلفزيون.
ومن هنا، أتخيل كيف سيسارع سكان قبائل آيت عبدي إلى الالتفاف حول مبعوثيهم الذين نابوا عن آلاف السكان المنسيين في نقل معاناتهم إلى «مالين» الرباط، لكي يحكوا لهم كيف هي الرباط، وكيف عاملهم المخزن طيلة وجودهم في ضيافته. أتخيل من هنا حسرة هؤلاء «السفراء» الذين جاؤوا حاملين آهات الأمهات وسعال الأطفال وأحلام الشباب الغارقة وسط الثلوج. أتخيلهم من هنا وهم يقبلون باطن أيديهم وظاهرها حامدين الله على أنهم ليسوا من سكان العاصمة.
فطيلة وجودهم أمام البرلمان، شاهدوا مناظر مرعبة لم يتخيلوا يوما أنهم سيشاهدون مثلها في حياتهم. واكتشفوا أن هناك مغاربة في قلب العاصمة يعانون أكثر منهم إلى درجة أن معاناة هؤلاء أنست مبعوثي قبائل آيت عبدي معاناتهم الخاصة، ووقفوا بالقرب من مقهى «باليما» يتفرجون على محتجين آخرين أقدم منهم في «الحرفة»، يجرون وراءهم أكثر من عشر سنوات من الوعود الحكومية الكاذبة، وهم يسلخون «سليخ المعزي» على أيدي قوات أمنية مدججة بالهراوات، تسلخهم بهمة ونشاط كما لو كانت تسلخ نعاجا في «الباطوار».
هؤلاء السكان -الذين لا يطالبون سوى بشق طريق نحو قراهم الجبلية الوعرة، وبناء مستشفى عمومي تضع فيه نساؤهم مواليدهن، ومدرسة لتعليم أبنائهم حروف الهجاء- اندهشوا وهم يتفرجون على دكاترة وحاملي شهادات عليا تفقأ عيونهم وتركل أجهزتهم التناسلية وتفلق رؤوسهم أمام البرلمان.. ذلك البرلمان نفسه الذي جاء إليه وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة لتخليص ابنه، الذي فلق رأس مواطن، من قبضة الأمن. لماذا يا ترى لم يأت سعادة الوزير إلى البرلمان هذا الأسبوع لكي يخلص أبناء الشعب من هراوات رجال الأمن؟ لا نطلب منه أن يتدخل كوزير وإنما كأب، كما برر بذلك تدخله لصالح ابنه. ليتخيل سعادة الوزير هؤلاء الشباب أبناءه، وليأت لتخليصهم من قبضة الأمن وحمل بعضهم في سيارته وتهريبهم بعيدا عن تلك الهراوات القاسية التي تحطم عظامهم بلا رحمة.
جاء ممثلو سكان قبائل آيت عبدي إلى حديقة البرلمان للاحتجاج بشكل سلمي، كما تقول لافتتهم التي نصبوها أمامهم. وضعوا قارورات الغاز وأواني إعداد الشاي، وجلسوا ينتظرون. فجأة، جاء محتجون آخرون حاملين قارورات الغاز بدورهم، لكن عوض أن يستعملوها لإعداد الشاي سكبوها فوق ثيابهم وأضرموا النار. أتخيل من هنا كيف سيحكي هؤلاء المبعوثون تفاصيل هذا المشهد المرعب لأبنائهم وأهلهم في قرى آيت عبدي. سيقولون لهم مفزوعين إن الناس في الرباط لا يحتجون مثلنا بلافتة وراية فقط، وإنما يحتجون بإحراق أنفسهم بالبنزين، ومع ذلك لم «يصوروا» شيئا من المخزن.
سيحكون لهم كيف أن الناس لا يكتفون في الرباط بإضرام النار في أنفسهم أمام البرلمان، وإنما يشترون حبالا متينة ويشنقون بها أنفسهم على سياج البرلمان، قبل أن يأتي رجال الوقاية المدنية ويخلصوا رقابهم من حبال المشانق.
أتخيل كيف أن هؤلاء القرويين البسطاء سيبعثرون ما بين حواجبهم مستنكرين وغير مصدقين وهم يسمعون ما يحكيه لهم مبعوثوهم إلى الرباط. سيندهشون لكون كل هذه المناظر المرعبة لم تنجح في تحريك قلوب «مالين» الرباط الجامد، فكيف ستتحرك تلك القلوب تجاه محتجين يكتفون بحمل لافتات ويقفون صامتين أمام البرلمان.
لا شك أنهم بعد سماعهم لكل هذا العجب العجاب الذي يحدث في الرباط، سيحمدون الله على عودة مبعوثيهم بأعضائهم كاملة، وبدون حروق من الدرجة الثانية أو الثالثة. ولو أن الحروق الحقيقية هي تلك التي تصيب القلب عندما يرى المغاربة أخواتهم يجرجرن فوق الإسفلت ويسلخن مثل النعاج، ويرون إخوانهم يضربون في أجهزتهم التناسلية لقتل رجولتهم بعد أن قتلوا فيهم الأمل. فقط لأن آباءهم ليس اسمهم خالد الناصري وليسوا وزراء يستطيع أبناؤهم أن يثيروا الفوضى والشغب أمام البرلمان والطرقات والمطاعم الخاصة دون أن يجرؤ الأمن والعدالة على مس شعرة واحدة منهم أو مقاضاتهم.
هذه هي الحرقة الكبرى التي لا تخففها الضمادات ولا المراهم المضادة للتقرحات. وهي الحرقة التي عاد بها ممثلو قبائل آيت عبدي من الرباط هذا الأسبوع. لقد أقنعوهم في الرباط بأن الطريق التي يطالبون بشقها ستبدأ الأشغال فيها قريبا، والمستشفى الذي يحتاجونه ستبنيه لهم وزيرة الصحة صاحبة الابتسامة الواسعة والتي تفتخر بكونها وزيرة ناجحة في حكومة ناجحة. والدليل على نجاحها هو اضطرار كل هؤلاء السكان إلى قطع مئات الكيلومترات لمقابلتها من أجل مستشفى وبضعة أقراص وضمادات وأسرة.
ولأن هؤلاء القرويين لا زالوا يقدرون «الكلمة» حق قدرها، فقد صدقوا وعود «مالين» الرباط وطووا لافتتهم وجمعوا راياتهم وقارورات غازهم وأواني الشاي، وركبوا الحافلة التي خصصتها الداخلية لإعادتهم إلى الجبال التي نزلوا منها، وغادروا الرباط.
وربما يكون هؤلاء القرويون البسطاء قد فهموا بذكائهم الطبيعي أن الاحتجاج لا يفيد أمام البرلمان في شيء، حتى ولو وصل الأمر إلى إضرام النار في الثياب أمامه أو شنق الرقاب على سياجه.
فهذه المؤسسة تشبه المقبرة المنسية التي لا يتذكر وجودها سوى قلة من الوزراء والبرلمانيين.
وحتى الذين يحضرون لا يستطيعون تحقيق مطالب بسيطة حتى لأنفسهم فبالأحرى أن يحققوها للآخرين.
وفي الوقت الذي كان فيه الدكاترة المعطلون وممثلو سكان قبائل آيت عبدي يتفاوضون من أجل الحق في الشغل والتطبيب والطرق والتعليم، كان البرلمانيون يطالبون رئيس الجلسة بتشغيل مكيف الهواء داخل القاعة بسبب الحرارة المفرطة التي كانت تخيم على الأجواء. ورغم إلحاح السادة البرلمانيين الذين «سخسخهم» الصهد على مطلبهم العادل والمشروع، فإن رئيس الجلسة قال لهم «الله غالب»، أي أن «المبرد» عاطل عن العمل. كيف تريدون، إذن، من برلمان أغلب نوابه عاطلون عن العمل، ورئيسه الأبدي عاطل عن العمل لا يأتي إليه بسبب أجندته المليئة بالأسفار، أن يحقق مطلب الشغل لأبناء المغاربة.
في اليوم الذي سينجح فيه البرلمانيون في تحقيق مطلبهم العادل وتشغيل مكيف الهواء داخل مؤسستهم، آنذاك يمكن أن نطالبهم بتشغيل أبناء الشعب وتحقيق مطلبهم العادل في العيش الكريم.
ويبدو أن البرلمان مشغول هذه الأيام بمشاكله الداخلية وليس لديه الوقت لتشمم رائحة «الشياط» المنبعثة من أجساد المحتجين أمام بابه. وإذا كان نواب المعارضة البرلمانية يطالبون بتشغيل مكيفات الهواء، فإن نوابا آخرين، ينتمون هذه المرة إلى فريق الوحدة والتعادلية الموالي للحكومة، انسحبوا من الجلسة احتجاجا على المعاملة التي تلقوها في مطار محمد الخامس من طرف شركة الخطوط الجوية الملكية، وهي الشركة العمومية التابعة لوزارة النقل والتجهيز التي يسيرها بالمناسبة الوزير الاستقلالي كريم غلاب. «وفهم شي زفتة فهاذ البلاد».
المضحك في هذا السلوك الاحتجاجي لفريق الوحدة والتعادلية هو أنه لم يكن احتجاجا على مشاهد الانتحار الجماعي التي بدأت تتكرر أمام البرلمان بشكل مخيف، ولا بسبب تحول العاصمة إلى تجمع كبير للمحتجين القادمين من مختلف ربوع المملكة والذين أصبحوا يتخذون حدائق وساحات العاصمة مكانا للنوم، ولا بسبب الأحداث الإجرامية التي تعرض لها المشاركون في أسطول الحرية على يد الجيش الإسرائيلي، ولكن بسبب تأخر رحلة أعضاء الفريق الموقر لأربع ساعات عن موعدها المحدد.
كم مرة كتبنا عن تأخر الرحلات الجوية لطائرات الخطوط الملكية الجوية دون أن يتحرك أعضاء الفريق الاستقلالي في البرلمان ويطرحوا سؤالا واحدا على وزيرهم في النقل وزميلهم في الحزب كريم غلاب؟
اليوم فقط عندما ذاقوا حر الانتظار في المطار قرروا تمثيل دور الغاضبين في البرلمان من خدمات شركة الطيران. والمضحك أكثر في هذه الغضبة الاستقلالية أنها خلطت بين تأخر الطائرة وبين «ترسيخ البناء الديمقراطي». «كنا فالروطار حتى صدقنا فالبناء الديمقراطي، وشوف على طنز».
ولو أن الفريق الاستقلالي كان سيستقل الطائرة نحو بوجدور لتفقد وضعية المواطنين المغاربة هناك والاستماع إلى مطالبهم الاجتماعية لفهمنا غضبهم. لكن المفاجأة هي أن الفريق الاستقلالي ذهب عبر الطائرة إلى بوجدور في مهمة حزبية لمساندة رئيس المجلس البلدي ضد معارضيه، الذي ليس سوى عضو الفريق الاستقلالي في مجلس النواب. أين هي مصلحة المواطنين في كل هذه الحكاية؟ الله أعلم.
... تابع القراءة

هبل تربح



هذه الأيام، قرأت تعريفين عميقين لمفهوم الذكاء. الأول يقول إن الذكاء هو القدرة على التفكير في أشياء كثيرة في وقت واحد. والثاني يقول إن الذكاء هو فن إجادة تمثيل دور الأبله. وقد سبق المغاربة القدماء أصحاب هذا التعريف الثاني عندما قالوا على سبيل النصيحة «هبل تربح»، أو «بيع القرد وضحك على من شراه».
تأملت هذين التعريفين للذكاء ووجدت أن أحسن من يطبقهما حرفيا هم بعض وزراء حكومة عباس وبعض كبار الشخصيات من أثرياء هذا البلد.
وعندما نزلت العقوبة المالية وعقوبة المنع ليومين متتاليين ضد إذاعة «مارس» بسبب بسط المخرج المبتدئ هشام عيوش لأحلامه الجمهورية على الهواء مباشرة، كان والده نور الدين عيوش، رئيس «مجموعة الديمقراطية والحداثة»، يستعد لتنظيم ملتقى نهاية هذا الأسبوع حول اللغة. وهو الملتقى الذي يجب أن يدعو إليه ابنه المخرج المبتدئ لكي يتعلم طريقة الكلام عندما يتم استدعاؤه إلى برنامج مباشر.
فيبدو أن تقنية «فمك وما جاب»، أو ما يسمى في الفن المسرحي «الارتجال»، أصبحت تمارس بكثير من الاستسهال، حتى لا نقول الإسهال.
والدليل على ذلك أن هشام عيوش -الذي أعطاه نور الدين الصايل، مدير المركز السينمائي المغربي، 450 مليون سنتيم من أموال دافعي الضرائب كدعم من أجل إخراج فيلمه الأول- يفتخر أمام الجميع بأنه صور فيلمه بلا حاجة إلى سيناريو، يعني «كور وعطي للعور». وهذا يطرح سؤالا كبيرا حول كيفية استفادة هذا الفيلم من المال العام مادام مخرجه لا يتوفر على سيناريو مكتوب يمكن للجنة القراءة الاطلاع عليه وقراءته.
كثيرون يعتقدون أن أبناء «الفشوش»، الذين اشتهروا في الآونة الأخيرة بتصريحاتهم المستفزة أو باقترافهم العنف ضد الآخرين أو بأحلامهم وطموحاتهم الجمهورية المنافية لثوابت البلاد، يقومون بذلك لأنهم أغبياء. الواقع أنهم ليسوا كذلك، بل هم في الحقيقة أذكياء. وليسوا وحدهم الأذكياء، بل آباؤهم أيضا أذكياء.
الأبناء أذكياء لأنهم يجيدون تمثيل دور الأبله. أما الآباء فأذكياء لأنهم يستطيعون التفكير في أشياء كثيرة في وقت واحد، يفكرون في مصلحتهم السياسية والحزبية الضيقة، وفي الوقت نفسه يفكرون في مستقبل أبنائهم السياسي والمالي.
عندما تجرأ إبراهيم الفاسي الفهري، ابن وزير الخارجية ورئيس معهد «أماديوس»، على نعت الدكاترة المعطلين بالفاشلين دراسيا وحملهم مسؤولية البطالة التي يعيشونها مفتخرا بدراسته التي تابعها في مدراس البعثة الفرنسية، وعندما تجرأ ووصف الانتقادات التي وجهت في البرلمان إلى عائلته التي تحتكر المناصب الحكومية والعمومية بالمثيرة للفتنة واتهم كل من يتحدث عن هذا الموضوع بإثارة العنصرية ضد عائلته، اعتقد البعض أن الولد المدلل زل لسانه وأنه لا يعرف ماذا يقول. والحال أن كل كلمة قالها الولد خضعت لتحليل دقيق ومسبق.
وعندما خرج وزير الاتصال «يكشكش» ضد قناة «الجزيرة» التي تحتكر نقل مباريات المونديال، واصفا المباريات التي ستتبرع بها «الجزيرة الرياضية» علينا بالخضرة فوق الطعام، لم يكن ذلك دفاعا عن حق المغاربة في الفرجة، وإنما تملصا من مطالب المغاربة التي تنتشر في المواقع الإلكترونية باستقالة وزير الاتصال بعد الفضيحة التي ورطه فيها ابنه أمام البرلمان.
ولعل قمة ذكاء وزير الاتصال هي قدرته على التفكير في عدة أشياء في وقت واحد. فهو يفكر في مصير حزبه بعد اختيار نبيل بن عبد الله أمينا عاما جديدا له، ويفكر في الدفاع عن حق المغاربة في المونديال «بيليكي»، ويفكر في الطريقة المناسبة لنسيان الفضيحة التي لعب بطولتها أمام البرلمان عندما خلص ابنه من قبضة الشرطة ضدا على مبادئ دولة الحق والقانون.
إنها لمفارقة عجيبة أن ينظم نور الدين عيوش مؤتمرا حول اللغة، في الوقت الذي يجهل فيه ابنه مبادئ اللغة التي يتحدث بها المغاربة. ويتسلم أموالا طائلة من الدولة ومؤسساتها من أجل دفع المغاربة إلى المشاركة في الانتخابات، في الوقت الذي يعجز فيه عن دفع ابنه إلى قراءة الدستور والقانون المغربي قبل أن يفتح فمه أمام مايكروفونات إذاعات «جيب يا فم وطلق» التي أصيب أغلبها بمرض «سريسرة» اللفظية، بحيث أصبح يبث أي كلام ويتحدث من «السمطة لتحت» بلا وازع ولا رادع، ويستسهل الحديث حول المواضيع الحساسة بخفة تقترب كثيرا من «التبرهيش».
وإنها لمفارقة عجيبة أن يدافع وزير الاتصال عن حق المغاربة في الفرجة الكروية وينسى حقهم في رؤية القانون يطبق على جميع أبناء المغاربة، بمن فيهم ابن سعادة الوزير الذي منحهم تلك الفرجة المخجلة أمام البرلمان.
وإنها لمفارقة عجيبة أن يدافع وزير المالية مزوار عن ترشيد نفقات سيارات الدولة ومنع استعمالها لأغراض شخصية، في الوقت الذي نرى فيه كيف أن زميله في الحكومة وزير الاتصال استعمل سيارة الوزارة للتنقل إلى البرلمان في «نصاصات الليل» لتخليص ابنه من قبضة الأمن.
وإنها لمفارقة عجيبة أن يتحدث الوزير الأول عن تخليق الحياة العامة في الوقت الذي نسمع فيه أن ابنة وزير الداخلية الراحل إدريس البصري «صرفقت» عنصرا من عناصر الدرك الملكي كان يقوم بمهمته.
وإنها لمفارقة عجيبة أن يدافع ابن وزير الخارجية عن استضافة وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة «تسيبي ليفني»، ويتوعد باستضافة المزيد من الإسرائيليين في المغرب عبر مؤسسته التي ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب، في الوقت الذي يقرأ فيه والده وزير الخارجية بيانا ناريا ضد الحكومة الإسرائيلية بسبب الهمجية الأخيرة التي ارتكبتها في عرض البحر في حق مدنيين مسالمين ينتمون إلى خمسين جنسية.
أليس هذا هو التجسيد الأمثل لمقولة «بيع القرد وضحك على من شراه»؟
أبناء «الفشوش» هؤلاء يعرفون أن القانون لا يطبق على أمثالهم في المغرب، ولذلك فإنهم يسمحون لأنفسهم باحتقار ذكاء المغاربة والسخرية من مستوى تعليمهم، واستفزاز مشاعرهم بتصريحات عشوائية تمس مقدساتهم وثوابتهم.
وبعضهم، كابن وزير الاتصال وأسوة بابن العنصر وزير الفلاحة السابق، ذهب إلى حد إلحاق أضرار جسدية بمواطن دون أن يتعرض للمتابعة القانونية مثلما يحدث لأبناء المغاربة الذين ليست لديهم جداتهم «فدار العرس».
ولعل تسارع حدوث فلتات اللسان وفلتات الأعصاب خلال الأيام الأخيرة، وصدورها كلها عن أبناء شخصيات سياسية وإعلامية معروفة، يستدعي وقفة تأمل لشرح ملابسات هذه العنتريات الجديدة التي تذكر المغاربة بسنوات سوداء اعتقدوا أنها ذهبت إلى غير رجعة.
ولذلك فقبل أن يعطينا وزير الاتصال الدروس في الوطنية واحترام القانون والحق في الفرجة الكروية، عليه أولا أن يعطي المثال بنفسه ويقدم استقالته ويرحل عن هذه الحكومة، لأنه لا يستحق أن يبقى فيها يوما واحدا بعد الذي حدث، فبالأحرى أن ينطق باسمها.
وقبل أن يحاول وزير الخارجية إقناعنا بجدية موقف وزارته من الهمجية الإسرائيلية عليه أولا أن يقنع ابنه بالتوقف عن استفزاز مشاعر المغاربة بتوعدهم وتهديدهم باستضافة المزيد من الصهاينة على أرض المغرب الطاهرة.
وقبل أن ينظم عيوش مؤتمرات حول اللغة والديمقراطية والحداثة عليه أولا أن ينصح أبناءه بتعلم لغة المغاربة والاطلاع على هويتهم العميقة والحقيقية، إذا كانوا يريدون إنتاج أفلام للمغاربة وبأموال المغاربة. أما إذا كانوا يريدون إنتاج أفلام مفككة سينمائيا تروج لهويات غربية بأموال المغاربة موجهة لضرب ثوابت المغاربة وقناعاتهم الدينية واللغوية، فيجب أن يبحثوا لهم عن ممول آخر غير جيوب دافعي الضرائب المغاربة.
فأبناء عيوش، كحاملين للجنسية الفرنسية، من حقهم أن يحصلوا على دعم المركز السينمائي الفرنسي، مثلهم مثل بقية المخرجين السينمائيين الفرنسيين.
آنذاك لن يحاسبهم أحد على الرسائل والقيم والأفكار السياسية والأخلاقية التي تدافع عنها أفلامهم، لأنها ستكون ممولة من جيوب أخرى غير جيوبنا.
... تابع القراءة

التبرهيش



زوبعة حقيقية تلك التي اندلعت في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري قبل يومين، عندما بث «راديو مارس» حوارا مع مخرج سينمائي مبتدئ اسمه هشام عيوش، وسألته المنشطة الإذاعية عن أمنيته فأجاب بأنه يتمنى أن يصبح رئيسا لجمهورية المغرب. بعد نصف ساعة، ستصدر الإذاعة بيانا تدين فيه تصريح المخرج المبتدئ وتسميه المدعو هشام عيوش. الإذاعة فهمت أنها اقترفت خطأ مهنيا عندما لم توقف المنشطة الضيف عند حده وتشرح له أن ما صرح به يتعارض مع دفتر التحملات الذي وقعت عليه الإذاعات الخاصة مع الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. ولعل أقل شيء كان على المنشطة أن تقوم به هو إشعار الضيف بخرقه للقانون وإنهاء الحوار معه، حتى لا يطبز لها العين بالمزيد من التصريحات.
المخرج المبتدئ، من جانبه، قال إنه عندما تمنى أن يصبح رئيسا لجمهورية المغرب كان فقط يمزح.
ولعل صاحبنا يجهل أن مزاحه الثقيل ذهب هذه المرة مباشرة نحو نظام الحكم في المغرب. وهو الموضوع ذاته الذي لازالت تحاكم بسببه نادية ياسين والصحافي عبد العزيز كوكاس، مع أن أحدا منهما لم تصل به الجرأة إلى الإعلان، على الهواء مباشرة، عن رغبته في تولي منصب رئيس الجمهورية المغربية.
ولا بد أن هذا المخرج المبتدئ «القشاشبي» يجهل أن أمنيته السياسية باحتلال منصب رئيس الجمهورية في المغرب يفرض تغيير نظام الحكم الملكي أولا. وطبعا، فهشام عيوش، ابن نور الدين عيوش الذي جمع ثروته بفضل «إشهاره» لعلاقاته مع رجالات دار المخزن، لا يقول لنا كيف ستتحقق هذه الأمنية التي يحلم بها.
ولنفترض أن هشام عيوش يمزح فعلا، لماذا لم يجرب المزاح بالحلم برئاسة الجمهورية الفرنسية، ما دام يحمل، مثل أخيه نبيل عيوش، الجنسية الفرنسية ومن حقه أن يترشح للانتخابات في فرنسا ويصبح رئيسا للجمهورية في يوم من الأيام. أليس «نيكولا ساركوزي» ابن مهاجر هنغاري جاء إلى فرنسا هاربا من الحرب، واستطاع أن يمارس السياسة ويصل إلى سدة الحكم.
ليست السياسة أو الانتخابات أو نظام الحكم ما يهم مخرجنا «القشاشبي»، وإنما ما يهمه من كل هذا «التبرهيش» هو الفلوس. وسنشرح كيف.
منذ نزول فيلمه الأول إلى القاعات السينمائية وهشام عيوش يبحث عن صحافي أو جريدة تكتب عنه وعن فيلمه. أن تكتب «خايب، زوين، بين وبين» لا يهم، المهم هو أن تكتب جريدة أو مجلة حول فيلمه الأول الذي يفتخر بأنه صوره بدون حاجة إلى كتابة سيناريو (وهذه سابقة سينمائية عالمية). وقد لجأ المخرج إلى التعاقد مع وكالة للتواصل لم تدع صحافيا واحدا إلا واتصلت به من أجل حثه على الكتابة حول الفيلم بالطريقة التي تحلو له. «الله يجعلهم ما يسبو المخرج ويعرقو للفيلم، مكاين مشكل، عالله غير يكتبو عليه».
ويبدو أن هذه الخطة فشلت. فالفيلم كان تافها وسخيفا ومسطحا إلى درجة أن الجميع، بما في ذلك حماة الرداءة السينمائية ومشجعيها، أعرضوا عن الكتابة حول الفيلم.
فالمخرج المبتدئ اعتقد أنه، لمجرد تضمين فيلمه لقطات جنسية ساخنة، سينجح في إثارة النقاش حول عمله، مثلما وقع مع فيلم «حجاب الحب» الذي أسدى إليه الإسلاميون خدمة كبيرة عندما نقلوا موضوعه إلى البرلمان، وأصدر بشأنه الزمزمي فتوى حتى دون أن يشاهده.
والنتيجة أن منتج الفيلم حقق إيرادات خيالية بفضل ارتفاع نسبة مشاهدته بعد الضجة المفتعلة التي اندلعت حوله، وعندما انتهى المنتج من إحصاء كل الأموال التي جمعها من شبابيك القاعات السينمائية، تفرغ لإصدار الفيلم على شكل «ديفيدي» من أجل مضاعفة الأرباح.
المشكل في كل هذا ليس جشع المخرج والمنتج، وإنما غباء الذين منحوا فيلما سخيفا ومفككا كفيلم «حجاب الحب» كل الضجة التي أثاروها حوله.
وهكذا فهم المخرجون الجشعون أن أقصر طريق نحو الشهرة والاغتناء بفضل السينما هو إثارة الغبار حول أفلامهم في الصحافة، ودفع الزمزمي وأمثاله إلى إصدار فتاوى ضد أفلامهم، دون مشاهدتها طبعا، وبالتالي ضمان عائدات مالية للفيلم من شبابيك القاعات السينمائية.
المشكلة أن هذه الحيلة، التي «صدقت» مع «حجاب الحب» و«ماروك» و«كازانيغرا» وغيرها من الأفلام التي فشلت في اختراق المهرجانات السينمائية العالمية المحترمة، لم تنجح مع فيلم هشام عيوش. والضجة الإعلامية التي كان ينتظرها في الصحف لم تكن في الموعد.
وبما أن ابن الوز عوام، فقد قرر هشام عيوش، ابن نور الدين عيوش رجل التواصل الذي يعرف كيف يبيع «البرد بدقة للنيف»، أن يخرج العتاد الثقيل لكي يثير إليه الانتباه.
وقد نجح منذ المحاولة الأولى، خصوصا وأنه اختار أن يمارس لعبة «هبل تربح» مع موضوع كبير وخطير هو نظام الحكم في المغرب.
ولو أن هشام عيوش ابن سياسي شيوعي متطرف، أو ابن ثائر حمل السلاح في وجه النظام، أو ابن معارض منفي، لفهمنا سبب أمنية الجمهورية التي يتمنى أن يصبح رئيسها في يوم من الأيام.
المشكلة أن والد هشام عيوش استطاع أن يجمع ثروته بفضل صفقات عقدها مع مؤسسات مالية وتجارية تابعة للنظام. ولذلك فقد كان حريا به أن يفقه ابنه قليلا حول طبيعة النظام السياسي في المغرب. فالولد الذي عاش في فرنسا وتشبع بمبادئ النظام الجمهوري عليه أن يفهم، إذا أراد الاستفادة من أموال دافعي الضرائب عبر صندوق المركز السينمائي المغربي، أنه ليس هناك حزب سياسي واحد في المغرب يطالب بالجمهورية، حتى ولو على سبيل «التقشاب»، لأن من يريد أن «يقشب» يبحث له عن مواضيع أخرى صالحة لذلك، أما نظام الحكم فليس موضوعا للضحك والسخرية أو التندر. وكل من حاولوا الضحك مع هذا الموضوع «هجره» لهم القضاء.
نتمنى ألا تكون هناك متابعة قضائية ضد هشام عيوش بسبب تصريحاته حول الجمهورية، ولا حتى ضد الإذاعة التي بثت ذلك على الهواء، لأن الولد ليس له طموح سياسي بقدر ما لديه طموح مادي، فيما المحطة الإذاعية محطة متخصصة في الرياضة، ولسوء حظها أنها وجدت نفسها وسط جدل سياسي لا علاقة لها به.
المشكلة في كل هذه الحكاية أن المخرج المبتدئ اعتقد أن كل الطرق ممكنة لإثارة الجدل والنقاش حول فيلمه، بما في ذلك استعمال ورقة الملكية والنقاش حول نظام الحكم في المغرب.
وإلى حدود اليوم، تساهلت مصلحة الرقابة في المركز السينمائي المغربي مع لقطة الممثل الذي يضاجع ممثلا ذكرا في فيلم نبيل عيوش «لحظة ظلام»، وتساهلت مع اللقطة الجنسية التي يضاجع فيها ممثل ممثلة في فيلم أخيه هشام عيوش، وتساهلت أيضا مع لقطات جنسية كثيرة ومشاهد مخلة بالحياء ومستفزة للشعور الوطني والديني للمغاربة. وكل هذا في سبيل إثارة هذه الأفلام للضجة الإعلامية المنتظرة من أجل الرفع من نسبة مشاهدتها لتبرير استمرار دعم المركز السينمائي لهذه العينة من الأفلام بحجة نجاحها الجماهيري.
إلى حدود الآن، نجحت هذه الخطة وأصبح كل من يريد تحقيق أرباح، سواء في السينما أو بعض الإذاعات الخاصة، يلجأ إلى الجنس. وهذه الأيام، هناك زوبعة قادمة تنتظر محطة «هيت راديو» بسبب عودة منشطها الناشط أكثر من اللازم المسمى «مومو» إلى عادته القديمة. فبعد عقوبتين أصدرتهما الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في حقه بسبب إخلاله بالحياء العام على الهواء مباشرة، هاهي العقوبة الثالثة تستعد للخروج من اجتماع الهيئة الأخير عقابا لمومو «بوخرصة» على ارتجاله لأغنية في برنامجه على الهواء ضمـّنها كلمات جنسية ساقطة.
بالنسبة إلى مدير الإذاعة، بومهدي، فالحكاية بسيطة. فهو يعول على «مومو» لكي يقدم إليه برنامجا مثيرا يعتمد على الجنس الفج بشكل أساسي، وكل حلقة من حلقات هذا البرنامج تعود على المحطة بحوالي عشرة ملايين سنتيم، هي مجموع عائدات المكالمات والرسائل الهاتفية الباهظة والإشهارات التي تحتضن البرنامج. والدليل على ذلك أن الهيئة عندما أصدرت قرارا بتوقيف البرنامج لخمسة أيام، خرج مدير المحطة يقول في الجرائد إن هذا القرار كلفه خسارة قدرها خمسون مليون سنتيم، أي عشر «بريكات» لكل حلقة.
ومدير المحطة هو الرابح الأكبر في هذه التجارة التي تقوم على الإيحاءات الجنسية كمادة إذاعية. وحتى عندما تصدر الهيئة في حقه عقوبة مادية فهي لا تتعدى عشرة ملايين سنتيم يدفعها المدير وهو سعيد.
مما يتطلب تفكيرا جديا في طرق أخرى أكثر فعالية لحمل مدراء الإذاعات المارقة على احترام القانون وبنود الاتفاق الذي على أساسه تسلموا تصاريحهم القانونية.
وربما يشكل هذا التحدي موضوع تفكير بالنسبة إلى المسؤول عن مراقبة المحطات الإذاعية في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، السيد نعيم كمال. وعوض أن يتفرغ للدفاع عن صديقه نور الدين الصايل سيكون مفيدا له، في ما تبقى له من وقت في الهيئة، أن ينشغل بالبحث عن صيغ قانونية جديدة لجعل مالكي المحطات الإذاعية يحترمون القانون.
... تابع القراءة

المأساة وقد تحولت إلى ملهاة



كم كان منظر الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي مثيرا للشفقة وهو يبرر إطلاق الجنود الإسرائيليين النار على الركاب المسالمين الذين جاؤوا لفك الحصار عن غزة، بكون هؤلاء الجنود كانوا في حالة دفاع عن النفس. وقد اجتهد التلفزيون الإسرائيلي، ومعه التلفزيون الفرنسي، في عرض صور التقطها الجيش الإسرائيلي لمتطوعين يضربون جنديا إسرائيليا نزل من مروحية عسكرية. وقبلها بدأ الصحافي تقريره بعرض صور لجنود إسرائيليين على متن باخرتهم الحربية يحذرون سفن المتطوعين من الاقتراب ويخبرونهم بأنهم يدخلون منطقة محاصرة وممنوعة، بمعنى أن الصحافي الذي أعد التقرير أراد إفهامنا أن الجيش الإسرائيلي قام بكل ما يمكنه القيام به لصد «هجوم» هؤلاء المتطوعين، وعندما فشل سلميا كان مجبرا على التدخل عسكريا لإنقاذ أحد جنوده من الاعتداء الذي تعرض له على أيدي المتطوعين، أي أن إسرائيل عندما قتلت 19 مدنيا مسالما كانت، في نهاية المطاف، في حالة دفاع شرعي عن النفس.
وهذا بالضبط ما ردده الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي ردا على حملة الاستهجان والاستنكار والإدانة الدولية التي تتعرض لها إسرائيل منذ فجر أمس.
والحقيقة هي أن إسرائيل قررت، عندما أطلقت على عمليتها الإجرامية اسم «رياح السماء»، إعطاء الضوء الأخضر لجنودها باغتيال عدد معين من الناشطين المدنيين الأتراك، لبعث رسالة واضحة إلى طيب رجب أردوغان مفادها أن أي تهديد من طرفه لإسرائيل سيتم الرد عليه بالرصاص. وهذا ما قام به جنودها بالضبط عندما فتحوا النار بمجرد نزولهم فوق السفينة التركية. ومهاجمة الركاب الآخرين للجندي الإسرائيلي، الذي نزل فوق سفينتهم من مروحيته، جاءت كدفاع عن النفس بعدما رأوا كيف تم اغتيال زملائهم بدم بارد في السفينة المجاورة.
لكن، وكما هو معروف عن إسرائيل، فإن الضحية يتحول إلى جلاد والجلاد يلبس صوف الحملان ويتسابق نحو القنوات العالمية للتباكي على جنوده الذين تعرضوا للضرب على أيدي الناشطين المدنيين.
وحتى إذا افترضنا أن ناشطين مدنيين ضربوا جنديا إسرائيليا نزل على متن سفينتهم مدججا بالأسلحة، ألم تكن هناك طريقة لشل حركة هؤلاء الناشطين غير إطلاق الرصاص نحو صدورهم العارية؟ أين هو الرصاص المطاطي، وأين هي الغازات المسيلة للدموع التي تعود الجنود الإسرائيليون استعمالها لتفريق التظاهرات؟
عندما اختارت إسرائيل استعمال الرصاص الحي، فإنها تكون بذلك قد عبرت عن نواياها المبيتة والغادرة والإجرامية. تلك النوايا التي حولتها إلى أفعال تحت جنح الظلام حتى تفوت على العالم صور المجزرة.
منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي، قبل أكثر من نصف قرن، وإسرائيل تبرر مجازرها في حق العرب والفلسطينيين بأكذوبة الدفاع عن النفس. وهكذا نجحت في ترويج صورة مضللة عن نفسها، بحيث رسمت في أذهان الأوربيين والأمريكيين صورة البلد الصغير المحاصر من طرف الأعداء العرب والمسلمين الذين يتحينون الفرص للانقضاض عليها ومحوها من الخريطة. وقد استغلت الدعاية الإسرائيلية حروب العرب ضدها استغلالا جيدا، بحيث نجحت في الحصول على وضع «الضحية». وهكذا غفر المنتظم الدولي لإسرائيل كل جرائمها تحت مبرر حقها في الدفاع عن النفس. وهو المبرر الذي تشهره إسرائيل اليوم في وجه أربعين دولة ممثلة في «أسطول الحرية».
الحقيقة أن منظمي مبادرة «أسطول الحرية» كانوا على درجة عالية من الذكاء. ولولا غباء الجيش الإسرائيلي، الذي تصرف بغطرسته المعهودة واغتال كل هؤلاء الشهداء، لما نجح «أسطول الحرية» في بلوغ أهدافه. وشخصيا، أعتقد أن الهدف الأهم الذي حققه «أسطول الحرية» هو أنه نزع قناع الضحية الذي ظلت تلبسه إسرائيل لأكثر من نصف قرن من الصراع بينها وبين الفلسطينيين والعرب.
لقد غفر المنتظم الدولي لإسرائيل مذابحها المتكررة في حق اللبنانيين والفلسطينيين، وغض الطرف عن اجتياحها لأراضي جيرانها ومحاصرتها مليوني مواطن في قطاع غزة. ودائما كانت إسرائيل تنجح في تبرير جرائمها بأسطورة الدفاع عن النفس. وحتى عندنا في المغرب، قرأنا كتابات تتحدث عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد صواريخ حماس وحزب الله.
دهاء الإسرائيليين يتجلى في تحويل النقاش من نقاش حول الاحتلال إلى مجرد نقاش حول طبيعة مقاومة هذا الاحتلال، بحيث يصبح المقاوم الذي يدافع عن أرضه إرهابيا يستعمل وسائل غير قانونية ضد مواطني بلد آمن. والحال أن النقاش الحقيقي يجب أن ينحصر في احتلال بلد لبلد آخر وتشريد وقتل سكانه الأصليين وطردهم نحو ملاجئ البلدان المجاورة. هذا هو صلب النقاش.
وإسرائيل تعرف أكثر من غيرها أن دور الضحية، الذي تجيد تمثيله، هو الوحيد الذي سيسمح لها بإقناع العالم الغربي بضرورة بقائه صامتا أمام استمرارها الأرعن في اقتراف جرائمها الفظيعة. فقد ظلت، طيلة خمسين سنة، تمول وتقف وراء إخراج أفلام سينمائية حول «المحرقة» والمآسي التي تعرض لها اليهود على يد النازية، إلى الحد الذي أصبح فيه اليهودي مالكا وحيدا وشرعيا لشركة عالمية عملاقة اسمها شركة المحرقة غير المحدودة. ومع أن هناك شعوبا أخرى تعرضت للإبادة والمحو، فإن أيا من هذه الشعوب لم يستطع منافسة اليهود على احتكار الرسم التجاري للألم والمحنة والمأساة. وبفضل السينما أساسا، وهوليود تحديدا، استطاعت إسرائيل أن ترسخ في مخيلة الأجيال الصاعدة فكرة جهنمية مفادها أن ما تعرض له اليهود على يد النازية شيء لم يحدث مثله قط في التاريخ. مع أن الجميع يعلم بأن الإبادة التي تعرض لها الهنود الحمر على أيدي المستوطنين الأوربيين، والإبادة التي تعرض لها الأفارقة على أيدي تجار العبيد، والتي امتدت لقرون، تفوقان بكثير المحنة التي تعرض لها اليهود على يد النازية.
ونظرا إلى قوة الأفلام السينمائية التي كتبت خصيصا لدعم هذه القضية، ونظرا إلى جودة السيناريوهات وموهبة المخرجين السينمائيين العالية والإمكانيات المادية الضخمة التي وضعت رهن إشارة المنتجين، استطاعت إسرائيل أن تحصل على وضع الضحية المثالية والأبدية.
وعوض أن تستغل إسرائيل وضعها كضحية من أجل البحث عن مخرج للقضية الفلسطينية، ظلت تستعمل هذا الوضع لاقتراف المزيد من جرائم الحرب. وفي كل مرة تقترف فيها جريمة حرب ضد الفلسطينيين أو اللبنانيين تكون أفظع من سابقتها.
ويبدو أن العالم الغربي والأوربي ظل يبتلع تبريرات إسرائيل تحت ضغط صورة الضحية التي رسختها في ذهنه. فهي تقتل وتذبح الأطفال والشيوخ والنساء من أجل هدف نبيل، وهو عدم السماح بتكرار المأساة الكبرى التي تعرض لها «شعب الله المختار» على يد النازية. كل الأفلام والتحقيقات والبرامج الحوارية التي تدور حول إسرائيل تنتهي جميعها بخلاصة واحدة موجهة إلى الغرب المسيحي، مفادها أن الحل الوحيد لعدم تكرار «المحرقة» في المستقبل هو سحق كل من يتجرأ على تحدي إسرائيل ووقف مخططها الرامي إلى إحياء دولة إسرائيل الكبرى.
ولذلك فما تمنعه أمريكا على بقية دول العالم تسمح به لإسرائيل. والسلاح النووي الذي تخوض بشأنه أمريكا حربا مفتوحة مع إيران، لا يبدو أن وجوده في إسرائيل يضايق الإدارة الأمريكية وحلفاءها، خصوصا بعد انفضاح أمر وجود مفاعلات نووية بإسرائيل بعد نشر إحدى الصحف لكواليس المفاوضات التي جمعت بين «شيمون بيريز» ورئيس جنوب إفريقيا خلال حكم نظام «الأبارتهايد»، والتي دارت حول صفقة تبيع بموجبها إسرائيل النظام العنصري رؤوسا نووية.
عندما أنهى القاضي الجنوب إفريقي اليهودي «غولدستون» تقريره حول مجزرة غزة الأخيرة، حيث طالب بمحاكمة إسرائيل، لم تجد إسرائيل من حل لمضايقة القاضي «غولدستون» سوى النبش في ماضيه القضائي عندما كان يصدر أحكاما قضائية بالسجن والإعدام ضد معارضي نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا.
ولأن إسرائيل تعتقد أنها أذكى من الجميع، فقد اعتقدت أنها لطخت سمعة القاضي «غولدستون» عندما نبشت في ماضيه، إلى أن سلط عليها الله صحافيا فضح مفاوضاتها السرية مع نظام الفصل العنصري من أجل بيعها رؤوسا نووية.
وهاهي العناية الإلهية تسلط على إسرائيل اليوم من يفضحها وينزع عنها صوف الحملان المظلومة التي تعاني الويلات بسبب الذئاب العربية التي تحاصرها من كل جانب.
من سيصدق بعد اليوم أن إسرائيل ضحية تدافع عن نفسها لكي تبقى الديمقراطية الوحيدة وسط مستنقع عربي مليء بالديكتاتوريات العسكرية.
باقترافها لهذه الجريمة النكراء في عرض المياه الدولية، تكون إسرائيل قد سقطت في الفخ المحكم الذي نصبته لها تركيا بدهاء كبير.
لقد نزعت عنها ورقة التوت التي ظلت تغطي سوءتها ونقطة ضعفها في آن.
إسرائيل اليوم تقف عارية أمام العالم. وكل ما نتمناه هو ألا يسارع بعض العرب إلى مدها بالرداء الذي يستر عورتها وضعفها. كل ما نتمناه هو أن يقفوا على الحياد ويتركوا العالم يتفرج على هذه المأساة الإسرائيلية المصطنعة، وهي تتحول أمامهم، بضربة شاطر، إلى ملهاة سخيفة.
... تابع القراءة

ضربة الخائف



الذين لم يفهموا عدم تردد إسرائيل في قصف قافلة سفن الحرية التي تحمل المساعدات الإنسانية لسكان غزة المحاصرين وقتل تسعة عشر مدنيا مسالما وجرح آخرين في قلب المياه الدولية، معذورون. فربما يكونون قد نسوا ذلك الاتفاق الثنائي الذي وقعته «كونداليزا رايس»، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، مع «تسيبي ليفني»، وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة، مباشرة بعد العدوان على غزة عام 2009، والقاضي بمنح إسرائيل صلاحيات في التدخل العسكري تفوق الصلاحيات الممنوحة لكل دول العالم، بحيث يمتد قطر تدخلها العسكري من تل أبيب إلى مضيق جبل طارق.
إن الولد المدلل إبراهيم الفاسي الفهري، صاحب معهد «أماديوس»، الذي استضاف «تسيبي ليفني» بحجة أنها تنتمي إلى المعارضة الإسرائيلية وليس إلى الحكومة، مدعو إلى تأمل ما حدث أكثر من غيره، حتى يصحح أفكاره ومعلوماته حول هذه المجرمة التي استضافها في طنجة. فإذا كان هؤلاء الشهداء التسعة عشر، الذين سقطوا غدرا تحت نيران الجيش الإسرائيلي، قد ماتوا غدرا، فإن مبرر اغتيالهم بالنسبة إلى إسرائيل هو هذا الاتفاق الثنائي الذي وقعته «تسيبي ليفني» و«كونداليزا رايس»، والذي يسمح لإسرائيل بالتدخل في المياه الدولية من تل أبيب إلى حدود المياه الشمالية للمغرب.
وإذا كان الولد المدلل مدعوا إلى تصحيح معلوماته حول ضيفته، خصوصا وأنه يهدد باستضافة المزيد من الإسرائيليين مستقبلا، فإن والده وزير الخارجية ملزم باتخاذ موقف حازم وواضح من الجريمة النكراء التي وقعت أمام أعين العالم بأسره، خصوصا وأن القافلة البحرية يوجد ضمن المشاركين فيها مواطنون مغاربة، أحدهم نائب برلماني. أما بالنسبة إلى الحضور الإعلامي المغربي، فـ«المساء» تفتخر بوجود مراسلتها في أنقرة بتركيا على متن إحدى هذه السفن. ونحن ننتظر، على أحر من الجمر، آخر الأخبار حول مصيرها ومصير بقية الركاب الذين تحاصرهم مدفعية الجيش الإسرائيلي.
يمكن أن يرى البعض في ما قامت به إسرائيل تعبيرا عن الغطرسة والتفوق العسكري واحتقار العالم بأسره، لكنني شخصيا أرى أن قصف واحد من أقوى الجيوش العالمية لسفن محملة بالمواد الغذائية والأدوية يقودها مواطنون مسالمون من مختلف بلدان العالم، فيه تعبير واضح عن مدى الضعف والهوان والتفكك الذي تعيشه إسرائيل من الداخل.
إسرائيل اليوم أضعف من أي وقت مضى، وهي اليوم تبرر قصفها لسفن المدنيين المسالمين بكون هذه السفن تحمل على متنها عناصر إرهابية. وحتى إذا افترضنا أن هذه السفن تحمل على متنها عناصر إرهابية، أليس من الأليق اعتقالهم وتقديمهم إلى المحاكمة، عوض قصفهم بتلك الطريقة الجبانة وقتلهم بدم بارد. حتى الحيتان والدلافين والفقمة تحظى اليوم بحماية دولية في أعالي البحار، فكيف لا يحظى بهذه الحماية الآدميون يا ترى؟
إذا كانت إسرائيل تمنع الضيوف من الاقتراب منها لأنهم إرهابيون، فبماذا ستبرر، مثلا، منعها قبل أسبوعين الفيلسوف والعالم اللساني اليهودي «ناعوم تشومسكي» من دخول أراضيها، أو بالأحرى أراضي الفلسطينيين التي سلبتهم إياها، وإلقاء محاضرة في إحدى الجامعات الإسرائيلية؟
هل «ناعوم تشومسكي» إرهابي أيضا؟ تخيلوا أن إسرائيل تمنع عالما أمريكيا يهوديا من دخول جامعاتها لإلقاء محاضرة، في الوقت الذي تستضيف فيه أساتذة جامعيين مغاربة لإعطائهم دروسا حول «المحرقة».
إن ما قامت به إسرائيل اليوم في عرض البحر ضد سفن مسالمة، يفضح الجانب الجبان والغادر في شخصيتها المهزوزة. ولعل واحدة من حسنات هذه المجزرة الرهيبة هي أنها جاءت لكي تضاعف عزلة إسرائيل الدولية. فإلى حدود الآن استدعت إسبانيا وتركيا واليونان سفراءها احتجاجا على العربدة الإسرائيلية، وطالب الاتحاد الأوربي بفتح تحقيق رسمي حول ما وقع، وأصدرت الأمم المتحدة بيانا يندد بالجريمة.
وفي فرنسا، هناك اليوم نقاش حاد حول ضرورة الفكاك من القبضة الإعلامية الإسرائيلية، وهي القبضة التي شعر المثقفون الموالون للكيان الصهيوني ببدء ارتخائها بعد صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي «ريجيس دوبري» الذي يحمل عنوان «إلى صديق إسرائيلي»، ينتقد فيه حالة الحمق والهذيان السياسي التي دخلت فيها إسرائيل، مما يهدد وجودها ويهدد معه الأمن العالمي.
وكعادتهم، تجند مثقفو اللوبي الصهيوني لمهاجمة الفيلسوف «ريجيس دوبري» ووصفه بأقذع النعوت. وبما أن التهمة المفضلة لهؤلاء الصهاينة المتنكرين في ثياب المثقفين الحداثيين والتقدميين هي معاداة السامية، فقد تحول «ريجيس دوبري» فجأة على صفحات «لوموند» إلى معادٍ للسامية.
وهذا طبيعي مادام الإعلام الفرنسي مخترقا عن آخره من طرف اللوبي الصهيوني المساند لهذيان إسرائيل وعربدتها النازية.
وبالأمس فقط، ساعات قليلة قبل بدأ إسرائيل قصفها لقوارب الحياة، كانت قناة «إم6» الفرنسية تبث حلقة من برنامج «تحقيق خاص» Enquête exclusive حول لبنان. وقد حرص معدو البرنامج على تقديم المسيحيين اللبنانيين كمواطنين ناجحين يسيرون مقاولات وشركات لماركات الأزياء والعطور العالمية، ويعيشون في الأحياء الراقية والنظيفة، فيما حرصوا على تقديم المسلمين اللبنانيين إما كإرهابيين يشجعون أبناءهم على العمليات الانتحارية، وإما كفقراء ولاجئين يعيشون في الأحياء الهامشية.
ولعل اللبناني الوحيد الذي قدمه البرنامج كنموذج للشاب المسلم الناجح، هو حالة شاب لبناني لديه شركة لصناعة جعة محلية يفكر في تصديرها نحو العالم. أما النموذج الناجح والمثالي للشاب المسيحي، فهو ابن «أمين جميل» الذي ورث الزعامة عن والده الرئيس المغتال والذي يعيش محاطا بحراسه على مدار الساعة.
عندما ينتهي البرنامج تخرج بخلاصة واحدة، وهي أن اللبنانيين المسيحيين يسعون إلى بناء لبنان، فيما المسلمون يتسببون في خرابه. وينسى معدو البرنامج حقيقة كبيرة وهي أن السبب الحقيقي في خراب لبنان ليس المقاومة وإنما دولة محتلة اسمها إسرائيل تفادى معدو البرنامج الحديث عن مسؤوليتها في المآسي التي عاشها لبنان طوال تاريخه.
إن هذه الآلة الإعلامية الفرنسية، الموالية للحكومة الإسرائيلية المتطرفة، لا تكف عن الاشتغال ليل نهار لتغليط الرأي العام الفرنسي وجزء كبير من الرأي العام المغاربي الذي يتابع برامج هذه القنوات الفرنسية، وهي نفس الآلة الإعلامية التي تقوم بها القنوات الأمريكية الموالية للصهيونية بمساعدة واضحة من هوليود والصناعة السينمائية. ولعل الجملة التي تقدمت بها مخرجة فيلم Les démineurs والتي حازت على جوائز «أوسكار» لم تكن تنتظرها، والتي تقول إن قصة الفيلم تدور حول جنود أمريكيين يوجدون على «أرض نزاع». طبعا، المخرجة تريد أن تحول الجنود الأمريكيين إلى سياح وجدوا أنفسهم فجأة في أرض نزاع. والحال أن الحقيقة التي تحاول الدعاية الهوليودية إخفاءها هي أن هؤلاء الجنود الأمريكيين غزاة، وأن العراق أرض محتلة وليست أرض نزاع.
لهذا نفهم سر احتفاء تظاهرة سينمائية عالمية كحفل الأوسكار بهذا الفيلم. كما نفهم سر تجاهل لجان تحكيم المهرجانات السينمائية لفيلم مخرجين أمريكيين من أصل يهودي اسمهما «الأخوان كوهن» يحمل عنوان A Serious Man «رجل جاد». فالفيلم يحكي قصة «لاري غوبنيك»، أستاذ يعيش حياته بهدوء، إلى حدود اليوم الذي ستقرر فيه زوجته الانفصال عنه من أجل الارتباط برجل دين يهودي. يحكي الفيلم بطريقة نقدية التشدد الديني اليهودي بأمريكا، ومحاولة بطله التخلص من ثقل المعتقدات الموروثة التي تتعايش جنبا إلى جنب مع النفاق والفساد والغش.
ولعل اللقطة القوية في الفيلم هي عندما يعتقد البطل أن كل مشاكله حلت، فزوجته قررت أن تعود إليه، وابنه تخرج من المدرسة الدينية وحفظ التلمود عن ظهر قلب، وكل مشاكله وجدت طريقها إلى الحل. في هذه اللحظة بالضبط تأتيه مكالمة من طبيبه الخاص يطلب فيها منه المجيء إلى عيادته لإخباره بإصابته بالسرطان، وبأن أيامه أصبحت معدودة. هنا ينتهي الفيلم بمنظر عام لمدرسة يهودية دينية تنتظر إفراغ تلاميذها بسبب إعصار قادم تلوح غيومه المخيفة في السماء مهددة بنسف المدرسة والمدينة والبلاد بأسرها.
إنها طريقة الأخوين «كوهين» في إيصال رسالة إلى المجتمع الإسرائيلي مفادها أن المرض التي تعاني منه إسرائيل يأكلها من الداخل، مثل السرطان تماما. وفي الوقت الذي تعتقد فيه أن تماسكها وقوتها العسكرية على أحسن حال، فإن المرض القاتل ينهش أحشاءها، وإن نهايتها ستكون مثل تلك اللقطة الأخيرة التي ختما بها فيلمهما الذكي، أي إعصار مدمر تهيئه لنفسها سيأتي على الأخضر واليابس.
لحسن الحظ أن هناك صحوة عالمية اليوم تكسر الخوف والرعب الذي أرسته الدعاية الصهيونية الأوربية والأمريكية بقوة الترهيب والوعيد والتشهير.
وهذه الصحوة العالمية التي يقودها علماء ومثقفون وفلاسفة وسينمائيون أوربيون وأمريكيون، بينهم يهود ومسيحيون وعلمانيون وملحدون، يجب أن يتأملها أشباه المثقفين المغاربة وبعض غلاة الأمازيغية الذين يتهافتون على زيارة تل أبيب ويتغزلون في متانة الروابط التي تجمع بينهم وبين الإسرائيليين.
إن ما قامت به إسرائيل ليس دليل قوة وإنما هو دليل ضعف، وضربتها هي ضربة الخائف وليست ضربة المطمئن.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى