المغرب الذي نحب

هذا الصباح، طرحت سؤالا كبيرا على نفسي: هل الأوضاع في المغرب سوداوية إلى هذه الدرجة، أليس هناك أشياء جميلة في هذه البلاد تستحق أن يكتب عنها المرء غير هؤلاء الوزراء الكسالى والمسؤولين الجشعين واللصوص التافهين الذين سرقوا كل شيء في هذه البلاد؟ الحقيقة أنني عثرت على أشياء نادرة وجميلة يمتاز بها المغرب والمغاربة عن شعوب أخرى كثيرة، هي بالضبط الأشياء التي جعلت الكثير من المغاربة يقررون العودة إلى العيش في المغرب نهائيا، رغم الفرص الكثيرة التي طرقت أبوابهم في الخارج، ورغم الأيادي التي تلوح لهم من بعيد لكي يتبعوها نحو الغربة.

ومن الأشياء النادرة والجميلة التي يمتاز بها المغربي التضحية. وكل المغاربة الذين حالفهم الحظ وعثروا على عمل قبل إخوانهم في العائلة يعرفون ماذا أقصد بالتضحية. معناها أن الذي «زغبه» الله واشتغل أولا في المغرب يجب عليه أن يجر وراءه قبيلته وبقية أفراد العائلة. ومن يحالفه حظ العثور على شغل ويكون هو أكبر إخوانه، فيجب عليه أن ينسى نفسه إلى أن يستطيع من هم أصغر منه التحليق بأجنحتهم. وكم من فتاة أجلت مشروع زواجها لأن إخوتها الصغار محتاجون إلى راتبها الشهري أكثر مما هو محتاج إليه زوجها المستقبلي.

وقد التقيت في أوربا مغاربة يصلون للتو من المغرب ويبحثون لكي يشتغلوا منذ اليوم الأول وكل همهم هو أن يكون معهم شيء يرسلونه في آخر الشهر إلى عائلاتهم. يشتغلون من طلوع الشمس إلى غروبها وكل الأوراق التي في جيوبهم هي فواتير الإرساليات التي يبعثون بها إلى المغرب لعائلاتهم. فاستطعت أن ألامس عن قرب معنى التضحية التي يمتاز بها المغاربة في الخارج عن باقي المهاجرين. ولعل هذا ما يجعل المهاجرين المغاربة، حسب إحصائيات الحكومة الإسبانية، على رأس الجاليات الأجنبية التي تبعث أكبر قدر من المال إلى عائلاتها بالمغرب. ولعل هذا أيضا ما يجعل المغرب لا يزال واقفا على رجليه، فتحويلات المهاجرين من العملة الصعبة، بالإضافة إلى عائدات السياحة والفوسفاط، هي كل ما تستند إليه خزينة المملكة.

رأيت مهاجرين يتقطعون كل يوم ويقبلون بأحط الأعمال ويتجرعون النظرات المترعة بالقسوة من أجل أن تصل تلك «البركة» نهاية الشهر إلى العائلة التي من أجلها يهاجر أغلب المغاربة.

إلى جانب التضحية في سبيل الأبوين والإخوان بزهرة العمر، هناك شيء جميل آخر في المغرب انقرض في مجتمعات أخرى، وهو «خوي عليا قلبك ونخوي عليك قلبي». ويكفي أن يشعر الواحد منا بالضيق بسبب المشاكل كي يدعو أحد أصدقائه إلى قهوة ويبدأ في تفريغ قلبه عليه. والمغربي دائما مستعد بالفطرة للاستماع إلى مشاكل الآخرين، وأحيانا يجد راحته في لعب دور الطبيب النفساني الذي يأتي المرضى إلى جنبه لكي يتحدثوا إليه عن مشاكلهم وعقدهم وخيباتهم وخساراتهم.

في أوربا بمجرد ما تريد أن تشكو إلى أحدهم، يضع يده في جيبه ويخرج لك بطاقة طبيبه النفسي الخاص وينصحك بزيارته دون أن ينسى الثناء عليه، بسبب أسعاره المخفضة طبعا وليس بسبب احترافيته.

ولعل أحد الأسباب الرئيسية الكامنة وراء عدم إصابة المغاربة بالجنون حتى الآن هو قدرتهم الهائلة على التحدث عن مشاكلهم إلى أول شخص يلتقون به في القطار. وفي رحلة واحدة، يمكن إن كنت ثرثارا أن تسمع أكثر من قصة حياة واحدة، وتبكي بسبب أكثر من مأساة، وتضحك بسبب أكثر من ملهاة.

المغاربة شعب يحب المواطنون فيه أن يشركوا بعضهم البعض في قصص حياتهم، مثلما يحبون أن يشركوا الآخرين في طعامهم، فالمغاربة لا يقتسمون الشكوى فقط وإنما الأكل أيضا. وكم تشعر بأن الدنيا مازالت بخير عندما ترى طفلا صغيرا يحمل طبقا مغطى بمنديل مطرز وهو ذاهب به إلى بيت الجيران. والمرأة المغربية هي ربما المرأة الوحيدة في العالم التي تخجل أن تعيد إلى الجيران طبقا استعارته منهم دون أن تملأه لهم بشيء ما صالح للأكل.

ما زلت أذكر عندما اصطحبت ذات مساء أحد الأصدقاء الأجانب إلى الحمام الشعبي، وكيف استغرب عندما رأى كيف يتقدم شخص من شخص آخر لا يعرفه ويمد إليه الكيس ويطلب منه «شي تدويزة على الظهر». وقال لي إن مثل هذه الأشياء لا يمكن أن تحدث عندنا في أوربا، فلكي تطلب خدمة من شخص يجب أن تدفع له مقابلها، فقلت له إننا نحن أيضا ندفع مقابلا عن فرك الظهر، فقال لي كم، فقلت له إن المقابل ليس ماديا وإنما «الله يرحم بيها الوالدين»، فلم يفهم وطلب مني أن أترجم له «الله يرحم بيها الوالدين»، فقلت له إن مقابلها لا يوجد للأسف في لغتهم.

ولعل ألذ ما في المغرب هو أكله. والذين يعيشون بعيدا عنه يضطرون إلى العيش على لحوم تشبه قطع الخشب اليابس وخضر وفواكه بلا طعم تقريبا. وعندما يعودون إلى المغرب يأكلون بشهية مفتوحة عن آخرها وكأنهم ينتقمون لمعداتهم من كل ذلك «الكاواتشو» الذي كانوا يأكلونه في الغربة. فلحسن الحظ، لم يبدأ فلاحونا في قتل الأرض بالمواد الكيماوية كما قتلها آخرون قبلهم في بلدان أخرى، ومازال روث بهائمهم التي تجر محاريثهم يخصب الأرض في كثير من مناطق المغرب.

والذي يريد أن يكتشف القيم المغربية الحقيقية ما عليه سوى أن يقصد المغرب «الأقسى»، هناك حيث الرجل لا يملك طعام يومه، وعندما يلمح ضيفا في الأفق يخرج سمنا وعسلا قديما يختزنه لأيام المرض، ويسكبه في طبق ويضعه أمامك مع الخبز الساخن ويقسم عليك بأن تجلس لتأكل، دون أن يسألك عن اسمك وماذا أتيت تصنع في ذلك الخلاء.

وفي الجنوب المغربي، رأيت كيف يشعر المغربي بأخيه المغ ربي، وكيف يرسل الغني الجالس في المدينة البعيدة من ماله الخاص لكي يبني أبناء قريته الطريق من الدوار إلى السوق، وكيف يشيدون المستوصف والمدرسة في صمت تام ودون حفلات تدشين.

رأيت مغاربة يزورون مرضى في المستشفيات دون أن تربطهم بهم علاقة أخرى غير علاقة الدم المغربي، يشدون على أيديهم ويتركون لهم سلالا من الأكل جنب رؤوسهم ويمضون إلى حال سبيلهم حتى دون أن يعرف المرضى حتى أسماءهم؛ ومغاربة يتبرعون بأموالهم سرا للخيريات ويحرصون على ألا تظهر أسماؤهم في العلن؛ ورأيت مغاربة يتطوعون لتطبيب المرضى المعوزين في الجبال بدون علم وزارة الصحة.

رأيت صديقات بمجرد ما ينهين أعمالهن في المكاتب يقدن سياراتهن إلى المؤسسات الخيرية لكي يتطوعن للعمل مع اليتامى والمعوزين وأبناء السبيل، يمنحن وقتهن الثالث للآخرين ويجدن راحتهن في تضميد الجراح العميقة التي حفرتها الحياة على وجوه أطفال أبرياء وجدوا أنفسهم فجأة بين يدي المجهول.

رأيت كل ذلك، وقلت في نفسي إن الحياة في المغرب ليست سوداء بالشكل الذي تبدو عليه أحيانا، هناك بعض الضوء في النفق، وهذا الضوء بالضبط هو ما يجعل الكثير من المغاربة يفضلون البقاء هنا قابضين على جمر الوطن على الذهاب إلى هناك، حيث السراب عصي على القبض.
... تابع القراءة

«العظمة ما منوش غير الفلوس اللي ما عندوش»


إنه لمن المحزن دائما أن يضطر الصحافيون بين وقت وآخر لحضور جنازة مجلة أو جريدة، وتعزية مديرها بكلمات حارة قبل أن ينصرف المعزون إلى شؤونهم وينسى الجميع الفقيد مع مرور الوقت.
لكنه من المؤسف أيضا أن نرى كيف يتقبل الصحافيون الشتائم دون أن يحركوا ساكنا من عائلة الفقيد عوض الدعاوي بتعشير الخطوات.
عندما يقول «بوبكر الجامعي» أنه سيعتزل الصحافة نهائيا لأنه «لا مكان لصحافة حرة في المغرب»، فإنه يقول لكل الصحافيين الذين حجوا إلى مقر الحزب الاشتراكي الموحد لحضور تأبين مجلة «لوجورنال»، بأنه الوحيد الذي كان يمارس الصحافة الحرة في المغرب، وباعتزاله وإغلاق مجلته فإن الصحافة الحرة ستنقرض في هذه البلاد إلى الأبد.
إذا لم يكن هناك مكان لصحافة حرة في المغرب بعد بوبكر الجامعي ومجلة «لوجورنال»، فماذا نسمي كل هؤلاء المئات من الصحافيين ومدراء الجرائد والمجلات والإذاعيين وصحافيي التلفزيون الذين يمارسون مهنة الصحافة في المغرب اليوم.
إذا قبلنا بفرضية بوبكر الجامعي القائلة بأن الصحافة الحرة مستحيلة في المغرب، فإن كل ما يصدر اليوم في المغرب من صحف ومجلات ومنشورات تمارس صحافة العبودية. يعني أننا كصحافيين مجردين من حريتنا وخاضعين جميعا لأسياد في الدولة والحكومة والمؤسسات المالية يتحكمون في خطوطنا التحريرية.
إذا كانت هذه الحقيقة موجودة في المغرب فإنه سيكون من الظلم تعميمها على الجميع. هناك صحف وأقلام في المغرب تجاهد يوميا، حتى قبل أن يولد بوبكر ومجلته، لربح المزيد من مساحات الحرية دون أن تصل الأنانية وجنون العظمة بمديريها إلى حد اعتبار أنفسهم معيارا وحيدا للحرية والمصداقية والمهنية.
لقد ضيع بوبكر الجامعي فرصة أخرى لكي يلتزم الصمت، وكما قال كوليش «الأروع بين كل الذين ليس لديهم ما يقولون هم أولئك الذين يغلقون أفواههم».
فعندما يعطي بوبكر الجامعي لنفسه، وبشكل حصري، مهمة حمل لواء الحرية في الصحافة المغربية، فإن كثيرا من الصحافيين المغاربة ملزمون بطرح السؤال الكبير «إيوا وحنا، إلى السي بوبكر بوحدو اللي عندو التيتر ديال الحرية شنو كانديرو حنا فهاد لبلاد، كانلعبو قاش قاش».
إن مشكلة بوبكر الجامعي ومجلة «لوجورنال» بشكل عام هي أنه لم يمارس الصحافة يوما. فالولد المدلل القادم من البنك وصاحب أول بنك أعمال مغربي اسمه «أبلاين»، والموظف السابق في ديوان المستشار الملكي أندري أزولاي، ظل منذ «طرده» من جنة المخزن يمارس السياسة وليس الصحافة.
والمدهش في الأمر أن كل مؤسسي «لوجورنال» جاؤوا إلى الصحافة إما من البورصة أو البنوك أو شركات التأمين. ولهذا ربما اختلطت عليهم دفاتر الصحافيين بدفاتر الشيكات، ورؤوس الأقلام برؤوس الأموال.
وبمناسبة الحديث عن رؤوس الأموال، فالشخص الذي كان يجب أن يحضر إلى ندوة تأبين «لوجورنال» لكي يجيب عن أسئلة الصحافيين بخصوص الديون التي تراكمت على الشركة الناشرة للمجلة ليس هو بوبكر الجامعي، لأن هذا الأخير ليس هو «مول الشي»، بل ملياردير اسمه فاضل العراقي يملك أغلب أسهم المجلة.
ويبدو أن المانع من حضور فاضل العراقي لحفل تأبين مجلته لم يكن خيرا. فطيلة الأسبوع الأخير تنقل المساهمون في المجلة ومدير نشرها إلى باريس حيث يقضي العراقي عطلته متنقلا بين إقامته في أحد أرقى أحياء باريس وفيلته بمدينة «ماربيا» الإسبانية. وطيلة هذه الاجتماعات الباريسية فشل الجامعي في إقناع العراقي بالاستمرار في مغامرة فاشلة اسمها «لوجورنال».
وهكذا شرح العراقي لأصدقائه أن إكرام الميت دفنه، وأن المجلة وصلت إلى المحطة الأخيرة ويجب على الجميع النزول. فقد ضبط المراقب الركاب وهم «سالتون» بدون تذاكر، وأجبرهم على النزول في الطريق واقتادهم أمام مفتش المحطة لكي يدفعوا ثمن تذاكر كل المحطات التي «سلتو» فيها منذ 12 سنة خلت.
بعبارة أخرى لقد فهم الملياردير فاضل العراقي، ابن محمد العراقي والي ديوان المظالم، أن مفتش الضرائب سيدس أنفه بأمر من المحكمة في حساباته البنكية وممتلكاته الشخصية لكي يستخلص ضرائب الدولة التي في ذمته.
أي مثال سيء هذا الذي يعطيه ابن والي ديوان المظالم للمغاربة عندما يرى كيف ظلت مجلته تسرق الدولة وحقوق العاملين بها طيلة كل هذه السنوات دون أن يتدخل لتطبيق القانون الذي يجب أن يكون فوق الجميع. لماذا لا يلجأ فاضل العراقي إلى وضع شكاية لدى والده في ديوان المظالم إذا كان يعتقد أن هذا الديوان يصلح فعلا لحل مشاكل الناس. وإذا لم يفعل فهذا يعني أنه يعتقد أن هذه المؤسسة صورية فقط، وإذا كانت صورية فلماذا لم يهاجمها بوبكر الجامعي في «لوجورنال» قط، مثلما يصنع بشراسة مع كل المؤسسات وخصوصا المؤسسة الملكية.
وأي نفاق مفضوح هذا الذي يعبر عنه بوبكر الجامعي عندما يقول أن مجلته دافعت دائما عن الفقراء ولم تدافع قط عن الأغنياء. لماذا دافعت المجلة عن عائدات فاضل العراقي السنوية من الأرباح، عندما كان القسم الإشهاري لهذه الأخيرة يرفض نشر الإعلانات، ليس بسبب موقفها من الإشهار وإنما لأن المجلة كانت منتفخة حتى التخمة بالإشهار ولم تكن تجد مكانا صغيرا في صفحاتها للمزيد منه.
كل الصحافيين ورجال الأعمال وشركات الإشهار يتذكرون تلك الأمسيات الصاخبة التي كانت تنظمها «لوجورنال» في فندق «شيراتون» للمعلنين، والتي كان «الويسكي» و«النبيذ» المعتق الباهظ يجري فيها أنهارا بالمجان بين موائد المدعوين. كان ذلك يحدث والمجلة في أوجها، وعائدات الإشهار الذي كان يتزاحم على صفحاتها تضمن لصحافييها المقربين رواتب خيالية وإمكانية التنقل إلى كل أرجاء العالم، وتنظم لمستخدميها رحلات سياحية إلى فنادق تجمعها بالمؤسسة شراكات في إطار تبادل الخدمات الإشهارية.
ورغم تحقيق المجلة للتخمة المالية فقد كانت تمتنع عن دفع ديونها ومستحقات مستخدميها لدى صندوق الضمان الاجتماعي. هؤلاء الذين ضاعت عشر سنوات من تقاعدهم هباء منثورا. هل هذا هو الوقوف إلى جانب الفقراء يا ترى.
وعندما يقول بوبكر الجامعي أن السبب الرئيسي في عدم دفع المجلة لديونها راجع إلى شح الإشهار ودفعهم لثمانين مليونا لبنعيسى، فإنه يخفي الحقيقة عن قرائه وعن الرأي العام. فالأسباب الحقيقية لرفض دفع الديون ومستحقات صندوق الضمان الاجتماعي، حتى والمجلة تحقق عائدات مالية مهمة بفضل الإشهار، هو إحساس «مالين الشي» بأنهم فوق القانون، وأن قربهم من رجال «المخزن» آنذاك يجعلهم في مأمن من ضرباته.
وإحدى هذه الضربات «دازت لفاضل العراقي على الودن»، عندما ضبطت الشرطة في بيته كؤوس البلار التي سرقت من قصر الحسن الثاني. وبقدرة قادر تم إطلاق سراح العراقي بعدما دخل والده القاضي على الخط، فيما حوكم بقية أبناء الشعب بسبب طنجرة وملاعق مسروقة من قصر مراكش، وعذبوا في كوميسارية جامع الفنا عذابا شديدا على يد «عبد العزيز إزو» مدير أمن القصور الملكية آنذاك الذي أحضر فرقة من كناوة لكي يضربوا القراقب أمام الكوميسارية حتى لا يصل صراخ المعتقلين إلى أسماع السياح. فأحياك ربك حتى شاهدت «إزو» في الأصفاد يدخل السجن بسبب تورطه في ملف المخدرات، وخرج المتهمون بسرقة مطبخ القصر ليعانقوا الحرية.
لذلك كله فإن تهديد بوبكر الجامعي باعتزال ممارسة الصحافة نهائيا في المغرب وبنفي نفسه إلى أمريكا من جديد، لم يعد يخيف أحدا. بل أصبح هذا التهديد يبعث على الشفقة من حال شاب ذي قلم موهوب وذكي تضخمت للأسف أناه بشكل مرضي إلى الحد الذي أصبح يضع نفسه في كفة واستقرار المغرب الداخلي ومستقبل الحرية فيه في الكفة الأخرى.
إن الحل المنطقي لعودة «لوجورنال» وبوبكر الجامعي إلى الساحة الإعلامية، بسيط للغاية ولا يستدعي كل هذه «المندبة» وهذا العويل الجماعي. وهو أن الملياردير فاضل العراقي، مالك أغلبية أسهم المجلة، عليه أن يضحي بجزء بسيط من ثروته وأن يدفع ديون مجلته للبنوك ولصندوق الضمان الاجتماعي. وهو الذي يستطيع أن يفتح دفتر شيكاته ويدفع مقابل لوحة تشكيلية أو منحوتة فنية مئات الملايين من أول نظرة.
إنه لمن العار أن تخصص مجلة ملفات صحافية حول لصوص صندوق الضمان الاجتماعي في الوقت الذي لا تدفع فيه هذه المجلة انخراط مستخدميها في هذا الصندوق.
وإذا كانت جريدة الوزير الأول، جدتنا «العلم»، تخضع هذه الأيام حساباتها لمراجعة ضريبية، وإذا كانت جرائد مجموعة «ماروك سوار» التابعة للقصر قد خضعت سنة 1996 لمحاسبة عسيرة من طرف صندوق الضمان الاجتماعي ودفعت له كمتأخرات الملايير من السنتيمات في عهد البصري والحسن الثاني، فكيف تريد «لوجورنال» أن تكون وحدها معفاة من دفع ضرائبها وديونها دون بقية الشركات.
أي مثال سيء هذا الذي يعطيه مسيرو هذه الشركة للمقاولين المغاربة.
على بوبكر الجامعي، الذي يهدد بالهجرة إلى أمريكا، أن يغامر بتأسيس مجلة في واشنطن أو نيويورك ثم يمتنع عن دفع الضرائب للدولة كما صنع في المغرب، وسيرى هل سينفعه هناك فاضل العراقي أو والده في ديوان المظالم. «والله وما خلصتي الضريبة فالميريكان حتى تلقا راسك فالحبس».
«سير وجرب عالله، ما تعرف تصدق».
... تابع القراءة

سْكُت لَـمُّك سْكُت


كل الذين تابعوا نشرة أخبار الثامنة والنصف بالقناة الأولى ليلة السبت الماضي، فهموا الرسالة الإعلامية التي يود المدير العام للقطب العمومي «المتجمد» إرسالها، وهي أن الإعلام العمومي يوجد في خدمة «الناس الألبة»، وإذا تعرض لمآسي المواطنين فمن باب التشفي ليس إلا.
والدليل على ذلك أن نشرة الأخبار افتتحت تقاريرها بعمليات إلقاء المواد الغذائية عبر مروحيات الدرك الملكي لإغاثة سكان زاوية أحنصال بنواحي أزيلال المحاصرين وسط الثلوج، وصورت معاناة آلاف المواطنين الذين يتصارعون من أجل الظفر بكسرة خبز أو غطاء يدفئ أطفالهم في تلك الجبال الوعرة.
لكن القناة أصرت على ختم النشرة بتقرير مصور عن سهرة ليلة الجمعة، عيد المسلمين، التي أحيتها المغنية اللبنانية «إليسا» في مرقص كباريه «مازاغان» بالجديدة، حيث وصل ثمن الدخول إلى 4000 درهم للضيف. طبعا، لم تنقل نشرة أخبار القناة الأولى الموائد المليئة بكؤوس الويسكي والشامبانيا التي جرت أنهراها تلك الأمسية بالمجان. فثمن «الشراب» داخل في ثمن السهرة، «شرب حتى طرطق».
ما الذي يجمع، إذن، بين تقرير حول مواطنين في نواحي أزيلال، يموتون بردا وجوعا ويتسابقون للظفر بأكياس الأكل التي تلقي بها إليهم مروحيات الدرك الملكي من السماء بعد أن عجزوا عن الوصول إليهم عن طريق البر بسبب الطرق المهترئة التي سدتها الثلوج، وبين سهرة راقصة ثمن الدخول إليها يعادل مرتب موظف في السلم التاسع؟ لا شيء سوى «قليان السم» للشعب وإفهامه أن هناك مغاربة «مضروبين بركلة» يعيشون تحت الصفر، ومغاربة «ضاربين الدنيا بركلة» يعيشون «فوق السلك».
هذه هي الصورة الحقيقية للمغرب اليوم.. مغرب المتناقضات الفاجعة. وكم كنا سنشعر بالفخر لو أن المشرفين على مثل هذه التظاهرات وظفوا خيالهم الاستثماري للتخفيف من معاناة إخوانهم المغاربة الغارقين وسط الثلوج. فماذا كان سيمنعهم مثلا من الإعلان عن تخصيص جزء من مداخيل الحفل لإغاثة منكوبي الثلوج بالمغرب، مثلما فعل فنانو فرنسا عندما توحدوا وتجندوا لتنظيم حفلات فنية وتخصيص عائداتها المالية لمنكوبي زلزال هايتي.
في المغرب، لدينا المئات من ضحايا الفيضانات لازالوا يعيشون منذ سنة في غابة المعمورة وسط «الحلوف»، ولدينا منكوبون في قلب الدار البيضاء دمرت السيول منازلهم لازالوا يعيشون وسط خيام الوقاية المدنية، ولا أحد من منظمي كل هذه المهرجانات الفنية والسينمائية فكر في تخصيص جزء يسير من ميزانيته لإغاثة هؤلاء المنكوبين. ولا فنان واحدا من هؤلاء المشاهير فكر في مجرد التذكير بمأساة هؤلاء البسطاء، وكأن هؤلاء الفنانين بدون قلب وبدون مشاعر إنسانية.
في كل البلدان نرى كيف يتبرع نجوم الرياضة والفن والسينما للفقراء والأيتام والمساكين، إلا في المغرب «مكاين غير راسي يا راسي». ولا نجم كرة واحدا أو نجما من نجوم ألعاب القوى سمعنا أنه تبرع بجزء من ثروته لصالح مؤسسة لرعاية الأيتام أو جمعية خيرية أو مستشفى. «بنادم ملهوط الله يحضر السلامة».
وهذه «اللهطة» لجمع المال لا تقتصر فقط على أغلب مشاهيرنا في الرياضة والفن، بل تشمل أيضا بعض مؤسسات الدولة كصندوق الإيداع والتدبير الذي دخل به مديره الجديد في رأسمال «مزاغان» وينوي تقوية مشاركته مستقبلا، مع العلم بأن هذا المشروع يعتمد بالأساس في مداخيله على موائد القمار.
ورغم أن الصندوق دخل في رأسمال هذا «الكازينو» الضخم من ماله الخاص الذي راكمه من وراء أرباح مشاريعه المتعددة، فإن اقتران صورة صندوق الإيداع والتدبير، كصندوق لجمع أموال اليتامى والأرامل، بصورة «كازينو» للقمار يجعل هذه المؤسسة، التي أنشأتها حكومة عبد الله إبراهيم «الله يذكرو بيخير»، تفقد بريقها كمؤسسة وطنية ترعى أموال «المحاجير».
وما على مديرها السي العلمي سوى أن يتأمل ما قامت به شركة «SNI» التابعة للهولدينغ الملكي عندما خرجت من رأسمال «مزاغان» لهذا السبب بالضبط، مثلما تخلت عن استثماراتها في «مكاو» عندما اكتشفت أن هذه الاستثمارات لديها علاقة بالكازينو.
ولكي نعود إلى موضوع استعمال وسائل الإعلام العمومية لقلي السم للمغاربة، يمكن أن نسوق كمثال لهذا «القلي» المنظم للسم من طرف الماسكين بخناق الإعلام العمومي، تلك الحلقة السخيفة من برنامج «نقط على الحروف» على شاشة القناة الثانية التي استضاف منشطها وزيرة الصحة ياسمينة بادو خصيصا لكي ترد على الحملة التي بدأت تطل برأسها للاحتجاج على احتكار عائلة آل الفاسي الفهري لمناصب المؤسسات العمومية والحكومية في المغرب.
وعوض أن تعترف وزيرة الصحة، وزوجة المدير العام للماء والكهرباء وجامعة الكرة، بالحقيقة المرة التي صار يعرفها القاصي والداني، والتي تقول إن عائلة آل الفاسي الفهري أصبحت «ملهوطة» على المناصب، فضلت «الوزيرة الضاحكة» تغطية الشمس بالغربال والهروب إلى الأمام، بمساعدة المنشط الناشط و»الماشط»، واتهام كل من يروج هذه الحقيقة بالعنصرية تجاه الفاسيين الفهريين.
رغم أن هذا المنشط البناني واحد من المتخصصين في رسم الشجرة الفاسية الفهرية وتفصيل الحديث عن أصولها وفروعها في المجلة التي يكتب فيها، فإنه، وكأي صحافي «مهني»، يعرف الفرق بين الصحافة المكتوبة والصحافة التلفزيونية المكبوتة. الكبت هنا بمعناه الإعلامي وليس الجنسي. ولذلك فضل أن يدهن «البوماضا» للضيفة عوض أن «يدير ليها الصابونة» بأسئلته التي تعلمها في جنس الاستنطاق الذي علمه إياه زميله ابن عميل المخابرات السابق خريج الكاب 1.
وحتى تزيد ياسمينة «الخل على الخميرة» شبهت ما يحدث لعائلتها بما حدث للمغاربة أيام الحماية بسبب الظهير البربري الذي أراد تقسيم المغاربة إلى عرب وبربر. يعني أن هناك، حسب وزيرة الصحة، من يريد تقسيم المغاربة إلى مغاربة «فاسيين فهريين» ومغاربة «كحل الراس».
وربما هذه أول مرة أتفق فيها مع ياسمينة بادو، فهناك فعلا من يريد تقسيم المغاربة إلى «فاسيين فهريين» و«كحل الراس»، وليس قبل سنة أو سنتين، بل منذ الاستقلال وإلى اليوم. ولعل أحسن من يقوم بهذه المهمة هو حزب الاستقلال والعائلة الفاسية الفهرية التي تنحدر منها سعادة الوزيرة.
وإذا كان هناك من جهة تحرض اليوم في المغرب على العنصرية واستحضار الرائحة العطنة لجثة متعفنة اسمها الظهير البربري، فهي الجهة التي تقف خلف وضع أصهار وأبناء وأحفاد العائلة العباسية الفاسية والفهرية في مواقع المسؤولية بالمؤسسات العمومية.
وليست قطعا الجهات الإعلامية التي تنتقد هذه «اللهطة» وتفضحها هي التي تحرض على العنصرية، لأن هذه الجهات الإعلامية التي تتهمها ياسمينة بالعنصرية، وتقصد «المساء» بشكل خاص، «حيت حنا اللي جبدنا عليهم النحل»، تناضل من أجل تطبيق العدالة الاجتماعية بالتساوي على جميع أبناء المغرب بغض النظر عن أسمائهم العائلية وانتماءاتهم الحزبية. وعوض استعمال نفوذ رضى الشامي لدى أصدقائه القدامى في شركة «مايكروسوفت»، التي كان يدير فرعها في المغرب، من أجل إغلاق صفحة «الفيسبوك» التي أنشأها شباب مغاربة احتجاجا على تزايد نفوذ آل الفاسي الفهري، قبل أن يعوضوها بصفحة جديدة أطلقوا عليها «سكت لمك»، كان على ياسمينة أن تتحلى بفضيلة الحوار وتناقش الموضوع بدون اتهامات.
إن ما يحرض على الكراهية الاجتماعية بين الطبقة المرفهة في المغرب، القادرة على دفع 4000 درهم من أجل عشاء في «مازاغان»، والطبقة المسحوقة، التي تمثل غالبية أبناء الشعب التي تكدح طيلة الشهر للحصول على نصف هذا المبلغ، هو هذا التركيز المفرط للمناصب لدى عائلة واحدة، تقول عنها ياسمينة إنها استحقت هذه المناصب بفضل ذكاء أفرادها وكفاءتهم العالية، وكأنهم «قراو غير بوحدهم».
ومادامت ياسمينة تحب الحديث عن الذكاء والكفاءة العالية، فلتقل لنا، هي التي ورثت «تاويزاريت» عن جدها، كم قضية ربحتها عندما بدأت مشوارها المهني كمحامية فاشلة في الدار البيضاء لا تستطيع حتى دفع ثمن كراء مقر مكتبها لولا مساعدة زوجها.
هل تستطيع أن تشرح لنا ياسمينة كيف سطع نجمها في سماء «تاموحاميت» مباشرة بعد تولي إدريس بنهيمة لولاية الدار البيضاء، وما هي الملفات التي «ربحتها» من وراء تعيين هذا الأخير.
هل تستطيع ياسمينة، التي تتجرأ اليوم في قناة عمومية نمولها من ضرائبنا، على اتهامنا بزرع العنصرية لمجرد أننا انتقدنا سيطرة عائلتها على المناصب العمومية، أن تشرح لنا ولعموم الشعب المغربي كيف أصبح مكتب الهندسة الذي تديره ماجدة الفاسي، ابنة عباس الفاسي، وفي ظرف سنوات قليلة، واحدا من أهم مكاتب الهندسة في المغرب. هي التي كانت مجرد مهندسة داخل الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق.
وهكذا، وفي ظرف قياسي، أصبح مكتب المهندسة ماجدة يدير الملفات الهندسية المهمة للوكالات التابعة لوزارة الإسكان التي، ويا للمصادفة العجيبة، يديرها وزير من العائلة الاستقلالية اسمه توفيق احجيرة. «واك واك آ الحق، واش كاين شي استغلال نفوذ كثر من هادا».
وفي الأخير، تأتي ياسمينة بادو إلى التلفزيون العمومي، الذي يموله المغاربة من ضرائبهم، لكي تحرف الحقائق وتذرف دموع التماسيح وتجعل من الجلاد ضحية ومن الضحية جلادا، معطية الدليل مرة أخرى على أنها أحسن من يطبق قاعدة «ضربني وبكا سبقني وشكا».
مع أن المكان الحقيقي الذي كان على ياسمينة أن تقف فيه وتدافع فيه عن نفسها وعائلتها هو البرلمان. فداخل هذا المكان أثير سؤال حول استغلال عائلة آل الفاسي الفهري للمناصب العمومية، وفي هذا المكان يجب تقديم الحساب، وليس في برنامج مطبوخ بعناية، تعرف فيه الوزيرة السؤال والجواب مسبقا عملا بالحكمة التي تقول «دق وقول شكون».
وكم ضحكت عندما قالت الوزيرة للمنشط «الماشط» جوابا عن سؤاله حول سبب إعراضها عن الظهور أمام المغاربة في التلفزيون وهي تخضع للتلقيح ضد «أنفلونزا الخنازير»، إنها لم تظهر وهي «تضرب الشوكة» لأنها «حشمات».
من يعرف ياسمينة بادو ويعرف هوسها بالموضة والألبسة «القرطيطة» يندهش عندما يسمعها تتحدث عن خجلها من تعرية ذراعها أمام المغاربة للخضوع للتلقيح. «نتي في عار الله أمدام، ياكما خفتينا ناكلوك».
... تابع القراءة

سمع على ودنيك


لدي في بريدي رسالتان مهمتان لوزيرين في الحكومة: الأولى لغلاب الذي يريد تطبيق مدونة السير في أكتوبر، دون أن يأخذ بعين الاعتبار تداعيات هذه المدونة على مستعملي الطريق، والثانية لوزير الهجرة عامر الذي يريد التكفل بمصاريف تذاكر سفر المغربيات اللواتي يشتغلن في الدعارة بالخليج نحو المغرب، وينسى أن هناك جثثا لمهاجرين مغاربة تعيش عائلاتها الجحيم من أجل إعادتها إلى أرض الوطن، أولى بالتكفل بها.
لو أنني مكثت أكتب يوميا حول مدونة السير الجديدة لما نجحت في إيصال المعنى مثلما استطاع ذلك قارئ بعث إلي برسالة من إيطاليا يتحدث فيها عن معاناته مع آفة الرشوة على الطرقات المغربية.
حتى لا أطيل عليكم أترك سعادة الوزير يقرأ ما جاء في رسالة «شيفور» سابق «عفا عليه الله»، فهي تلخص معاناة «الشوافرية» مع «صحاب الوقت»:
«أنا مغربي مقيم بإيطاليا، بعد أن نلت شهادة الباكلوريا سنة 97 وعشت البطالة لسنتين، وبعد تردد طويل، قرر أخي «الشيفور» أن يأخذني إلى هذا العالم العجيب، عالم «الشيفورات». بعد سنتين كـ«كريسون» مع أخي طبعا، حصلت على رخصة سياقة «الرموك» ودخلت في الحرفة. هذا العالم يبدأ من مرحلة الحصول على «البيرمي»، فهناك سائقون أميون لا أحد يعرف كيف حفظوا «الكود»، وآخرون لا يعرفون سياقة دابة فما بالك بشاحنة حمولتها القانونية 24 طنا، وهي الحمولة التي لا تحترم طبعا لأنها «ممسلكاش الباطرون» لتصل إلى 42 طنا. لا يهم، لأن «مصروف الطريق» يحل الأمر. و«مصروف الطريق» لمن لا يعلم هو الرشوة للدرك والشرطة وحتى مفتشية النقل. هل تعلم أخي أن لكل حقه، أو بمعنى آخر«كلها وتمانو». فالشرطي قد يقبل منك حتى خمسة دراهم، و«الجدارمي» من عشرة إلى مائتين إذا كانت المخالفة تستحق «الفوريان». أما مفتشو النقل فلن يقبلوا منك أقل من خمسين درهما.
وكمثال وصورة لهذا الواقع، كنت أنقل الرمال من القنيطرة، (وموضوع الرمال هذا مليء بالمغربات)، إلى مدينة خريبكة. فبعد تعبئة الشاحنة «خصك توجد الصرف للطريق، «للمخزن زعما». بعد الخروج من المقلع، تجد على يمينك الشرطة وعلى يسارك الدرك، فإذا أردت المرور عبر القنطرة الموجودة على وادي سبو في مدخل المدينة والممنوعة على الشاحنات، عليك تأدية مائة درهم كرشوة للشرطة، وإلا فستضطر إلى تغيير الاتجاه عبر «سيدى علال التازي» وتكتفي بعشرين درهما للدرك الموجود على يسارك وعشرين أخرى إذا صادفوك في مركز «علال التازي». زد على ذلك، ثمن «الكازوال» لأن المسار سيكون أطول من الأول.
عندما تصل إلى محطة الأداء للقنيطرة، تؤدي ثمن الطريق السيار بالإضافة إلى عشرين درهما لدرك «باراج الموطار ديال سلا، والله لادزتي بقل من 50 درهم». والبوليسي الواقف في مدخل سلا الجديدة، على «الكريسون» أن يرمي له 10 دراهم «شقفة»، وكذلك «بوليسي مرجان» إذا أوفقك، و20 درهما لدرك تمارة، و30 درهما لمحطة أداء بوزنيقة وكذلك المحمدية، وإذا كان «زهرك مكفس» ووجدت «لاجودان» تصبح 50 درهما، و30 لمطار محمد الخامس، و20 لدرك برشيد وخريبكة. «على سلامتنا».
فعلا، إنها ميزانية ضخمة، وكسائق سابق بالمغرب وحالي بإيطاليا، التي استمد منها غلاب مدونته، ربما كنصيحة من زوجته الإيطالية، أتساءل عن جدوى قوانين هذه المدونة مع وجود كل هذه الرشوة.
ومقارنة بالمغرب، أنا أعمل سائقا بإيطاليا وإلى حد الآن لم يوقفني أحد منذ خمس سنوات، ليس لقلة المراقبة وإنما لعدم وجود «الحكرة» الموجودة في المغرب. فالسائق مذلول، وإذا كنت محظوظا بالعمل مع أحد الكولونيلات أو الجنرالات الذين أصبحوا يملكون القسط الأكبر من الشاحنات، فذلك سيحميك من أخذ نصيبك من «البروصيات»، أما عامة السائقين فسب وشتم بل وحتى الضرب.
في بعض الأحيان، يصادفك قائد مقاطعة أو مفتش أمن، يطلب منك رخصة السياقة ثم يضعها في جيبه ويبتعد بسيارته، فما عساك أن تفعل، أليس هذا ما يدفع الشباب إلى ركوب قوارب الموت؟
فاللهم الذل مع النصارى ولا الذل مع خوتك المغاربة والمسلمين يا حسرة».
أما الرسالة الثانية فهي لمهاجر مغربي يروي معاناة كبرى يعاني منها كل المهاجرين المغاربة، وهي مشكلة نقل رفات أمواتهم إلى المغرب. عسى أن يفهم وزير الهجرة، الذي يريد تخصيص نصيب من أموال دافعي الضرائب لدفع مصاريف نقل المغربيات من بارات الخليج إلى المغرب، من خلال هذه الرسالة جزءا مما يعاني منه عمالنا المهاجرون في الخارج:
«كما نعرف جميعا أخي، من أجل تقدم أي شعب أو أمة فهناك أسس وثوابت، أهمها العدل والتعليم والبحث العلمي والأمانة، أمانة الحكام الساسة وممثلي الدولة في جميع الاختصاصات.
وكمهاجر مغربي من بين آلاف المغاربة في دول العالم، أود أن أتكلم عن بعض المشاكل التي نعاني منها ولقوله تعالى «وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت».
ماذا أعدت الحكومات السابقة والحكومة الفاسية للمهاجر عندما تتوفاه المنية في أرض المهجر، وما مدى حرصها على كرامة الميت. فمسطرة نقل الجثمان تأخذ إلى حد الآن، على الأقل، خمسة أيام. فتجربتي الخاصة، لأخ توفي لي وصديق هناك أيضا، أظهرت لي مدى العراقيل التي يواجهها أهل الميت، وخصوصا تصريح المرور من القنصليات المغربية والذي يمكنك الحصول عليه فقط في أوقات الديمومة ويستغرق الحصول عليه وقتا كبيرا ما بين القنصلية والداخلية بالرباط. وإن تصادفت مع نهاية الأسبوع أو يوم عطلة «راك تما بقيتي».
مع أننا هنا في الإدارة المحلية يكفينا نصف يوم للحصول على ما نحتاجه من الوثائق من الدولة الأجنبية حيث نقيم.
فأما عندما نصل بالجثمان إلى بلدنا الحبيب فتلك هي الكارثة العظمى، فعند الوصول إلى مطار محمد الخامس ينزلونك من الطائرة كأي حقيبة وربما يعتنون بالحقيبة أكثر منك. ويأخذونك إلى مخزن البضائع، وإن كان أحد برفقتك فعليه المرور وأخذ الصف كجميع السياح أو القادمين لزيارة. وعندما وصلت وتعديت شرطة الحدود، وصلت عند الديوانة «لاسلام ولا كلام» قال لي «كاين شي فلوس»، ثم قال لي «دور معايا». لم أجبه وأخذت حقيبتي وانصرفت ومررت للمسطرة المغربية لتسلم الجثمان وعيناي مغرورقتان بالدموع.
وإلى حدود الآن، لا أعرف ما هو دور الطبيب هناك، والذي عليك الحصول على إمضائه لجثمان داخل صندوق مهيكل بالفولاذ وملحم بشكل جيد!
«قلنا مشي مشكيل». وبعد مرور ساعتين من الانتظار على باب مكتب سيادة الطبيب، وللعلم فقد صادف وصولنا بجثماننا وجود أربعة متوفين في نفس الوقت والجميع ينتظر توقيع سعادة الدكتور والحرقة والألم والحزن تأكل قلب الجميع. وعند وصول سعادته، بوجهه المبتسم الضاحك المبتهج، تذكرت مستخدمي المستشفى الإيطالي المسيحي، حضرني مدى تأثرهم وحزنهم واحترامهم لمشاعرنا وتهييئهم لقاعة الغسل وبقائهم رهن إشارتنا، وتذكرت تعزية الطبيب الشرعي الإيطالي لي وصبره معنا حتى الانتهاء من طقوس التغسيل وإعداد الجثمان.
وقارنت كل ذلك بما نلاقيه من إخواننا المغاربة عندما نأتي بموتانا لدفنهم في بلادهم. ولعل ما يحز في النفس أن المهاجر يكد ويجد طوال عمره من أجل إرسال المال إلى المغرب، وعندما يموت يطالبونه بدفع رسوم للجمارك على مرور جثمانه. «الديوانة حتى على الموتا». الجمارك المغربية «تنتفك حي وتنتفك ميت، الله على شوهة».
نحن لا نطلب من الحكومة المغربية التكفل بمصاريف النقل كما تفعل الجارة التونسية مع رفات مهاجريها، فالمغاربة ولله الحمد كرماء، فقط نطلب تسهيل المسطرة.
فالمجلس الأعلى للجالية ووزير الجالية «راهم هنا غير للزينة وخسران لفلوس فالحفلات الخاصة والعامة».
المرجو أيها الأخ الكريم إيصال هذا المشكل إلى وزيرنا الكريم، فأنتم السلطة الرابعة».
اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.
... تابع القراءة

دهن «السَّيرْ» يسير


توصلت، كغيري من مدراء الجرائد، برسالة من بعض الفرق البرلمانية للمشاركة في ندوة تود هذه الفرق تنظيمها حول الصحافة. وقد أسند أمر تنظيم هذه الندوة إلى جمال الدين الناجي، الشخص نفسه الذي كان إدريس البصري قد كلفه بإعداد أرضية المناظرة الوطنية حول الإعلام.
عندما اطلعت على الرسالة، قلت مع نفسي إن الفرق البرلمانية تركت «تشطيب» باب دارها وأرادت «تشطيب» أبواب عباد الله. فالإشكالية الأخطر والأكثر استعجالية التي تحتاج إلى أيام دراسية ليست إشكالية الصحافة، بل إشكالية تسفيه وتتفيه العمل التشريعي في البرلمان بسبب غياب النواب أثناء التصويت على القرارات والقوانين المصيرية التي ترهن ثلاثة وثلاثين مليون مواطن.
فالصحف، رغم كل المشاكل التي تواجهها، تصدر بانتظام ولا تخلف مواعيدها مع القراء، أما البرلمانيون الذين يريدون إعطاءنا الدروس فالأغلبية الساحقة منهم تقاطع جلسات البرلمان. فمن يحتاج، إذن، إلى ندوات لدراسة أحواله، نحن أم البرلمانيون؟
ولعل أخطر قانون سيدخل حيز التنفيذ في المغرب هو قانون مدونة السير، لم يصوت عليه في البرلمان سوى ثلاثين نائبا، الآخرون تغيبوا عن الحضور. والسبب باح به بعضهم في مأدبة عشاء عندما اشترطوا من أجل حضورهم دفع مصاريف الفندق والنقل والأكل، لأن الراتب الشهري الذي يتقاضونه يعوضهم عن التمثيلية البرلمانية وليس عن الحضور.
وهي فعلا «تمثيلية»، إلا أنها تمثيلية هزلية ستنقلب قريبا إلى دراما وطنية، خصوصا عندما ستدخل مدونة السير حيز التنفيذ. فيبدو أن هؤلاء الممثلين الثلاثين، الذين صوتوا لصالحها، لم يطلع أكثرهم على البنود التي تنص على العقوبات السالبة للحرية والتي تهدد السائقين بالسجن وسحب رخصة السياقة منهم بشكل نهائي.
ولكي تفهموا خطورة القانون الذي صوت عليه البرلمان بالموافقة، عليكم فقط أن تعرفوا أنكم إذا كنتم تسوقون سياراتكم في احترام تام للسرعة، وفي وعي كامل، وحدث أن خرج شخص ما إلى الطريق وصدمتموه بالسيارة فتسببتم له في جروح غير إرادية، فإن عقوبتكم هي السجن. أما إذا مات الشخص المصدوم، حتى ولو كانت الحادثة غير إرادية، فمدة السجن تزداد.
وإذا كان السائق موظفا عموميا فما عليه سوى أن يقول وداعا للوظيفة. ففي أسلاك الوظيفة العمومية الإدارة «على سبة»، ويكفي أن تحصل على شهر من السجن لكي «يضربو عليك بالستيول حمر» من لوائحهم وإلى الأبد.
مشكلة مدونة السير ليست فقط في العقوبات الحبسية التي تنص عليها عند اقتراف بعض المخالفات، ولكن مشكلتها الكبرى ستكون هي «الباطل» الذي لا يتوانى كثيرون من شرطة المرور والدرك في «تطياحه» على عباد الله. وهكذا، ستتحول طرقات المملكة بسبب هذه المدونة إلى «رحبة» مفتوحة للمزايدة حول النقط الثلاثين التي حددتها وزارة غلاب لكل سائق في «البيرمي»، فالقرار في نهاية المطاف يبقى في يد شرطي المرور. ومع كل الرشوة المنتشرة في البلاد، سيصبح لكل نقطة ثمنها المحدد. هكذا سيظهر إلى الوجود نشاط تجاري جديد اسمه سوق النقط. فلكي تحافظ على نقطك الثلاثين، أي في نهاية المطاف على «البيرمي» الذي يمكن أن يكون مصدر عيشك، ما عليك سوى مقايضة النقط بالمال.
وبالإضافة إلى «الباطل» الذي يرميه بعض رجال شرطة المرور والدرك على عباد الله، هناك كارثة وطنية أخرى وهي أن العلاقة بين السائق وشرطة المرور والدرك تشبه العلاقة بين «طوم وجيري»، فهي مبنية على «التحصال» أكثر مما هي مبنية على السلامة واحترام القانون. فالشرطي يختفي وراء الأشجار وينصب «الرادار» في أمكنة لا يمكن أن «تيطح» على بال الشيطان. وإذا نجحت في الإفلات من فخ «الرادار»، فإنك لن تنجو حتما من فخ بعض إشارات المرور التي يضبطها بعض رجال الشرطة على مزاجهم. فيمكن أن يشتعل «الليموني» أمامك، وبمجرد ما تتقدم مترا واحدا يشتعل الأحمر، وتجد الشرطي بانتظارك في الطرف الآخر من الشارع مخيرا إياك بين 400 درهم لصندوق المحكمة أو 50 درهما لجيبه. وأحيانا يمكن أن تمر في الضوء الأخضر، ومع ذلك يوقفك شرطي المرور ويقسم لك بأغلظ الأيمان أنك أحرقت الضوء الأحمر.
وهذه الواقعة عشتها برفقة أحد الأصدقاء في مدخل الدار البيضاء. وحاولنا عبثا إقناع الشرطي بأننا مررنا في الأخضر. لكن صاحبنا كان مصرا على رأيه ولم يكلف نفسه حتى الاستماع إلينا، فقد كان منشغلا بتحرير المخالفة. فركبت رقم أحد ولاة الأمن وسألته إن كانوا يجرون فحوصات طبية على رجال شرطتهم للتأكد من قدراتهم البصرية وما إذا كان بعضهم يعاني من عمى الألوان دون أن يدري. فاستغرب سؤالي وسكت لحظة، قبل أن أشرح له القصة. فطلب مني أن أقطع الخط وأنه سيتولى حل المشكل. وبعد دقائق معدودات، جاء الشرطي يركض نحو السيارة ومد إلى صديقي أوراق السيارة وهو يعاتبني:
- كنتي تخرج عندي أسي رشيد وتقدم ليا راسك، والله ما عرفتك...
فقلت له إنه ليس هناك داع لكي تعرفني، فالواجب المهني يقتضي منه أن يعامل الجميع بمنطق القانون وليس بمنطق «المعارف». فاعتذر عن الخطأ متذرعا بضغط العمل والتعب الذي يجعله أحيانا غير قادر على التمييز بين الألوان. «بشحال الحولي، أنوض»، قلت في نفسي وأنا أقول له إن «الباطل مامزيانش» لأنه «كايخرج فمولاه».
مثل هذه المصائب اليومية التي يواجهها السائقون على طرقات المملكة لم تجد لها مدونة غلاب حلا، لأن مشكل السير في المغرب ليس مشكل قوانين، وإنما مشكل رشوة بالأساس. فقانون السير الذي يطبق في المغرب منذ سنوات قانون جيد وكاف، لكن مشكلته أنه لا يطبق.
وأنت تستطيع أن تأتي بأجود وأحسن القوانين على المستوى العالمي، لكن هذه القوانين كلها ستفشل على أرض الواقع إذا كان هذا الواقع موبوءا بالرشوة، مثلما هو عليه الحال في المغرب.
ولهذا السبب، نجد أن أكثر الناس سعادة بقرب تطبيق مدونة السير هم رجال الشرطة والدرك المرتشون. فكل هؤلاء المرتشون يتحرقون شوقا للشروع في تطبيق أكبر حملة «تكشيطية» ستعرفها طرقات المغرب على الإطلاق.
ثم هناك مفارقة عجيبة لم يعرها مهندسو هذه المدونة اهتماما، وهي أن البلدان المتقدمة التي تطبق فيها مثل هذه القوانين تتوفر بالموازاة مع القوانين المتشددة على بنية طرقية جيدة وعلى علامات مرور مضبوطة وواضحة ومتوفرة في أكثر الأماكن بعدا عن المدار الحضري.
هل تتوفر طرقاتنا نحن على الحد الأدنى من الجودة التي تؤهل وزارة النقل والتجهيز لتطبيق مثل هذه القوانين المتشددة الجاري بها العمل في الدول المتقدمة. جولة بسيطة داخل المدن الكبرى تعطيكم نظرة موجزة عن الفوضى الطرقية وتردي البنيات التحية وانعدام علامات السير أو تعطلها في المدارات الحيوية، فما بالك بالمدارات القروية البعيدة.
لذلك كان على وزارة النقل والتجهيز أن تجهز طرقاتها أولا وأن تغلق الحفر العميقة التي تبتلع السائقين، كما كان على مجالس المدن أن توفر للراجلين أمكنة على الأرصفة يسيرون عليها عوض الاضطرار إلى النزول لمزاحمة السيارات على الطريق، قبل أن يفكروا في فرض مدونة السير وبنودها الموجبة للسجن على مستعملي الطريق.
جميعنا متفقون على أن حوادث السير وصلت في المغرب إلى مستوى الحرب الأهلية. لكن أسباب ارتفاع ضحايا حوادث السير ليست كلها راجعة إلى عدم احترام قانون السير. فهناك أيضا الحالة المزرية للطرق، واستعمال الرشوة من أجل الحصول على «لافيزيت» للسيارة، وتردي الخدمات الصحية في أقسام المستعجلات، وتأخر وصول سيارات الإسعاف وعدم توفر أغلبها على أدوات الإسعافات الأولية، «وزيد وزيد».
إذن، فالمشكل يتطلب حلا شموليا وليس علاجا جزئيا بالقوانين السالبة للحرية. نحن نعرف أن المغاربة شعب «كاموني» لا يعطي «الريحة» إلا بـ«الحكان»، وأن كثيرا من مستعملي الطريق يسوقون سياراتهم كما يسوقون الدواب، لكن هذا «الحكان» لا يجب أن يقتصر على المغاربة البسطاء الذين «يصورون» خبزهم بفضل «البيرمي»، وإنما يجب أن يشمل أيضا مسؤولي قطاعات وزارة النقل والتجهيز، حتى يقوموا بواجبهم ويبنوا للمغاربة طرقا حديثة وجيدة تليق بالقانون الأوربي الذي يريدون تطبيقه عليهم.
كما يجب أن يشمل هذا «الحكان» مسؤولي الإدارة العامة للأمن الوطني والدرك الملكي، حتى يضعوا آليات لمراقبة رجالهم في الطرقات، تفاديا للمزيد من «الباطل» الذي يلقونه على عباد الله من أجل استنزاف جيوبهم.
وإلا سيفهم المغاربة بنباهتهم المعهودة أن هذه المدونة ليست سوى طريقة من بين طرق كثيرة لنهب أموالهم بالقانون وملء صناديق الدولة التي تشكو من شح عائدات الضرائب بسبب الأزمة.
... تابع القراءة

المرات التي فاتك أن تشبه فيها نفسك


كم مرة فكرت في تحريك رأسك دلالة على الرفض القاطع، ثم أقنعوك بالتراجع وتحريكه دلالة على الخنوع، ومن ذلك الحين وأنت لا تستطيع تفسير سبب الصداع النصفي المزمن الذي تشعر به.
كم مرة فكرت في البكاء، ودفعا لكل تفسير سيئ النية انتهيت إلى أن تشهر أسنانك كلها في ضحكة صفراء وبليدة وبلا معنى.
كم مرة تآمرت على نفسك لصالح الآخرين وضيعت حقوقك كاملة في سبيل أن ينالوا هم حقوقهم، وعوض أن يثنوا عليك ويشكروا لك إيثارك ونبلك، شكروا غيرك.
ولفرط أنانيتهم شكروا أنفسهم أيضا.
كم مرة حلمت بإنقاذ هذا العالم البائس وانتشاله من الانحطاط وتطهيره من الحثالات التي تقوده إلى المزيد من القذارة، وعندما أفقت من حلمك وجدت نفسك عاجزا حتى عن حلق ذقنك وإخراج سطل قمامتك إلى الشارع.
كم مرة فكرت في فتح نافذة غرفتك ثم القفز عبرها نحو الفراغ، وعندما تفكر مليا في هذا الخلاص تنتهي دائما إلى أن نافذتك توجد في الطابق السفلي، وأنك حتى وإن قفزت عبرها فلن تصاب سوى بالخجل عندما ستجد نفسك مرميا على قارعة الطريق أمام الناس حيا ترزق بجرح سخيف في الذراع أو جرحين على الأكثر.
كم مرة غلبك النوم فنمت دون أن تغير ثيابك، وكم مرة غلبك جبنك فغيرت جلدك حتى دون حاجة إلى النوم.
كم مرة صفقت بحرارة وأنت تود في أعماقك أن تبصق بلا توقف، كم صافحت بمودة بيدك اليمنى ويسراك تحن إلى الصفع واللكم.
كم مرة كان ضروريا أن تكذب كذبات أقل بياضا من العادة، فقط لكي ترضي رؤساءك، وكم مرة ستتحمل الأكاذيب السوداء للغاية التي يطلقها رؤساؤك كلما تعلق الأمر بترقيتك من الحضيض، حيث يقف سلمك الإداري المكسور منذ الأزل.
كم مرة تصاغرت أمام الآخرين لتشعرهم بقيمتهم التافهة، وكم مرة أصروا على أن تبقى صغيرا إلى الأبد في أعينهم رغم أنك أكبر من قاماتهم جميعا.
كم مرة كنت مضطرا إلى تحمل نفاقهم ودعاباتهم ومجاملاتهم التي ليس أثقل منها سوى دمائهم السخيفة.
كم مرة هجرك النوم بسبب كلمة رديئة، وكم قرنا غمرتك السعادة بسبب كلمة جميلة.
كم مرة خرجت في مظاهرة صاخبة تسير في رأسك، وعندما أردت أن تعود وجدت أنك ضيعت الطريق وأنك لم تخرج إلى أي مكان بقدر ما خرجت عن طورك، ووجدت أنك تركض وحيدا في زقاق خلفي بلا شعارات، بلا هتافات، وحتى القطط الضالة لا تلتفت إليك.
كم مرة سافرت بعيدا وأنت لم تبرح قط طاولتك في المقهى، وشاهدت المآثر والساحات، وبمجرد ما لمحت بين الجموع وجوها تشبه وجوه الدائنين هربت عائدا إلى رشدك، ولم يبق عالقا بذاكرتك من كل تلك المآثر والساحات غير تلك الوجوه الكالحة التي تترصد خطواتك.
كم مرة عاقبوك وأنت بعد صغير بسبب الكذب، وقالوا لك إن كثرة الكذب تطيل الأنف، وعندما كبرت وجدت الجميع حولك يكذب ولم تشاهد أنفا طويلا واحدا بقدر ما شاهدت ألسنة أكثر طولا من أعمار التماسيح.
كم مرة ثرثروا هم وأصخت السمع أنت، كم مرة صرخوا هم وارتجفت أنت، وكم مرة ضربوا الأرض بأقدامهم الغاضبة فقفزت أنت من مكان إلى مكان.
كم مرة يجب أن تكون الصامت الكبير والخائف الكبير والمغفل الأكبر.
كم مرة فكرت في إشعال النار في ثياب كل بنات أفكارك ثم اللجوء إلى أقرب مصح عقلي، لكنك في آخر لحظة عدلت عن جريمتك، رحمة بالجميلات من أفكارك.
كم مرة نزلت إلى البحر لتسبح، ورغم أنك لا تجيد السباحة فإنك لم تغرق قط، وكم مرة غرقت فوق اليابسة في ثيابك من فرط الخجل بمجرد ما تسمع مجاملة صغيرة من فم أحدهم.
كم مرة تدربت على الوقوف أمام الجماهير الغاضبة، كما يفعل زعماء النقابات غداة الإضرابات العامة، ممسكا بمكنسة مكان المايكروفون، وشرعت تخطب فيهم بحماس، ولفرط حماسك لم تنتبه إلا وكل النفايات تقف ضدك، ليس بسبب حماستك ولكن بسبب المكنسة التي في قبضتك.
كم مرة أوقفوك في الشارع العام بدعوى تفقد هويتك، فأنت بسبب كل الكوارث التي مرت بك أصبحت لديك سحنة أي هارب من عدالة، وعندما ينتهون من تقليب أوراقك، وبعض مواجعك، ويصرفونك سالما إلى بيتك، تبدأ أنت في داخلك حملة واسعة لتفقد كرامتك، فلا تمنح نفسك السراح حتى تتأكد من أن المياه القليلة التي في وجهك لم تتسخ بعد وأن جذع الشجرة العتيقة التي تسند كبرياءك لم ينح قط.
كم مرة حاولت إخراج أسرارك الدفينة إلى الشمس فانتهيت بإخراج ضغائنك أيضا، وبسبب سوادها القاتم مر النهار غائما عن آخره، وربما أمطرت في نهايته.
كم مرة فكرت في قذف التلفزيون بزوج حذاء، لولا معرفتك الأكيدة بأن راتبك الهزيل لا يسمح بشراء الجرائد بانتظام فبالأحرى شراء تلفزيون كل يوم.
كم مرة حذروك من الخوض في أمور السياسة وعددوا أمامك الضحايا فوق أصابعهم، وعندما لم تكفهم أصابعهم صاروا يكملون العد على رؤوس العصي، ودون أن تنتظر نهاية الإحصاء فهمت المقصود من استبدال الأصابع بالعصي وانقطعت عن تعاطي السياسة وصرت تتعاطى الحياة ككل الناس.
كم مرة أقنعوك بالخروج من عزلتك وكسر الحواجز التي بينك وبين جيرانك. وعندما خرجت من عزلتك لم يرد أحد أن يستضيفك إلى عزلته، وبقيت مشردا بدون مأوى تهرب إليه مشاعرك الهشة.
كم مرة استدرجوك إلى الحديث عن ذكرياتك الحميمية، وعندما حكيت لهم عن كل شيء أليم وقذر مر بك، لم يفهموا سبب حرصك على ذكريات من هذا النوع، كم مرة يجب أن تشرح لهم أن الذي لم يعش طفولة بائسة مثلك لا يستحق أن يسمع حكايتك، وأن رأسا خاليا من آثار الجراحات وإبر الجراحين وخيوطهم لهو رأس جدير برف في متحف وليس أبدا فوق كتفي إنسان يدعي أنه كان طفلا في يوم من الأيام.
كم مرة تذكرت عيد ميلادك بعد فوات الأوان، فأحسست بالبهجة لأنك لم تكن مضطرا إلى إطفاء الشموع التي بعدد سنواتك، ولم تكن مضطرا إلى الإمساك بالسكين وتقطيع الكعكة إلى أطراف بعدد ضيوفك الذين سيأكلون ويشربون في صحتك ثم يغادرون بعد أن يتركوك رأسا لرأس أمام العام الجديد الذي سينطحك مثل ثور هائج وسيتقدم بك خطوة أخرى نحو حافة العمر السحيقة.
كم مرة فكرت في مغادرة الوطن بحثا عن وطن آخر أقل قسوة، وعندما جمعت حقائبك وصرت على استعداد لمبارزة الحنين والغربة، انتهيت إلى أن حربك لا توجد في أي مكان آخر بعيدا عن موطنك، وبقيت هنا إلى الأبد، مهزوما لكنك تقاوم بشرف.
كم مرة عذبوك بشعاراتهم التي لا تتحقق أبدا، وأتعبوك بوعودهم المهدورة مثل دماء، وكم قتلوا فيك الرغبة في الحب والحياة، ولكنك وكأي نبتة صبار، تستطيع أن تكبر وتعيش ولو في صحراء قاحلة. فكبرت وعشت شائكا وحزينا ومليئا بالكبرياء.
كم مرة، إذن، يا صديقي يجب أن تنحني ولا تتحول إلى قنطرة
كم مرة يجب أن تقف ولا تتحول إلى يافطة
أن تجلس ولا تتحول إلى أريكة
أن تتكلم فتقول أخيرا شيئا يستحق الانتباه...
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى