الكولونيل طرزاز أو «جبل الثلج العائم»



بعد سنة من الصمت، أرسل الكولونيل قدور طرزاز، المحكوم عليه بثلاث عشرة سنة سجنا، رسالة من داخل سجنه يهدد فيها بإيقاف إضرابه عن الكلام، وذلك في إطار رده على البلاغ الذي تلاه خالد الناصري، وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، والذي يشرح أسباب ودواعي الحكم بسجن الكولونيل.
في الوقت الذي كان فيه الكولونيل يمرر رسالته إلى بعض وسائل الإعلام من سجنه، كانت ابنته، صونيا طرزاز، تضع آخر اللمسات على أجندة مواعيدها الدولية. وبعد سلسلة لقاءات عقدتها في قصر «الإليزيه»، وبإشراف شخصي ومباشر من «كلود غيون» Claude Guéant، السكرتير العام للإليزيه، تستعد بنت الكولونيل طرزاز للطيران نحو واشنطن من أجل عقد لقاءات في البيت الأبيض لإخبار المشرف الخاص على الملف، الداهية الشاب المعروف بمواقفه المساندة لإسرائيل «دانييل شابيرو» Daniel Shapiro والذي يشغل منصب مساعد مستشار الرئيس الأمريكي في الأمن القومي المكلف بقضايا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بآخر تطورات ملف الكولونيل طرزاز.
لا بد أن السؤال الذي سيطرحه كثيرون عندما سيكتشفون حجم الحملة الدولية التي أحاطت بقضية الكولونيل طرزاز، هو ما هو السر في انزعاج باريس وواشنطن، وبينهما تل أبيب، من حكم أصدرته محكمة عسكرية مغربية ضد كولونيل مغربي؟
خلال السنوات الأخيرة، نطقت المحكمة العسكرية بأحكام كثيرة في حق عسكريين مغاربة وأودعوا السجون دون أن يشكل هذا بالنسبة إلى باريس أو واشنطن أي إحراج. لماذا، إذن، وصل ملف الكولونيل طرزاز إلى أعلى مستويات المسؤولين في باريس وواشنطن؟
الذي شدني، شخصيا، في رسالة الكولونيل طرزاز، التي سربها من سجنه إلى بعض الجرائد، هو اعترافه بأنه ضحية تصفية حسابات بين عدة جهات. من هي هذه الجهات التي يتحدث عنها الكولونيل ولا يريد تسميتها؟ ربما شيء من التاريخ قد يفيد في حل خيوط هذا اللغز الذي تحول إلى قضية دولة بالنسبة إلى البعض، وصداع رأس بالنسبة إلى البعض الآخر.
الكولونيل طرزاز لم يسقط مع الأمطار الأخيرة، فهو مهندس خريج مدرسة الطيران الفرنسية سنة 1959. ولعله الوحيد بين أقرانه الذي استفاد من متابعة تكوين عسكري في «مدرسة الأركان» بالولايات المتحدة الأمريكية طيلة سنتي 1967 و1968، وهو التكوين الذي كان مخصصا لنخبة النخبة. وبعد رحلته الأمريكية، سيعود إلى باريس لكي يتابع تكوينه في «مدرسة الحرب» الباريسية العريقة بين 1970 و1972.
وفي هذا الوقت المبكر من التكوين، اقتربت المصالح الأمريكية والفرنسية من الكولونيل طرزاز بشكل أكبر، وبدأت علاقاته مع هذه المصالح تتقوى. فحصل سنة 1977 على وسام «جوقة الاستحقاق» من طرف الجيش الأمريكي بأمر خاص من الرئيس «جيمي كارتر»، جزاء له على «الخدمات الخاصة» التي أسداها للدولة الأمريكية، خصوصا عندما كان ملحقا عسكريا في سفارة المغرب بواشنطن، وهو المنصب الذي حصل عليه بتوصية خاصة من الإدارة الأمريكية على عهد الرئيس «نيكسون» والرئيس «جيرالد فورد».
ثلاث سنوات بعد هذا التكريم الأمريكي، سيحصل الكولونيل طرزاز على وسام «جوقة الشرف من درجة فارس» سنة 1980 بأمر من الرئيس الفرنسي «فاليري جيسكار ديستان». وكمواطن فرنسي يحمل وسام فارس، فقد كان الكولونيل طرزاز مجبرا على تقديم الولاء والطاعة للدولة الفرنسية التي يحمل جنسيتها في تناقض وتعارض تام مع القوانين العسكرية التي تفرض الولاء التام لشعار الله الوطن الملك، القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية.
داخل الجيش المغربي، استطاع الكولونيل طرزاز أن يحقق مشوارا متميزا، إلى درجة أنه أصبح الرقم اثنين في الطيران الحربي، وهذا ما جعله يطلع على أسرار عسكرية بالغة الحساسية والخطورة.
لكن مشوار هذا الكولونيل اللامع في الطيران الحربي سيتوقف سنة 1988، حيث سيتم توقيفه ووضعه في الثلاجة لسبع سنوات كاملة قبل أن يتم قبول تقاعده سنة 1995 عن سن 58 سنة، أي على بعد سنتين من سن التقاعد القانونية. ماذا حدث، إذن، سنة 1988 لكي يتم تجميد «نشاط» هذا الكولونيل اللامع؟
في هذه الفترة، عرفت الحكومة الفرنسية صعود الاشتراكيين بقيادة «فرانسوا ميتران»، وبدأت فرنسا تمارس ضغوطها على الحسن الثاني بواسطة ورقة حقوق الإنسان. الورقة نفسها التي تشهرها باريس في وجه المغرب كلما أرادت إخضاعه لشروط التبعية والحماية والاستعمار الموجه عن بعد.
وفي تلك الأثناء، طفت على السطح جثث الطيارين الذين قضوا في معتقل «تازمامارت» الرهيب، الذي كان النظام ينكر وجوده مطلقا. وبدأت رائحة تلك الجثث تتسرب إلى الصحافة الفرنسية. ونظرا إلى العلاقة الروحية التي تجمع الكولونيل طرزاز بالأم فرنسا، فقد فهم الحسن الثاني أن جيشه يوجد بين صفوفه من يسرب الأخبار إلى الخارج، خصوصا وأن بعض معتقلي «تازمامارت»، المتورطين في انقلاب 1972، كانوا أصدقاء للكولونيل طرزاز. وهكذا سيقرر الحسن الثاني تجميد «نشاط» الكولونيل المزعج إلى حين إحالته على التقاعد. لقد كان ممكنا للحسن الثاني أن يأمر بمحاكمة واعتقال الكولونيل طرزاز بتهمة التخابر مع قوى أجنبية. لكنه رحمه الله فضل أن يمارس الحرب الباردة، حتى لا يثير عليه الفرنسيين والأمريكيين الذين كان يعرف جيدا أهمية رجل كالكولونيل طرزاز بالنسبة إليهم، وما هم مستعدون للقيام به من أجل إنقاذه.
حكمة الحسن الثاني لم تكن محط إعجاب الجميع، فداخل الجيش كان هناك جنرالات يكنون الكراهية المطلقة للكولونيل طرزاز، خصوصا عندما سطع نجمه خلال حرب الصحراء، وكان الحسن الثاني يتصل به شخصيا لمعرفة تطورات الحرب عن كثب. كانت هذه المعاملة التفضيلية للحسن الثاني تغيظ الكولونيل بوطالب، الجنرال الحالي والمفتش العام للقوات المسلحة، الكولونيل العلوي المراني، والجنرال الراحل القباج الذي كان في مستوى ذكاء وألمعية الكولونيل طرزاز.
كل هؤلاء كانوا يتمنون رؤية طرزاز مرميا في السجن بتهمة الخيانة، لكن أملهم خاب. مشكلة طرزاز أنه اعتقد أنه بمجرد حصوله على التقاعد من الجيش فإن قوانين الجيش ستسقط عنه. وكم كان مخطئا عندما أعطى خصومه القدامى، والذين انضاف إليهم جنرالات آخرون، فرصة تحقيق حلمهم برؤيته وراء القضبان. والحقيقة أن ذكاءه وحسه العسكري العالي خانه هذه المرة، خصوصا عندما بدأ يطلق تصريحات هنا وهناك تتضمن معلومات عسكرية حساسة بخصوص القدرات العسكرية الجوية للمغرب.
وهي المعلومات التي يمكن أن يستغلها خصوم المغرب الذين يتلهفون على تلقف أية معلومة يمكن أن تضعف قدراته الدفاعية.
بالنسبة إلى فرنسا وأمريكا وتل أبيب، فدفاع هذه العواصم عن الكولونيل طرزاز ليس دفاعا عن مصدر معلومات، وإنما رسالة مشفرة لكل «رجالهم» المنتشرين في المؤسسات الأمنية للدول الأجنبية، مفادها أن هذه العواصم لا تتخلى عن رجالها، خصوصا إذا كان أحدهم يحمل أرفع أوسمتها الفخرية وجنسيتها الأجنبية.
وإذا كانت يدا فرنسا وأمريكا واضحتين في ملف الكولونيل طرزاز، فإن كثيرين سيستغربون حضور اليد الإسرائيلية في الملف. ولكي يزول هذا الاستغراب يكفي أن نعرف أن الكولونيل طرزاز يتوفر على معلومات غاية في السرية والحساسية يمكن أن تورط الأمريكيين والفرنسيين والإسرائيليين دفعة واحدة.
وعندما قال أحد المحققين الفرنسيين عن المهدي ببنركة إن «هذا الميت سيعيش طويلا»، فإنه لم يجانب الصواب. فجثة المهدي، التي تفرق دمها بين الفرنسيين والأمريكيين والإسرائيليين، يمكن أن تعود لتطارد هؤلاء اليوم إذا ما قرر الكولونيل طرزاز فتح هذه الصفحة التي يملك الكثير من تفاصيلها.
فالرجل كان رئيس مكتب عمليات الطيران العسكري عندما تم اختطاف بنبركة في باريس. لذلك فهو يعرف، على وجه الدقة، لائحة الرحلات الجوية التي قام بها الطيران العسكري طيلة أيام 29، 30، 31 أكتوبر من سنة 1965. لذلك، فالأمريكيون والفرنسيون والإسرائيليون يعرفون أن الكولونيل طرزاز إذا قرر الكلام حول هذا الموضوع فإن مسؤولية هذه العواصم الثلاث في ملف المهدي بنبركة ستنكشف أخيرا.
ولذلك فعندما يقول الكولونيل من داخل سجنه إنه سكت طيلة سنة كاملة، وإنه ضحية تصفية حسابات بين جهات متعددة، فإن الرسالة واضحة. وهي تعني -في ما تعنيه- ضرورة تحرك هذه العواصم من أجل الضغط على المغرب، إذا كانت ترغب في ذهاب الكولونيل إلى قبره حاملا معه «أسراره» الكثيرة.
وقد بدأت فعلا حملة الضغط هذه، وانخرطت فيها للأسف جهات إعلامية مغربية معروف عنها اشتغالها لمصلحة الأجندة الفرنسية. ويكفي بهذا الخصوص الاطلاع على التبني الكلي لملف الكولونيل طرزاز من طرف بنشمسي ومجلتيه. وهذا طبيعي، ما دام بنشمسي، عندما يتعرض لمحاكمات في المغرب، فإن «الكي دورصاي» بباريس هو الذي يصدر بيانا تضامنيا معه.
طبعا، كل هذا لا يبرر الحكم الذي صدر في حق الكولونيل طرزاز، وهو حكم يجب أن نعترف مبدئيا بقسوته، فالكولونيل يبلغ من العمر 73 سنة.
لكن، وكما قال جورج كليمونصو، «علاقة العدالة العسكرية بالعدالة هي علاقة الموسيقى العسكرية بالموسيقى». ومن يقبل أن يكون فردا من أفراد الجيش عليه أن يقبل بالخضوع لقوانين الجيش. وأول قانون يجب احترامه في جميع جيوش العالم هو الولاء للوطن أولا والولاء للوطن أخيرا.
... تابع القراءة

غير اللي ما بغاش وصافي



يبدو أن الطبقة السياسية وأحزاب المعارضة البرلمانية واقعة، هذه الأيام، تحت تأثير بنج قوي المفعول. وإلا كيف نفسر فضحنا شبه اليومي للتجاوزات الخطيرة التي تعرفها الصفقات العمومية في بعض الوزارات والمؤسسات التابعة لها، دون أن تهتز شعرة واحدة في رأس هذه المعارضة البرلمانية، ودون أن نسمع صوتا واحدا يطالب بفتح تحقيق حول ما ننشره. فإما أننا نكذب على عباد الله ونستحق المتابعة القضائية والسجن، وإما أن هؤلاء الذين نكتب عن تجاوزاتهم متورطون فعلا وبالتالي يستحقون المتابعة والسجن. ببساطة شديدة، «واحد فينا خصو يتشد». هذا ما يحدث في دولة الحق والقانون. أما أن نكشف كل يوم عن فضائح مالية بالملايير يشيب لها الولدان، ثم نرى كيف يدس القضاء رأسه في الرمال، ويصم البرلمانيون آذانهم عن سماع أسماء المتهمين، وتضع الأحزاب السياسية عصابات على عيونها حتى لا ترى هذه المجزرة الرهيبة التي تتعرض لها أموال دافعي الضرائب، فهذا هو العبث بعينه.
في عمود سابق، تحدثنا عن تفويت صفقات التواصل بوزارة النقل والتجهيز والمصالح التابعة لها إلى وكالة «أوبفيزيون»، دون اللجوء إلى نشر طلبات عروض عمومية لفسح المجال أمام المنافسة، وبالتالي اقتصاد المصاريف وتطوير الجودة. ورغم أننا تحدثنا عن ميزانيات بالملايير، فإنه يبدو أن ذلك لم يحرك ساكنا في البرلمان، مؤسسة الرقابة المباشرة على الحكومة، ولا في القضاء الذي يجب أن يتحرك تلقائيا بمجرد سماع أو قراءة أخبار تتحدث عن صفقات عمومية مشبوهة بكل هذه الملايير.
وإذا كان البرلمان وأحزاب المعارضة والقضاء لا يريدون القيام بمهمتهم الطبيعية في مراقبة طرق صرف أموال المغاربة، رغم تلقيهم رواتب شهرية نظير ذلك، فإن هذا لن يحبط عزيمتنا في الاستمرار بالقيام بواجب المراقبة والمحاسبة الذي يمليه علينا ضميرنا المهني.
وقبل شهر، كتبنا عن تفويت عمدة مراكش السابق عمر الجازولي والوالي منير الشرايبي لصفقة إعداد مخطط التنقلات الحضرية بمراكش إلى مكتب دراسات سويسري اسمه «طرانزيتيك» بشراكة مع مكتب مغربي في ملكية أنس بلافريج، بقيمة مليار و200 مليون سنتيم. هذه الصفقة التي وافق عليها الوالي الشرايبي، والتي كانت ربما السبب في «طيرانه» من منصبه، لم تخضع للمعايير القانونية المعمول بها، وخصوصا نشر طلبات عروض وفتح المجال أمام مكاتب الدراسات المغربية والأجنبية الأخرى للتنافس في ما بينها.
وحتى لا يفهم الرأي العام، خصوصا المراكشي الذي خرجت قيمة الصفقة من ضرائبه، كم كلفه تفويت الصفقة إلى الشركة السويسرية بدون المرور عبر طلبات العروض، يكفي أن يعرف أن الشركة السويسرية وشريكها أنس بلافريج لم ينجزا الدراسة التي قبضا ثمنها، بل كلفا شركة فرنسية موجودة بباريس اسمها PMIC، بإنجازها. الفضيحة ليست هي هذه، بل الفضيحة الكبرى هي أن هذه الشركة الفرنسية مبلية بالشفافية، ولذلك فإنها تعلن في موقعها على الأنترنيت عن الصفقات التي تشتغل عليها والثمن الذي قبضته مقابل ذلك. وهنا، يجب أن تربطوا أحزمتكم جيدا لكي تسمعوا الثمن الذي ستمنحه شركة «طرانزيتيك» وشركة أنس بلافريج لشركة PMIC مقابل إنجاز دراسة مشروع مخطط التنقلات الحضرية بمراكش. الثمن الإجمالي الذي أعلنت عنه الشركة في موقعها هو 40 ألف أورو، أي حوالي خمسين مليون سنتيم مغربية. ماذا يعني هذا؟ يعني ببساطة أن الشركة السويسرية وشركة بلافريج ربحا من وراء هذه الصفقة مليارا و160 مليون سنتيم. «ما هزو فيها ما حطو».
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل هذه الصفقة السمينة فوتها العمدة الجازولي والوالي الشرايبي لوجه الله؟ وإذا كان الجواب هو نعم، فالسؤال الذي يطرح نفسه منطقيا هو: ما هي مصلحة العمدة والوالي في تضييع خزينة المدينة في مبلغ مليار و160 مليون سنتيم من أجل سواد عيون الشركة السويسرية إذا كانت هناك مكاتب متخصصة «بالعرام» تستطيع إنجاز الدراسة المطلوبة بمبلغ 40 ألف أورو فقط. وهو المبلغ الذي تسلمته، فعلا، شركة PMIC الفرنسية مقابل الصفقة «الهدية»؟
ويستطيع أي واحد من نواب المعارضة وأمناء الأحزاب، الحريصين في خطبهم على الدفاع عن المال العام، أن يدخل الموقع الإلكتروني لشركة PMIC لكي يعثر على اسم المشروع المراكشي والثمن الذي قبضته مقابله. في اللغة المراكشية الجميلة، يسمون هذا النوع من الصفقات «التجعاب». بمعنى أن العمدة الجازولي والوالي الشرايبي «جعبو» المراكشيين كما ينبغي في هذه الصفقة، وضيعوا عليهم مليارا و160 مليون سنتيم كان يمكن توفيرها لو أنهما احترما قانون الصفقات العمومية وأعلنا عن طلبات عروض مفتوحة أمام جميع مكاتب الدراسات.
المسؤولون في المغرب يعتقدون أنهم بمجرد مغادرتهم لمناصب المسؤولية، فإن ملفاتهم تجمع وتقفل وتوضع في الرفوف. والحال أن المساءلة القانونية والمحاسبة لا تسقط عن صاحبها حتى ولو غادر منصبه. وفي مراكش وحدها، نعثر على مسؤولين سابقين كثيرين كشفت تحقيقات المجلس الأعلى للحسابات ولجان الداخلية عن اختلالات في تسييرهم، ومع ذلك لازالوا يمارسون مهامهم. فالجازولي لازال عضوا في مجلس المدينة، ولا أحد يتجرأ على محاسبته على كل الصفقات التي مررها دون احترام للمساطر القانونية، والشرايبي ألقى إليه عثمان بنجلون طوق النجاة بعد إسقاطه من كرسي الولاية، وأعطاه منصبا مهما في بنكه، هو الذي طرد قبل يومين خمسين موظفا من بنكه اللندني بسبب الأزمة المالية.
وإذا غادرنا الولاية ومجلس مدينة مراكش ودخلنا عمادة كلية القاضي عياض، فإننا سنكتشف أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات لم يغير شيئا في واقع هذه المؤسسة المشرفة على الإفلاس المادي والمعنوي.
وعميد هذه الجامعة السابق، أحمد الطراشن، استطاع أن يشتري باسمه، خلال ست عشرة سنة من وجوده على رأس الجامعة، خمس شقق في مدينة «خيريز» بالجنوب الإسباني، كما هو مدون في دفتر التسجيل العقاري الإسباني بتاريخ 5 شتنبر 2007 . وكل شقة يعادل ثمنها 250 ألف أورو، أي حوالي 300 مليون سنتيم. كما أنه اشترى باسمه قطعتين أرضيتين زراعيتين ثمنهما يفوق بكثير ثمن الشقق.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: من أين حصل سعادة العميد، الذي «ترقى» إلى أستاذ بكلية الاقتصاد، على كل هذه الملايير التي دفعها مقابل شراء كل هذه الشقق والأراضي في إسبانيا؟ والسؤال الثاني (هذا إذا كان يملك الإجابة عن الأول) هو: في أي إطار حصل على ترخيص من مكتب الصرف بإخراج كل هذه العملة الصعبة من المغرب، مع أنه ليس مقاولا ولا رجل أعمال، وإنما عميد كلية ورجل تعليم؟
وإذا رجعنا إلى تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول جامعة القاضي عياض، فإننا سنعثر على اختلالات مالية كبيرة ومتعددة لم يفتح بشأنها أي تحقيق مع عميد الكلية، منها اقتناء معدات لم يتم تشغيلها لعدم وجود دليل على استعمالها كتلك التي اقتنتها المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بقيمة 1,4 مليون درهم، وكلية الطب بقيمة 13 مليون درهم سنة 1998-1999، وكلية العلوم السملالية بقيمة ستمائة ألف درهم.
ومنها أيضا برنامج APOGEE المعلومياتي الذي كلف مصاريف بقيمة 950.000 درهم من أجل التكوين، مع أنه لا وجود للوثائق التي توضح محتوى هذا التكوين أو عدد المستفيدين منه وكذا مدته.
وطيلة وجود العميد أحمد الطراشن على رأس عمادتها، عقدت جامعة القاضي عياض صفقات مهمة للبناء بمبلغ إجمالي قدره 19.425.874 درهما. وهي كلها صفقات شابتها خروقات سواء على مستوى احترام تواريخ التسليم والتجهيز.
لكن أخطر ملاحظة لقضاة المجلس الأعلى للحسابات في تقريرهم حول جامعة القاضي عياض هي وضع العميد للأموال المحصل عليها في إطار مشاريع البحث والتكوين في حسابات بنكية بدون ترخيص مسبق من وزارة المالية. والأخطر من ذلك عدم إدماج النفقات المؤداة بواسطة هذه الأموال في إطار الميزانية.
بالله عليكم، ألا تستحق كل هذه الملاحظات والتقارير والأخبار فتح تحقيق حول المتهمين فيها لإظهار الحقيقة. فإما أننا نكذب ونتهم عباد الله بالباطل، وإما أن عباد الله هؤلاء فعلا متورطون في تبديد المال العام ويجب أن يحاكموا على ما اقترفوه من جرائم.
أما أن تظهر إلى العلن كل هذه الملايير المنهوبة ويحافظ الجميع على برودة أعصابه، فهذا هو العبث بعينه. وهو العبث الذي يشجع المسؤولين على المزيد من النهب والسلب، ويشعرهم بأن المال العمومي فعلا مال سائب. «غير اللي ما بغاش وصافي».
... تابع القراءة

سقط القناع



هناك جرائد احترفت، منذ صدورها، تقديم أخبار الأمس البائتة إلى قرائها. هذا شأنها. لكن المشكلة أن هذه الجرائد اكتشفت هواية جديدة هي تكذيب الأخبار الطرية والصحيحة التي تقدمها «المساء» إلى قرائها. وكل مرة نسبق فيها إلى نشر خبر جديد تتبارى هذه الجرائد حول من سيسبق إلى تكذيبه. فيتصلون بالمعنيين بهذه الأخبار ويأخذون منهم تصريحات تكذب ما نشرناه. هذه وظيفة قديمة في المغرب اسمها «كاري حنكو»، ظهرت في مرحلة عرف فيها المغرب فورة في إنتاج فاكهة المشمش. فكان الصناع التقليديون يستعملون عظامه بكثرة، فأصبح عظم المشمش أهم من المشمش نفسه. فصاروا يكترون أناسا لفلق المشمش بأسنانهم واستخراج العظم ورمي الثمرة. ومن هنا جاء اسم وظيفة «كاري حنكو».
وطبعا، بعد ظهور الجرائد في المغرب انتقلت مهنة «كاري حنكو» من المشمش إلى الصحافة، ويبدو أنه لا يزال أمامها مستقبل طويل.
عندما كنا سباقين إلى نشر خبر المشاجرة التي حدثت بين مواطن وابن وزير الاتصال خالد الناصري أمام البرلمان وتدخل الوزير شخصيا لتخليص ابنه من قبضة الأمن، كنا نعرف أنه سيأتي في الغد من يكذب الخبر. وفعلا، قرأنا في جرائد الغد، وبعد ظهور شريط الحادث في موقع «يوتوب»، خبرا يقول، نقلا عن الناصري، إنه «لم يكن هناك لا مينوط ولا سكين ولا هم يحزنون»، وإن ما كتبناه ليس سوى اختراع لقضايا كاذبة، وإن ما وقع ليس سوى حادث بسيط مثل آلاف الحوادث التي تقع يوميا، وإن تدخله تلك الليلة لم يكن بصفته الوزارية وإنما بصفته أبا، وفوق هذا كله فالسيد الوزير ليس لديه الوقت للحديث حول هذه التفاهات لأن له أشياء أخرى أهم.
ببساطة شديدة، فالسيد وزير الاتصال يتهم «المساء» بفبركة أخبار زائفة ونشرها بخصوص حادث شجار بسيط بين ابنه ومواطن وتحويل الحادثة التافهة إلى «حدث القرن» كما قال سعادته.
بما أن سعادة وزير الاتصال قرر اتهامنا بالكذب، فالأمر يدعو إلى وقفة تأمل حتى نعرف الكاذب من الصادق.
يقول سعادة الناطق الرسمي باسم الحكومة إنه حضر إلى مكان الحادثة في «نصاصات الليل» بوصفه أبا وليس وزيرا في الحكومة. وكل من رأى الشريط في «يوتوب» سيلاحظ أن السيارة التي ركنها خالد الناصري أمام البرلمان هي سيارة خالد الناصري الوزير وليس خالد الناصري الأب. وداخل تلك السيارة الوزارية هرب ابنه من مكان الحادث، بمعنى أنه استعمل سيارة حكومية لمصلحة خاصة.
عندما نرى كيف قررت الحكومة البريطانية، هذا الأسبوع، حذف سيارات المصلحة بالنسبة إلى وزرائها من أجل خفض مصاريف الدولة، ثم نرى كيف يستعمل وزير في الحكومة المغربية سيارة المصلحة لقضاء مصلحة عائلية في منتصف الليل، نفهم الفرق بيننا وبين هؤلاء الأوربيين.
ولعله من المستغرب أن يشهر خالد الناصري في وجهنا شخصية الأب التي ظهر بها في مكان الحادث، وينسى شخصية المحامي التي تعتبر وظيفته الأصلية. وربما تجنب الوزير إشهار هذه الصفة لأنه يعرف أحسن من غيره أن ما قام به، عندما هرب ولده من مكان الحادث دون المرور مباشرة إلى مخفر الأمن لتسجيل محضر، يسمى، في اللغة القانونية التي يجيدها السيد الناصري، «الهروب من مكان الحادث»، أو ما يسمى بالفرنسية délit de fuite.
وهو عندما يقول إن الحادث عادي وتافه مثل آلاف حوادث السير التي تقع يوميا، فإنه يتجنب الحديث عن المساطر التي تتبعها الشرطة في مثل هذه الحوادث العادية والتافهة. ولذلك، فلنا أن نتساءل مع سعادة الوزير: هل من عادة الشرطة إطلاق سراح المعتدين في المغرب بمجرد وصول آبائهم إلى مكان الحادث؟ هل يستطيع أب أن يخلص ابنه من قبضة الأمن إذا ما ضبطوه متلبسا في حادث اعتداء على أحد المواطنين بسلاح أبيض أو «حديدة» أو قنينة غاز مسيل للدموع؟ الجواب هو لا، طبعا. لماذا، إذن، يريد الوزير الناصري إيهام الآباء المغاربة بأنه أصبح بإمكانهم تخليص أبنائهم في حالة اقترافهم لمخالفة وتهريبهم أمام أعين الأمن في سيارات المصلحة؟
أي درس في احترام المؤسسات والمساطر القانونية يعطيه هذا الوزير التقدمي إلى المواطنين، وهو يقفز على أبسط مسطرة مستعملا صفته الحكومية وسيارة الوزارة؟
مشكلة الناصري أنه يعتقد أن الصلح الذي تم التوصل إليه بين ابنه المدلل والطبيب يعفيه من المحاسبة على الأخطاء «الشكلية» التي ارتكبها في تلك الليلة. فحتى لو توصل الطرفان إلى صلح وتنازل الطرف المعتدى عليه للطرف المعتدي، فإن هذا لا يعفي الأب الوزير والمحامي السابق من احترام المساطر المتبعة بهذا الخصوص، والتي تسري على المغاربة يوميا. فصفته الوزارية يجب أن تجعله أحرص الناس على تطبيق المساطر، وليس أول «القافزين» عليها.
بمعنى آخر، كان على السيد الناصري، بوصفه محاميا، أن يحضر كأب إلى مكان الحادث، وأن يمتنع عن مرافقة ابنه إلى البيت داخل سيارة الحكومة، وأن يقبل باعتقال ابنه والطبيب الذي تعرض لاعتداء هذا الأخير واقتيادهما داخل سيارة الشرطة نحو مخفر الأمن. وهناك ستنجر الشرطة محضرا بما وقع وتعطي الطرفين حرية التنازل أو متابعة بعضهما البعض أمام القضاء. هذه هي المسطرة القانونية التي خرقها سعادة المحامي ووزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة. وفوق هذا وذاك، يسمي ما وقع تفاهات ليس لديه الوقت للتحدث بشأنها. صحيح أن الحادث تافه، ولكن استعمال وزير لصفته الحكومية وسيارة المصلحة لحل حادث عائلي تافه، يجعله شيئا جديا بل وخطيرا.
وإذا لم يكن لسعادة الوزير الوقت للحديث بصدد هذه التفاهات، فنحن لدينا الوقت الكافي لذلك، لأن ما قام به الوزير «التقدمي» مخجل فعلا، ولو حدث في دولة تحترم نفسها لكان مجبرا في الغد على تقديم استقالته من الحكومة. إن أخطاء «شكلية» مثل هذه التي وقع فيها سعادة الوزير تكلف صاحبها، في الدول الديمقراطية، منصبه ومستقبله السياسي.
لكن بما أننا في المغرب حيث المستقبل السياسي لا يتأثر بالفضائح والأخطاء، فقد جاء سعادة الوزير صباح اليوم الموالي «ما بيه ما عليه» إلى البرلمان لكي يخطب ويرغي ويزبد بصوته المتوتر ويبعثر ما بين حاجبيه غاضبا مدافعا عن المثل العليا وتخليق الحياة العامة.
إن وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة مخطئ جدا عندما يقول إنه لا ينتبه إلى هذه الأمور التافهة وإن لديه قضايا دولة يخصص لها وقته، لأنه لو كان فعلا لا يهتم بهذه الأمور التافهة لما سارع إلى ركوب سيارته الوزارية والنزول إلى شارع محمد الخامس لتخليص ابنه من قبضة الأمن، ولما خاطب الشرطي قائلا: «غادي تطلق الولد ولا غادي ندير شغلي». عن أي شغل كان يتحدث الوزير، «ملي باغي تدير شغلك ديرو بالتلفون من دارك، لاش نازل مبهدل راسك قدام الناس
فالشارع».
لو كان الوزير غير مهتم فعلا ولديه قضايا دولة يهتم بها لمكث في بيته وترك الأمن يقوم بمهمته، تماما كما يحدث مع كل أبناء الشعب. هكذا كان سعادة الوزير سيعطي مثالا حقيقيا في احترام القانون والخضوع لمساطره، حتى ولو تعلق الأمر بأحد أبنائه.
وصدق مولاي إسماعيل العلوي، رفيق الناصري في الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، عندما اعترف بأن الوضع السياسي المغربي وضع سريالي مليء بـ«التخربيق».
ويكفي لفهم هذا «التخربيق» السياسي أن ينظر المرء إلى فضائح بعض أعضاء الديوان السياسي للحزب الشيوعي السابق. فبعد إعفاء عضو الديوان نبيل بنعبد الله من سفارة المغرب بالعاصمة الإيطالية روما بسبب تشاجر زوجته مع زوجة وزير الخارجية، ها نحن نرى كيف أن عضوا آخر في الديوان السياسي للتقدم والاشتراكية يستعمل سلطته للوقوف إلى جانب ابنه في حادث شجار في الشارع العام.
وفي الأخير، بدأنا نسمع الوزير يبرر خرجته الليلية تلك بالأبوة، فيما أصبحنا نسمع نبيل بنعبد الله يشكو الحاجة في برنامج «سقط القناع» الإذاعي، بسبب «تابيطاليت» التي يعيشها وعدم قدرته على دفع «الطريطات» الشهرية لبيته الذي اشتراه «كريدي».
«شي خرجات ليه مراتو على بلاصتو وشي غادي يخرج ليه عليها ولدو».
إذا كان هذا هو التقدم وهذه هي الاشتراكية فاللهم نجنا ونج الشعب المغربي منهما، آمين يا رب العالمين.
... تابع القراءة

أشياء فاتت


عندما نرفع أنوفنا لكي نتنفس خارج بحر التفاصيل اليومية الصغيرة والمملة للحياة، نكتشف أننا ضيعنا أشياء مهمة بسبب انشغالنا بالتافه منها.
ونكتشف فجأة أن أشياء كثيرة فاتنا التقاطها والتوقف عندها.
نكتشف أنه فاتنا تعلم الطيران والتحليق وراء الأفكار المجنحة، لأننا أفرطنا في المشي وراء الأفكار المنبطحة على بطنها، ولذلك مكثنا فوق الأرض، وصارت أحلامنا هي الوحيدة القادرة على التحليق.
فاتنا أن نتعلم الكلام بالأعين، فصار ضروريا أن نتعايش مع ألسنة تشبه السياط في قسوتها.
فاتنا أن نتدرب على صعود الجبال، فانتهينا أبد الدهر بين الحفر.
فاتنا أن نتعلم قبول اختلافاتنا عن بعضنا البعض، ورحنا نجتهد لتحويل الجميع إلى صور متشابهة طبق الأصل لوجه واحد وموقف واحد وأغنية واحدة.
فاتنا أن نبحث عن المعارضة، ورحنا نبحث عن الإجماع والوفاق، ناسين أن السياسة هي الحكم للأفضل وليست هي الحكم بالتناوب.
فاتنا أن نعود مسؤولينا على الرفض، وعودناهم على الخنوع المطلق، فانتهوا يعيشون بيننا كأنصاف آلهة وانتهينا نعيش تحت أقدامهم كأقل من عبيد.
فاتنا أن نطالب باقتسام الثروة وقبلنا باقتسام الفتات، فانتهينا فقراء يتسولون بنا الصدقات عند الجيران، وانتهوا هم أغنياء وسط أغنى الأغنياء.
فاتنا أن نتناوب على حراسة أصواتنا من لصوص الديمقراطية، فنامت أعين الحراس وجاء اللصوص وسرقوا أصواتنا، وصوتوا بها ضدا على مصالحنا في البرلمان.
فاتنا أن نستكشف المغارات والجزر النائية التي في داخل كل واحد منا، ورحنا نستكشف الأرض من حولنا ولم نحصل في نهاية المطاف سوى على عداوات إضافية وجيران مزعجين أكثر من اللازم.
فاتنا أن نشبه أنفسنا، ورحنا نتسابق للتشبه بالآخرين.
وعندما غير الآخرون أقنعتهم ضيعنا ملامحنا إلى الأبد وبقينا بلا وجوه.
فاتنا أن نحول الغناء إلى لغتنا الوحيدة، فتعلمنا الشكوى مكان الغناء، وأجدنا فنون الحسرة والبكاء وباقي لغات الضعفاء الأخرى.
فاتنا قطار رائع يمر عبر محطة العمر مرة واحدة فقط، فاتنا اقتناص كل الفرص الجميلة التي تجلس بهدوء داخل مقصوراته لأننا لم نتعلم القنص في حياتنا وتعلمنا هوايات أخرى أقل خطرا، وبقينا في المحطة نقاوم اليأس بجرعات من الأمل.
فاتنا أن نروض سطوتنا وأن نلجم غطرستنا وجنوننا، وروضنا مكان ذلك حيوانات مفترسة داخل أقفاصنا الصدرية.
فاتنا أن نكسر أطواق عزلتنا ونخرج إلى العالم الفسيح أكثر خفة من فراشة، وتعلمنا عوض ذلك أن نكسر قلوب بعضنا البعض، حتى صار من الصعب عندنا أن تجد شخصا يحب شيئا دون أن تراوده فكرة تكسيره.
فاتنا أن نسطو على السعادة عندما تنزل من برجها العاجي وتنزل لتزورنا في الحضيض حيث نحن، وسطونا مكان ذلك على ثروات هائلة من الحزن والتعاسة، حتى أصبحنا الممثل القانوني لشركة مساهمة تسمى «شركة التعاسة غير المحدودة».
فاتنا أن نتعلم النوم بعينين مفتوحتين عن آخرهما حتى نرى أحلامنا جيدا، وتعودنا مكان ذلك على النوم بعينين محكمتي الإغلاق، فهجرتنا الأحلام وصرنا بسبب ذلك نحلم في اليقظة أكثر مما نحلم في النوم.
فاتنا أن نمضي إلى كوكب آخر لا يقسم العالم إلى قارات وجزر وبراكين، والناس إلى عبيد وأسياد، والعطور إلى نسائية ورجالية، والبيوت إلى سفلية وعلوية.
فاتنا أن ننسى الحرب إلى الأبد وأن نحاول العيش بسلام، وفضلنا بالمقابل أن نتذكر جبهة الحرب مكان الحديقة، والخندق مكان رصيف المقهى، والطلقات مكان القبلات، دون أن ننسى بطبيعة الحال رسم شارة النصر في كل مناسبة تستدعي ذلك.
فاتتنا كل المرات التي أتت فيها الشمس إلى غاية غرفتنا ولم ندعها إلى فنجان قهوة، وتركناها تنحدر إلى المغيب شاحبة مكسورة الخاطر.
فاتنا أن ندعو مقاعد الحديقة إلى النزهة، ورحنا نتنزه أمامها بسرور، دون أن نحاول فهم وحدتها وعزلتها المزمنة وصمتها المطبق.
فاتنا أن نجرب السباحة في الرمال مخافة أن يتهمنا الآخرون بالحمق.
فاتنا أن نجرب قول «صافح زيد عمْرا» عوض تلك الصيغة العدوانية التي علمونا إياها في قواعد النحو الصارمة التي تقول «ضرب زيد عمْرا»، مخافة أن يتهمنا الآخرون بالإساءة إلى القواعد.
فاتنا أن نجرب التحدث إلى أنفسنا أمام المرآة مخافة أن يتهمنا الآخرون بالخرف. وفاتنا أن نفهم أن الخرف والجهل والجنون كلها ليست سوى ذرائع، أما السبب الحقيقي لخوفنا فهو الآخرون دائما.
فاتنا أن نتنفس هواء غير مستعمل وأن نقرأ شعرا غير مستعمل، وانتهينا إلى إدمان تعاطي حياة مستعملة، وانتعال أحذية مستعملة وارتداء ثياب مستعملة، والإيمان بأفكار سياسية مستعملة، والانخراط في أحزاب مستعملة، حتى صرنا أشبه بمواطنين مستعملين.
فاتنا أن نجمع الأيام والأسابيع والشهور في حظيرة واسعة ثم نتعهدها بالرعاية اللازمة حتى تكبر وتنضج، فلا تعود إلى التناطح بينها في كتب التاريخ، ولا تعود الحرب ثانية بسبب هذا التناطح المجنون.
فاتنا أن نفهم أن الجغرافيا هي الوحيدة التي لا يمكن صنعها، أما التاريخ فشيء يمكن صنعه إذا توفرت لدينا الشجاعة والسواعد الكافية لذلك.
فاتنا أن نركض خلف قوس قزح، وعندما نبلغه نتقدم منه ونصعده مثل سلم، وفاتنا أن ننزل خلف القوس في الجهة الأخرى، وفاتنا أن نكتشف كل الأشياء الجميلة التي تختفي هناك.
فاتنا أن نزرع حديقة صغيرة في جيوب معاطفنا، وأن نتخلى عن زراعة الشوك في نوايا بعضنا البعض.
فاتنا أن نفتح قلوب بعضنا البعض ونرمي فيها حبلا ونتدلى عبره إلى أعماقنا، ثم نصعد وفي أيدينا المعادن الثمينة التي ننحدر منها.
... تابع القراءة

لنغير سلوكهم



لعل أخطر حوادث السير في المغرب ليست فقط تلك التي تحدث في طرق المملكة، بل تلك التي تحدث داخل مديرية اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير نفسها.
مهنيو النقل وممثلوهم في مجلس المستشارين غاضبون، لأن كريم غلاب لم يلتزم بإطلاعهم على التعديلات التي ضمنها مدونته التي ستدخل حيز التنفيذ خلال أكتوبر المقبل. الجميع يتحدث عن المدونة، لكن لا البرلمان ولا مجلس المستشارين ولا الصحافة انتبهت إلى الميزانية المخصصة لشرح المدونة. وهنا مربط الفرس.
ولعل ما يشجع مدراء المؤسسات العمومية على ممارسة المزيد من الشطط في استعمال المال العام هو ارتياحهم الواضح للمآل الذي انتهى إليه تقرير المجلس الأعلى للحسابات، والذي يبدو أنه دخل فترة بيات صيفي ستنتهي، حتما، بنسيان الفضائح التي وقف عليها من طرف الصحافة والرأي العام.
مثلما تحدثنا في عمود سابق عن ضرورة انكباب قضاة المجلس الأعلى للحسابات على موضوع الصفقات الإشهارية التي تعقدها بعض المؤسسات العمومية بأموال دافعي الضرائب مع بعض الصحف والمجلات، والتي تدخل في إطار الرشوة المقنعة لشراء الصمت، سنتحدث في هذا العمود عن ضرورة تسليط المجلس الأعلى للحسابات قليلا من الضوء على «اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير»، والتي تقع فيها يوميا حوادث مالية قاتلة تتسبب في نزيف حاد للمال العام، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالطريقة الملتبسة في إسناد الصفقات الإشهارية.
وربما يجهل السادة النواب والمستشارون أن الميزانية السنوية التي يخصصها السيد الشرايبي، المدير الدائم للجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، للتواصل تتجاوز سقف الثمانية ملايير، هي مجموع المساهمات شبه الضريبية التي يدفعها مستعملو الطرق. ولو أن الميداوي أرسل قضاته لافتحاص هذه الميزانية السمينة لاكتشفوا، منذ اليوم الأول، أن ثمانين في المائة منها تستحوذ عليها وكالة «أوبفيزيون» لصاحبتها مدام رجاء الحساني وزوجها. ولأن مدام الحساني مجازة في الكيمياء ولا علاقة لتكوينها بالاتصال والإشهار، فقد اكتشفت سريعا وصفة جعلت الكيمياء تسري بينها وبين وزارة التجهيز والنقل منذ نزول الوزير الاستقلالي كريم غلاب على رأسها سنة 2002.
ونظرا إلى العلاقة الحميمية التي تجمع مدام الحساني بصديقتها «ماضموزيل بورارة»، مستشارة الوزير غلاب وصانعة المطر والصحو في وزارته، فإن وكالة «أوبفيزيون» تحتكر لوحدها جميع الصفقات الإشهارية التي تقوم بها اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير. إضافة، طبعا، إلى احتكار أغلب الصفقات التواصلية التي تقوم بها أغلب الإدارات العمومية التابعة لوزارة النقل والتجهيز والمؤسسات العمومية التي توجد تحت وصاية الوزارة.
وانسجاما مع هذا الاحتكار، حصلت وكالة مدام «الحساني» على صفقة تفاوضية، بدون اللجوء إلى المشاركة في طلبات عروض عمومية، لتنظيم حملة تحسيسية حول مدونة السير الجديدة. ولأن المبلغ السمين المرصود لهذه الصفقة يتجاوز 500 مليون سنتيم، فإن الوزير غلاب كان مجبرا على المرور عبر الوزارة الأولى لأخذ الضوء الأخضر قبل تفويت الصفقة. وقد برر غلاب، في مراسلته للوزير الأول، لجوءه إلى طريقة الصفقة التفاوضية، أو ما يسمى de gré à gré، بكون الوقت لم يعد يسمح بالإعلان عن طلبات عروض عمومية تشارك فيها شركات التواصل الأخرى، أو ما يسمى في القانون «الصفة الاستعجالية للصفقة».
وطبعا، هذا التبرير مردود على غلاب. والدليل على ذلك أنه عندما أراد أن يمرر الصفقات المتعلقة بالرادارات الثابتة المنتشرة عبر الشبكة الطرقية، قام بذلك سنوات قبل المصادقة على مدونة السير، ولذلك فأغلب هذه الرادارات التي صرفت عليها الملايير تعرضت للتلف والصدأ، وبعضها خضع للصيانة حتى قبل أن يشتغل.
واليوم، يريد غلاب أن يبرر «زربته» في تفويت صفقة التواصل حول مدونة السير بالصفة الاستعجالية للمشروع، والحال أنه كان يتوفر على فترة زمنية امتدت من يوم التصويت على المدونة إلى اليوم. فلماذا لم يحترم مسطرة طلب العروض ويعلن عن الصفقة في الجرائد المقروءة حتى تشارك جميع شركات التواصل، وترك الأمر إلى حين اقتراب موعد تطبيق المدونة؟
الجواب بسيط، وهو أن «ماضموزيل بورارة»، مستشارة الوزير غلاب والصديقة الحميمة لمدام «الحساني»، تريد للصفقة أن تكون من نصيب وكالة «أوبفيزيون» المحظوظة، مثلها مثل أغلب الصفقات التواصلية لوزارة النقل والتجهيز والمصالح التابعة لها.
ولعل المدهش في الوصلات الإشهارية التي تقترحها هذه الوكالة على اللجنة الدائمة للوقاية من حوادث السير تدور كلها حول السلوك، وأشهرها شعار «لنغير سلوكنا». لكن يبدو أنه لا وزير النقل والتجهيز ولا مستشارته «بورارة» ولا الشرايبي، مدير اللجنة الدائمة للوقاية من حوادث السير، لديهم الرغبة في تغيير سلوكهم.
فمنذ سنة 2002، تاريخ تسلم غلاب حقيبة وزارة النقل والتجهيز والتحاق «ماضموزيل بورارة» بديوانه، وصفقات التواصل كانت دائما من نصيب وكالة «أوبفيزيون». ويبدو أن غلاب ليس الوزير الاستقلالي الوحيد الذي تحتكر هذه الوكالة صفقات تواصله، فهناك أيضا وزير التجارة الخارجية الاستقلالي معزوز، رغم أن السي معزوز يحتفظ بذكريات غير طيبة مع هذه الوكالة، خصوصا عندما كان مديرا لدار الصانع وأعلن عن صفقة فازت بها وكالة «أوبفيزيون»، قبل أن يلغي الصفقة ويطرد إحدى موظفاته بتهمة إفشاء أسرار تتعلق بأسعار الشركات المتنافسة.
لكن يبدو أن الوزير الاستقلالي غلاب ليس الوحيد الذي «متع» هذه الوكالة بالصفقات التفاوضية المتفق عليها، فقبل وصول غلاب إلى الحكومة كان الاتحادي الحبيب المالكي قد فوت إلى وكالة مدام «الحساني» صفقة سمينة تتعلق بتنظيم حملة تواصلية حول محو الأمية وتشجيع التمدرس، بلغت قيمتها 31 مليون درهم. وقد جدد المالكي العقد مع الوكالة لسنتين متتاليتين دون اللجوء إلى الإعلان عن طلبات عروض.
وقد اشتكت حينها شركات تواصلية كثيرة من هذا التعامل التفضيلي الذي يضرب مبدأ المنافسة في الصميم.
نحن نتحدث هنا عن صفقات بملايين الدراهم، بمعنى أن الإدارات المعنية بهذه الصفقات يجب أن تسلك مسطرة واضحة لا يجب أن تمر تحت أنف لجنة الصفقات العمومية المكونة من أعضاء ينتمون إلى عدد لا بأس به من المصالح العمومية، على رأسها وزارة المالية. وإذا أغلق الجميع عينيه فهذا يعني شيئا واحدا، وهو أن «التخوفيش» موجود، وكل واحد يأكل «جطو» ويغلق «عينو».
إن قانون الصفقات العمومية واضح في هذا الباب. والمبدأ الذي يجب أن يسود هذه الصفقات هو المنافسة المفتوحة بين الشركات. ولعل المستفيد الأكبر من هذه المنافسة هو الدولة نفسها. فالمنافسة تدفع الشركات إلى اقتراح خدمات أحسن وبأثمان تنافسية. أما الهدف الأكبر من فتح المنافسة بين الشركات عبر طلبات العروض العمومية فهو القضاء على المحسوبية والرشوة المصاحبتين لأغلب التعاملات التفضيلية.
لقد غطى النقاش في البرلمان ومجلس المستشارين حول المدونة على طريقة صرف ميزانيات التواصل حول بنود هذه المدونة، ولذلك فعوض أن «تفرع» لنا اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير رؤوسنا بضرورة تغييرنا لسلوكنا في الطريق، فإن الأهم حاليا هو أن يغير مدير اللجنة الشرايبي ومستشارة غلاب سلوكهما المنافي للقانون والذي يمنحان بسببه أموال دافعي الضرائب، على شكل صفقات بمئات الملايين، لوكالة واحدة محظوظة لمجرد أن مديرتها تجمعها صداقة حميمية بهما.
نعرف مسبقا أن إدارة اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير ستقوم، مباشرة بعد قراءة هذا المقال، بإلغاء جميع الصفحات الإشهارية التي حجزتها في جريدتنا. فليكن. فنحن لن نختار السكوت على هذا التواطؤ المفضوح على أموال دافعي الضرائب من أجل بضع صفحات من الإشهار.
حسبنا أننا نساهم من جانبنا بنصيبنا المتواضع في تخليق الحياة العامة بمثل هذه المواضيع. ولعل أفضل جزاء على ما نقوم به هو أن يعترف محمد عامر، وزير الجالية، بخطئه عندما فوت صفقات تنظيم أسفار الوزارة إلى وكالة أسفار بفاس توجد في ملكية أخ زوجته. لقد تعهد الوزير، على صفحات هذه الجريدة، بفتح باب المنافسة في وجه شركات الأسفار الأخرى وإنهاء التعامل مع وكالة أخ زوجته.
ننتظر من غلاب، الذي ينتمي إلى حزب ينادي بتخليق الحياة العامة، أن يعترف بخطئه ويفسخ هذا العقد الاحتكاري الذي يجمع مصالح وزارته بوكالة «أوبفيزيون» ويفتح باب المنافسة واسعا أمام جميع الشركات، لما فيه مصلحة هذه الشركات ومصلحة المال العام.
أما إذا كانت المصلحة الخاصة لبعضهم أهم عند غلاب من المصلحة العامة، فهذه حكاية أخرى.
... تابع القراءة

شدو علينا ولادكم



بعد فضيحة ماريا بنجلون، ابنة وزير الإعلام الأسبق، التي كسرت عظام شرطية مرور وسط الرباط بسيارتها، وبعد فضيحة ابن وزير الفلاحة الأسبق امحند العنصر، الذي صدم عامل نظافة أمام باب مدينة العرفان وأرداه قتيلا، وبعد دهس ابنة النقابي الخالد المحجوب بن الصديق لعمالها في القنيطرة بسيارتها «الجاغوار»، وبعد فضائح كثيرة تورط فيها أبناء وزراء وجنرالات ومسؤولين كبار بسبب قيادتهم لسياراتهم في حالة سكر أو تخدير، اعتقدنا أن هذه الممارسات أصبحت في عداد الماضي.
لكن واقعتين عرفتهما العاصمة الرباط خلال الأسبوع الذي نودعه أعطيتا الدليل الواضح على أن أبناء بعض الوزراء لازالوا يتصرفون بمنطق «صعصع بن قمقم» وأن القانون الذي يسري على أبناء عموم الشعب لا يسري عليهم.
الحادثة الأولى وقعت في نواحي تمارة، عندما طلعت «الشاربونة» لإحدى بنات وزير الداخلية الراحل إدريس البصري في أحد المطاعم. وعندما اتصلت إدارة المطعم بقيادة الدرك الملكي لإخبارها بالأمر، جاء أحد «الجدارمية» للقيام بواجبه، فكان جزاؤه «تمرميقة» طيرت البرق من وجهه سددتها إليه ابنة الوزير الراحل.
وبعد هذه «الطرشة» الساخنة، اضطرت فرقة الدرك إلى اقتياد الشابة إلى مركز الدرك الملكي، حيث سيكتشف الجميع كيف أن «الصرفاقة»، بمكالمة هاتفية واحدة، سيتم إطلاق سراحها بدون متابعة وبدون اعتقال.
يجب على الجدارمي المسكين أن يحمد الله لأنهم اكتفوا بإطلاق سراح «الصرفاقة» ولم يتابعوه هو بتهمة إقلاق راحة ابنة وزير داخلية سابق. ففي المغرب، أبناء الوزراء لا يتابعون ولا يلقى بهم في السجون مع أبناء العوام.
وإذا كانت بنت وزير الداخلية الراحل قد تم إطلاق سراحها عبر الهاتف بدون حضور أفراد عائلتها، فإن ابن وزير الاتصال خالد الناصري لم يكتف ليلة الجمعة الماضية بالاتصال بوالده، بل اضطره إلى الحضور شخصيا لتخليصه من «المينوط» الذي ربطه به أحد رجال الشرطة إلى سور البرلمان الحديدي.
وقد كان قدر الناصري أن يعود إلى البرلمان بعد يومين فقط على حضوره بمناسبة تقديم الوزير الأول لحصيلته الحكومية، لا لتخليص الوزير الأول من هذه الحصيلة «الزغبية» التي وضع نفسه فيها، وإنما لتخليص ابنه من «الحصلة» التي وضع نفسه فيها.
والحكاية وما فيها أن احتكاكا وقع بين سائقين كانا يقودان سيارتيهما في شارع محمد الخامس بالرباط قرابة الساعة الحادية عشرة ليلا. وعندما وصلا أمام البرلمان، أوقفا سيارتيهما ونزلا لكي «يتفاهما» مع بعضهما البعض على الطريقة المغربية.
فاستعمال الطريق هو أحسن من يكشف عن الوجه العدواني للمغربي. وبمجرد ما تتوقف سيارة أحدهم بسبب عطب أو لمجرد أنه تاه وحاول التوقف للسؤال عن عنوان يقصده، تنهال عليه أبواق السيارات بـ«الطوط طوط»، وتتسرب إلى أذنيه شتائم وكلمات ساقطة، أحيانا من مواطنين بربطات عنق وبذلات مكوية بعناية. وكم من مشادة كلامية بدأت بشتائم يطلقها أحد السائقين نحو سائق آخر فتتطور بخروج أحدهما من سيارته وتنتهي بخروجهما معا إلى العار.
وهذا ما وقع بالضبط ليلة الجمعة عندما لم يكتف ابن وزير الاتصال بلسانه وإنما استعمل يده. والأخطر من ذلك أنه لم يكتف باستعمال يده وإنما استعمل أداة حادة أخرجها من سيارته، فأحدث جرحا في رأس الطبيب الذي بدأ ينزف. وبسرعة، حضرت الشرطة واستطاعت شل حركة ابن وزير الاتصال وربطت إحدى يديه إلى سياج البرلمان الحديدي في انتظار حضور سيارة البوليس لاقتياد الرجلين إلى مخفر الأمن. وهنا، أخبر الولد البوليسي بهويته وبأنه ابن وزير الاتصال خالد الناصري. فتردد البوليسي في إطلاق سراحه، منتظرا وصول سيارة الأمن.
وعوض أن تحضر سيارة الأمن حضرت سيارة وزير الاتصال الفارهة بعد أن وصلت «الخبار الزينة» إلى مسامعه. فنزل الوزير وطلب من البوليسي تخليص ابنه من «المينوط»، فاعترض البوليسي أول الأمر، خصوصا عندما هاج المواطن المجروح وطالب بعدم إطلاق سراح المعتدي وبتقديمه معه أمام الوكيل وباحترام المساطر القانونية المعمول بها في مثل هذه
الحوادث.
فما كان من السي الناصري إلا أن قال للبوليسي «غادي تطلق الولد ولا غادي ندير شغلي».
فامتثل البوليسي لأمر الوزير وخلص معصم الولد من القيد وامتطى سيارة الوالد الوزارية وانطلق مثل البرق تاركا المواطن المجروح يبحلق في البوليسي والمواطنين يبحلقون في مبنى البرلمان الذي يعطي فيه وزير الاتصال الدروس للآخرين في ضرورة احترام القانون والامتثال لفصوله وبنوده.
ماذا يقول القانون في هذه الحالة. يقول إن المواطن الذي اعتدى بالسلاح الأبيض على مواطن آخر يجب أن يتم اعتقاله وتحرير محضر له وتقديمه أمام المحكمة، بغض النظر عن منصب والده أو اسمه العائلي.
لماذا لم يتم احترام هذه المسطرة في حالة ابن وزير الاتصال. وهل يعرف وزير الاتصال أن ما قام به يعتبر إخلالا صريحا بالقانون، لأنه استغل سلطته كوزير لتخليص ابنه من الاعتقال.
وطيلة الليل، استمرت المفاوضات بين الوزير والمواطن الذي تعرض لاعتداء ابنه، وانتهت هذه المفاوضات بسحب الشكاية وطي الملف. لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو التالي: أي مثال يعطيه وزير الاتصال للمواطنين الذين اجتمعوا لمتابعة أطوار الحادثة أمام البرلمان، وأية مصداقية ستبقى لتصريحاته التي سيقولها باسم الحكومة أو باسم حزبه السياسي؟
الآن، ربما نكون قد فهمنا بشكل أوضح لماذا قال مولاي إسماعيل العلوي، الأمين العام لحزب الناصري، إن الوضع السياسي في المغرب سريالي. «غير سريالي وسكتي».
عندما نرى كيف يتجرأ ابن وزير الخارجية المدلل على تحدي مشاعر ثلاثين مليون مغربي ويقول لكل من يريد أن يسمع إنهم في معهدهم سيستمرون في استدعاء الإسرائيليين إلى المغرب، وإنهم استدعوا «تسيبي ليفني» لأنها معارضة لحكومة «نتانياهو»، وإن من ينتقد استحواذ عائلته على المناصب الرسمية والعمومية ليس سوى عنصري كاره للفاسيين الفهريين الذين يحظون بالشرعية الملكية..
عندما نرى كيف يتجرأ ابن وزير الاتصال على إشهار سكين في وجه مواطن لمجرد أنه زاحمه في الطريق، ويصيبه بجروح في رأسه ثم يأتي والده ويخلصه من قبضة الأمن، متناسيا أنه وزير في الحكومة وناطق رسمي باسم هذه الحكومة..
عندما نرى كيف تصفع ابنة وزير الداخلية الراحل دركيا أمام زملائه وأمام زبائن المطعم لمجرد أنه جاء للقيام بواجبه..
عندما نرى كيف حدثت كل هذه التجاوزات في أقل من شهر، نفهم أن هناك من أصبح فعلا يحن إلى عهد «السيبة». وربما حان الوقت لشد اللجام قليلا، وبالقانون، حتى يفهم أبناء «الفشوش» هؤلاء أن المغرب الذي نحاول جميعا بناءه كل يوم لم يعد فيه مكان لأمثال «صعصع بن قمقم» الذين يريدون فرض الرعب والذل والمهانة على أبناء المغاربة لمجرد أن آباءهم وزراء سابقون أو حاليون.
إنه لمن سوء حظ وزير الاتصال وابنه أن الفيلم الذي كانا بطليه ليلة الجمعة، والذي نملك شريطا مصورا لبعض لقطاته، حدث في الشارع العام وأمام العشرات من المواطنين والشهود العيان، والأفظع من ذلك أنه حدث أمام مؤسسة تشريعية اسمها البرلمان، يسلخ أمام عتباتها يوميا العشرات من أبناء الشعب الباحثين عن منصب شغل يحميهم من مذلة التسول.
هؤلاء الدكاترة العاطلون، الذين حملهم ابن وزير الخارجية مسؤولية البطالة التي يعيشونها، ذنبهم الوحيد، حسب إبراهيم الفاسي الفهري، أنهم درسوا في مدارس المخزن التي تنتج الفاشلين والكسالى، وليس في مدارس البعثة الفرنسية التي درس فيها سعادته وتخرجت منها أدمغة المستقبل، مثل دماغه «الله يحجبو لميمتو».
إن الوزراء والمسؤولين العموميين والزعماء السياسيين وصناع الرأي يجب أن يكونوا أكثر الناس حرصا على احترام القانون والابتعاد عن الشبهات، ليس فقط لأن الأنظار مسلطة عليهم طيلة الوقت، وإنما لأنهم يعطون الدروس طيلة الوقت للآخرين في احترام القانون والأخلاقيات والمبادئ العامة للديمقراطية وحقوق الإنسان.
لقد كانت حكومة عباس في غنى عن هذه الضربة المجانية والموجعة التي كالها لها الناطق الرسمي باسمها، وهو ينزل شخصيا لاستعمال سلطته في أمر شخصي وعائلي لو حدث لمواطن عادي لانتهى أمام العدالة.
العدالة، هذا كل ما نحتاجه في هذه البلاد.
... تابع القراءة

الذين يسكنون في المغرب والذين يسكنهم المغرب



كثيرا ما يعاتبنا أصدقاؤنا المتفائلون على نظرتنا الموضوعية والواقعية إلى الأشياء، والتي من فرط تفاؤلهم تبدو لهم غاية في السوداوية. إنهم لا يفهمون، مثلا، لماذا لا نهلل ونملأ الدنيا طربا لمجرد أن «دومينيك ستروس كان»، مدير «صندوق النقد الدولي»، قال إن المغرب يعتبر نموذجا للبلد الذي نجح في تخطي آثار الأزمة بفضل تنوع اقتصاده، أو لأن التصنيف العالمي الأخير للتلوث العالمي وضع المغرب في مرتبة أحسن من أمريكا على مستوى النظافة.
المصيبة ليست هي أن المغرب استطاع تجاوز آثار الأزمة العالمية، وإنما هي أن آثار الأزمة العالمية لم تصل بعد إلى المغرب، واليوم فقط وصلت وهي تدق على الأبواب من ناحية إسبانيا.
والمصيبة ليست هي أن المغرب احتل رتبة أحسن من أمريكا في مجال النظافة، ولكن المصيبة هي ماذا يصنع المغرب بالقرب من أمريكا في الترتيب العالمي للتلوث. فنحن بلد فلاحي وليست لدينا صناعة بترولية ثقيلة تلوث الجو وليست لدينا مفاعلات نووية كتلك التي في أمريكا. لذلك فعوض أن يفرح البعض ويقدموا هذا الترتيب بوصفه إنجازا حضاريا كبيرا ويكتبوا في جرائدهم أن «المغرب أنظف من أمريكا»، عليهم أن يخجلوا من هذه الرتبة التي تضع بلدا فقيرا مثل المغرب إلى جانب الدول الصناعية الكبرى في مجال التلوث. بلد لازال يعاني من تلوث مياه الشرب ومشاكل تصريف مياه الواد الحار واستعمالها في ري الخضر على هوامش المدن، وحرق مخلفات الأدوية عشوائيا في المزابل.. هذا هو التلوث الذي يعاني منه المغرب، لا التلوث النووي والصناعي والبترولي الذي تعاني منه أمريكا.
وهؤلاء معذورون، فهم ينسون أن مهمة الصحافي هي الاهتمام بالقطارات التي لا تصل في موعدها، لأن القطارات التي تصل في موعدها ليست خبرا، بل تحصيل حاصل. وهناك أيضا من يعاتبنا على تخصصنا فقط في استعراض المشاكل والمساوئ، دون اقتراح الحلول المناسبة لهذه المشاكل. وهنا أيضا لا بأس من التذكير بأن مهمة الصحافي ليست هي اقتراح الحلول المناسبة للمشاكل التي يطرحها، وإنما استعراض مكامن الخلل وإخبار الرأي العام بها. أما البحث عن الحلول فهناك دولة ومؤسسات حكومية وهيئات سياسية وبرلمان ندفع لهم جميعا أموالا طائلة من ضرائبنا لكي يفكروا في الحلول ويجدوها. وإذا كان مطلوبا من الصحافي أن يدلنا على مكمن الخلل ثم بعد ذلك يقترح الحلول المناسبة لهذا الخلل، فإننا حقيقة لا نعرف ماذا يصنع الوزراء ودواوينهم والمنتخبون وبرلمانهم.
وحتى لا نكون السوداويين الوحيدين في هذه البلاد دعونا نستعرض أمام هؤلاء المفرطين في التفاؤل التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، والذي وضع المغرب في الرتبة الـ130 بعدما كان خلال 2008 في الرتبة الـ126.
ومن الغرائب المدهشة في تقرير الأمم المتحدة أن فلسطين المحتلة حصلت على رتبة أحسن من المغرب الذي حصل على استقلاله منذ أكثر من نصف قرن. والمصيبة أن معدل الأعمار في فلسطين المحتلة، حيث الغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة على المدنيين وعمليات اقتناص الأطفال أصبحت هواية الجيش الإسرائيلي، يصل إلى 72 سنة. أما في المغرب فإن معدل الأعمار لا يتعدى سبعين سنة. وهذا طبيعي بالنظر إلى أن المغاربة يعيشون حربا يومية طاحنة مع محتل غاشم اسمه الفقر، لديه حلفاء أقوياء في الطبقة البرجوازية التي ترعاه لكي تبقي تحت سيطرتها كل هؤلاء الملايين من المغاربة الذين يعيشون تحت عتبته.
ويبدو أنه ليس الفقر وحده الذي حقق ارتفاعا ملحوظا في المغرب هذه السنة، بل الجريمة أيضا صعدت إلى منصة التتويج. وعندما نتحدث عن ارتفاع معدل الفقر وارتفاع معدل الجريمة، فإن جميع المؤشرات السلبية تسير في الاتجاه نفسه. ولذلك، فلا غرابة أن تكتشف وزارة العدل أن نسبة الطلاق ارتفعت مقارنة بالسنة الفارطة، وأن تكتشف المندوبية الجهوية لوزارة الصحة بمدينة الدار البيضاء أن نسبة الوفيات ارتفعت هي الأخرى مقارنة بالسنة الفارطة، وأن يكتشف وزير النقل كريم غلاب أن نسبة حوادث السير سجلت ارتفاعا بنسبة عشرين في المائة مقارنة بالعام الماضي.
وحتى نتعلم النظر إلى النصف المملوء من الكأس عوض التركيز فقط على النصف الفارغ، كما ينصحنا بذلك أصدقاؤنا المتفائلون، فلا بأس من الإشارة إلى أن هناك مغاربة آخرين لديهم مغربهم الخاص الذي تتحسن فيه مؤشرات النمو، خصوصا نمو أرصدتهم البنكية، وتتقدم فيه التنمية، خصوصا تنمية رؤوس أموالهم، بخطوات «حثيثة» كما يقول معلقو نشرات أخبار الأولى كلما تحدثوا عن مغرب الخير والنماء.
ومن يريد أن يتأكد من وجود هذا المغرب، فما عليه سوى أن يراجع لائحة مبيعات السيارات في المغرب، وسيلاحظ أن شركات السيارات التي تسوق «الكات كات» لديها لائحة انتظار طويلة من الزبائن الذين يطلبون هذا النوع من السيارات الباهظة. وأمام الطلب المتزايد على «الكات كات» في المغرب، هناك شركات تضطر إلى جعل زبائنها ينتظرون لأسابيع طويلة قبل أن يصل دورهم في الحصول على واحدة.
والذين يقرؤون الصحافة الاقتصادية لا بد أنهم صادفوا مقالات وأخبارا تتحدث عن سوق المسابح في المغرب، والذي يعرف انفجارا غير مسبوق. فقد أصبح بناء المسبح مع الفيلا موضة الطبقات المرفهة في المغرب. وبفضل هذه الموضة، ضاعفت شركة «مسابح وترفيه»، مثلا، رقم معاملاتها خمس مرات بين 2005 و2007، وشيدت شركة «واتر إير» منذ استقرارها في المغرب سنة 2001 حوالي 500 مسبح، وسجلت عائداتها نسبة ارتفاع بحوالي عشرين في المائة.
ولكي نزيد من جرعات التفاؤل لا بأس من تذكير المواطن اليائس -الذي يجد نفسه هذه الأيام أمام اختيارين مصيريين لا ثالث لهما، إما اقتراض ثمن العطلة من البنك أو تحمل انقلاب عائلي مسلح في البيت- بأن ثمن تشييد مسبح في المغرب يتراوح ما بين سبعة ملايين وخمسة عشر مليون سنتيم، يعني أن ثمن شقة في السكن الاقتصادي ينفقه البعض في المغرب على «شاريج ديال الما» يغطس فيه جسده مرة أو مرتين في السنة.
المغرب الذي صنفه تقرير الأمم المتحدة في «قزيبة» الترتيب، إلى جانب الدول التي تعرف الحروب الأهلية والمجاعات والأوبئة، ليس بكل هذه السوداوية والقتامة، فالأمم المتحدة لا ترى من المغرب سوى تسعين في المائة الغارق نصفها في الفقر ونصفها الآخر في الديون، أما عشرة في المائة التي تعيش بمقاييس التنمية البشرية الأوربية فلا تتحدث عنها الأمم المتحدة.
والذين يمثلون هذه النسبة يوجدون متفرقين على منتجعات وأشرطة ساحلية ومدن سياحية بحيث لا تخطئهم العين. ويكفي أن يذهب الواحد منا إلى «ماريناسمير» أو منتجعات «كابيلا» في الشمال أو «بوزنيقة باي» وشريطها الساحلي في الوسط، ومراكش وضواحي أكادير في الجنوب، لكي يكتشف قصور وفيلات هؤلاء المغاربة الذين يمكن أن تلتقي ذرية بعضهم في علب ليل مراكش وأكادير وكازينوهات طنجة. والذين ليست لديهم الإمكانيات المادية لرؤيتهم في هذه الأماكن الباهظة يمكنهم رؤية بعضهم في موقع «فايس بوك» العالمي حيث تعود أبناء «الألبة» في المغرب على وضع صورهم التي تعرض سهراتهم «الخالدة» في المعاهد العليا التي درسوا بها وفي العلب الليلية المشهورة حيث يقضون وقتهم «الثالث».
هذا الصباح وأنا أستعد لامتطاء القطار، استوقفني أحد الشباب وقدم نفسه كواحد من العبيد الجدد في المغرب، وعندما سألته عن مهنته قال لي إنه يعمل مستخدم حراسة.. يشتغل من السابعة صباحا إلى السابعة مساء بحوالي أربعين درهما لليوم.. غير مسجل في صندوق الضمان الاجتماعي ويعمل بدون عقد.
الشركة التي تشغله تحصل على خمسة آلاف درهم من المؤسسة التي تتعاقد معها لتأمين حراسة منشآتها عن كل حارس. عندما أنهى كلامه فهمت لماذا قدم نفسه كواحد من العبيد الجدد في المغرب، وفهمت لماذا يلتحق البعض بسرعة بنادي الأغنياء في المغرب. فأمثال مدراء هذه الشركات كثيرون في المغرب، من النسيج والضيعات الفلاحية مرورا بالصناعات الاستهلاكية، مئات الآلاف من المغاربة يتم استعبادهم في المصانع والمعامل براتب شهري لا يكفي لإعالة كلب مدلل من كلاب هؤلاء البرجوازيين الجدد.
وطيلة اشتغالي في هذه المهنة خرجت بقناعة واضحة، وهي أنه ليس هناك ما هو أسهل من أن تصبح مليونيرا في هذه البلاد إذا أردت ذلك.. يكفي أن تكون مرتشيا وفاسدا أو صاحب نفوذ.
أما إذا قررت أن تكون عفيفا وشريفا وصاحب مبادئ، فما عليك سوى أن تعد نفسك جيدا للضربات التي ستأتيك من كل حدب وصوب، ومن أصدقائك قبل أعدائك.
... تابع القراءة

راسي يا راسي



بعد أكثر من نصف قرن على حصول المغرب على استقلاله، وجدنا أنفسنا لازلنا خاضعين لسلطة الشركات الفرنسية التي تتحكم في قطاعات الخدمات العمومية الأكثر حيوية. وعندما لا تستطيع بلاد أن تحكم سيطرتها على قطاع تدبير الماء والكهرباء والتطهير والنقل داخل مدنها الكبرى، فذلك يعني أنها فشلت في إحكام سيطرتها على قطاعات تدخل في خانة السيادة الوطنية.
عندما كانت شركة «لاليونيز دي زو» الفرنسية تعاني من مشاكل مادية على عهد جاك شيراك، ظل هذا الأخير يصر وبإلحاح على إدخال فرع هذه الشركة إلى الدار البيضاء لتدبير الماء والكهرباء والتطهير. لكن مستشاري مجلس المدينة رفضوا العرض. فانتظر وزير الداخلية القوي آنذاك، إدريس البصري، اقتراب فترة الانتخابات البلدية لسنة 96، وأعاد طرح المشروع أمام المنتخبين. وخوفا من أن تستعمل الداخلية أساليبها القديمة لتزوير الانتخابات وإسقاط أصحاب الرؤوس الساخنة، صوت المجلس بالإجماع لصالح دخول «ليدك» إلى الدار البيضاء وتسلم تدبير الماء والكهرباء والتطهير من يد «لاراد».
جاء الفرنسيون «طوال» أول مرة، ودخلوا على شركة تتوفر على الأطر والمعدات والزبائن، وقضوا سنة كاملة يطلعون على الأوراق والمستندات. وعندما انتهى العام، أرسلوا فاتورة قيمتها ثلاثة ملايير سنتيم، هي مجموع مصاريف تنقل وأكل وإقامة أطر وموظفي «ليدك» في الفنادق، إلى إدارة «لاراد» وطالبوها بدفعها. فدفعتها لهم طبعا. وهكذا تسلمت «ليدك» شركة عمومية قائمة وبدأت تتقاضى أرباحها منذ السنة الأولى. والنتيجة هي أن الدار البيضاء تغرق في كل مرة تهطل فيها الأمطار، والمواطنون يدفعون فواتير مجنونة كل شهر، وكل من يرفض الدفع يقطعون عنه الماء والضوء. والكارثة هي أن «ليدك» اليوم تريد أن تشتري هكتارات كاملة من الأراضي بالدار البيضاء رغم أن القانون يمنعها من ذلك. ومن يدري فقد تنوع من استثماراتها وتتحول من قطاع الماء والكهرباء والواد الحار إلى قطاع العقار.
أما في الرباط العاصمة، فقد أحكمت شركة «فيوليا» الفرنسية، كذلك، قبضتها على قطاعي تدبير الماء والكهرباء والتطهير بعدما أعطاها عمدة المدينة السابق البحراوي، الذي انتقل للعيش مع أسرته الآن في كندا، صفقة تدبير الماء والكهرباء والتطهير مقابل صفر درهم. وهاهي اليوم «ريضال» تطالب العمدة الحالي فتح الله والعلو بتسديد ملايير محترمة لصندوق الشركة، مما اضطره -بسبب العجز المالي الذي يعاني منه صندوق العمدة- إلى طلب مساعدة وزارة الداخلية لكي يؤدي ديونه حتى لا تقطع «ريضال» الكهرباء عن مصابيح الإنارة العمومية بشوارع العاصمة التي يظل نصفها مطفأ اقتصادا للنفقات.
وفي تطوان وطنجة، استحوذت شركة «فيوليا» على أسهم البرتغاليين والإسبان في شركة «أمانديس» وأصبحت المالك الرئيسي للشركة المدبرة لمياه وكهرباء الشماليين. وهكذا نكتشف أن الشركتين الفرنسيتين «فيوليا» و«ليدك» تتحكمان في تدبير الماء والكهرباء والتطهير لحوالي عشرة ملايين مواطن مغربي في الدار البيضاء والمحمدية والرباط وطنجة وتطوان.
وإذا أراد مجلس المدينة بالرباط أن يسترد شركة «ريضال» فإن كلفتها الإجمالية تتعدى 400 مليار بكثير، مع أن المجلس السابق أهداها للفرنسيين «فابور».
وهذه الشركات الفرنسية، التي تستحوذ على تدبير هذه القطاعات الحيوية والحساسة للمغاربة، تشتغل وفق عقلية استعمارية واضحة. فهي تلجأ باستمرار إلى تشغيل أطر فرنسية، أغلبها مشرف على التقاعد، تؤدي لأغلبهم راتبا شهريا يصل إلى 20 مليون سنتيم، مع الاستفادة من السائق والسيارة، «رونو» أو «ستروين» أو «بوجو» طبعا، أي الماركات الفرنسية. وعندما تحتاج إلى إنجاز دراسة فإنها تلجأ إلى مكاتب دراسات فرنسية. هذا يعني أن الأموال التي تدفعها «ريضال» و«ليدك» لأطرهما الفرنسية ولمكاتب دراساتهما الفرنسية بالدرهم المغربي، تعود إلى التحول نحو الأورو وتغادر المغرب نحو فرنسا.
فأغلب الأطر الفرنسية التي تأتي بها هذه الشركات للعمل بالمغرب تأتي لكي توفر المال. وهذه الأموال التي يتم توفيرها لا تبقى في المغرب، بل تغادر بعد تحويلها إلى عملة صعبة.
وإذا أضفنا إلى هذه الأموال المحولة كل الأرباح السنوية التي تخرجها هذه الشركات من المغرب، فهمنا لماذا تعاني البنوك المغربية اليوم من شح في السيولة. فاحتياطي العملة الصعبة في بنك المغرب لم يعد يكفي لتغطية ستة أشهر، أي أننا نقترب من مرحلة الخطر بسبب هذا النزيف الذي تعرفه خزينة الدولة بسبب تضخم أرباح الشركات الفرنسية بالخصوص، وحرص هذه الشركات على إرسال أرباحها نحو الشركات الأم التي تعاني أزمة حادة بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة في أوربا.
والسؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو كيف لهذه الشركات الفرنسية أن تعاني من أزمة مالية في عقر دارها، بينما تعيش فترة ازدهار في المغرب. الجواب بسيط للغاية، فهذه الشركات تتمتع بمعاملة تفضيلية فوق أرضنا، ويسمح لها بالقيام بأشياء إذا ارتكبت ربعها في فرنسا فإن مديرها ينتهي في السجن.
والدليل على ذلك فضيحة تهريب مسؤولين فرنسيين في «ليدك» للعملة الصعبة ودخول وزير الداخلية على الخط من أجل «تبريد الطرح» عوض تطبيق القانون واقتياد المخالفين له إلى المحكمة.
ولعله ليس من المستغرب أن نرى كيف أن المشاريع الكبرى والقطاعات العمومية المربحة المفروض في الدولة والجماعات تسييرها وعدم تفويتها إلى الخواص، أغلبها محتكر من طرف شركات فرنسية. مشروع «التي.جي.في»، مثلا، تشرف عليه شركة «ألستوم» الفرنسية. وقد بحث غلاب، أحد تلامذة معاهد فرنسا النجباء، عن كل مبررات العالم لكي يقنع المغاربة، الذين لازال نصفهم يتنقل فوق ظهور الحمير والبغال، بحاجتهم الماسة إلى قطارات فائقة السرعة.
في الحقيقة، ليس المغرب الذي يوجد بحاجة قطارات فائقة السرعة، بل فرنسا التي توجد بحاجة إلى توقيع صفقات كبرى لشركاتها في مستعمراتها السابقة. كما أن بنوكها بها حاجة ماسة إلى تمويل مشاريع كبرى على الأمدين المتوسط والطويل. هكذا تستفيد شركات وبنوك فرنسا من هذه الصفقة التي ستعود عليها جميعا بأرباح وفوائد تمتد لعقود. وعندما نقول «التي.جي.في» فإننا نقول الصيانة والمعدات، وهذه الأشياء ستكون كلها فرنسية. ونحن المغاربة من سيدفع الثمن كمستهلكين.
ومن يرى كيف تحصل شركة «ألستوم» على الصفقات الكبرى بالمغرب، آخرها صفقة «طرامواي» الدار البيضاء، يتساءل هل فرنسا وحدها من يستطيع تصنيع عربات القطارات و«الطرامواي» والسكك؟ أليست هناك دول صناعية متطورة، كألمانيا وإيطاليا واليابان وغيرها، تستطيع أن تدخل غمار المنافسة وتقدم عروضا يستفيد منها المغرب؟ الجواب هو أن كثيرا من الدول الصناعية تخشى دخول غمار المنافسة لأنها أصبحت مقتنعة بأن المغرب هو الحديقة الخلفية لفرنسا. وهذا الاحتكار الفرنسي للمغرب أصبح يكلفنا غاليا، ويحرمنا من الاستفادة من عروض مغربية يمكن أن تقدمها شركات عالمية للمغرب تساهم في خفض كلفة المشاريع الكبرى على ميزانيته المختلة في هذه الأزمنة الاقتصادية الصعبة التي لا تسمع فيها سوى «راسي يا راسي».
عندما قلنا سابقا إن فرنسا، باتفاق مع حزب الاستقلال، وضعت برنامجا تعليميا مضبوطا لتكوين النخبة التي ستسهر فيما بعد على تدبير استعمارها للمغرب عن بعد وبتكلفة أقل، فإننا لم نكن نرمي بالكلام على عواهنه، وإنما كنا نقصد أن التعليم بالنسبة إلى فرنسا واجهة أساسية لضمان استمرار الدفاع عن مصالحها في مستعمراتها السابقة.
وبجولة بسيطة على المشاريع الكبرى التي يطلقها وزراء حزب الاستقلال ومسؤولو العائلة الفاسية الفهرية، فإننا نكتشف بسهولة كيف أن الأغلبية الساحقة من هذه المشاريع ممنوحة لشركات فرنسية. وسواء في الطرق السيارة أو الموانئ أو المطارات، فإن خريجي مدرسة «الطرق والقناطر» الفرنسية هم الذين يتولون السهر على هذه المشاريع من ألفها إلى يائها.
وليس لوبي «الطرق والقناطر» وحده هو الذي يتولى السهر على إدخال المزيد من الشركات الفرنسية وتمهيد الطريق أمامها لإخراج المزيد من العملة الصعبة، بل هناك لوبيات أخرى يتجمع فيها خريجو المدارس والمعاهد العليا الفرنسية، والذين يعتبرون أحسن سفراء مدافعين عن «الوجود الاقتصادي الفرنسي» بالمغرب بحكم دراستهم في فرنسا وتشبعهم بالثقافة واللغة الفرنسية. ومن بين هذه التجمعات، هناك «بولي تكنيك» و«تيلي كوم» و«سيب أيغو».
ولعله ليس سرا أن خريجي كل هذه المعاهد يحتلون مناصب مهمة في المؤسسات الحكومية والعمومية، وحتى الخاصة. وخريجو هذه المعاهد هم الأكثر حظوة بالحصول على مناصب عمل، أكثر بكثير من خريجي معاهد كندا وأمريكا الشمالية.
الرسالة إذن واضحة، لكي تضمنوا حصول أبنائكم على مناصب المسؤولية في بلادكم عليكم بهذه المعاهد، فهي وحدها القادرة على منحهم مفاتيح الوزارات والمؤسسات العمومية الكبرى.
وهكذا تضرب فرنسا عصفورين بحجر، تنجح في ضمان خلق نخبة مغربية مفرنسة قادرة على الوصول إلى مناصب المسؤولية، وتضمن دفاع هذه النخبة عن مصالح فرنسا بمجرد ما تمسك بزمام المسؤولية.
وهكذا يتحقق أهم بند في اتفاقية «إكس ليبان»، والمتعلق باحترام المغرب لمبدأ «الاستقلال داخل التبعية»، أو ما اصطلح عليه الوفد المفاوض بـ Indépendance dans l'interdépendance.
على حزب الاستقلال، الوصي الشرعي والوحيد على بنود اتفاقية «إكس ليبان»، أن يقول للشعب المغربي متى ستنتهي صلاحية هذه الاتفاقية المهينة حتى يستريح المغاربة من هذه التبعية ويحصل المغرب، أخيرا، على استقلاله كاملا.
اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.
... تابع القراءة

وليدات فرانسيس



بعد حل جيش التحرير ومطاردة زعمائه من طرف ميليشيات حزب الاستقلال واغتيال الناشطين في المنظمات والأحزاب المعارضة لاتفاقية «إكس ليبان» وبنودها السرية التي سلمت بموجبها فرنسا المغرب استقلاله المشروط بالبقاء رهن التبعية الاقتصادية واللغوية والثقافية لها، تسلم حزب الاستقلال مقاليد أول وزارة تعليم تحمل حقيبتها محمد الفاسي.
فقد فهم الحزب، منذ البدء، أنه للاستمرار في احترام التقسيم الاستعماري للمغرب إلى مغرب نافع ومغرب غير نافع، يجب تقسيم التعليم بدوره إلى تعليم نافع وتعليم غير نافع، تعليم مجدٍ وعلمي ينتج النخبة التي ستتحكم في الأغلبية التي ستتلقى تعليما متواضعا لا يحترم متطلبات سوق الشغل.
وهكذا، ففي سنة 1957 سيعلن وزير التعليم الاستقلالي محمد الفاسي عن قراره تعريب التعليم الإعدادي انسجاما مع روح حزب الاستقلال الذي يدافع عن الهوية الدينية للمغاربة. وعندما حلت سنة 1962، قرر المجلس الأعلى للتعليم الوطني، بضغط من حزب الاستقلال دائما، تعريب التعليم العمومي بجميع مراحله.
وبينما كان زعماء حزب الاستقلال يجربون تعريب التعليم في أبناء الشعب، كانت مدارس البعثات الفرنسية تستقبل أبناءهم بالأحضان. وعندما تسلم الاستقلالي عز الدين العراقي حقيبة التعليم في أكتوبر 1977، كانت حظوظ خروج نخبة متعلمة ومثقفة من مدارس التعليم العمومي شبه منعدمة. ولكي تصبح هذه الحظوظ منعدمة بشكل كامل، قرر الوزير الاستقلالي تعريب التعليم إلى حدود الباكلوريا. بعد تسع سنوات قضاها عز الدين العراقي في وزارة التعليم وست سنوات قضاها كوزير أول على رأس الحكومة، كان لديه الوقت الكافي لكي يضحي بجيل كامل من أبناء المغاربة وجدوا أنفسهم ضحايا نظام تعليمي عمومي لا منطق يحكمه سوى منطق الإقصاء والتجهيل.
وطبعا، خلال هذا الوقت كان أبناء الزعماء الاستقلاليين وأبناء العائلات يتلقون تعليما خاضعا لبرامج وزارة التعليم الفرنسية في مدارس البعثة. وإذا عدتم إلى الموقع الإلكتروني لمدارس هذه البعثة ستعثرون على التواريخ التي نال فيها أبناء عز الدين العراقي الباكلوريا في «ليسي ديكارت»، كما ستعثرون على تواريخ حصول نزار بركة وغلاب والدويري وبقية أبناء زعماء حزب الاستقلال على شهادة الباكلوريا.
والاتفاق الذي تم بين مفاوضي حزب الاستقلال والفرنسيين في «إكس ليبان» كان يقتضي أن تخرج فرنسا من المغرب، شرط أن يستمر حزب الاستقلال في ضمان تبعية المغرب اقتصاديا ولغويا لفرنسا، وإلا ما حاجة حزب الاستقلال إلى جريدة يومية ناطقة باللغة الفرنسية اسمها «لوبينيون»، هو الحزب المدافع عن اللغة العربية وحامي حماها.
وطبعا، لضمان مصالح فرنسا الاقتصادية في المغرب، أو ما يسمى بـ«الوجود الفرنسي» في المغرب، كان ضروريا خلق نخبة مفرنسة تتلقى تعليما متطورا وعصريا في مدارس البعثة الفرنسية، وبعدها في المعاهد الفرنسية المرموقة، كمدرسة «الطرق والقناطر» و«المناجم» وHEC والتي تخرج منها أغلب أبناء الزعماء الاستقلاليين وأصبحوا وزراء ورؤساء مؤسسات عمومية.
ببساطة شديدة، فقد قام حزب الاستقلال طيلة السنوات التي تلت مفاوضات «إكس ليبان» بالتدبير المفوض للاستعمار الفرنسي. هكذا، نجحت فرنسا في استعمار المغرب عن بعد وبتكلفة أقل. والفضل كله يرجع إلى حزب الاستقلال الذي فهم الدرس جيدا وأعد أبناء زعمائه وأبناء العائلات المحترمة لكي يكونوا سفراء فرنسا في المغرب، يتحدثون لغتها ويدافعون عن ثقافتها ووجودها لعشرات السنين المقبلة.
ويكفي أن يراجع الواحد منا اليوم أسماء الشركات التي تتعاقد معها المؤسسات التي تسيرها الحكومة الاستقلالية لكي يفهم أن الأغلبية الساحقة من هذه الشركات فرنسية، تستهلك منتجات فرنسية وتوظف مكاتب دراسات فرنسية بخبراء فرنسيين.
فرنسا اليوم، وحسب إحصائيات 2009، تعتبر المستثمر الأجنبي الأول في المغرب. والاسم الذي تطلقه فرنسا على هذا الاستثمار هو «الوجود الاقتصادي الفرنسي»، وهي أرضية تجمع كل الشركات الفرنسية المتواجدة بالمغرب والتي لديها ارتباط مباشر بالشركات الأم الموجودة بفرنسا. وبالإضافة إلى فروع هذه الشركات، هناك المكاتب التمثيلية والشركات الخاصة. باختصار، هناك ما يزيد على 1000 شركة فرنسية، منها 400 فرع بالمغرب لشركة فرنسية كبرى، توجد كلها ضمن ما تسميه الحكومة الفرنسية «الوجود الاقتصادي الفرنسي».
الجميع يعرف أن الشركات الفرنسية الموجودة بالمغرب مجتمعة كلها حسب غرفة التجارة الفرنسية والصناعة بالمغرب ضمن تسمية كبيرة هي «الوجود الاقتصادي الفرنسي».
لكن ما حكاية «الوجود الاقتصادي الفرنسي» بالضبط؟
إذا عدنا إلى تقليب بعض الصفحات المنسية من التاريخ الراهن للمغرب، فإننا سنعثر على جذور هذه المؤسسة منذ بداية الخمسينيات. فقد كانت عبارة La Présence Française تحيل على منظمة قوية تدافع عن المصالح الاقتصادية للمستعمر الفرنسي بالمغرب. ولم تكن هذه المنظمة تكتفي بالدفاع السلمي عن مصالح المستعمرين الفرنسيين الاقتصادية، بل كانت لديها ذراع مسلحة تقودها ميليشيات تطارد المقاومين المغاربة.
أحد زعماء منظمة «الوجود الفرنسي» كان هو الدكتور «كوس»، وكانت ضمن أعضاء منظمته شخصيات ذات نفوذ كبير من أمثال «كاترين لاكوست» و»جون دوشاطو» والصحافي «ماكسينس طوماس». ولأن «الوجود الفرنسي» كان محتاجا إلى أدوات إعلامية لربح معركته، فقد جاءت فكرة تأسيس إمبراطورية «ماص» الإعلامية. وهكذا، أصبحت مجموعة «ماص» تتحكم في الأغلبية الساحقة من الصحف الصادرة في المغرب، وأطلقت جرائد بالفرنسية أهمها «ليكو دي ماروك»، و»لوبوتي ماروكان»، و»لافيجي ماروكان»، و»لوكوريي دي ماروك»، و»لاديبيش ماروكان». وقد تخصصت هذه الجرائد في الدفاع عن الإيديولوجيا العنصرية الاستعمارية لمنظمة «الوجود الفرنسي» وتحويل المقاومين المغاربة إلى إرهابيين.
ولعل أكبر ضربة تلقتها منظمة «الوجود الفرنسي» كانت هي اغتيال أحد أدمغتها المفكرة وأحد أكثر أعضائها تأثيرا، ويتعلق الأمر بالدكتور «إميل إيرود» الذي تربص به ثلاثة مقاومين يوم 30 يونيو 1954، هم محمد بلمختار وإدريس لحريزي وإبراهيم فردوس، وأردوه قتيلا في أحد شوارع وسط الدار البيضاء.
الآن وقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر ونسي المغرب مقاوميه ونسيت فرنسا معمريها، ما جدوى تسمية غرفة التجارة والصناعة الفرنسية بالمغرب للشركات الفرنسية الموجودة بالمغرب باسم «الوجود الاقتصادي الفرنسي»، علما بأن هذه التسمية تعني في الوجدان الشعبي المغربي ما تعنيه.
السؤال نفسه يطرحه كثيرون عن جدوى الاحتفاظ بتسمية الثانوية الفرنسية التي تجسد التمثيل الأسمى للتعليم والتكوين الفرنسي باسم «ليسي ليوطي»، علما بأن هذا الاسم فيه حمولة استعمارية واضحة، بحكم إحالته على اسم الماريشال الذي كان مشرفا على تنفيذ مخطط الاستعمار الفرنسي بالمغرب.
والمصيبة أن اسم هذا الماريشال، الذي استعمر المغرب وقتل أبناءه بالآلاف، أصبح مرادفا لدى المغاربة للتعليم الجيد الذي يضمن مواصلة التكوين في معاهد فرنسا والحصول على شواهد تصلح لتقلد مناصب المسؤولية في المغرب.
هكذا، عوض أن يكون ليوطي رمزا للاستعمار أصبح رمزا للتعليم والتكوين الجيد الذي يتهافت عليه المغاربة ويدفعون نصف رواتبهم من أجل تعليم أبنائهم فيه.
إن إصرار غرفة التجارة والصناعة الفرنسية بالدار البيضاء على جمع شركاتها وفروع مؤسساتها المالية بالمغرب تحت مؤسسة «الوجود الاقتصادي الفرنسي»، والذهاب إلى حد إصدار دليل سنة 2008 يحمل هذا الاسم، ليس من قبيل الصدفة، بل هو رسالة واضحة إلى كل من يقرأ التاريخ ويفهمه، مفادها أن هناك جهات في فرنسا لازالت تعتبر المغرب مستعمرة تابعة لنفوذها الاقتصادي لا يحق لأية دولة أخرى الاقتراب منها.
وكما كانت لمنظمة «الوجود الفرنسي» صحافة «ماص» التي تدافع وتبرر سياستها العنصرية الاستعمارية، هناك اليوم صحافة فرنكفوفونية مجندة يوميا وأسبوعيا للدفاع عن مصالح الوجود الفرنسي في المغرب. وقد رأينا جميعا كيف تحركت وزارة الخارجية الفرنسية بنفسها وحركت معها ذراعها الإعلامي «فرانس 24» وإذاعة «ميدي1» عندما صادرت وزارة الداخلية مجلتي رضا بنشمسي بسبب خرق هذا الأخير للقانون ونشره، باتفاق مع جريدة «لوموند»، استطلاعا للرأي حول الملك.
إن هذا النوع من المجموعات الإعلامية المسخرة بالكامل لخدمة التدبير المفوض للاستعمار عن بعد وبكلفة أقل، أصبح يشتغل بالطريقة نفسها التي كانت تشتغل بها صحافة «ماص» خلال فترة الاستعمار الفرنسي. ولفرط استعلائها وتجبرها واستئسادها على ثقافة ولغة ومقدسات بلادها، أصبحت صحافة «ماص» الجديدة تطالب علانية بإلحاق المغرب بفرنسا لغويا وثقافيا وسياسيا.
غدا بحول الله نشرح تجليات هذا التدبير المفوض للاستعمار الفرنسي في حياتنا اليومية، ونحلل بالأرقام كم يكلف هذا التدبير المفوض للاستعمار خزينة الدولة بالعملة الصعبة.
... تابع القراءة

الحلف المقدس



في الوقت الذي كان فيه وفد من أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، برئاسة الوزير الأول عباس الفاسي، يترحم على قبر علال الفاسي في مقبرة الشهداء، كانت عائلة المختطف عبد السلام الطود تتسلم رفات هذا الأخير من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وتدفنها وسط حضور جماهيري كبير بمقبرة مدينة القصر الكبير.
وفي الوقت الذي خلد فيه حزب الاستقلال هذه الأيام الذكرى الـ36 لرحيل علال الفاسي، خلدت عائلة الشوري عبد السلام الطود الذكرى الـ54 لاختطافه واغتياله من طرف ميليشيات حزب الاستقلال.
كانت تهمة عبد السلم الطود، مثل كثيرين طاردهم حزب الاستقلال واعتقلهم وعذبهم حتى الموت، هي معارضته العلنية لاتفاقية «إكس ليبان» التي أفضت إلى الاستقلال المشروط للمغرب، ومعارضته لحزب الاستقلال الذي كان يدافع عن هذه الاتفاقية التي تفاوض بشأنها مع الفرنسيين في مدينة «إكس ليبان»، والتي ظلت بنودها سرية إلى اليوم.
ربما ليست صدفة أن يسلم المجلس الاستشاري رفات مختطف يحمل حزب الاستقلال دمه في ثيابه إلى اليوم، مع مطالب هنا وهناك تنادي برحيل عباس الفاسي عن الحكومة، في تزامن مع قرب تقديمه لحصيلته الحكومية، أو «حصلته» على الأرجح، أمام البرلمان.
كما ليست صدفة أن يتزامن إخراج رفات ظلت مختفية طيلة 54 سنة مع احتفال حزب الاستقلال، المتهم الرئيس في قضية اختطاف وقتل صاحب الجثة، بالذكرى السنوية الـ36 لوفاة زعيمه علال الفاسي الذي لم يمت في الجبهة مقاوما للمستعمر، ولم يمت بسبب المرض فوق سريره، وإنما مات بعد وجبة عشاء دسمة في ضيافة دكتاتور رومانيا «نيكولاي تشاوسيسكو» الذي جاء من يقتاده ذات صباح إلى حديقة قصره لقتله رميا بالرصاص رفقة زوجته.
وبعيدا عن كل هذه المصادفات، تطرح رفات المختطف عبد السلام الطود، العائد أخيرا إلى أهله ومدينته، سؤالا عميقا حول التاريخ الدموي لحزب الاستقلال. وهو التاريخ الذي غطى عليه بإحكام التناول الإعلامي المتكرر حد التخمة لمآسي سنوات الرصاص على عهد الراحل الحسن الثاني.
مثل هذه المراحل تستحق، فعلا، دراسة تاريخية علمية متجردة من طرف طلبة كلية الآداب بالرباط الذين ستفتح أمامهم إدارة الكلية، بشراكة مع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، «ماستر» حول «التاريخ الراهن» للمغرب. ولعل الفترة الأهم في كل هذا التاريخ الراهن للمغرب هي الفترة التي سبقت مفاوضات «إكس ليبان» والفترة التي تلتها، خصوصا تلك الممتدة ما بين 1956 و1959، تاريخ حل جيش التحرير واعتقال الفقيه البصري الناطق الرسمي باسم المقاومة، وتصفية الزعماء حدو أقشيش وإبراهيم الوازاني وعباس المساعدي على يد الاستقلالي محمد الغزاوي، الذي أرسله الفرنسيون من مفاوضات «إكس ليبان» ليجلس فوق كرسي الإدارة العامة للأمن الوطني بمهمة واحدة ووحيدة هي تصفية العناصر الأساسية في جيش التحرير.
ولعل أول سؤال يجب أن يجيب عنه الباحث في «التاريخ الراهن» للمغرب هو لماذا جاءت مفاوضات «إكس ليبان»؟ كثيرون يعتقدون أن المقاومة الشرسة للمغاربة كانت وحدها كافية لإجبار الفرنسيين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. والحال أن عوامل أخرى ساعدت على حصول هذه المفاوضات، منها تكبد الجيش الفرنسي في الهند الصينية هزائم ثقيلة جعلته يفكر في سحب جيوشه من مستعمراته.
بينما يبقى السبب الأهم في ذهابهم نحو المفاوضات هو رغبتهم في تقويض مخطط مكتب المغرب العربي بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي الذي فر من قبضة الفرنسيين عندما رست السفينة التي كان معتقلا على متنها في «بور سعيد»، واستقر في القاهرة يحرر «ميثاق 47» الذي ينص البند الثاني فيه على ضرورة مواصلة الكفاح حتى تحرير المغرب العربي الكبير.
وهذا الميثاق وقعه آنذاك علال الفاسي من المغرب والحبيب بورقيبة من تونس والشاذلي المكي من الجزائر. فكان ضروريا أن تجد فرنسا طريقة لفك ارتباط «مكتب المغرب العربي»، فاقترح رئيس الحكومة الاشتراكي «بيير مونديس فرانس» الاستقلال الذاتي على تونس، فقبلت. واقترح على المغرب مفاوضات «إكس ليبان» فقبل. وهكذا، انفردت فرنسا بالجزائر التي تعتبرها الأولى امتدادا طبيعيا لها.
والاتفاق الذي وقع عليه وفد حزب الاستقلال المفاوض كان يقضي بضمان استقلال المغرب داخل الاستعمار، أو ما كان الفرنسيون يسمونه آنذاك «الاستقلال داخل التبعية» Indépendance dans l'interdépendance.
وهكذا، فالصراع بين حزب الاستقلال والمنشقين عنه كان يدور حول نقطة أساسية هي مفاوضات «إكس ليبان» التي منحت المغرب استقلالا مشروطا بتبعية اقتصادية شبه كاملة لفرنسا. فكان ضروريا لكي يستطيع حزب الاستقلال الوفاء بتعهداته التي وقع عليها مع الفرنسيين أن يشيد معتقلاته السرية التي سيختطف فيها معارضيه لتعذيبهم وتصفيتهم فيما بعد. وهذه المعتقلات السرية التي عرفها المغرب قبل معتقل تمارة السري بسنوات طويلة، لديها أسماء كان يعلم بها علال الفاسي، وأبرزها معتقل «جنان دار بريشة» بتطوان ومعتقل «غفساي» ودار المقري بالرباط.
وداخل هذه المعتقلات تمت تصفية المئات من معارضي حزب الاستقلال من طرف ميليشيات تابعة للحزب بقيادة المدير العام للأمن الوطني محمد الغزاوي، وإلى اليوم لازالت رفات هؤلاء المختطفين مجهولة، وأبرزهم الأخوان الحداوي اللذان كانا ينتميان إلى منظمة «الهلال الأسود».
وبالموازاة مع مطاردة حزب الاستقلال لمعارضي اتفاقية «إكس ليبان»، قامت الجرائد الناطقة بلسان الحزب آنذاك بشتم وسب الفقيه البصري والمهدي بنبركة وكل الوزراء الاتحاديين المشاركين في حكومة عبد الله إبراهيم، والذين حاولوا التنصل من البنود الاستعمارية لاتفاقية «إكس ليبان» عبر وزارة الاقتصاد التي كان يقودها عبد الرحيم بوعبيد، والتي بدأ المغرب عبرها أولى خطواته للخروج من منطقة الفرنك الفرنسي، وذلك بتأسيس مؤسسات اقتصادية وطنية كبنك المغرب وصندوق الإيداع والتدبير والبنك المغربي للتجارة الخارجية ومكتب الاستيراد والتصدير، وغيرها من مؤسسات السيادة.
فقد شعر المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد، وهما معا من الموقعين على اتفاقية «إكس ليبان»، بحجم الخطأ الذي ارتكباه بسبب هذا التوقيع، فحاولا تدارك مباركتهما لهذا الاستقلال المشروط بالتبعية الاقتصادية لفرنسا، بتأسيس اللبنات الأولى للمؤسسات التي ستضمن للمغرب استقلاله الاقتصادي الكامل.
وطبعا، لم يبق حزب الاستقلال، الوصي الشرعي على اتفاقية «إكس ليبان» مكتوف الأيدي أمام ما كانت تقوم به حكومة عبد الله إبراهيم، فأسمعوا هذا الأخير «خل ودنيه» في جرائدهم، ورسموا فيها المهدي بنبركة على شكل «ميخي» ومصاص دماء. وعندما لم ينفع الرسم والشتم، انبرى الزعيم علال الفاسي نفسه وأنشد قصيدة في هجاء المهدي بنبركة عنوانها «في هجاء كلب»، نشرتها له جريدة «العلم».
حرص حزب الاستقلال على التطبيق الحرفي لاتفاقية «إكس ليبان»، بالنقطة والفاصلة، ظهر جليا خلال أحداث الريف سنة 1958 و1959، حيث كان للحزب دور كبير في سحق آلة الجيش للنخبة الريفية، خصوصا رجال التعليم الريفيين الذين كانت قد أرسلتهم الحكومة الخليفية، تحت قيادة مولاي الحسن بلمهدي ممثل محمد الخامس في المنطقة الشمالية الخاضعة للاستعمار الإسباني، إلى الشرق لتلقي العلم بإيحاء من عبد الخالق الطريس والمكي الناصري، زعيم «حزب الوحدة»، بعد أن كان السفر إلى الشرق لتلقي العلم حكرا على «أهل فاس».
ولعل كثيرين يجهلون أن أحداث الريف الدامية -والتي كان «بطلها» منتوجا خالصا للجيش الفرنسي اسمه الجنرال أفقير اشترط «إيسير هاريل»، مؤسس الموساد، تنصيبه مكان محمد الغزاوي الذي انتهى دوره- كان السبب في اندلاعها هو إصرار حزب الاستقلال على تنصيب مسؤولين عموميين من أصول فاسية على علاقة وطيدة بحزب الاستقلال، مما جعل «روافة» يثورون في وجه هذا الاجتياح الاستقلالي لمنطقتهم. فكان أول شيء بدأ به «المخزن» هو اختطاف رجال التعليم الريفيين الذين درسوا في الشرق واعتقالهم لأشهر قبل إطلاق سراح بعضهم واشتراط سكوتهم إلى الأبد.
إذا كان النظام السياسي خائفا، وهو يمحق انتفاضة الريف، من ظهور تمرد شعبي في هذه المنطقة ينتهي بالمطالبة باستقلال ذاتي، فإن مخاوف حزب الاستقلال الوصي على اتفاق «إكس لبيان» لم تكن سوى انعكاس لمخاوف فرنسا من ظهور منافس إسباني في الريف يقاسمها استعمارها الاقتصادي للمغرب.
فحزب الاستقلال مستعد للقتل من أجل المحافظة على الحلف المقدس الذي يجمعه بفرنسا.
غدا بحول الله نشرح كيف أعد حزب الاستقلال أبناءه لكي يكونوا «وليدات فرنسا»، ويحملوا مشعل «إكس ليبان» أبا عن جد.
... تابع القراءة

ها ودني منك



يعيش المغرب منذ يومين واحدا من أكثر الإضرابات تأثيرا على توازنه المالي. يتعلق الأمر بإضراب 4300 موظف من موظفي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
عندما نترجم هذا الإضراب إلى لغة الأرقام، فإننا نستنتج أن يوما واحدا من الإضراب في هذه المؤسسة يكلف الفائض السنوي المودع بصندوق الإيداع والتدبير مبلغ ملياري سنتيم، كما نستنتج أن 27 مؤمنا اجتماعيا سيحرمون من تعويضات التغطية الصحية، إضافة إلى أن 9000 ملف لن يتم استلامها، وقرابة 20 ألف زائر سيحرمون من الاستشارات التي تقدمها مصالح الصندوق.
والسبب الرئيسي لإضراب مستخدمي وموظفي هذا الصندوق هو الضغط في اتجاه جعل الإدارة العامة تستجيب لمطالب الشغيلة، وخصوصا مطلب الرفع من الأجور.
وربما يقول قائل إن مطلبا مثل هذا في هذه الظروف الاقتصادية العصيبة يعتبر مغامرة مالية غير محسوبة المخاطر. وأمامنا مثال إسبانيا التي أعلن رئيس حكومتها، قبل أمس، عن قرار تخفيض أجور موظفي المؤسسات العمومية بخمسة في المائة، في أفق تجميد الأجور برسم السنة المقبلة.
الفرق الوحيد بيننا وبين إسبانيا هو أن الرئيس الإسباني عندما قرر خفض أجور الموظفين بخمسة في المائة، أعطى المثال بنفسه وبوزرائه وقرر خفض راتبه ورواتب النواب البرلمانيين والوزراء بخمسة عشر في المائة، أي أن راتبه ورواتب وزرائه ونواب البرلمان ستعرف انخفاضا ثلاث مرات أكثر من رواتب الموظفين الصغار والمتوسطين.
وفي الوقت الذي يخفض فيه رئيس الحكومة الإسبانية راتبه ورواتب كبار مسؤوليه، نرى كيف أن رواتب جميع المدراء العامين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عرفت زيادة وصلت إلى ستة آلاف درهم للمدير. وليس هذا وحده ما أثار غضب موظفي ومستخدمي الصندوق الذين ينتظرون التفاتة من وزارة المالية منذ سنوات، وإنما قرار الوزارة الوصية تمديد هذه الزيادة السخية لكي تشمل السنتين الماضيتين. وهكذا سيحصل هؤلاء المدراء، فضلا عن الزيادة، على «رابيل» قدره 15 مليون سنتيم لكل مدير.
ولهذا السبب بالضبط، انفجر موظفو ومستخدمو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ونفذوا إضرابهم الناجح الذي استمر ثلاثة أيام كاملة.
إذا كانت الظرفية الاقتصادية في المغرب لا تسمح برفع أجور الموظفين والمستخدمين العموميين، فالمنطق يقتضي أن يتم حرمان الجميع من الزيادة. لكن أن يشهر وزير المالية ووزير الشغل ووزير الشؤون العامة والاقتصادية للحكومة، في كل مرة يطالب فيها الموظفون بالرفع من أجورهم، ورقة الأزمة، لكي نكتشف فيما بعد أن وزير المالية أفرج عن زيادة سمينة للمدراء ورؤساء الأقسام في المؤسسات العمومية والوزارات، فهذا اسمه «الطنز».
إن الوزراء والمدراء العامين والموظفين الكبار هم أول من يجب أن يعطي المثال للآخرين عندما تجتاز البلاد أزمة مالية واقتصادية. وما حدث قبل أمس في إسبانيا يجب أن يكون درسا عميقا لعباس الفاسي وحكومته التي توزع الزيادات بالملايين على المدراء الكبار ورؤساء الأقسام والكتاب العامين في المؤسسات العمومية والوزارات.
ولعل أول قرار يجب أن يتخذه عباس الفاسي بعد سماعه للقرار التاريخي الذي اتخذه الرئيس الإسباني، هو قرار «تخميله» لديوانه الخاص بالوزارة الأولى. وإذا ضربته «النفس» وقام بذلك، فأكيد أنه سيعثر على موظفة تتقاضى ثلاثين ألف درهم من أموال الشعب دون أن تكلف نفسها الحضور يوما إلى ديوانه. فالسيدة تعتقد أن هذه الوظيفة تستحقها لمجرد أنها زوجة وزير استقلالي مقرب من الوزير الأول اسمه سعد العلمي يحمل حقيبة وزارة تحديث القطاعات العامة. «حدثنا القطاعات بكري».
ولن يعثر وزيرنا الأول فقط على هذه الموظفة الشبح التي تكلف خزينة الدولة رواتب ثلاثة مهندسين، وإنما سيعثر على موظفين آخرين يتقاضون رواتب مرتفعة دون أن يصنعوا شيئا يذكر، منهم زوجة كاتبه العام في الشبيبة الاستقلالية ورئيس تحرير الجريدة الناطقة باسم حزب الاستقلال، والتي لا أحد يعرف على وجه التحديد الوظيفة التي تشغلها في ديوان الوزير الأول، أضف إليها الحلو ابن المحامي صديق عباس الفاسي والذي يتكلف له بملفات مكتب محاماته أثناء غيابه الحكومي.
على الوزير الأول أن يعطي المثال لوزراء حكومته، وذلك بإعفاء أفراد عائلته الذين شغلهم في ديوانه، وبتخفيض راتبه ورواتب وزرائه، ومطالبته بتخفيض رواتب النواب البرلمانيين والمستشارين وكبار الموظفين والمدراء والكتاب العامين، لأن الأزمة الاقتصادية ستطرق باب المغرب قريبا إذا استمر عجز الميزان التجاري في التفاقم ونزل احتياطي العملة الصعبة في بنك المغرب إلى ما تحت ستة أشهر.
ونتمنى ألا يصدق عباس الفاسي ما قاله مدير صندوق النقد الدولي «دومينيك ستروس خان» من أن المغرب مثال جيد للدولة التي استطاعت تجاوز الأزمة الاقتصادية بفضل تنوع اقتصادها، وأن معدل النمو في المغرب مرشح للارتفاع، والحال أن الجميع يعرف أن المغرب ظل واقفا على رجليه بفضل الأمطار التي أعطت إنتاجا فلاحيا قياسيا لسنتين متتاليتين. لا يجب أن يصدق عباس ما قاله رئيس صندوق النقد الدولي، لأن هذا الأخير لن يرحم المغرب إذا ما نزل احتياطي العملة الصعبة في صناديق بنك المغرب إلى ثلاثة أشهر، آنذاك سنرى كيف سيخضعنا «دومينيك ستروس خان» للتقويم المالي حسب شروط صندوقه.
إذا كانت دول الاتحاد الأوربي تسابق الزمن لتخفيض مصاريف المؤسسات العمومية من أجل التحكم في التضخم، فكيف تستمر الحكومة المغربية في السماح لنفسها بالرفع من أجور موظفيها الكبار على حساب رواتب موظفيها الصغار، خصوصا وهي ترى كيف أن نسبة كبيرة من مصاريف الدولة تذهب لسد الهوة السحيقة التي يتسبب فيها تفاقم عجز الميزان التجاري.
إن الاستثمار الحقيقي الذي يجب أن تقوم به الحكومة هو الاستثمار في الصناعات الوطنية لتأهيلها لمواجهة معركة تحرير التجارة التي يصل صدى طبولها إلى المغرب من الآن. فسنة 2012 على الأبواب، والمغرب للأسف يواجهها برقم مخجل أعلنت عنه الحكومة، يقول إنه خلال العشر سنوات الأخيرة تضاعفت شركات الاستيراد في المغرب بثلاثمائة في المائة، فيما لم تتجاوز نسبة تأسيس شركات تصدير بالمغرب ثلاثة في المائة فقط. بمعنى آخر، فاحتياطي العملة الصعبة الذي يجمعه المغرب من السياحة وتحويلات المهاجرين المغاربة تنفقه الدولة على البضائع التي تستوردها ويتم استهلاكها داخل المغرب على حساب المنتوج المحلي الذي لا يجد من يحميه.
وكيف سيستطيع أحد أن يحمي المنتوج المغربي إذا كانت الحكومة نفسها، على عهد الطيب الفاسي الفهري الذي فاوض الأمريكيين حول اتفاقية التبادل الحر، قد وقعت للأمريكيين شيكا على بياض وفتحت أمامهم السوق المغربية على مصراعيها لكي يبيعوا المغاربة منتجات نستطيع إنتاجها بأنفسنا. هذا في الوقت الذي لازال فيه «التوانسة» يجرجرون الأمريكيين إلى اليوم دون أن ينجحوا في جعلهم يوقعون معهم على اتفاقية للتبادل الحر شبيهة بتلك التي أجبروا المغرب على توقيعها معهم.
وفي الأخير، لم يجد «التوانسة» من خيار سوى تقديم لائحة إلى الأمريكيين بمئات المنتجات التي يمنع عليهم تصديرها إلى تونس. وبهذه الطريقة، يكون التونسيون قد ضمنوا الحماية لصناعتهم الوطنية ضد الغزو الأمريكي.
وطبعا، رفض الأمريكيون مقترح «التوانسة»، ولازالوا إلى اليوم يركضون وراءهم من أجل توقيع اتفاق تبادل حر. أما «دياولنا» فقد وقعوا بأعينهم مغمضة، والنتيجة أننا نعثر اليوم على تمر أمريكي من صنف «المجهول» قادم من كاليفورنيا ينافس في الأسواق تمر «المجهول» المغربي القادم من الجنوب.
إن سياسة النعامة التي يمارسها الوزير الأول بخصوص تفاقم عجز الميزان التجاري، ستؤدي بالاقتصاد المغربي إلى عواقب غير محمودة. ولعل الوقت حان لمطالبة الحكومة بتقديم مخطط لحماية الصناعات الوطنية من الغزو القادم والذي سيجتاح المغرب بعد أقل من سنتين من الآن.
إن الاستعداد لهذه المعركة يبدأ، أولا، بتقديم الوزير الأول ووزرائه وممثلي الشعب للمثال في المحافظة على الميزانيات العمومية. وأمامهم مثال رئيس الوزراء الإسباني الذي بدأ براتبه ورواتب وزرائه وكبار موظفيه.
وإذا استمر عباس الفاسي في «زبر» رواتب الموظفين الصغار وتسمين رواتب الموظفين الكبار، فهذا يعني أنه لم «يقشع» شيئا في التحولات الاقتصادية التي يعرفها العالم من حوله، مما سيعرض حكومته لإضرابات خطيرة وقاتلة من قبيل إضراب 4300 من موظفي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
... تابع القراءة

الفاهم يفهم

من بين التفسيرات العجيبة التي أعطاها الجزار الجزائري إلياس هباج، المتهم بتعدد الزوجات والمهدد بفقدان جنسيته الفرنسية بسبب ذلك، أن النساء الفرنسيات الأربع اللواتي يجمع بينهن لسن زوجاته وإنما خليلاته. وأضاف أن اتخاذ الخليلات ليس محرما لا في الدين المسيحي ولا في الدين الإسلامي.
وقد اشتهر الجزار إلياس هباج مباشرة بعد توقيف زوجته الفرنسية من طرف شرطي مرور وتحرير مخالفة في حقها بتهمة السياقة بثياب «غير مواتية»، بسبب البرقع الذي يغطيها بالكامل.
والواقع أن الأخ إلياس استطاع أن يضع وزير الداخلية الفرنسي، «بريس أورتوفو»، في ورطة حقيقية، هو الذي اعتقد أنه بتمسكه بتهمة تعدد الزوجات سيستطيع أن يجرد هذا المسلم من حقوقه الفرنسية ويطرده نحو الجزائر بجرة قلم، فاتضح أن الأخ إلياس يتمتع بقدرة كبيرة على السخرية والدهاء. وعوض أن يتحدث عن التعدد الشرعي الذي يجرمه القانون الفرنسي تحدث عن العشيقات، وهي ظاهرة منتشرة في المجتمع الفرنسي منذ القدم وإلى اليوم.
وإذا كان وزير الداخلية الفرنسي، المشهور بتصريحاته العنصرية، يريد أن يجرد الجزار الجزائري من جنسيته الفرنسية، فقط لأنه يتخذ عشيقات، فعليه أولا أن يجرد حوالي أربعين في المائة من الفرنسيين من جنسيتهم لأنهم جميعهم اعترفوا بتوفرهم على عشيقات. وحسب استطلاع للرأي أنجزه موقع FirtsAffair.fr، فحوالي 41 في المائة من الفرنسيين خانوا زوجاتهم مع عشيقات. وليس الرجال فقط من يقترفون الخيانة، بل حتى النساء الفرنسيات «بخبيزاتهم». وحسب الموقع، فقد خانت حوالي 39 في المائة من الفرنسيات أزواجهن مع رجال آخرين.
وإذا كان القانون الفرنسي يتشدد مع المسلمين المهاجرين الذين «يرتكبون» التعدد فوق تراب الجمهورية ويتزوجون بأكثر من امرأة بعقود رسمية عبر سفارات بلدانهم التي تجيز التعدد، فإن القانون الفرنسي متساهل إلى أبعد الحدود مع حق الرجل والمرأة الفرنسية في التعدد غير الشرعي، أي الحق في اتخاذ عشيقات خارج مؤسسة الزواج. والأزواج الذين يمارسون الخيانة الزوجية في فرنسا غير مهددين بالسجن، كما هو الحال في المغرب وأغلب الدول الإسلامية. أكثر من ذلك، فقوانين الجمهورية، وفي إطار الحريات الفردية، تسمح للأزواج الفرنسيين بمرافقة زوجاتهم إلى نوادي «تبادل الزوجات» المنتشرة في المدن الكبرى، حيث يمكنهم مبادلة زوجاتهم بزوجات رجال آخرين من أجل علاقات جنسية مجانية ومتوافق عليها بين الطرفين.
يعني أنه في فرنسا، كما في أغلب الدول العلمانية، لديك الحق في اتخاذ كل العشيقات اللاتي تريدهن، لكن عندما تقرر اتخاذ عشيقة زوجة ثانية بطريقة رسمية، تفتح عليك جميعُ وسائل الإعلام النار وتصبح فجأة مهددا بفقدان جميع حقوقك المدنية وبالترحيل إلى بلدك الأصل.
خوف الفرنسيين من الأوراق الرسمية، وما يترتب عنها من تعقيدات قانونية في حالة الطلاق واقتسام الممتلكات، جعلهم يقبلون على الارتباط في ما بينهم بدون عقود ومواثيق. والنتيجة أن فرنسا شهدت، لأول مرة في تاريخها، تجاوز نسبة المواليد خارج مؤسسة الزواج لديها سقف الـ50 في المائة، مما يعني أن نصف المواليد الفرنسيين الذين يرون النور هم أبناء غير شرعيين. وهذه الظاهرة لا توجد في فرنسا وحدها، ففي ألمانيا أشارت آخر البيانات الرسمية، والتي نشرها مكتب الإحصاء الاتحادي قبل أمس الثلاثاء، إلى أن ثلث أطفال ألمانيا غير شرعيين، أي في لغتنا الشرعية «أبناء زنا».
مشكلة الجزار الجزائري، الذي أفتى بجواز اتخاذ الخليلات في الإسلام، لم تعد مع وزير الداخلية الفرنسي بل مع «محمد موساوي»، رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، والذي خرج عن صمته في هذه القضية لكي يدين إقحام الإسلام في موضوع اتخاذ العشيقات عبر بيان ناري يعبر فيه عن إدانته للتصريحات الكاذبة بخصوص ترخيص الإسلام باتخاذ العشيقات.
الآن وبعد مهاجمة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لأحد الحقوق الفردية لمواطن فرنسي مسلم، سيكون من المنطقي أن تقوم جمعيات حقوق الإنسان المدافعة عن قيم المجتمع الفرنسي العلمانية بتولي الدفاع عن حق هذا «الأخ» المسلم في ممارسة حياته الخاصة كما يحلو له. وإذا كان القانون الفرنسي يسمح له بالتوفر على كل الخليلات اللاتي يريدهن، ما دام الأمر برضا الخليلات وموافقتهن، فلماذا يريد وزير الداخلية الفرنسي انتزاع جنسيته الفرنسية منه وحرمانه من حقوقه المدنية والفردية، أليست هذه قمة التناقض والنفاق الفرنسي الرسمي؟
سيكون من الغباء الاعتقاد بأن المستهدف من كل هذه الحملة ضد البرقع، والتي غطتها وسائل الإعلام التابعة للإليزيه بما يكفي من إثارة وتضخيم، هو المسلمون الفرنسيون، لأن المستهدف الحقيقي بكل التشويه والتلطيخ الذي يطال صورة الإسلام هو الفرنسيون المسلمون تحديدا. ما الفرق، إذن، بين المسلمين الفرنسيين والفرنسيين المسلمين؟ الجواب بسيط جدا: المسلمون الفرنسيون هم الفرنسيون من أصل شمال إفريقي أو إفريقي أو من أصل آخر غير الأصل الأوربي. فيما الفرنسيون المسلمون هم الفرنسيون الذين غيروا دينهم من المسيحية نحو الإسلام.
والحكومة الفرنسية لم تقرر شن حرب لا هوادة فيها ضد البرقع، الذي ليس زيا إسلاميا بقدر ما هو لباس أفغاني، لم تصنع ذلك إلا عندما اكتشفت أن ثمانين في المائة من المبرقعات هن فرنسيات، أبا عن جد، دخلن في الإسلام وقررن، بمحض إرادتهن، ارتداء البرقع. وهنا، اشتعلت كل المصابيح الحمراء في وزارة الداخلية. وبقراءة سريعة للأرقام، وجدوا أن ظاهرة ارتداء الفرنسيات للبرقع في تزايد متسارع. ولذلك قرروا تحويل حياة هؤلاء الفرنسيات إلى جحيم يومي، وذلك بمنعهن من ولوج الأمكنة العامة وقيادة السيارات وكل ما يدخل ضمن الممارسات الاعتيادية اليومية للمرأة.
والرسالة واضحة جدا، كل من تفكر في التحول إلى الإسلام وارتداء البرقع ستتحول حياتها إلى جحيم.
وهو الجحيم الذي يصطلي بنيرانه اللاعب الفرنسي المسلم «فرانك ريبيرا» الذي لا يكاد يمر يوم دون أن تصدر صورة له وبجانبها صورة عاهرة اسمها زاهية.
ومنذ مدة والأجهزة السرية الفرنسية، التي تراقب بقلق نمو أعداد الفرنسيين الذين يعلنون إسلامهم، متضايقة من ارتفاع شعبية «فرانك ريبيري» بعد إعلانه إسلامه. فالرجل أصبح قدوة للمراهقين والشباب الفرنسيين، وكلما سجل هدفا سجد فوق العشب شكرا لله، والشيء نفسه بالنسبة إلى اللاعب الفرنسي المسلم «بنزيمة» الذي أصبح ذكر اسمه يرد مقرونا بفضيحة ممارسة الجنس مع قاصر.
في برنامج «LE JT des Quartiers» الساخر على قناة «إي تيلي» الفرنسية، وجد مقدم البرنامج قضية الإيمان عند «فرانك ريبيري» موضوعا خصبا للتشهير بهذا الأخير. فخلال وصلة ساخرة سماها «زاهية أعطتني الإيمان»، قضى مقدم البرنامج حوالي خمس دقائق في عرض صور لريبيري وهو يرفع أكفه بالدعاء بالتناوب مع صورة زاهية المثيرة. أكثر من ذلك، ضمّن شريطه الساخر حوارا صحافيا قصيرا مع «ريبيري» يتحدث فيه عن إسلامه وإيمانه بالله واختياره لاسم بلال.
وهكذا، وخلف الحق في السخرية، يمرر البرنامج فكرة خطيرة مؤداها أن «ريبيري» اهتدى إلى الإيمان بفضل زاهية التي تمثلت له بمفاتنها المثيرة على هيئة نورانية بعدما كان جالسا فوق صخرة في حالة ضياع.
الرسالة واضحة هنا أيضا، وهي أن هؤلاء اللاعبين الفرنسيين الذين يدخلون في الإسلام، كريبيري، أو هؤلاء اللاعبين المسلمين أصلا، ككريم بنزيمة وبنعرفة لاعب «أولمبيك مارساي» الذي أضيف اسمه إلى لائحة المتهمين مؤخرا، ليسوا قدوة بالنسبة إلى الشباب الفرنسي لأنهم يخفون عكس ما يظهرون، وما الورع والتقوى والأيادي الممدودة بالدعاء والسجود عقب تسجيل الأهداف سوى حركات بهلوانية لتضليل الناس، لأن الحقيقة هي أن هؤلاء اللاعبين المسلمين يستعملون شهرتهم من أجل هدف واحد هو البحث عن المتعة الجنسية مع القاصرات. ربما كانت هذه الصورة صحيحة، لكن استغلالها للإساءة إلى الإسلام يثير الشكوك حول النية السيئة للواقفين وراء تحريكها وتضخيمها على هذا النحو.
المدهش في الأمر أن اندلاع هذه الفضيحة المعدة سلفا بعناية فائقة تزامن مع فضيحة مدوية أخرى بطلها فرنسي هذه المرة اسمه «جورج ألان»، متهم بالاعتداء على رضيع مغربي في شهره الخامس عشر، اصطحبه معه من القنيطرة إلى فرنسا بعد أن ألحقه بنسبه في ظروف غامضة.
وطبعا، لم تعرف هذه الفضيحة الحيوانية طريقها إلى نشرات الأخبار والصفحات الأولى للجرائد الفرنسية، لأن الضحية رضيعة مغربية والمعتدي فرنسي لن يهدده وزير الداخلية الفرنسي بتجريده من جنسيته بسبب هذه الجريمة النكراء التي يستحق بسببها تجريده من إنسانيته وليس فقط من جواز سفره.
لذلك، نتوقع في الأيام المقبلة أن تحظى الحياة الخاصة للنجوم والمشاهير الفرنسيين الذين اعتنقوا الإسلام لمراقبة دقيقة بحثا عن ذرائع قانونية للتشهير بهم عبر الصحافة المنافقة، حتى يتحولوا، في نظر الرأي العام الفرنسي، من قدوة ومثل أعلى إلى مسخرة ومدعاة للشفقة.
ولعل أنصع مثال على الصحافة الفرنسية المنافقة تلك الحملة التي قادتها جريدة «لوفيغارو» المقربة من الرئيس الفرنسي للتنديد بلجوء «إلياس هباج» إلى التعدد، في الوقت الذي سبق فيه لهذه الجريدة، ومعها جريدة «ليبيراسيون» اليسارية، أن كتبتا حول فرنسي يدعى «بول بوكوس» ظل يتفاخر بتعدده النسائي منذ سنة 2006، إذ نقلت الجريدتان قصة جمع هذا الفرنسي بين ثلاث نساء فرنسيات في وقت واحد، بحيث يفطر عند الأولى ويتغذى عند الثانية ويتعشى عند الثالثة. ولم يكتف صاحبنا بالاعتراف بجمعه بين النساء الثلاث على صفحات الجرائد وإنما ألف كتابا يروي فيه تجربة اقتسام حياته بين ثلاث نساء.
ومع ذلك، لم يسمع أحد وزير الداخلية السابق أو الحالي يطالب بتجريد «بول بوكوس» من جنسيته الفرنسية بسبب اعترافه بارتكاب التعدد.
السبب واضح، وزارة الداخلية الفرنسية «ما عينهاش فالبرقع ولا فالحجاب ولا فالتعدد، عينها فالمسلمين والسلام». و»الفاهم يفهم».
... تابع القراءة

دير الخير يرجع ليك بومزوي



الموضة هذه الأيام في المغرب هي أن كل مسؤول عمومي كتبنا عنه في «المساء» يهددنا في اليوم الموالي باللجوء إلى القضاء والمطالبة بتعويضات. وكل واحد لديه طريقته في التعبير عن هذا التهديد. هناك من يكتب بيانا ويعممه على وسائل الإعلام يصرخ فيه «شدوني عليه راه غادي ندعيه»، وهناك من يفضل البحث عن «كاري حنكو» لكي يقوم مكانه بهذه المهمة.
وبالنسبة إلى الكولونيل الذي كتبنا، الأسبوع الماضي، حول خادمته التي لجأت إلى الضابطة القضائية التابعة لأمن أنفا بالدار البيضاء لوضع شكاية بسبب المعاملة السيئة التي تقول إنها تعرضت لها على يد زوجته، فطريقته في إظهار تهديداته كانت طريفة للغاية.
فقد ذهب سعادة الكولونيل، مباشرة بعد صدور خبر وضع خادمته لشكايتها ضد زوجته عند الأمن، إلى أحد المقاهي بشارع الزرقطوني، وأقسم بأغلظ أيمانه بأن يرسل كاتب هذه السطور إلى السجن وأن يغلق هذه الجريدة التي بين أيديكم.
ولكي يدخل الكولونيل أسلوب «التشويك» على تهديداته، قال لأحد مرافقيه، وهو يتعمد إسماع بقية الزبائن الذين كان بعضهم يطالع خبر شكاية خادمة الكولونيل، إن وزير الداخلية مولاي الطيب الشرقاوي «من عائلتو». ولم يقف عند هذا الحد، بل أضاف أن أحد أفراد عائلته يشغل منصبا مهما في جهاز الاستعلامات بالرباط، وأن الصحافي الذي كتب الخبر سيدفع الثمن غاليا.
أي ذنب ارتكبناه في «المساء» حتى يهددنا هذا الكولونيل بالويل والثبور وعظائم الأمور؟ لا شيء سوى أننا حصلنا على خبر وضع خادمته لشكاية لدى أمن أنفا تتهم فيها زوجته بالمعاملة القاسية والمهينة والعنيفة، إضافة إلى الاستغلال المهني، بحيث تشتغل في البيت ثم تنتقل إلى مقهى الزوج لكي تكمل الشغل. وفوق هذا وذاك، لم تتقاض الخادمة أجرتها لشهرين متتابعين.
رغم أن حصارا أمنيا ضرب على الشكاية، فإن «المساء» استطاعت الحصول على الخبر بطرقها الخاصة. وبمجرد صدوره، قامت القيامة وفقد الكولونيل أعصابه وبدأ يطلق تهديداته الهوجاء معريا فروع شجرته العائلية أمام الملأ.
وخلال هذا الوقت، لا أحد يعرف الجهة التي اتصلت بالخادمة وأقنعتها بضرورة سحب شكايتها والتنازل عن المتابعة وكأن شيئا لم يحدث. وهكذا، عوض أن يفتتح تحقيق في ما قالته الخادمة أمام الأمن وينتهي الملف بين أيدي القضاء في حالة ثبوت الضرر والاعتداء والاستغلال، فإن الذي سينتهي مرة أخرى أمام القضاء هو مدير «المساء» بتهمة نشر خبر زائف.
لكن سعادة الكولونيل لن يستطيع الذهاب إلى القضاء، لسبب بسيط، وهو أننا نتوفر على نسخة من الشكاية التي تروي فيها الخادمة ألوان العقاب والعذاب الذي تقول إن زوجة الكولونيل أذاقتها إياه، بمعنى أننا لم ننشر خبرا كاذبا وإنما خبرا حقيقيا، وحتى لو تنازلت الخادمة عن الشكاية فإن هذا لا يعني أنها لم تسجلها.
عندما تناهت إلى علمي تهديدات الكولونيل «برادي»، لأن الأمر يتعلق به، ونيته مقاضاتنا بسبب الخبر الذي نشرناه دون إشارة إلى اسمه أو نسبه، قلت مع نفسي إن الإدارة العامة للأمن الوطني إذا لم تر ضرورة لفتح تحقيق مع سعادة الكولونيل بسبب شكاية الخادمة، فعلى عبد العزيز السامل، مدير الموارد البشرية بهذه الإدارة، أن يهتم على الأقل بملف استثماراته التجارية. ففي حدود علمنا، فراتب كولونيل في الأمن لا يتعدى تسعة آلاف درهم في الشهر. وطبعا، راتب مثل هذا بالكاد يسمح لصاحبه بتلبية حاجياته الأساسية في مدينة كالدار البيضاء ترتفع فيها تكاليف العيش إلى مستويات قياسية.
إننا نتحرق شوقا لبدء العمل بقانون التصريح بالممتلكات بعد انتهاء المصادقة على أطواره النهائية. ولا بد أن «النوطيرات» في الرباط والدار البيضاء لاحظوا أن «الشغل كثر عليهم» في الأيام الأخيرة بسبب رغبة مسؤولين عموميين كثيرين في «التخلص» من ممتلكاتهم وتسجيلها في أسماء الأهل والأحباب حتى لا يضطروا إلى إثباتها في لائحة الممتلكات التي سيصرحون بها للمجلس الأعلى للحسابات.
وفي الأسبوع الماضي بالضبط، توصلت مختلف الإدارات، ومن ضمنها طبعا الإدارة العامة للأمن الوطني، بمذكرة التصريح بالممتلكات. تشوقنا لبدء العمل بهذه المذكرة سببه رغبتنا في معرفة ممتلكات بعض المسؤولين الأمنيين الذين ظهرت عليهم علامات الثراء أثناء مزاولتهم لمسؤولياتهم على رأس الأقسام الأمنية التي يديرونها في الدار البيضاء، كما في المدن الأخرى. هم الذين بدؤوا مشوارهم المهني شبه عراة، فانتهوا ببطون منتفخة وحناجر سمينة، ومعاصم تتدلى منها ساعات ذهبية «تفضح» النعيم الذي أصبحوا يتقلبون فيه.
إنه الفضول الصحافي وليس شيئا آخر غيره هو ما يدفعنا إلى انتظار تصريح بعض كبار الأمنيين بممتلكاتهم، حتى نستطيع معرفة في اسم من سيسجل الكولونيل «برادي» الشقتين الفاخرتين اللتين يملكهما في شارع الزرقطوني، حيث المتر المربع الواحد يصل إلى 25 ألف درهم.
الفضول الصحافي يدفعنا أيضا إلى انتظار الاسم الذي سيسجل به مقهاه الفسيح بالقرب من ساحة «باستور» والذي يدر عليه الملايين كل شهر. ولأن الكولونيل «برادي» دارس جيد للقانون، فهو يعرف أنه لا قانون الوظيفة العمومية ولا القانون الجديد الذي ينظم وظيفة رجال الأمن، يسمحان له بالمزاوجة بين وظيفته في الأمن وبين مزاولة نشاط تجاري آخر. لذلك فكل «مشاريعه التجارية» مسجلة بأسماء أفراد من عائلته.
الفضول الصحافي دفعنا أيضا إلى الاقتراب أكثر من سعادة الكولونيل لفهم تصرفه الفاقد لحس المسؤولية، خصوصا وأنه في غمرة تهديداته أتى على ذكر علاقة عائلية، لا أحد يؤكدها غيره، مع وزير الداخلية.
فاكتشفنا أن الكولونيل، فعلا، لديه مقرب من عائلته يشغل منصبا مهما في أحد أجهزة الاستعلامات. لكن المفاجأة هي أن هذا المسؤول، الذي «يتعنى» به الكولونيل، مشهود له بالجدية والمهنية والصرامة، الشيء الذي جعل مرؤوسيه مرتاحين لأدائه وتفانيه المهني.
وربما لا يعلم هذا المسؤول المقرب من الكولونيل أن هذا الأخير يستعمل اسمه كفزاعة يخيف بها مرؤوسيه في الدار البيضاء والرباط في كل مرة يقترف فيها ما يستوجب التنبيه أو العقاب. ولعل هذا بالضبط ما جعل الكولونيل يتلقى أكثر من مرة تنبيهات بسبب أخطاء مهنية، لكنه يخرج منها في كل مرة مثل الشعرة من العجين، مما يترك انطباعا لدى زملائه ومرؤوسيه بأن الرجل «عندو ضلعة صحيحة فالرباط».
إن ممثلي الأمن والسلطة والقضاء يجب أن يكونوا أحرص الناس على تطبيق القانون وضمان الحقوق لخدم بيوتهم، لا أن ينتظروا ذهاب هؤلاء الخدم لوضع شكايات لدى الأمن ضدهم لكي يسارعوا إلى مطالبتهم بسحب شكاياتهم، وفوق هذا يهددون الصحف التي تنشر الخبر بالمتابعة القضائية والسجن في المقاهي أمام الملأ.
إن ما يشجع هؤلاء المسؤولين على تهديد الصحف التي تتناول أخبار الشكايات التي تسجل ضدهم من طرف مستخدميهم، هو أحكام البراءة التي يحصلون عليها من القضاء إذا ما وقفوا أمامه ذات يوم.
وما حدث مؤخرا في وجدة عندما حكم القضاة على زميلهم قاضي وجدة بالبراءة من كل التهم التي وجهتها إليه خادمته السابقة «زينب»، والتي لازالت آثار التعذيب بادية على جسدها، يصب في اتجاه تحصين القضاة وكبار المسؤولين الأمنيين من المتابعات القضائية التي يسجلها ضدهم خدمهم.
وبينما سيغادر قاضي وجدة المحكمة منتصرا، بعد أن برأته من المشاركة في تعذيب الخادمة رفقة زوجته التي تقبع في السجن، سيأخذ مدراء الجرائد الذين تابعوا جريمة الاعتداء على طفلة بريئة الطائرة لكي يحضروا جلسات المحاكمات بسبب القضايا التي يهدد القاضي برفعها ضدهم أمام محكمة زملائه بوجدة.
ولكم أن تتأملوا هذه المفارقات العجيبة، طالبنا بمحاسبة المسؤولين العموميين الذين اتهمهم تقرير المجلس الأعلى للحسابات بتبذير المال العام، وعوض أن يحاكم هؤلاء حاكمونا نحن.
نشرنا خبرا حول شكاية تقدمت بها خادمة كولونيل تتهم فيها زوجته بالاعتداء عليها لفظيا وجسديا، وعوض أن تفتح الإدارة العامة للأمن الوطني تحقيقا في الموضوع، سمعنا كيف تم تهديدنا على رؤوس الأشهاد بالمتابعة القضائية ومطالبتنا بتعويض عن الضرر.
كتبنا عن مأساة الطفلة الخادمة زينب، وطالبنا بتحميل القاضي نصيبه من المسؤولية في ما لحق الطفلة زينب من تعذيب وحشي بالقضبان والزيت المغلى، فبرأته المحكمة وجمعت ملفه في انتظار أن تعرض ملفنا أمام أنظارها استعدادا لإصدار أحكام تنصف القاضي المظلوم وترد إليه شرفه وكرامته التي مرغتها الصحافة في الوحل. أما كرامة وشرف الطفلة زينب فلا قيمة له، فهي مجرد طفلة في نهاية المطاف.
«هاذي هيا دير الخير يرجع ليك بومزوي».
... تابع القراءة

إذا كنا كلابا فأعطونا الحق في النباح على الأقل

أحد كتاب الأعمدة النكرات، والذي يكتب في جريدة رئيس فيدرالية الناشرين، خليل الهاشمي الإدريسي، الصديق الحميم والمحامي الكبير لمدير المركز السينمائي المغربي، لم يجد من شيء يحاسبني عليه سوى اسمي العائلي. وكتب ساخرا أن «نيني» تذكره بتلك الأغنية التي كانت ترددها أمهاتنا عندما كن يهدهدن أطفالهن الصغار وهن يرددن «نيني يا مومو». وأضاف أن ما أقوم به يوميا هو تنويم الشعب بأقراص نوم مستخلصة من الأسلوب واللغة. وهكذا، فمقالاتي اليومية لا تفعل سوى تنويم الناس. وأنا أستغرب كيف أن مقالات مدرة للنوم كالتي أكتبها كل يوم استطاعت أن تطرد النوم من أعين كثيرين ونجحت في أن توقظ ضدي كل هذه الحملة المنظمة والتي تطالب برأسي ورأس هذه الجريدة.
لا بد أن السيد إدريس أجبالي، نذكر اسمه حتى يشتهر قليلا، يجهل أن من يمارس التنويم المغناطيسي ليس شخصا آخر غير مدير الجريدة التي يكتب فيها هذيانه الأسبوعي. وقد اكتشف أعضاء مؤسسة «لوجيدي» الفرنسية للتحقق من الانتشار مقدرات خليل الهاشمي الإدريسي في مجال التنويم المغناطيسي عندما أراد أن ينومهم ويقنعهم بأرقام غير حقيقية لمبيعات جريدة «أوجوردوي لوماروك»، فاكتشفوا حيلته وانتهوا إلى إعلان الأرقام
والمتدنية لمبيعاته، طبعا دون احتساب آلاف النسخ التي يشتريها منه «إدريس بنهيمة» ليوزعها في طائراته، أو آلاف النسخ التي تشتريها منه سلسلة فنادق «آكور» بتوصية من أزولاي، وهكذا ساهموا في هروب المعلنين من صفحات جريدته بعد أن اكتشفوا أرقام مبيعاتها الحقيقية.. وبسبب انفضاح أمره، بدأ رئيس فيدرالية الناشرين يخوض حملة عدائية ضد مؤسسة «لوجيدي» الفرنسية، مطالبا الناشرين بالانسحاب الجماعي من هذه المؤسسة بحجة أن الناشرين المغاربة يجب أن يتحرروا من التبعية الفرنسية وأن يؤسسوا شركة مغربية خالصة مائة في المائة، متخصصة في التحقق من انتشار الصحف، يعني شركة مغربية يتحكم الهاشمي في نشر أرقام مبيعات الصحف عبرها، بمعنى آخر «باي باي» الشفافية ومرحبا بالتزوير والكذب والتدليس على القراء والمعلنين.
«شفتي دابا أسي أجبالي شكون اللي داير نيني يا مومو لعباد الله». شخصيا، ما أستغربه في كل هذه الحملة المنظمة للتضامن مع مدير المركز السينمائي ضد مطالبة «المساء» بفتح تحقيق قضائي معه على خلفية ما نشره تقرير المجلس الأعلى للحسابات حوله، هو أنه ليست هناك قضية وطنية واحدة حظيت بمثل هذا الاصطفاف والالتفاف والتآزر من طرف المثقفين والكتاب والسينمائيين والصحافيين. أتذكر أنه قبل ستة أشهر تعرض ملك البلاد لحملة إعلامية منظمة استهدفت حياته الخاصة، ونشرت صحف ومجلات، بشكل مطول ومدروس، مقالات موجهة من الخارج حول الحالة الصحية للعاهل المغربي، وسمحت بعض الصحف لنفسها بحشر أنفها في الملف الطبي للملك واصفة حالته بالخطيرة، رغم أنها تعلم علم اليقين بأن ما نشرته كذب وبهتان أظهرت الأيام زيفه وخبثه ومراميه السياسية التي لم تعد تخفى على أحد.
وطيلة أيام هذه الحملة المسعورة التي تحول فيها بعض الصحافيين وسياسيي «الكيلو» إلى أطباء متخصصين في تحليل الأعراض الجانبية للإصابة بـ«روطا فيروس»، وتحولت فيها بعض الصحف والمجلات إلى منشورات طبية متخصصة في تحليل الأمراض والعلل، لم نشاهد أحدا من هؤلاء المثقفين والفنانين والمخرجين السينمائيين والصحافيين الذين يساندون اليوم الصايل ضد «المساء»، يفتحون أفواههم بنصف كلمة للاحتجاج على استهداف الحياة الشخصية للملك من طرف تلك الصحف والمجلات. كلهم ضربوا «الطم» وابتلعوا ألسنتهم وجلسوا يتفرجون على جرائد الرصيف وهي تسلخ جلد ملكهم يوميا وتنشر حول حياته الخاصة وحالته الصحية الأكاذيب والأضاليل. ووعيا منها بخطورة المخطط وتورط جهات أجنبية في الإمساك بخيوطه، تصدت «المساء» لهؤلاء الجبناء الذين حولوا عارضا صحيا عاديا أصاب الملك إلى مناسبة لإعلان حالة الطوارئ في المملكة. وكم كان مثيرا للاستغراب وقوف مدير المركز السينمائي على الحياد في هذه الحرب التي كانت تستهدف الحياة الخاصة للملك، إذ لم نسمع أنه حرك، ولو في الخفاء، عريضة يوقعها أصدقاؤه المخرجون السينمائيون والمنتجون والنقاد والمثقفون والصحافيون ضد اقتحام هذه الصحف للحياة الخاصة للملك. كلهم جلسوا يتفرجون وكأن الأمر لا يعنيهم بتاتا، وكأن الأمر يتعلق بملك الدنمارك وليس بملك المغرب.
واليوم، عندما طالبت «المساء» بتقديم الآمر بالصرف في المركز السينمائي المغربي للمحاسبة بناء على تقارير مالية أنجزها قضاة المجلس الأعلى للحسابات، جند الصايل كل رجاله وكل وقته لحشد الدعم لشخصه والحماية لما سماه «رصيده» السينمائي وحياته الخاصة (التي، بالمناسبة، تكشفها زوجته على صفحات وأغلفة كل المجلات)، وفتح عريضة لكي يوقع عليها كل من يريد أن يستمر في حلب دعم المركز السينمائي، أو كل من لم يذق بعد من هذا الحليب ويطمع في حصته مستقبلا.
وهكذا وبعد أن اعتقدنا طويلا أننا، نحن المغاربة، لدينا قضية مصيرية واحدة اسمها قضية الصحراء، اكتشفنا فجأة أنه أصبحت لدينا قضية وطنية ثانية جديدة اسمها «قضية الصايل». وبمناسبة الحديث عن قضية الصحراء، يسعدنا أن ندعوَ كل المتضامنين مع مدير المركز السينمائي المغربي في «محنته» إلى أن يقرؤوا كتاب الأسبوع الذي ننشر عرضا له في هذا العدد (ص7)، وأن يتأملوا جيدا كيف يستعمل البانتاغون الصناعة السينمائية لهوليود من أجل خدمة الأمن القومي الأمريكي. عندما ننتهي من قراءة كتاب «جان ميشيل فالانتان» الذي يحمل عنوان «هوليود، البانتاغون والعالم»، نفهم جيدا كم هي السينما أساسية ومهمة وخطيرة، ونفهم أكثر لماذا تخصص الدول ميزانيات بالملايير لدعم سينما وطنية خاصة بكل دولة. في الحالة الأمريكية، تعتبر السينما وسيلة حرب وواجهة للدفاع عن الهوية والوجود الأمريكي، أكثر من كونها مجرد فن سابع. ومن أجل ذلك تصرف الحكومة ميزانيات خيالية وتقيم مهرجانات وتنظم جوائز عالمية رفيعة من أجل التحكم في الأفلام السينمائية التي تخدم أجندتها القومية والدينية واللغوية والثقافية.
إنه لمن الجهل الاعتقاد بأن السينما مجرد ترف فكري وفني يصلح لملء غرف الفنادق في المهرجانات السينمائية البراقة. إنها خندق أساسي لمواجهة الخصوم والدفاع عن الهوية والقيم المشتركة بين مواطني الدولة الواحدة.
هل يعرف الصايل وأصدقاؤه أن جبهة البوليساريو تستعد لتنظيم مهرجان سينمائي في تندوف، وأنها تخطط لاستضافة نجوم سينمائيين عالميين تستطيع شهرتهم أن تجلب جميع قنوات وجرائد العالم بأسره نحوهم؟ ماذا صنع الصايل طيلة وجوده على رأس إدارة المركز السينمائي المغربي من أجل التعريف سينمائيا بقضية الصحراء؟ هل يوجد فيلم مغربي واحد -عدا فيلم «طرفاية» الذي تم تصويره في الصحراء والذي كنت والصديق إبراهيم الخطيب من أشد المدافعين عن حصوله على جائزة المناظر الخارجية في لجنة تحكيم مهرجان السينما الوطنية بطنجة عام -2006 يحكي قصة تدور أحداثها في الصحراء؟ هل توجد ضمن شخصيات الأفلام السينمائية التي يمولها المركز السينمائي شخصيات صحراوية؟ هل يوجد فيلم سينمائي مغربي واحد يحكي عن المسيرة الخضراء؟ هل توجد رائحة اللهجة الحسانية في حوار فيلم سينمائي مغربي؟ هل يوجد بطل صحراوي في قصة فيلم مغربي؟
لماذا لا يحرص مدير المركز السينمائي على فرض «كوطا» معينة للصحراء وشخوصها ومناظرها الطبيعية في إنتاج الأفلام السينمائية المغربية، تماما مثلما يحرص على فرض «كوطا» للجنس والخمور واللقطات المائعة؟ إن السينما التي تمول بأموال ضرائبنا ولا تخدم قضايانا الوطنية المصيرية ليست سينما، وإنما هي مضيعة للمال والوقت والجهد. المصيبة العظمى ليست هي أن الصايل لا يوجد ضمن مخططاته السينمائية شيء اسمه الصحراء المغربية، بل إنه تجرأ على حرمان العمل السينمائي الوحيد الذي صور، سينمائيا، معاناة محتجزي تندوف من أموال الدعم. وليس هذا فقط، بل حاصر مخرج الفيلم وأقصاه من المشاركة في المهرجانات السينمائية الوطنية التي تنظم تحت الإشراف المباشر للمركز السينمائي المغربي
وقبل أسبوع عندما ذهب مخرج فيلم «مكلومو الصحراء» إلى المركز السينمائي للحصول على ترخيص لتصوير شريطه الجديد، وجد هناك من أخبره بضرورة التوجه نحو وزارة الاتصال للحصول على الموافقة، «من دون عباد الله كاملين». فالذنب الوحيد للمخرج الشاب ربيع جوهري هو أنه صور، بميزانية خاصة، شريطا سينمائيا وطنيا مؤثرا عرض في جنيف واستطاع أن يخدم قضية الصحراء أحسن بكثير مما يصنع بعض سفرائنا الكسالى.
هذا هو المدهش في المغرب.. من يحبونه ويدافعون عنه هم أكثر من يتلقون الضربات الغادرة والجبانة بسببه، ومن ينافقونه ويتملقون أعداءه وخصومه ويخدمون أجندتهم بالليل والنهار هم من يتمتع برصيده البنكي. ولهذا فنحن لا نستغرب كلام وزير العدل الذي تحدث في البرلمان عن الصعوبات التي تعترض وصول تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى القضاء. ففي مقابل الصعوبات الجمة التي تعترض وصول هذا التقرير «الخانز» إلى المحكمة، نلاحظ السهولة الكبيرة التي يتم بها إيصال «المساء» إلى القضاء بسبب إصرارها على تطبيق القانون في حق كل من تسول له نفسه المساس بأموال المغاربة
لقد كتب حسن نرايس، أحد العاطلين المزمنين عن العمل والذين تدبر لهم الصايل «بريكولا» مؤقتا ضمن لجنة قراءة السيناريوهات، مخففا ما نزل بولي نعمته مستعيرا بيتا لشاعر عراقي يقول فيه «ما ضر نهر الفرات يوما أن بالت بعض الكلاب فيه».
عندما قرأت تشبيه صاحبنا لنا بالكلاب، تذكرت جواب الصحافة الفرنسية على نعت الرئيس الراحل فرانسوا ميتران لها بـ«الكلاب المسعورة»، بعدما لم يستطع وزيره الأول تحمل نشر الصحافة لخبر استفادته من قرض بنكي معفى من الفوائد، فأطلق على رأسه رصاصة. لقد قالت الصحافة لفرانسوا ميتران :
- إذا كنتم سعادة الرئيس تعتبروننا كلابا، فعلى الأقل أعطونا الحق في النباح...
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى