عمود السنة


من بين الأعمدة الـ317 التي كتبت طيلة هذه السنة، كان عمود «اللي ما طيب عشاتو وصبن كساتو»، الذي يطرح فكرة العودة إلى العمل بنظام الخدمة العسكرية الإجبارية لشباب اليوم، أكثر الأعمدة إثارة لردود الأفعال، فقد تلقيت تعليقات بالمئات حول مضامينه، أغلبها يؤيد فكرته الأساسية.
وقد فكرت في إعادة نشره لسببين، أولهما أن العادة اقتضت أن تختار الجرائد شخصية السنة مع نهاية العام، فقررت أن أختار عمود السنة عوض شخصيتها، وثانيهما أن ما يقع على الحدود الشرقية لبلادنا مع الجارة الجزائر مقلق للغاية، فقد أصبح واضحا أن جنرالات الجزائر «ناوين خزيت» فعلا مع المغرب، والدليل على ذلك، أولا، دخولهم الفاضح، ماديا ومعنويا، على الخط في قضية الانفصالية أميناتو حيدر وتكريمها من طرف وزير الدولة الجزائري في خطاب رسمي، مع أن نفس الوزير لم يصدر عنه أي موقف معارض للأمر الذي صدر من قصر المرادية باعتقال فرحات مهني لأنه طالـَبَ، مثلما طالبت أميناتو، بانفصال منطقة القبائل عن الجزائر. ثانيا، إبرامهم لصفقات تسلح بأسلحة ثقيلة هجومية بقيمة ثلاثة ملايير دولار، واستعدادهم لذهاب منتخب بلادهم وجمهوره إلى مدرجات ملاعب كأس العالم بجنوب إفريقيا لإغراقها بأعلام البوليساريو.
نفهم من كل هذا أن جنرالات الجزائر يعلنون الحرب على المغرب على كل الواجهات.. حرب يستعملون فيها الغاز والبترول والقرقوبي وكل ما يمكن أن يدمر المغرب من الداخل في انتظار إنهاك شبابه ثم الانقضاض عليه فيما بعد.
إن أحسن موقف يمكن أن يتخذه المغرب بعد الصفعة الأخيرة التي تلقاها من جنرالات الجزائر عندما أسقطوا القناع عن وجههم الحقيقي حين كرّموا أميناتو حيدر رسميا عبر خطاب لوزير الدولة الجزائري، هو أن «يجمع رأسه» ويراجع أوراقه ويسلح نفسه ويقوي جبهته الداخلية ويطهر صفوف قواته المسلحة من الزوائد والشوائب استعدادا للأسوأ. فيبدو أننا مقبلون على أزمنة صعبة في الصحراء بسبب ما تقوم به الجزائر من سباق نحو التسلح وضغط ومقايضة بالنفط لشراء المواقف المعادية لوحدة المغرب. علينا أن نرجع إلى المقولة التي كان يرددها الحسن الثاني بافتخار كلما سأله الصحافيون عن قضية الصحراء: «المغرب في أرضه أحب من أحب وكره من كره».
عندما نتحدث عن تقوية الجبهة الداخلية، فأول شيء يجب أن ننتبه إليه هو خطورة ما يسمى بانفصاليي الداخل، هؤلاء الصحراويون الذين لديهم بطاقات التعريف الوطنية ويدرسون في جامعات مغربية ويتقاضون منحا من خزينة الدولة ويستعملون النقل العمومي المغربي، ومع ذلك تجدهم مستعدين لإحراق العلم المغربي في أول مناسبة ورفع علم البوليساريو. أمثال هؤلاء هم الذين يحاولون هذه الأيام اختلاق مصادمات مع رجال الأمن في الصحراء حتى تجد اللجنة، التي يكلفها الكونغرس الأمريكي بإعداد تقارير حول أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء، أشياء تكتبها على صفحات تقاريرها تلك. هذه التقارير التي تحدد ما إذا كانت لجنة المالية في الكونغرس ستوافق على منح المغرب مساعدات مالية برسم هذه السنة أم لا.
وكل الدول تفكر في مستقبلها وأمنها وتعد أبناءها إعدادا صلبا يليق بمفاجآت الغد. فنحن نعيش في عالم يأكل فيه القوي الضعيف، عالم متوحش لا مجال فيه للرحمة، عالم إذا غلبك فيه عدو استباح عرضك واغتصب بناتك ونساءك مع تصوير كل ذلك على أشرطة وتوزيعه على وسائل الإعلام حتى تكون فضيحتك أكبر، ومثال العراقيين لازال طريا في الأذهان. لذلك يجب أن يفهم أبناء المغاربة اليوم أن الغد لن يكون سهلا بالشكل الذي يتصورونه.
ستأتي الأزمنة الرديئة ويجب أن نكون مستعدين لها من الآن. وليس بجيل من العاطلين عن العمل والتفكير سنواجه تحديات المستقبل. وشخصيا، أصبحت أنزعج كثيرا عندما يقترب مني شاب في العشرين من عمره يلبس أحسن مني ومع ذلك لا يجد حرجا في أن يطلب درهما أو درهمين ليأخذ الحافلة إلى بيته. لقد أصبح عاديا أن يتسول الشباب ذوو الأكتاف العريضة في الشوارع بلا إحساس بالذنب. والمصيبة أن بعضهم لا يخجل من توقيف فتاة في مثل عمره ومطالبتها بدرهم أو درهمين، وأصبحت بعض الفتيات، من أجل ساندويتش من النقانق وعصير «بناشي»، يقبلن بركوب أول سيارة تقف أمامهن. هذا يعني أن شبابنا يحتاج فعلا إلى «الحكان»، لذلك فثلاثة عشر شهرا من الخدمة العسكرية ستكون مفيدة لآلاف الشباب والشابات لكي يعرفوا بـ«حق» الخبز الحرفي الذي «يتعفرون» عليه في الصباح عندما يستيقظون في منتصف النهار «معمشين» بعد قضاء الليل كله أما القنوات الفضائية يتابعون أغاني «الفيديو سليب». ثلاثة عشر شهرا من «الكرفي» ستكون مفيدة لكي يعرف الشباب ما معنى الدفاع الذاتي في الغابات عوض الجلوس طيلة النهار فوق كراسي الحدائق العمومية في «فتخ» وتدخين «الجوانات» و«يشللو» آذانهم بسماع أزيز الرصاص عوض أغاني «آه ونص» والمشي عبر الجبال بحذاء مليء بالحصى عوض التسكع بحذاء يساوي راتبا شهريا لموظف في السلم الخامس وسروال مجرور فوق الأرض مثل سراويل «هداوة».
وخلال السبعينيات والثمانينيات، كان أكثر ما يخيف الشباب العاطل هو أن يحمل إليهم المقدم استدعاء للمثول أمام باب «قشلة» العسكر. كان «لابلي» شبحا يخيف آلاف الشباب الذين يقضون نهارهم متكئين على الحيطان في الدروب، وكأنهم يمسكونها حتى لا تسقط، ولذلك عندما كان يشيع خبر وصول تلك الاستدعاءات، يسافر الشباب إلى مدن بعيدة حتى لا يعثر عليهم مقدم الحي، ومنهم من كان يطلي رجله أو ذراعه بالجبس ويستعير عكاز جده لكي يتظاهر بالعجز، ويتم استثناؤه من الخدمة العسكرية.
وطيلة سنوات، تم تجميد قانون الخدمة العسكرية، لم يعد الشباب مجبرين على قضاء تلك الأشهر الطويلة وراء أسوار «القشالي» يعيشون على العدس ولحم الجاموسة ويتدربون على القتال وفنون الحرب، لذلك فعلى كل الشبان والشابات الذين لا شغل لهم غير التسكع في الشوارع أن يعدوا أنفسهم لخلع سراويل «الطاي باص» والأحذية الرياضية لكي يستبدلوها بالبذلة العسكرية والحذاء الثقيل. وشخصيا، أجد هذا القرار أكثر من صائب، لأنه سيمكن الآلاف من أبنائنا المدللين وبناتنا المدللات من الابتعاد قليلا عن أحضان آبائهم، وسيجربون الاستيقاظ في الفجر عوض البقاء «خامرين» في الفراش إلى الحادية عشرة زوالا.
فيبدو أننا إذا سرنا على هذه الوتيرة، فإننا سنحصل في السنوات القليلة القادمة على جيل مترهل، والأخطر من ذلك أننا قد نحصل على جيل عديم الخشونة، يعير كل الاهتمام إلى الثقوب التي في سراويله عوض الثقوب التي في عقله. وهنا تظهر أهمية الخدمة العسكرية كمدرسة لحك الشباب وإعدادهم للمحن. فليس بهذه الأجيال من الكسالى والعاجزين سنواجه تحديات المستقبل.
ولهذا تحرص كل الدول التي تضع حسابا للمستقبل على فرض التجنيد الإجباري، وفي أمريكا، مثلا، يستحيل على فار من التجنيد الإجباري أن ينجح في الانتخابات، فالجميع، بغض النظر عن مستواه الاجتماعي، يمر عبر صفوف «المارينز»، وفي إسرائيل جميع المواطنين خضعوا للتدريب العسكري واستعمال السلاح، أما في إنجلترا فحتى الأمراء يتم إرسالهم إلى أفغانستان لقضاء فترة تدريب عسكري في الجبال. هكذا يكتشف الشباب حياة أخرى أكثر خشونة وقسوة.
ونظرا إلى أنني قريب بعض الشيء من عالم شباب اليوم، فإني أستطيع أن أؤكد لكم أن هاوية سحيقة تنتظرنا في المستقبل، فأغلب الشباب والمراهقين أصبح لديهم تصور خاطئ حول النجاح، إذ يكفي أن يعرف الواحد منهم أسماء المغنيات ويثقب أنفه وأذنه حتى يتصور نفسه قد دخل المستقبل من بابه الواسع. وطبعا، هؤلاء الشباب لا يتحملون مسؤولية هذا الفهم الخاطئ بمفردهم، فوسائل الإعلام تسوق أمامهم يوميا نماذج ورقية خادعة لهذا النجاح الموعود.
يكفي أن تجيد الرقص وأن يكون لديك صوت جميل لكي تضمن مستقبلك، وكأن الموهبة الوحيدة التي يمكن أن تنفع صاحبها في هذه البلاد هي «التلواز». وهذا اختزال خطير للموهبة ولفكرة المستقبل برمتها، والنتيجة هي ما أصبحنا نراه ونسمعه يوميا.. شباب ضعيف البنية والشخصية والتكوين يتصور أن الحياة هي ساعة «سواتش» في المعصم وحلقة ذهبية في الأذن وما يكفي من الثقوب في السراويل وبنات قاصرات يعرضن أجسادهن على المواقع الإلكترونية أمام الغرباء.
أتمنى أن يطبق قانون الخدمة العسكرية الإجبارية في أسرع وقت، وأن يشمل الجميع بدون استثناء من أبناء الفقراء إلى أبناء الفاسي الفهري، هكذا ستلتقي الطبقات الاجتماعية في ما بينها داخل الثكنات وتتعارف عن قرب، وربما تتغير نظرة هؤلاء وأولئك نحو الأحسن، فتقل نسبة الكراهية التي يشعر بها الاثنان نحو بعضهما البعض.
كما أن هناك الآلاف من الشباب الذين ستتغير نظرتهم إلى الحياة والمستقبل عندما سيقضون كل تلك الأشهر بالزي العسكري، على الأقل سترتاح بعض كراسي المقاهي منهم، وبعضهم الآخر سيريح والديه من مصروف قهوته وسجائره اليومي، وسيتعلمون جميعا، مثل رجال حقيقيين، كيف يغسلون ثيابهم ويعدون طعامهم ويجمعون فراشهم. ورحم الله سيدي عبد الرحمان المجذوب الذي قال ذات قصيدة «اللي ما جمع فراشو وغسل كساتو وطيب عشاتو، موتو حسن لو من حياتو».
... تابع القراءة

خلطو بنادم


هناك نقطة مهمة مر عليها النواب مرور الكرام في قانون المالية لسنة 2010، وتتعلق بزيادة في تعويضات مدراء وزارة المالية تصل إلى 23 في المائة بحسب السلاليم الإدارية للمدراء.
وهكذا، ففي الوقت الذي يعِد فيه الرئيس الفرنسي ساركوزي مواطنيه بتضمين قانون المالية الفرنسي الجديد قوانينَ تفرض الضريبة على «بريمات» البنكيين، نجد أنهم عندنا في المغرب يفكرون بالمقلوب ويقررون الزيادة في تعويضات مدراء وزارة المالية.
وقليلون اليوم يعرفون أن هناك عشرات المدراء في وزارة المالية الذين وصلوا إلى سن التقاعد، لكن الوزارة تحتفظ بهم تحت ذريعة استحالة تعويضهم. هؤلاء المدراء يتقاضى أقلهم «بريم» شهريا قدره 60 ألف درهم، يعني 72 مليون سنتيم كل سنة. وإذا أضفنا رواتب هؤلاء المدراء إلى «البريمات» التي يتقاضونها كل شهر، فإننا نحصل على راتب سمين قدره تسعة ملايين سنتيم في الشهر، مع أن العمل الحقيقي لا يقوم به هؤلاء المدراء وإنما أطر ومسؤولون، من درجات مهنية أقل، يتقاضون «بريمات» لا تتعدى عشرة آلاف درهم.
تخيلوا أن «بريمات» هؤلاء المدراء ستعرف السنة المقبلة زيادة تصل إلى 23 في المائة. هذا فقط بالنسبة إلى المدراء العاديين. «كايحسب غير اللي ما عندوش»، سيقول بعضكم. لكن تعالوا «نحسب» كم يتقاضى المدراء الكبار في وزارة المالية والإدارات التي تخضع لسيادتها.
أكبر «بريم» سنوي تصرفه وزارة المالية يكون من نصيب وزير المالية نفسه، «الساقي يسقي راسو»، ويصل إلى 200 مليون سنتيم في السنة. فوزير المالية لا يشغل منصب وزير فقط، بل يترأس المجالس الإدارية لعدة مؤسسات عمومية تابعة لوزارته.
ثم هناك الكاتب العام للوزارة، والمدير العام أو المدير المركزي، والذي يصل «جطه» من التعويضات السنوية إلى 64 مليون سنتيم. ثم هناك المدير الذي يتقاضى 42 مليون سنتيم، والمدير المساعد الذي يتقاضى 21 مليون سنتيم، ورئيس وحدة الذي يتقاضى ثمانية ملايين ونصفا، ورئيس مصلحة الذي يتقاضى ستة ملايين ونصفا.
الناس، عندما يتم الحديث عن وزارة المالية وتعويضات مديريها، يحفظون فقط اسم وزير المالية، وتغيب عن أذهانهم أسماء العشرات من المدراء والمدراء المساعدين الذين يتقاضون «بريمات صحاح»، لكن لا أحد يتحدث عنهم لأنهم يجلسون دائما خلف الأضواء.
وعلى رأس أكبر مستفيد من «البريمات»، التي تصرفها وزارة المالية، نجد الكاتب العام للوزارة عبد اللطيف لوديي، ومدير الميزانية عبد اللطيف بناني، الذي يشغل أيضا منصب مفتش عام بوزارة المالية (على قلة الأطر)، والمدير العام للضرائب نور الدين بنسودة الذي «يقرجط» هذه الأيام «الملايرية» الهاربين من الضريبة ويجبرهم على الدفع، والمدير العام للجمارك والضرائب غير المباشرة عبد اللطيف زغنون، والخازن العام للمملكة سعيد إبراهيمي، ومدير الخزينة والمالية الخارجية زهير الشرفي، ومدير الشركات العامة والخوصصة عبد العزيز الطالبي، ومدير التأمينات التهامي الباركي، ومدير الشؤون الإدارية والعامة عمر فرج، ومدير الدراسات والتوقعات المالية محمد شفيقي، ومدير أراضي الدولة عبد الرحمان الشاوي.
وإلى جانب مدراء وزارة المالية الذين يتقاضون «بريمات» سنوية سمينة، هناك مدراء المؤسسات العمومية التابعة لسلطة وزارة المالية، كوالي بنك المغرب «الضحوك» عبد اللطيف الجواهري الذي يتقاضى راتبا شهريا (بدون احتساب التعويضات) يصل إلى 25 مليون سنتيم (وعلاش ما يضحكش، معاه جا الضحك)، والمدير العام لصندوق الإيداع والتدبير أنس العلمي، الذي يتقاضى 15 مليونا في الشهر، ومدير البنك العقاري والسياحي الذي يتقاضى 15 مليونا شهريا، ودركي البورصة الذي يتقاضى ثمانية ملايين كل شهر، والمدير العام للقرض الفلاحي الذي يتقاضى سبعة ملايين في الشهر.
أضف إلى هذه الرواتب السمينة «بريمات» شهرية وسنوية وستحصل في النهاية على «زبالة ديال الفلوس» تخرج من الخزينة لتستقر في الحسابات البنكية لهؤلاء المدراء المحظوظين.
والغريب في الأمر أنه لا عباس الفاسي ولا «نسيبو» السي نزار بركة، وزير الشؤون العامة للحكومة، استطاعا أن يحدا من نفوذ هؤلاء المدراء الماليين أو أن ينقصا من تعويضاتهم السخية التي لا تراعي الحالة العامة الصعبة التي تمر منها مالية البلاد، كما لو أن الأزمة «غير علينا حنا».
والسبب واضح «للعيان».. فوزارة المالية كانت دائما، ومنذ حصول المغرب على استقلاله، ضيعة محروسة «للمغرب الفاسي». و«الشلح» الوحيد، الذي تسلل إلى كرسي وزارة المالية في حكومة الفاسي محمد كريم العمراني، وكان اسمه محمد سابوه، لم يعمر في منصبه أكثر من ثلاثة أشهر «بالحساب». فقد اكتشف كريم العمراني أن هذا «العضو» الذي زرعه الحسن الثاني في الجسد المالي للحكومة لضمان التنوع العرقي لن يستطيع التعايش مع بقية الأعضاء، فلفظه «الجسم» الحكومي بسرعة.
وطيلة تسع وعشرين حكومة تعاقبت على المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، هناك ستة وزراء مالية فقط لم يكونوا من أصل فاسي. ومنذ حكومة مبارك البكاي (1956/1955) التي تحمل فيها الفاسي عبد القادر بنجلون حقيبة المالية، وحكومة محمد الخامس (1961/1960) التي تحمل فيها الفاسي محمد الدويري، أب عادل الدويري، حقيبة المالية، إلى حكومة عباس الفاسي التي يتحمل فيها الفاسي صلاح الدين مزوار حقيبة المالية، لم تخطئ وزارة المالية وزراء منحدرين من فاس إلا ست مرات، يعني أنه منذ 53 سنة وكرسي وزارة المالية يدور بالتناوب على نفس العائلات المنحدرة من مدينة مغربية واحدة.
والأمر لا يقتصر فقط على وزارة المالية وتوابعها، وإنما يشمل أيضا المجالس الإدارية للبنوك. وأنا أتحدى أي واحد يستطيع أن يعطيني مجلسا إداريا واحدا لبنك مغربي واحد يوجد ضمن أعضائه عضو غير فاسي. لا تتعبوا أنفسكم بالبحث عن هذا العضو «الدخيل»، لأنكم ببساطة لن تعثروا له على أثر.
هذا لا يعني أن كل الفاسيين يوجدون في مناصب المسؤولية بوزارة المالية والإدارات التابعة لها والمجالس الإدارية للبنوك، وكلهم يتقاضون تعويضات سمينة. فهناك اليوم في «قاع» فاس فقر مدقع وعائلات فاسية عريقة تقاوم يوميا لكي تعيش بعرق جبينها وتحافظ على بقاء قطاعات بأكملها من الصناعات التقليدية والحرفية الآيلة للانقراض.
لكن ما أشرنا إليه يطرح علامة استفهام كبيرة حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء «استحواذ» الفاسيين على مناصب المسؤولية في وزارة المالية منذ الاستقلال إلى اليوم. ومن يقول مناصب المسؤولية في وزارة المالية يقول «البريمات» والتعويضات والرواتب المجزية.
هناك اليوم أطر شابة تعد بالمئات تشيخ قبل الأوان في وزارة المالية وفي المؤسسات العمومية التابعة لوزارة المالية والتي ذكرنا بعضا منها أعلاه، يتعلق الأمر بأطر متعلمة ومكونة أحسن تكوين وحاصلة على شواهد عليا، ذنبها الوحيد أنها تنحدر من عائلات ليست لها أسماء رنانة من تلك الأسماء التي تبدأ بالباء (برادة، بنيس، بناني،...)، ولذلك فالمصعد الذي يحمل الأطر إلى مناصب المسؤولية في هذه الإدارات لا يتوقف أمام أمثالهم، ببساطة لأنهم لا ينتمون إلى المحظوظين الذين قلنا بالأمس إنهم لديهم «جداتهم فالعرس».
هؤلاء يصابون بإحباط كبير وهم يرون مدراء عجزة، وصلوا سن التقاعد منذ سنوات تحتفظ بهم الوزارة ومؤسساتها العمومية، لاصقين بكراسي المسؤولية، ليس حبا في المسؤولية، وإنما حبا في تعويضاتها السخية. والكارثة أن العمل الأساسي الذي يتقاضى عنه هؤلاء المدراء تعويضاتهم تنجزه تلك الأطر الشابة التي شاخت قبل الأوان والتي لا تتقاضى سوى الفتات.
إن ثروة المغرب الحقيقية هي أطره وأدمغته وشبابه. ولكي يشعر هؤلاء بأنهم فعلا في بلادهم ويصموا آذانهم عن نداء الحوريات الجذاب الذي تطلقه نحوهم كندا وأمريكا، على الحكومة أن تفهم أن مصلحة المغرب توجد في التنوع، يعني بالعربية تاعرابت «خلطو شوية بنادم. ماشي غير ولادكم اللي قراو».
... تابع القراءة

سعدات اللي عندو جداتو فالعرس


عندما كان عباس الفاسي محاميا متمرنا كان يتعلم دروسه الأولى في مكتب محاماة الأستاذ محمد بوستة، الأمين العام لحزب الاستقلال. فأغلب الأمناء العامين السياسيين للأحزاب المغربية خرجوا من مكاتب المحاماة، ومنهم من لم يعش قط من عائدات المحاماة بل من عائدات السياسة. فعبد الرحمان اليوسفي بدأ محاميا وعبد الرحيم بوعبيد بدأ محاميا، والدستوري المعطي بوعبيد بدأ محاميا، وعبد اللطيف السملالي الذي جاء بعده بدأ محاميا.
وأغلب هؤلاء كان لديهم مكتب للمحاماة يتولى الإشراف عليه محامون متدربون. وإلى جانب المحامي المتدرب عباس الفاسي، كان هناك محام آخر اسمه رشيد لحلو.
بعد إنهاء مدة التدريب، أصبح لعباس الفاسي مكتب محاماة خاص به. لكن بحكم أن عباس الفاسي «سرطته» السياسة وأصبح سفيرا للمغرب في باريس، فقد عهد بمكتب محاماته إلى زميله وصديقه رشيد لحلو لكي يدير له أشغاله.
في مدرسة ديكارت بالرباط، كان هناك تلميذ اسمه هشام لحلو يتباهى دائما بين زملائه بكون عباس الفاسي «حبيبو». إلى درجة أن التلاميذ كانوا مقتنعين بأن عباس الفاسي هو خال التلميذ.
وعندما سيصبح عباس الفاسي وزيرا أول، فأول شيء سيقوم به هو توظيف هشام لحلو، ابن صديقه والمشرف على مكتب محاماته رشيد لحلو، في ديوانه كمستشار براتب يصل إلى 20 ألف درهم في الشهر.
في فرنسا، هناك اليوم نقاش حاد حول رواتب بعض مستشاري الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، رغم أن هؤلاء المستشارين يشتغلون بدون توقف.
أما عندنا نحن، فيستطيع مستشار كالشاب هشام لحلو أن يتقاضى رواتب أربعة موظفين لوحده دون أن يكون مجبرا حتى على الحضور إلى ديوان الوزير الأول الذي وظفه إلى جانب ثلاثين مستشارا يتقاضى أقلهم أجرا قدره 12 ألف درهم في الشهر دون أن يعرف أحد ماذا يصنعون في ديوان الوزارة الأولى.
هذا دون أن نتحدث عن مستشاري الوزير الأول أصحاب الرواتب السمينة كمصطفى حنين، مدير ديوان الوزير الأول الذي يتقاضى 46 ألف درهم، أو الكراوي الذي يتقاضى 50 ألف درهم، أو خليل بوستة، ابن محمد بوستة والذي يجمع بين وظيفته كمهندس يشتغل في مكتب هندسته الخاص ووظيفة مستشار في ديوان الوزير الأول بأجرة تصل إلى 30 ألف درهم في الشهر، أو شيبة ماء العينين الذي يجمع بين وظيفته بالبرلمان ووظيفته كمستشار عند عباس بعشرة آلاف درهم في الشهر.
توظيف الأهل والأحباب والأصحاب هو السمة المميزة لتسيير العباسيين والفاسيين الفهريين للوزارات التي في قبضتهم.
وعندما كتبت قبل أيام أن الشاب إبراهيم الفاسي الفهري، صاحب معهد «أحباب الله» AMADEUS، الذي استفاد من دعم سفارة المغرب بفرنسا عندما نظم ندوة حول «الوضع المتقدم للمغرب مع الاتحاد الأوربي» بشراكة مع جامعة العلوم السياسية بباريس، نسيت أن أشير إلى أن السفير فتح الله السجلماسي، الذي لم يذخر جهدا لمد المعهد وصاحبه بكل ما يحتاجه، لم يكن في الحقيقة يساعد «البراني»، وإنما كان يساعد واحدا من أفراد العائلة، فزوجة السجلماسي ليست سوى عمة الطيب الفاسي الفهري، وبالتالي فالسجلماسي «واخذ عمة بّات براهيم الفاسي الفهري ولد وزير الخارجية».
وطبعا، فالعائلة العباسية متضامنة في ما بينها، و«خير» السجلماسي «فالولد» لم ينسه الطيب الفهري ولا عباس الفاسي، ولذلك فبعد انفجار فضيحة تسريب زوجة السفير السجلماسي لوثائق تخص السفارة وظهورها على موقع «بقشيش»، جاء قرار بإدخاله إلى الرباط.
لكن أمثال السجلماسي، الذين لديهم ليس فقط جداتهم في العرس، وإنما الجدات والعمات والخالات، لا يبقون في البطالة طويلا، فالشوماج لم يخلق لأمثالهم. ومنذ أن أوصى محمد بوستة مراد الشريف خيرا بالسجلماسي عندما كان هذا الأخير مجرد إطار بسيط في البنك المغربي للتجارة، وهو يتسلق المناصب، فقد انتقل من إطار إلى مدير السياسات التجارية الخارجية بالبنك المغربي للتجارة، وبعدها سيقتحم الخارجية بفضل هذه الالتفاتة المرادية الشريفة.
والسجلماسي، الذي بدأ خطواته الأولى في السفارة عندما كان أبو أيوب سفيرا في باريس، والذي يشهد كل من عرفه بتواضع مستواه، استطاع أن يترقى إلى منصب سفير وأخذ مكان أبو أيوب الذي لم يشفع له مستواه المهني وتجربته الدبلوماسية وحنكته ومستواه الثقافي المتميز في أن يكون أكثر من سفير متجول.
وبعد «فقدان» آل الفاسي الفهري لسفارة باريس كان ضروريا أن يتدبروا «للنسيب» وظيفة تليق بالمقام.
فاكتشفوا أن هناك مديرية في وزارة المالية اسمها مديرية المالية والاستثمارات الخارجية، تحولت إلى مديرية تابعة لوزارة التجارة والصناعة، تصلح لكي تكون وكالة مستقلة اسمها الوكالة الوطنية للاستثمار. وهكذا، تم اقتراح السجلماسي لكي يصبح مديرا عاما لهذه الوكالة المحدثة على المقاس. وكذلك كان.
ما يثير إعجابي، فعلا، في طريقة استحواذ هذه العائلة الأخطبوطية على المناصب هو أنها طريقة علمية ومنظمة ومدروسة بشكل دقيق لا أثر فيه للهواية.
أعطيكم مثالا بسيطا: قبل خمسة عشر يوما، صدر مقال في جريدة «ليكونوميست»، الموجهة إلى الباطرونا وصانعي القرار الاقتصادي والسياسي، أرسلته مراسلة الجريدة من لندن عنوانه هكذا «هؤلاء المغاربة الذين نجحوا في لندن». عندما تقرأ المقال تكتشف أنه لا يتحدث عن المغاربة بصيغة الجمع، وإنما يتحدث عن مغربية واحدة اسمها صافية الفاسي الفهري.
الذين لا يعرفون الاسم سيقرؤون المقال وسيقتنعون، فعلا، بأن مغربية اسمها صافية الفاسي الفهري استطاعت أن تنتزع مكانا تحت الشمس في مدينة الضباب، وأن تحصل على عمل كمحامية في واحدة من أهم البنوك العالمية، بنك الأعمال «كاليون»، في الوقت الذي «ينش» فيه محامون إنجليز «الدبان». ومن خلال الحوار الذي أنجزته الصحافية مع صافية الفاسي الفهري، نكتشف أن المحامية المغربية تحلم بالعودة إلى المغرب لتطوير مجال «محاماة الأعمال»، خصوصا بعد استقرار شركات أجنبية بالمغرب تحتاج إلى خبرة محامي الأعمال ونصائحهم.
«ملي جينا نشوفو آش لقينا»، وجدنا أن الآنسة صافية الفاسي الفهري ليست سوى ابنة وزيرة الصحة ياسمينة بادو وعلي الفاسي الفهري «مول الما والضو والكورة»، وأنها لا تشتغل مع بنك «كاليون» كمحامية رسمية وإنما كمتدربة، يعني «سطاجيير».
وليس في الأمر أدنى غرابة، فهذه طريقة الفهريين في «تطلاع الشان» لبعضهم البعض، وإعداد ذريتهم لمناصب المسؤولية. ومن يدري، فربما نسمع غدا أو بعد غد عن تعيين صافية الفاسي الفهري مستشارة في وزارة من وزارات حكومة عباس، أو مديرة في واحدة من المؤسسات العمومية،
تماما مثلما حصل قبل ثلاثة أشهر مع عمتها لينا الفاسي الفهري، أخت الطيب الفاسي الفهري وعلي الفاسي الفهري، التي جاءت مباشرة من فرنسا، حيث قضت 15 شهرا كمتدربة في أحد «الكابينيهات» بباريس، لكي تحط بالمظلة فوق وزارة الشبيبة والرياضة كمديرة للموارد البشرية براتب لا يقل عن 30 ألف درهم. «قرا نتا».
ولكي تعرفوا حجم استغلال العائلة الفاسية الفهرية لنفوذها، ما عليكم سوى أن تعودوا إلى التحقيق الذي بثته القناة الثانية قبل يومين ضمن تحقيقات برنامج «زاوية كبرى». فقد كرم البرنامج بشكل متأخر زوجة الطيب الفاسي الفهري، الرسامة (كون شفتو آش كاترسم) فتحية الطاهري التي شاركت في بينالي البندقية بإيطاليا، وهو المعرض الذي «خرج» لنبيل بن عبد الله «على بلاصتو» بسفارة المغرب بروما بسبب «التعراق» الذي وقع بين زوجة السفير كوثر وزوجة الوزير فتحية.
وهكذا وبعد مرور أشهر على هذه الحادثة غير الدبلوماسية، نكتشف أن سميرة سيطايل، المشرفة الحقيقية على برنامج «زاوية كبرى»، قد أرسلت، من أجل سواد عيون زوجة وزير الخارجية، فريقا صحافيا لتخليد مشاركة هذه الأخيرة في بينالي البندقية.
وطبعا، فسميرة تعرف من أين تؤكل الكتف، فهي «لم تتهلا» في فتحية لأنها تحب «خرمزاتها» التشكيلية، وإنما لأن زوجها، سمير، يشتغل تحت إمرة وزير الخارجية وزوج الفنانة كسفير ببروكسيل.
العشرات من الفنانين التشكيليين يعرضون في مختلف قاعات العرض في الزوايا الأربع للعالم، ومع ذلك لم تفكر القناة الثانية في تخصيص طاقم صحافي يرافقهم ويصور معارضهم.
السبب بسيط وواضح، هؤلاء ليس لديهم «جداتهم فالعرس».
المشكلة أن أصحاب هذا العرس لا يعرفون أنهم إذا استمروا في احتكار العشاء لوحدهم سينتهون ذات يوم بردم خيمة العرس فوق رؤوسهم.
... تابع القراءة

اللي ما عرفك خسرك


أخيرا، اكتشف وزير الخارجية المغربي «الطيب» أن الجزائر «توظف وسائل وإمكانيات ضخمة في حربها الدبلوماسية ضد المغرب».
وربما لهذا السبب خرج وزير الدولة الجزائري، قبل أمس، بشكل رسمي في مؤتمر صحافي بالضاحية الغربية للعاصمة وحيّى باسم الحكومة الجزائرية «نضال» أميناتو حيدر.
وقد كان ممكنا أن تبقى الحكومة الجزائرية على الحياد في هذا الموضوع، شكليا على الأقل. لكن «اللي فيها ما هناها». فالدولة الجزائرية هي طرف النزاع الحقيقي مع المغرب في ملف الصحراء.
وإذا كانت الجزائر قد استطاعت، بوسائلها وإمكانياتها الضخمة، أن تركع الخارجية الأمريكية ولجنة الخارجية في مجلس الشيوخ وتجبرهما على إصدار بلاغات «تجبد» الأذنين للمغرب، فذلك راجع بالأساس إلى وزارتها الخارجية الحقيقية المسماة «صوناتراك» للمنتجات النفطية والغازية.
ولكي نفهم طبيعة العلاقة بين السياسة الخارجية والنفط والغاز الجزائري، علينا أن نعيد قراءة أرقام المبادلات التجارية بين البلدين لكي نعرف كيف توظف الجزائر «وسائل وإمكانيات ضخمة في حربها الدبلوماسية ضد المغرب».
ولذلك فقصة الحب الحقيقية التي يعيشها الأمريكيون حاليا، وخصوصا الإدارة الأمريكية، ليست مع المغرب وإنما مع الجزائر تحديدا، ومبعثها ليس المودة وحسن الضيافة، وإنما أنابيب وبراميل الغاز والبترول.
وإلى حدود اليوم، وصل حجم المعاملات التجارية بين واشنطن والجزائر بفضل صادرات النفط والغاز إلى حوالي 4 ملايير دولار.. ثلاثة ملايير دولار عن صادرات الجزائر نحو أمريكا ومليار عن صادرات أمريكا نحو الجزائر.
إن ما يحرك الإدارة الأمريكية هو مصلحة الأمريكيين أولا وأخيرا، أما العواطف الجياشة وعبارات المودة والحب، فهذا ليس سوى معجم مستهلك يجد تفسيره في البلاغة أكثر مما يجده في الدبلوماسية.
فمتى وكيف بدأت خيوط قصة هذا الحب الكبير بين واشنطن وقصر المرادية وراء ظهر المغرب؟
هناك أربعة أسماء يجب تذكرها جيدا، لعبت دورا حاسما في هذا العشق الأمريكي الجزائري المتبادل: «روبير أليسون»، «جيمس بيكر»، «ديك تشيني» و«بيني ستينميتز».
وكل من خرج من صناديق الاقتراع في الولايات المتحدة الأمريكية ووصل إلى البيت الأبيض لكي يحكم، عليه أن يستمع بخشوع إلى نصائح هؤلاء الأربعة الذين يملكون نفوذا قويا داخل مؤسسة الإدارة الأمريكية ودواليب اتخاذ القرار و«لوبيات» الضغط.
وليس سرا أن كل التقارير السرية حول الطاقة لتي تصل إلى مكتب الرئيس الأمريكي تشدد على حماية وتقوية مصالح أمريكا مع الجزائر، وخصوصا على مستوى استيراد الغاز والبترول، اللذين يعتبران عصب الاقتصاد الأمريكي. فأمريكا هي الزبون الثالث عالميا للغاز والبترول الجزائريين بعد إيطاليا وفرنسا، وهي من بين أكبر المستثمرين داخل الجزائر في حقول الطاقة.
لنأخذ، مثلا، السيد «روبير أليسون»، فهو يهودي أمريكي يوجد على رأس شركة «أناداركو» ويوجد على رأس مجموعة للتنقيب عن البترول في حقول الصحراء الجزائرية، وهو أيضا إحدى الشخصيات المؤثرة داخل الإدارة الأمريكية.
إنه لمن الغباء الاعتقاد بأن للجزائر وزارة للخارجية مثل تلك التي توجد لدى كل الدول العربية. فوزارة الخارجية الحقيقية للجزائر هي شركة «صوناتراك» للصناعات البترولية التي تتحكم فيها الدولة الجزائرية، أي جنرالاتها المثقلون بالنياشين وبالحسابات البنكية السمينة. وعائدات هذه الشركة العملاقة مخصصة، بالكامل تقريبا، للضغط على اقتصاديات الدول أو مقايضة مواقفها الجامدة من البوليساريو بمواقف أكثر ليونة. ولو خصصت الحكومة الجزائرية جزءا بسيطا من عائدات هذه الشركة الخرافية لتنمية الجزائر وخلق فرص الشغل لما رأينا في وسائل الإعلام، الأسبوع الماضي، الشرطة الإيطالية وهي تعتقل مهاجرين سريين جزائريين يحاولون دخول التراب الإيطالي هربا من البطالة في الجزائر.
سعادة السفير الأمريكي الجديد، الذي يتغزل بالصداقة الكبيرة التي تجمع أمريكا بالمغرب، يعرف أكثر من غيره أن مواطنه «جيمس بيكر»، كاتب الدولة الأمريكي الأسبق، يحتفظ إلى اليوم بمنصبه ككبير للمستشارين في شركة «صوناتراك» الجزائرية. وليس هذا فحسب، بل إن لجيمس بيكر، بشراكة مع الشركة النرويجية «ستاتويل هيدرو»، خطا مباشرا لبيع منتجات الشركة الغازية في السوق الأمريكية ولمدة عشرين سنة، خصوصا في الشرق الأمريكي، حيث يكثر الطلب على الغاز الطبيعي.
وقصة الحب العاصف بين الأمريكيين والجزائريين لا تقف عند هذا الحد، بل ستتوطد عراها سنة 1997 عندما سينشئ العشيقان شركة اسمها «صوناتراك بيتروليوم كوربورايشن»، وهي شركة أمريكية مقرها «ديلاوار» بالولايات المتحدة الأمريكية. الآن وبفضل هذا الذراع الاقتصادي الضارب، أصبحت «صوناتراك» الجزائرية تمتلك 16 مليون حصة من المجموعة الطاقية الأخطبوطية الأمريكية «ديك إنيرجي» المتواجدة بكارولينا الشمالية.
ولا تكتفي «صوناتراك» بهذه الشراكة الأمريكية المربحة، بل تمتد أذرعها لكي تمتلك 51 في المائة من شركة «براون أند روث كوندور»، وهي شركة بترولية تمتلك فيها شركة «هاليبيرتون» 49 في المائة من الأسهم. وهذه الشركة، ويا للمصادفة العجيبة، يوجد ضمن لائحة المساهمين فيها اسم «ديك تشيني»، نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، كما يشغل فيها «جيمس بيكر»، المبعوث الخاص السابق للأمين العام للأمم المتحدة في الصحراء، منصبَ مسير إداري. هل رأيتم الآن كيف تختلط رائحة البترول برائحة الطبخة الأمريكية لملف الصحراء.
وإذا كان المغرب يفتخر دائما بالنفوذ القوي الذي يمارسه «اللوبي» اليهودي الموالي له، والذي يضم آلاف اليهود المغاربة الذين تحولوا إلى مليارديرات وسيناتورات في أمريكا وإسرائيل، فإن الجزائر لديها أيضا طريقتها الخاصة لاستمالة اليهود المقربين من أقوى وزراء الحكومة الإسرائيلية الذين لديهم كلمتهم المسموعة في ردهات البيت الأبيض.
ويكفي في هذا الإطار أن نعرف أن شركة المناولة «باتمان ليتوين» الأمريكية، التي حصلت على صفقة تدبير حقل «رورد النوس»، 2200 كلم جنوب الجزائر، توجد في ملكية ملياردير إسرائيلي اسمه «بيني ستينميتز». والعقد الذي وقعته شركة «صوناتراك» الجزائرية، عبر شركة «B.R.C» التي تملك 51 في المائة من أسهمها، يقدر بحوالي 3.5 ملايير دولار. ومدير شركة «باتمان ليتوين» مستقر في إسرائيل، ويشتغل في تجارة الأحجار الكريمة، وهو أحد المقربين من «ليبرمان»، وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف.
وإذا كان السفير الأمريكي الجديد بالرباط يتغزل باتفاقية التبادل الحر التي وقعها المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعتبر بنودها في صالح الأمريكيين أكثر مما هي في صالح الاقتصاد المغربي، فإن إلقاء نظرة سريعة على حجم المبادلات الجزائرية الأمريكية يعطينا فكرة واضحة عن دخول قصة الحب بين البلدين مراحل متقدمة، تجاوزت المقدمات المعروفة في علاقة الحب.
وبالإضافة إلى تشجيع كل السفراء الأمريكيين في الجزائر، من «كاميون هوم» إلى السفير الحالي «دافيد بيرس»، للشركات الأمريكية على غزو السوق الجزائرية (كوكاكولا، إ.ب.إم، هوني ويل، جينرال إليكتريك، لوسن تيكنولوجي،...)، مستغلين اتجاه الجزائر نحو اقتصاد السوق، هناك تشجيع آخر تقوده شركات صناعة الأسلحة لإقناع الجنرالات باقتناء الأسلحة الأمريكية المتطورة.
وهكذا، أبرمت الحكومة الجزائرية صفقات ضخمة خلال التسعينيات لاقتناء أسلحة وطائرات أمريكية تكلفت الحكومة الأمريكية بتدريب الجنود الجزائريين على استعمالها. وتكللت هذه العلاقة التجارية العسكرية بتبادل الجنرال العماري للمقر الرئيسي للحلف الأطلسي بألمانيا، وبعده بزيارة رسمية لواشنطن جاءت ردا على زيارة سابقة للأميرال «جوزيف لوبيز» الذي زار الجزائر سنة 1998 في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ العسكري الأمريكي الجزائري.
طبعا، كل هذه التفاصيل يعرفها «كريستوفر روس»، المبعوث الأمريكي الجديد في ملف الصحراء، والذي يرعى المفاوضات المتوقفة اليوم بين المغرب والبوليساريو منذ جولة «فيينا». ألم يكن سعادته سفيرا للولايات المتحدة الأمريكية في الجزائر خلال هذه الفترة التي نسجت فيها واشنطن والجزائر تفاصيل قصة هذا الحب العابر للقارات
... تابع القراءة

تاكلو فيهم الرهج إن شاء الله


في المغرب، أفتى أحمد الريسوني هذا الأسبوع بتحريم التبضع من الأسواق الكبرى التي تبيع الخمور، إلا عند الضرورة. ويجب على أصحاب الأسواق الممتازة المغاربة أن يحمدوا الله لأن الريسوني لم يذهب إلى ما ذهب إليه رجل دين مسيحي في بريطانيا هذا الأسبوع عندما «أفتى» بجواز السرقة من الأسواق الممتازة بالنسبة إلى المحتاجين.
ولو أن الذي يحدث هو العكس، فبعض الأسواق الممتازة هي التي تسرق زبائنها «بالفن»، خصوصا عندما «ترد عليهم الصرف» و«تضمصهم» في الريالات التي يتضمنها المبلغ النهائي للسلع المقتناة. وبالنظر إلى الأعداد الكبيرة للزبائن الذين يزورون هذه الأسواق الممتازة، فإن إدارة هذه الأخيرة تجمع يوميا من هذا الصرف (جوج دريال من هنا ربعة دريال من لهيه) ما تستطيع أن تدفع به أجور العاملين بها.
أما البرلماني والفقيه المثير للجدل، عبد الباري الزمزمي، فقد اختار أن يفتي بعيدا عن المال والأعمال، وذهب إلى موضوعه الجنسي المفضل.
وهكذا، قرأنا له هذا الأسبوع فتوى جديدة حول جواز اللجوء إلى العادة السرية عند الضرورة، بحكم أن المسلمين كانوا يمارسونها أثناء الغزوات.
السي الفقيه البرلماني ترك أن يفتي لنا في أمر زملائه النواب البرلمانيين الذين يتغيبون عن حضور جلسات البرلمان، وذهب ينقب في العادة السرية.
إن الأولى بالإفتاء اليوم هو موضوع خيانة الأمانة من طرف بعض نواب الأمة وصمتهم الجبان وهم يرون المياه تتقاطر من سقف بناية مجلس المستشارين، التي كلف بناؤها 25 مليار سنتيم من أموال الشعب والتي لم يمض على افتتاحها سوى شهور قليلة.
وعوض الإفتاء حول تحريم التسوق من الأسواق التي تبيع الخمور أو جواز شرب المرأة الحامل للخمر أو جواز القيام بالعادة السرية، فالأحرى بعلمائنا الأجلاء أن يفتونا في هؤلاء النواب الذين يهجرون مقاعدهم في البرلمان، ويعرضون عن مناقشة قانون المالية الذي يرهن مصير 33 مليون مغربي لسنة كاملة، ويتغيبون ساعة التصويت على هذا القانون.
الأولى بعلمائنا الأجلاء أن يفتونا في هؤلاء الوزراء الذين يرفضون المثول أمام القلة القليلة من البرلمانيين الذين لازالوا يحرصون على حضور الجلسات لكي يجيبوا عن أسئلتهم واستفساراتهم، وعلى رأسهم الوزير الأول الذي لم يضع رجليه في المجلس منذ افتتاحه.
لقد أثبتت الظروف العصيبة التي يمر منها المغرب اليوم، بسبب قضية الصحراء، أن البرلمان بغرفتيه أصبح وصمة عار على جبين المغرب. وفي الوقت الذي تجندت فيه برلمانات إسبانيا والبرتغال وإيطاليا والبرلمان الأوربي لإصدار قرارات بالإجماع ضد وحدة المغرب، رأينا كيف كانت قاعتا الغرفتين التشريعيتين لدينا فارغتين «تسوط» فيهما الريح، فالسادة النواب الذين تغيبوا طيلة كل هذه المدة، ولم يبادروا إلى الحضور ولو من باب «المهم هو المشاركة»، أظهروا فعلا أنهم يعانون من نقص مريع في الوطنية، وأن قضية الصحراء ومستقبل المغاربة لا يهمانهم لا من بعيد ولا من قريب.
البرلمان في كل البلدان التي تحترم نفسها هو القلب النابض للديمقراطية، لأنه يمثل الإرادة الشعبية ويجسد المطالب الأساسية والحيوية للأمة، ويعكس المستوى السياسي للمعارضة والأغلبية. بدون برلمان ليست هناك ديمقراطية ولا سياسة ولا هم يحزنون.
ومأساتنا الحقيقية في المغرب اليوم هي هذا البرلمان الذي يكلف المغاربة َكلُّ برلماني «محترم» جالس فيه ما قيمته 864 مليون سنتيم عن مدة انتدابه، أو غيابه على الأصح.
مأساتنا الحقيقية هي هذه الغرفة الثانية في البرلمان التي حضر فيها ثمانية مستشارين في لجنة المالية للتصويت على قانون المالية الذي يرهن مستقبل 33 مليون مغربي. هذه الغرفة، التي يتساقط سقفها الخشبي على رؤوس الوزراء وتنزل «القطرة» منه، والتي تكلف دافعي الضرائب سنويا 29 مليارا و160 مليون سنتيم.
لو كان هذا العبث التشريعي غير مكلف بالنسبة إلى المغاربة لهان الأمر، لكن المصيبة أن هذه «البسالة» التي أدمنها أغلب نواب البرلمان والغرفة الثانية «تقوم علينا بغسيل الفندق». وقد آن الأوان لكي نقول كفى من هذا العبث بأرزاق الناس ومصائرهم، وهذا الاستهتار بشؤونهم ومصالحهم.
لم نعد قادرين على تحمل مصاريفكم ونفقات أسفاركم وتعويضات مساعديكم، دون أن نرى نتائج كل هذه الميزانيات الباهظة التي ننفقها عليكم من ضرائبنا كل شهر.
يجب أن يعرف هؤلاء البرلمانيون والمستشارون، الذين يتقاضون رواتبهم وتعويضاتهم من أموالنا دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة الحضور إلى البرلمان، أن ما يقومون به يدخل ضمن جريمة السرقة. نعم، إنكم أيها البرلمانيون الذين تتقاضون رواتبكم من ضرائبنا وتدمنون الغياب عن حضور جلسات ومناقشات البرلمان لستم سوى لصوص متنكرين في ثياب برلمانيين، والأموال التي تتقاضونها هي أموال حرام لأنها مقتطعة من عرق بسطاء وفقراء هذا الوطن. وإذا لم يكن هناك من يحاسبكم عليها هنا في هذه الدنيا أمام المجلس الأعلى للحسابات فإنكم لا محالة محاسبون عليها في الآخرة أمام الله. والحج الذي تذهبون إليه على نفقة ميزانية البرلمان حرام وغير جائز شرعا لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأنتم مقتدرون ماليا وتستطيعون أن تحجوا على نفقتكم لا على نفقة الشعب الفقير.
ولذلك على إدارة البرلمان ومجلس المستشارين والآمر بالصرف في هذه الحكومة أن يتحملوا جميعا مسؤولياتهم أمام الشعب وأمام الله، وأن يمتنعوا جميعهم عن التأشير على صرف رواتب هؤلاء اللصوص الذين يسرقون أموالنا بلا حياء أو خجل، «ياكلو فيها الرهج إن شاء الله»، لأن الاستمرار في صرف رواتب وتعويضات البرلمانيين المدمنين على الغياب يعتبر تواطؤا مفضوحا معهم وتبذيرا فاضحا للمال العام يستوجب المحاسبة والمحاكمة.
إن النائب يجب أن يعطي، بجديته وحرصه على الحضور والمتابعة، المثال الحي على ممثل الأمة الحريص على مصالح الفئة التي يمثلها أمام الحكومة.
أين هم كثير من نوابنا من هذه الصورة المشرفة لممثل الأمة. لقد أصبح اسم «برلماني» في المغرب مرادفا للغياب والاستخفاف بالمسؤولية والعبث بصورة البلاد التشريعية أمام العالم الخارجي الذي يرى صور الغرفتين التشريعيتين المغربيتين في قنوات الإعلام العمومي شبه فارغتين إلا من بعض البرلمانيين الغيورين الذين لازالوا يحضرون و«يحللون» رواتبهم الشهرية.
لذلك، فالواجب الوطني والديني يحتم على علمائنا، الذين تخصصوا في الإفتاء في مواضيع الخمر والحمل والعادة السرية، أن ينسوا هذه المواضيع قليلا وأن ينخرطوا في معركة رد الاعتبار إلى العمل التشريعي عبر تحسيس هؤلاء البرلمانيين، المسجلين في ركن المتغيبين، بخطورة ما يقومون به على بلدهم وعقيدتهم.
لقد جربت إدارة البرلمان حلولا كثيرة لإجبار البرلمانيين على الحضور، كضرورة استعمال البطاقة والنداء بالأسماء وتسجيل المتغيبين مثلما يصنع الأستاذة مع التلاميذ المتغيبين. وقوبلت هذه الإجراءات من طرف هؤلاء البرلمانيين بالرفض. ولذلك فإنه لم يبق من حل آخر لإجبار البرلمانيين على «تحليل» رواتبهم سوى تجريم الغياب وحرمان كل من يقاطع البرلمان من راتبه.
وإذا استمر البرلماني في غيه، فآنذاك يجب انتزاع صفة برلماني منه وحرمانه من التقاعد الذي يسعى كثير من البرلمانيين المتغيبين إلى تأمينه على حساب ضرائب المغاربة.
إن وظيفة تمثيل الأمة ليست تشريفا، بل هي تكليف يطوق عنق البرلماني أمام الله وأمام الشعب وأمام الملك. وعلى كل من يخون هذه الأمانة أو يبخسها حقها أن يعرف أنه يخون أمانة الله ويبخس ثقة الشعب ويخل بالاحترام الواجب للملك.
لقد أثبت البرلمان أنه، عندما يريد، يستطيع أن يكون قوة اقتراحية وسدا منيعا أمام جشع «اللوبيات» التي تتعامل مع أموال المغاربة كبزولة كبيرة لا تصلح سوى للحلب. وقد رأينا ذلك في العمل الجبار الذي قامت به اللجنة البرلمانية حول «ثمن الدواء»، وكيف فضحت جشع صناع الأدوية وتواطؤ وزارة الصحة معهم. ورأينا كيف اعترضت فرق برلمانية على تمتيع شركات المشروبات الغازية بدعم صندوق المقاصة، ورفعت في وجهها ضريبة الاستهلاك الداخلي مقابل السماح لها بدعم صندوق المقاصة الذي اكتشفنا أن المزاليط لا يستفيدون إلا من 9 في المائة من أمواله في الوقت الذي تذهب فيه 43 في المائة منها إلى جيوب الأغنياء
نريد برلمانا يدافع عن هذه التسعة في المائة من «المزاليط» التي يأكل رزقها 43 في المائة من «الخانزين فلوس».
بالعربية تاعرابت، بغينا البرلمانيين ديالنا يديرو ليهم نفس ويحاميو على الشعب المزلوط، حيت الشعب اللي لاباس عليه عندو اللي يحامي عليه».

... تابع القراءة

حباب الله


منذ استقبال مجرمة الحرب تسيبي ليفني من طرف معهد «أماديوس» لرئيسه إبراهيم الفاسي الفهري، نجل وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري، والأسئلة تتناسل حول طبيعة هذا المعهد وكواليس ميزانيته والوسائل الموضوعة رهن إشارته. اليوم، يبدو أن بعض جوانب هذا اللغز بدأت تظهر، خصوصا عندما عرفنا أن المغرب، على عهد الطيب الفاسي الفهري، صرف في السنتين الأخيرتين ميزانية قدرها 3.4 ملايين دولار كأتعاب لمؤسسات أمريكية تنشط في مجال الضغط وترويج صورة المغرب والتأثير على دوائر القرار الأمريكي. ولا بد أن الوزير «الطيب» كان يقول في قرارة نفسه، وهو يوقع على الشيكات التي سيصرفها السفير مكوار في واشنطن على مكاتب «اللوبيات» الأمريكية، متسائلا: «علاش خيرنا يديه غيرنا». وإذا كان هؤلاء الأمريكيون يؤسسون المعاهد من أجل «بيع» خبراتهم الدفاعية للمغرب «بدقة للنيف»، فلماذا لا يشجع الوزير «الطيب» أحد أبنائه على «نسخ» واحد من تلك المعاهد الغربية و«نقلها» إلى المغرب؟ من هنا، جاءت فكرة مشروع «أماديوس»، والذي يعني «أحباب الله». وهو الاسم العائلي الذي ظهر في بلاد «الغال» مع بداية عصر النهضة والذي يحيل على عائلة «صافوا» التي وزعت اسم «أماديوس» على أبنائها وأحفادها الذين يجمع بينهم فكر موحد وفعال، خصوصا في مجال الأعمال. وهو الفكر نفسه الذي يجمع اليوم بين أبناء عائلة الفاسي الفهري في مجال المناصب الحكومية والمؤسسات العمومية.

عندما ظهر معهد «أماديوس» أول مرة، عرّفه أصحابه أمام الرأي العام كجمعية خلقت لتشجيع التعاون المغربي مع الاتحاد الأوربي في إطار اتفاق برشلونة. وبسرعة قياسية، تحولت الجمعية إلى معهد أعطاه أصحابه صفة «تينك تانك» -أي خلية تفكير مهمتها إنتاج اقتراحات سياسية عامة- تتعدى اهتماماته «تشجيع التعاون المغربي الأوربي» لكي تشمل «التحديات الجيوستراتيجية، والاقتصاد العالمي، واستراتيجيات النمو». «هنا بدات الهضرة كاتغلاض». وإذا عدنا إلى القانون التأسيسي لمعهد «أماديوس»، فإننا سنلاحظ أنها لا تخرج عن القوانين المتعارف عليها في كل معاهد Think Tankالمعروفة عالميا، أي تنظيم اللقاءات والحوارات، وإخبار المجتمع المدني، والمساهمة في التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وإعطاء اقتراحات عملية حول إشكاليات تتعلق بالشراكة المغربية مع العالم الخارجي، إلخ... «اللقطة الخايبة فالفيلم» ليست هنا، وإنما في السطر الذي يتحدث فيه القانون التأسيسي لمعهد «أماديوس» عن دوره في «تقوية صورة المغرب ومنطقة المغرب العربي على المستوى الدولي، وذلك بواسطة مبادرات تدخل في إطار «اللوبينغ» «Lobbying». و«هنا طاح الريال وهنا نلعبو عليه». عندما يقول الشاب إبراهيم الفاسي الفهري ذو الخمس والعشرين سنة إن معهده يطمع في القيام بـ«Lobbying» لصالح صورة المغرب في العالم، فإنه يقول «بالعربية تاعرابت» (التي لا يجيدها طبعا) إنه يطمع في الحصول على تفويض حصري من وزارة والده لترويج صورة المغرب عبر العالم. وحتى لا تقول ألسنة السوء إن معهد «أماديوس» ليس سوى تجمع لـ«وليدات شلاضة» الذين ولدوا وفي أفواههم معاهد، عفوا، ملاعق من ذهب، فإن هؤلاء «الوليدات» الذين يديرون المعهد مروا من دورات تكوينية على المستوى الدولي، مكنتهم من وضع هذه التجارب في سيرهم الذاتية وعلى الموقع الإلكتروني للمعهد.

وهكذا، فخلال العام الماضي، نظم معهد «أماديوس»، بشراكة مع جامعة العلوم السياسية بباريس، ندوة حول «الوضع المتقدم للمغرب مع الاتحاد الأوربي». وهي الندوة التي تكلف بتنظيمها «من طاق طاق للسلام عليكم» سفير المغرب آنذاك في باريس، فتح الله السجلماسي، بفضل أموال دافعي الضرائب المغاربة. هل تتصورون أن شابا في الخامسة والعشرين من عمره سيقنع سفيرة المغرب المتجولة آسية العلوي، والمدير العام للعلاقات الثنائية بوزارة الخارجية، يوسف العمراني، وشخصيات دبلوماسية كبيرة، بحضور ندوته لولا المساعدة السخية لسفارة المغرب بباريس. وقبل هذا اللقاء، سبق لمعهد «أماديوس» أن نظم ندوة سنة 2007 بفندق «ريتز كارلتون» بموريال في كندا حول «مشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية»، شارك فيها سفير المغرب المتجول حسن أبو أيوب بمحاضرة حول الموضوع. وهو اللقاء الذي أشرف على تنظيمه سفير المغرب بأوطاوا والقنصل العام للمغرب بموريال. طبعا، بأموال وزارة الخارجية، أي بضرائبي وضرائبكم. كانت هذه «المهاضرات» والندوات التي نظمها «وليدات» معهد «أماديوس» في الخارج مجرد حركات تسخينية في انتظار الدخول الحقيقي إلى المعترك.

ومن دون شك، كانت دعوة إبراهيم الفاسي الفهري لمجرمة الحرب «تسيبي ليفني» نقطة تحول في مسار هذا المعهد، فقد استطاع أن يجعل العالم كله يعرف بوجوده. لذلك، فدعوة «وليدات» المعهد «لتسيبي ليفني» لم تكن بريئة، بل كانت في نظرهم «خبطة» إشهارية كبيرة ستضمن لهم إثارة انتباه معاهد اللوبيات اليهودية والصهيونية نحو هذا المعهد المغربي الفتي الذي تجرأ وكسر الحصار والعزلة الدولية المضروبة على واحدة من مجرمي الحرب الإسرائيلية. وهذا ما وقع بالفعل، فقد أصبح معهد «أماديوس» بعد استضافته لتسيبي ليفني عنوانا لا يمكن تجاهله بالنسبة إلى هذه المعاهد الصهيونية المنتشرة عبر العالم. طبعا، «وليدات» المعهد لا يعرفون أنهم بدعوتهم لمجرمة حرب من عيار «ليفني» كانوا يلعبون بالنار، فقد كانوا غارقين في نشوة انتصارهم الإشهاري الذي ضمنوا من ورائه مودة مراكز الضغط ودوائر التأثير العالمية التي يتحكم في دواليبها صهاينة معروفون بعدائهم التاريخي والتقليدي لكل ما يمت إلى الإسلام وفلسطين والعرب بصلة.

الآن، أصبح للمعهد صيت عالمي، اكتسبه بفضل أموال دافعي الضرائب المغاربة. فحسب القانون الأساسي للمعهد، فإن هذا الأخير يتم تمويل ميزانيته بفضل «هبات المؤسسات والهيئات العالمية، والاشتراكات السنوية للهيئات الدبلوماسية والمحسنين والشركات». كل هذه الصنابير «الداخلية» و«الخارجية» السخية «تكب» في صندوق المعهد، مع أن هذا الأخير ليس مؤسسة ذات نفع عام لكي تستحق كل هذا السخاء المالي. لم يعد سرا أن معهد ابن وزير الخارجية يشتغل بوسائل وتمويل ميزانية وزارة هذا الأخير. أكثر من ذلك، أصبحت مصالح وزارة الخارجية تسهر على عقد وتوقيع شراكات دائمة مع عدة مؤسسات عمومية وخاصة. هكذا، سيصبح لمعهد «أحباب الله» أحباب كثيرون في القطاعين العام والخاص، يصرفون ميزانيات سنوية منتظمة للمعهد. غدا أو بعد غد، سيغادر الطيب الفاسي الفهري وزارة الخارجية، لكنه سيكون قد نجح في خلق وزارة خارجية أخرى موازية اسمها «أماديوس» ستتكفل بالقيام بمهمة الضغط والتأثير لترويج صورة المغرب عبر العالم. هذه الصورة التي كلفت المغرب في أمريكا وحدها 3.4 ملايين دولار خلال عامين فقط.

هكذا، نجد أن الوزير «الطيب» نجح، فعلا، في ضمان مستقبل ابنه وجميع سلالة آل الفاسي الفهري عبر معهد «أحباب الله». فالميزانيات التي ترصدها وزارة الخارجية للترويج لصورة المغرب عبر العالم تقدر بملايين الدولارات «وعلاش خيرنا يديه غيرنا». المشكلة الوحيدة، والخطيرة، التي تجابه معهد «أحباب الله» هي أن ما يقوم به يطرح سؤالا كبيرا على الحكومة والدولة المغربية، وهو من هو المخول، قانونيا، بمراقبة عمل المعهد، أو على الأرجح من يملك الجرأة على القيام بذلك؟ فالتداخل الحاصل الآن في المسؤوليات القانونية بين حدود الدولة وحدود المنظمات غير الحكومية، يهدد بإضعاف مراكز القرار في الدولة، وبالتالي سيادتها. والواقع أن معهد «أحباب الله» لا يفعل غير استغلال الفراغ القانوني الذي يوجد في التشريع المغربي بخصوص أنشطة Think Tank و Lobbying، خصوصا طرق تمويل هذه المعاهد ووسائل مراقبة صرف الأموال الطائلة التي تجمعها. كما يستغل الضبابية التي تميز قانونه الأساسي، فهو مرة يقول عن نفسه إنه معهد مستقل، ليعود ويقول في نفس القانون إنه معهد ممول من طرف الدولة والجماعات. ومرة يقدم نفسه على هيئة Think Tank، ثم يعود ويقدم نفسه على هيئة معهد مختص في Lobbying، علما بأنهما نشاطان مختلفان من حيث المبدأ، فالأول يعني خلية للتفكير واقتراح الحلول لوجه الله، والثاني يعني ممارسة الضغط والتأثير والترويج مقابل «أتعاب» مالية سخية.

كل هذه «الحركات التسخينية» التي قام بها معهد «أحباب الله»، منذ تأسيسه وإلى غاية دعوة مجرمة الحرب «تسيبي ليفني» إلى طنجة، كانت بهدف توطيد دعائم المركز محليا ودوليا. في المرحلة القادمة، سيبدأ «الصح والمعقول»، أي المرحلة التي سيصبح فيها المعهد، بعد مغادرة الوالد «الطيب» لوزارة الخارجية، مؤسسة «تبيع» خدماتها للحكومة والدولة المغربية مقابل ميزانياتٍ، اللهُ وحده يعلم قدرها. هكذا، يكون «أحباب الله» قد صنعوا شركة عائلية عابرة للقارات بفضل أموال دافعي الضرائب المغاربة، وفوق هذا وذاك سيكون دافعو الضرائب هؤلاء مجبرين على دفع أتعاب أصحاب الشركة التي ستروج لهم صورتهم عبر العالم. «هادو غير «أحباب الله» وشوف آش دارو...».
... تابع القراءة

فلوس اللبن يديهم زعطوط


الطيب الفاسي الفهري، وزير الخارجية المغربية، يصر على كلمة «انتصار» المغرب في قضية أميناتو، عملا بقاعدة «معزة ولو طارت».
ما علينا.. فقد أظهرت هذه القضية اختلافا في تلقي نتائجها بين مراقبين وصحافيين مغاربة. هناك الشامتون الذين ذهبوا إلى حد وصف الشعور الوطني للمتشبثين بقرار عدم السماح لأميناتو بدخول المغرب، ما دامت لا تعترف به ولا بقوانينه، بالشعور الحيواني. وهناك الذين «قلبوا» وجوههم فجأة وأصبحوا يتحدثون عن انتصار الحكمة والتبصر بعدما كانوا من أشد المدافعين عن قرار الإبعاد.
المهم أن هذه القضية أظهرت كل واحد على حقيقته.
ولعل أكبر من ظهر على حقيقته في هذه الأزمة هو الدبلوماسية المغربية، وعلى رأسها التمثيلية الدبلوماسية المغربية بواشنطن. وكمغاربة، يهمنا أن نعرف مصير تلك الملايين من الدولارات التي تصرفها السفارة المغربية بواشنطن على مكاتب المحامين الأمريكيين الذين تتعاقد معهم لممارسة الضغط والتأثير على أعضاء الكونغرس في قضية الصحراء المغربية، وترويج مفهوم الحكم الذاتي في الأوساط الرسمية الأمريكية.
فبعد الذي وقع في قضية أميناتو، من حقنا أن نتساءل حول طرق صرف السفارة المغربية بواشنطن لكل تلك المبالغ الخيالية لصالح مكاتب أمريكية فشلت في التأثير على الكونغرس والخارجية الأمريكية لتبني موقف المغرب الرافض لاستقبال أميناتو بشروطها.
أول المستفيدين من السخاء المغربي «الخارجي» هو مكتب Moroccan American Center For Policy الذي يقوم بالترويج لصورة المغرب داخل أمريكا. مشكلة هذه المؤسسة أن المشرفين عليها يشيرون في موقعهم الرسمي إلى أن مؤسستهم مسجلة كوكيل في خدمة الحكومة المغربية. وهذه الإشارة وحدها كفيلة بأن تنزع عن المؤسسة المصداقية أمام الرأي العام الأمريكي. ولعل هذا ما يجعل مقالات رئيسها «إدوارد غابرييل»، السفير الأمريكي الأسبق بالرباط، في الأنترنيت عرضة لتعليقات من قبيل «إنه عميل للمغرب ويشتغل مع الحكومة المغربية».
ماذا يعرف المغاربة عن هذه المؤسسة التي تعاقدت معها الخارجية المغربية في واشنطن للترويج لصورة المغرب كحليف استراتيجي في «حرب أمريكا على الإرهاب ولسياستها في الشرق الأوسط»، بمبالغ سنوية تصل إلى ثلاثة ملايين دولار؟
رئيس المؤسسة هو «إدوارد غابرييل»، أمريكي من أصل عربي، سبق له أن كان سفيرا للولايات المتحدة بالرباط. وإلى جانبه، نجد «روبير هولاي» الذي سبق له أيضا أن اشتغل في السفارة الأمريكية بالرباط كمستشار سياسي، والذي لم يكن يدع فرصة تمر دون أن «يسلخ» المغرب في تقاريره السرية التي كان يبعث بها إلى واشنطن. الآن، يدفع له المغرب تعويضات مهمة لكي يدافع عن صورة المغرب في واشنطن. «وشوفو على ضحكة».
إلى جانب Moroccan American Center For Policy، نجد أن السفارة المغربية بواشنطن تعاقدت مع مكتب للمحاماة اسمه Cassidy and Associates مقابل 150.000 دولار أمريكي، دون أن ينجح المكتب في أي ملف من الملفات التي عهدت بها السفارة إليه. وعندما أحس سفيرنا الخالد بواشنطن، عبد السلام الجعيدي، بروائح هذا الفشل تتسرب إلى خياشيم مسؤوليه بالرباط، فقد سارع إلى إلغاء العقد الذي يجمعه بهذا المكتب، وذهب يطلب مشورة «إدوارد غابرييل» الذي أفتى عليه بثلاثة مكاتب دفعة واحدة، يجمع بينها شيء واحد وهو ارتفاع أسعار خدماتها.
يتعلق الأمر بمكتب Solomon Group، وTew Cardenas، و Livingston L.L.C. كل هذه المكاتب هي في ملكية عضو سابق في الكونغرس اسمه «بوب ليفينغستون»، تدفع سفارة المغرب بواشنطن لكل واحد من مكاتبه حوالي 200.000 دولار في السنة، أي ما لا يقل عن 600.000 دولار للمكاتب الثلاثة.
دون أن ننسى شركة التواصل DJE المكلفة من طرف السفارة المغربية بالترويج لصورة المغرب لدى بعض أعضاء الكونغرس مقابل 15.000 دولار في الشهر، وشركة Cabinet Hill and Knowlton الذي يقوم بالمهمة نفسها دون أن نفلح في معرفة المقابل المادي الذي تتقاضاه نظير ذلك.
ورغم أن المغرب يصرف كل هذه الملايين من الدولارات كل شهر لترويج صورته لدى بعض أعضاء الكونغرس، فإن اللقاءات التي تبرمجها هذه الشركات للبعثات المغربية التي تأتي إلى واشنطن، لا تخرج في معظمها عن لقاء أعضاء مثل الجمهوري «لينكولن بالارد»، مع أن الظرفية السياسية الجديدة في البيت الأبيض تفترض غزو الصف الديمقراطي، وخصوصا السياسيين الأمريكيين السود. وقد كان مفهوما أن يستمر الوسطاء الأمريكيون في تنظيم لقاءات للبعثات المغربية مع أمثال هذا المستشار خلال عهد بوش، أما اليوم في عهد أوباما فلم يعد لمثل هذه اللقاءات من معنى، خصوصا وأن سيرة المستشار «لينكولن بلارد» ليست على ما يرام بسبب تبنيه لخطاب عتيق ومتحمس للحرب الباردة التي لم يعد يتذكرها أحد.
وعندما نبحث قليلا في أسباب «تعلق» السفارة المغربية في واشنطن بشخص «لينكول دياز بالارد» نكتشف أنها لجأت إلى «شراء» خدماته بوساطة من مكتب Edelman PR Worldwide القريبة من جورج بوش، حتى إن هناك حديثا خافتا، وغير مؤكد، عن وجود أندريه أزولاي وراء هذا الاختيار.
ويكفي أن نعرف أن «صديقنا» لينكول بالارد يعد من أكبر المتحمسين للحرب على العراق، وأحد دعاة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
ورغم أن المغرب يخصص ملايين الدولارات لتمويل حملات الترويج لصورته ونسج العلاقات مع «هيئة اليهود الأمريكيين» و«هيئة الإسرائيليين الأمريكيين»، فإن النتائج المرجوة تظل بعيدة المنال. فقد رأينا جميعا كيف منحت مؤسستا «روبير كينيدي» و«ترين فوندايشن» جائزتين لأميناتو، كما نرى أيضا كيف أن البيت الأبيض والاستخبارات الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية لازالت تعتبر في وثائقها الرسمية الصحراء كمنطقة لازالت «بدون وضع نهائي، وتوجد تحت الإدارة المغربية». أما في وثائق CIA السرية، فالصحراء المغربية تعتبر «منطقة على انفراد».
عندما نحصي كل هؤلاء المحامين والدبلوماسيين السابقين والمستشارين الأمريكيين الذين يتقاضون «أتعابهم» من ضرائب المغاربة، نخرج بنتيجة مخيفة. فالمغرب، حسب وثائق سرية نشرها الكونغرس الأمريكي انسجاما مع قانون الحق في الوصول إلى المعلومة، يصرف ثماني مرات ما تصرفه الجزائر، مثلا، على مكاتب الضغط والتواصل الأمريكية، بمعنى أن المغاربة صرفوا خلال السنتين الماضيتين وحدهما ما يناهز 3.4 ملايين دولار أمريكي كأتعاب لهؤلاء «المحامين الفاشلين» الذين عندما عجزوا عن الدفاع عن مصالح المغرب في الأوساط الأمريكية أصبحوا يقترحون على السفارة ترويج صورة المغرب بين أفراد الجالية المغربية بأمريكا. «ما عرفنا اليزمي والمجلس الأعلى للجالية ديالو اللي طالع علينا بزبالة د لفلوس لاش كايصلح».
المصيبة أن السفارة المغربية بواشنطن «تقع» أحيانا على «شي ماركات أمريكية فشي شكل»، وتعهد إليها بالإعداد لترويج منجزات المغرب داخل التراب الأمريكي، مثلما وقع عندما «طاح» السفير الخالد عبد السلام الجعيدي و«ضحك فينا» الصحافة الأمريكية قاطبة عندما فوت صفقة تنظيم جولة للراحل إدريس بنزكري لعرض نتائج هيئة الإنصاف والمصالحة، إلى سيدة تدعى «لوري فيتز بيغادو» ربحت من ورائها 100.000 دولار لها وحدها. ورغم اندلاع هذه الفضيحة، فالسفارة المغربية لازالت تشتغل مع شركة Livingston L.L.C، التي تشتغل معها السيدة «بيغادو»، مقابل 200.000 دولار في السنة، تدفعها السفارة للشركة.
لقد أصبح شائعا اليوم في واشنطن أن كل دبلوماسي أو محام أو مستشار أمريكي سابق وعاطل عن العمل أراد أن يضمن تقاعدا مريحا فما عليه سوى أن يبحث له عن سمسار يوصله إلى السفارة المغربية لكي يبيعها خدماته «بدقة للنيف».
والنتيجة هي ما نراه اليوم. ملايين الدولارات التي ضاعت وراء الأوهام لكي نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم. والمصيبة أن الجميع فرحان اليوم لمجرد أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وفرنسا تعترف بأن القانون الذي يسري في الصحراء هو القانون المغربي، وأن الأمم المتحدة تعتبر المنطقة خاضعة للقانون المغربي وليس للسيادة المغربية.
وفي مقابل كل هذه الملايين من الدولارات التي يصرفها المغرب على صورته في أمريكا بدون طائل، هناك مغاربة يشتغلون في الظل لمصلحة المغرب في أمريكا دون أن تتكرم عليهم وكالة «بوزردة» للأنباء ولو بذكر أسمائهم في القصاصات التي تبعثها من واشنطن.
فخلال الزيارة التي قام بها لواشنطن وفد مغربي مكون من رئيسة بيت الحكمة، خديجة الرويسي، وبرلمانية الأصالة والمعاصرة، لطيفة العيادي، ومباركة بوعيدة، رئيسة الشؤون الخارجية بمجلس المستشارين، وزهرة شغاف، رئيسة اتحاد النساء الحركيات، ذكرت قصاصة وكالة المغرب العربي للأنباء جميع المشاركين، ونسيت ذكر رئيس Moroccan American Institute ، ابن الريف المختار غامبو، الذي نظم اللقاء بعد أن استغاثت السفارة المغربية بمعهده عندما لم تستطع تنظيم موعد واحد للوفد المغربي مع أي عضو من أعضاء الكونغرس.
وهكذا استطاع المختار (ولد البلاد) أن ينتزع موعدا مع مؤسسة «روبير كينيدي» التي منحت أميناتو جائزة، من أجل أن تشرح عضوات الوفد وجهة نظر المغرب في هذه القضية لأعضاء المؤسسة. كما استطاع أن ينتزع موعدا للوفد مع رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومع مؤسسات أمريكية أخرى لها وزنها في الساحة الأمريكية.
هذه المؤسسة التي أسسها مغربي ريفي يعمل أستاذا في جامعة «يال» العريقة، تلجأ إليها السفارة المغربية فقط في ساعات «الحصلة». فهي تعرف أن مؤسسة Moroccan American Institute لديها شراكات مع جامعات عريقة كجامعة «هارفارد» و«يال» و«برينستون» حيث يوجد صناع القرار الحقيقيون. كما أن المؤسسة تنظم مؤتمرات ولقاءات بشراكة مع الأمم المتحدة، والكونغرس الأمريكي، والمعهد الديمقراطي الأمريكي، والنادي الوطني للصحافة الأمريكي، ومعهد الشرق الأوسط الأمريكي وغيرها من المؤسسات العريقة والجادة.
وحتى عندما نظم صديقنا الريفي أسبوعا في جامعة «يال» مخصصا عن آخره للمغرب، لم تتكرم وكالة بوزردة ولو بمجرد ذكر اسمه في واحدة من قصاصاتها الكثيرة حول الحدث. وفي مقابل ذلك، استفاضت في الحديث عن مشاركة أندريه أزولاي، مع أن معهد AMI ومديره المختار هو الذي اقترحه للمشاركة.
وفي الوقت الذي توزع فيه السفارة ملايين الدولارات بسخاء على عشرات الأمريكيين الذين يبيعون الوهم للمغرب، يضطر صديقنا المختار إلى طرق أبواب مكتب عبد السلام الجعيدي طمعا في استعادة خمسين ألف دولار صرفها من جيبه على أنشطة طلبتها منه السفارة.
«الحاصول، الله يعطينا سعد البراني وصافي».
... تابع القراءة

كمشة من الصالوبارات


هل يقبل يهودي باستقبال نازي ومصافحته والجلوس إلى جانبه؟
نطرح هذا السؤال ونحن مقتنعون بأن اليهود الإسرائيليين لا يقبلون باستقبال حتى مجرد اليهود الذين لا يعتنقون الصهيونية.
ابن وزير الخارجية المغربي، إبراهيم الفاسي الفهري، استضاف لنا في المغرب مجرمة حرب اسمها تسيبي ليفني، ورئيس الطائفة اليهودية بالمغرب، «سيرج بيرديغو»، استضافها في بيته ونظم لها عشاء على شرفها، في استهانة واضحة بمطالب المحامين المغاربة الذين طالبوا باعتقالها ومحاكمتها فور دخولها إلى المغرب. فيما وزير الخارجية، والد الشاب إبراهيم، أنكر معرفته بخبر حضور تسيبي ليفني إلى طنجة.
بينما في بريطانيا، أصدر القضاء مذكرة اعتقال في حق تسيبي ليفني وطالب باعتقالها إذا ما دخلت التراب البريطاني. وليست ليفني وحدها غير المرحب بها في بريطانيا، فقد سبقها نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي موشيه يعلون الذي ألغى قبل شهرين زيارة للندن كانت مقررة له بسبب تخوفه من الاعتقال.
مباشرة بعد هذا القرار، ستدفع الحكومة البريطانية ثمن استقلالية قضائها وسترضخ لضغط اللوبي الصهيوني وتقرر تعديل نظامها القضائي لتفادي اعتقال مجرمي الحرب الإسرائيليين وعرض التعديل للتصويت.
المسؤولون الإسرائيليون يصنعون المستحيل لكي يحاكموا ويحاصروا ويعتقلوا بقايا النازيين الذين يشكون في تورطهم في ما يسمونه «الهولوكوست»، رغم أن ما وقع لليهود على أيدي النازيين يعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، بينما نحن الذين تابعنا «الهولوكوست» الذي تعرض له إخواننا الفلسطينيون في غزة والذي لازال طريا في الأذهان ولم يمر عليه أكثر من أحد عشر شهرا، أصبحنا نستقبل بالأحضان مجرمي هذه الحرب الصهاينة.
وبالأمس فقط، وافق الفاتيكان على فتح تحقيق في الاتهامات التي توجهها إسرائيل إلى البابا Pie XII بسبب ما تعتبره الدعاية الصهيونية تهاونا من طرف هذا البابا في اتخاذ موقف مساند لليهود ضد النازية.
ومع أن البابا مات وشبع موتا، فإن إسرائيل تستغل هذا الملف وتحرك آلتها الدعائية التي تسمى «الهولوكوست» لفرض المزيد من الرعب على حكومات الدول الغربية عبر اللعب على وتر المسؤولية الأخلاقية لأوربا في ما وقع لليهود على يد النازية.
إنها طريقة إسرائيل في ممارسة الابتزاز على العالم عبر إظهار الصرامة والتشدد والشراسة في تعقب النازيين والمتعاونين معهم حتى آخر يوم في حياتهم.
وقد جاء فيلم Inglorious Bastards لمخرجه «طارانتينو»، والذي لعب فيه «براد بيت» دور البطولة، ليمحو صورة اليهودي الضحية الذي اجتهدت الآلة السينمائية الهوليودية في تقديمه دائما ككائن مضطهد يتعرض للنفي والطرد والتعذيب والقتل. فعنوان الفيلم يعني «كمشة من الصالوبارات» مكونة من مرتزقة يهود ولدوا وتربوا في الأحياء الهامشية للمدن الأمريكية، جاؤوا إلى فرنسا من أجل هدف واحد: قتل النازيين بلا رحمة.
الصورة التي أعطاها الفيلم عن اليهودي تختلف جذريا عن الصور التي شاهدناها في أفلام سينمائية أخرى تعرضت لنفس الموضوع. فاليهودي في فيلم «كمشة من الصالوبارات»، عكس بطل «عازف البيانو» الحساس والمرهف لرومان بولانسكي، شخص بلا قلب لا يعرف الرحمة، ولا يتورع عن تحطيم رؤوس النازيين بعصا «البيزبول» الحديدية، مثلما لا يتردد «براد بيت»، زعيم العصابة، في وشم علامة النازية المعقوفة بسكينه على جباه النازيين.
إن الانعكاس الواقعي للنوازع الحيوانية التي يدافع عنها هذا الفيلم، نراه مجسدا على أرض الواقع من خلال محاكمة «جون ديمجانجوك» في «منيخ» بألمانيا بتهمة المشاركة «المحتملة» في جرائم حرب ضد اليهود.
فهذا الألماني من أصل أوكراني والبالغ من العمر 89 سنة يحاكم بتهمة اشتغاله كحارس لستة أشهر سنة 1943 في «صوبيبرو»، أحد معتقلات النازية ببولونيا. وإذا أثبتت المحكمة أنه اشتغل فعلا حارسا للمعتقل الذي تدعي إسرائيل أنه شهد تصفية 27.900 يهودي على يد النازية، فإنه سينال حكما بالسجن المؤبد.
إخراج هذه المحاكمة يقترب كثيرا من الإخراج السينمائي لفيلم «كمشة من الصالوبارات». فالمتهم الذي شارف على التسعين من عمره، والمشلول بسبب السرطانات التي تنخر جسده، يأتي محمولا فوق سرير متحرك إلى قاعة المحكمة. وبسبب الألم لا يكاد يسمع الصحافيون الذين يتابعون أطوار المحاكمة سوى تأوهات المتهم كلما أخرجته الشرطة من قاعة المحكمة وتعرض سريره لهزات خفيفة بسبب أدراج المحكمة.
إنها صورة سينمائية واقعية عن الهمجية الإسرائيلية وانعدام الرحمة والتسامح مع من تعتبرهم الدعاية الصهيونية متعاونين مع النازية ضد اليهود. وأكاد أشك في أن التهمة في حق البابا Pie XII بخصوص التورط في «جريمة» الصمت أثناء تهجير اليهود نحو معتقلات هتلر، إذا ما ثبتت فإن إسرائيل ستطالب باستخراج جثته من القبر لمعاقبتها على صمتها المتواطئ والإجرامي، هي التي تهاجم اليوم العدالة البريطانية لأنها أصدرت قرارا باعتقال مجرمة حرب متورطة حتى الأذنين في إبادة شعب بكامله اسمه فلسطين.
ما الفرق، إذن، بين هذا الحارس الذي تطالب إسرائيل بسجنه إلى الأبد عقابا له على اشتغاله حارسا على معتقل نازي، وبين الحراس الإسرائيليين الذين يحرسون اليوم معتقلا جماعيا مفتوحا على السماء اسمه غزة؟
ما الفرق بين هذا «المجرم» المفترض ومجرمي «تشاحال» الحقيقيين؟
ما الفرق بين هذا الحارس المتهم بالمشاركة في عمليات إبادة اليهود، وبين كل هؤلاء الجنرالات الإسرائيليين المجرمين المتورطين في مجازر إبادة الشعب الفلسطيني منذ دير ياسين وصبرا وشاتيلا وكفر قاسم وغزة؟
لا يوجد أي فرق، عدا كون إسرائيل تعتبر ما تقوم به من مذابح ومجازر في حق الفلسطينيين واجبا دينيا مقدسا وتطبيقا حرفيا لتعاليم التلمود ووصايا الحاخامات المتطرفين الذين يحركون خيوط السياسة الإسرائيلية من وراء الستار، بينما تعتبر ما قام به خصومها ضد اليهود قبل خمسين سنة جريمة لا تغتفر يستحق مقترفوها التشنيع والتشهير والمطاردات القضائية حتى ولو تطلب الأمر إحضارهم فوق أسرة احتضارهم والتلذذ بعرض تأوهاتهم أمام أنظار العالم.
داخل هذه الصورة يجب قراءة القرار المتسرع الذي قام به شاب في الخامسة والعشرين من عمره اسمه إبراهيم الفاسي الفهري، عندما استقبل في معهده، الذي صنعه له أبوه على مقاسه، مجرمة حرب اسمها «تسيبي ليفني» تحسب ألف حساب قبل أن تسافر نحو العواصم الأوربية خوفا من الاعتقال والمحاكمة.
وداخل هذه الصورة أيضا يجب أن نقرأ لجوء شركة «صوفريكوم» المغربية إلى طرد مهندس من عمله لمجرد أنه رفض تلقي تدريب على أيدي خبراء إسرائيليين استدعتهم الشركة إلى المغرب.
إسرائيل تطالب بمعاقبة الحكومات الغربية التي تطارد وزراءها ومسؤوليها العسكريين، والحكومة المغربية، في شخص وزير تشغيلها الاتحادي، تصم آذانها عن قرار طرد مهندس مغربي رفض المشاركة في مؤامرة التطبيع الاقتصادي الذي تقوم به بعض الجهات في المغرب مع الكيان الصهيوني.
إن الذي تجب محاسبته ومعاقبته ليس المهندس الذي رفض المشاركة في التدريب تحت إشراف خبراء إسرائيليين، وإنما مدير الشركة المغربية التي تحدت قرار الدولة المغربية، القاضي بقطع أية علاقة بإسرائيل منذ سنة 2000، واستدعت خبراء إسرائيليين إلى المغرب.
وكم هي مضحكة التهمة التي ساقتها إدارة الشركة لتبرير طردها للمهندس، حيث تتهم هذا الأخير بتعريضه، برفضه، لسلامة مواطنين إسرائيليين للخطر وبتعريض مصالح الشركة كذلك للخطر.
إن من تتعرض سلامة مواطنيه للخطر بمثل هذه المبادرات التطبيعية مع الكيان الصهيوني هو المغرب، ومن تتعرض مصالحه للخطر هو الشعب الفلسطيني الذي تغتصب إسرائيل أرضه وتمارس تهويدها لأراضيه وتستمر في بناء مستوطناتها في تحد سافر للعالم بأسره.
ماذا تمثل مصالح شركة صغيرة وسط آلاف الشركات أمام مصلحة أمة بكاملها؟ لا شيء.
إلا إذا كانت هذه الشركات المغربية المتهافتة على التطبيع تراعي مصلحة «كمشة من الصالوبارات» على حساب المصلحة العامة، فهذا كلام آخر.
... تابع القراءة

ماطيشاتو


أعتقد جازما أن الشعب المغربي بأسره لم يفهم ما الذي وقع حتى تنتقل وكالة المغرب العربي للأنباء من الحديث عن «المدعوة أميناتو» إلى الحديث عن «السيدة أميناتو».
كثيرون لم يفهموا أيضا كيف يمكن لامرأة أن تضرب عن الطعام 32 يوما ولا تفقد من وزنها سوى ستة كيلوغرامات. وعندما تخرج من الغرفة التي كانت معتصمة فيها تجد الطاقة لكي تتحدث إلى الصحافيين قبل أن تركب سيارة الإسعاف نحو المطار. أنا شخصيا لم أفهم، لأنني عندما أصوم شهر رمضان أفقد ستة كيلوغرامات من وزني، مع أنني أتناول طعام الفطور والعشاء والسحور.
وزير الخارجية المغربي، الطيب الفاسي الفهري، قال لنا قبل شهر إن الجواز المغربي ليس «جفافا» لكي يسمح المغرب ببهدلته كما صنعت أميناتو في مطار العيون، ولذلك فإنهم لن يسمحوا لها بالعودة إلى المغرب إلا إذا اعتذرت واعترفت بمغربيتها، لنكتشف بعد 32 يوما صدور بلاغ مقتضب عن وزارة الخارجية يقول إن المغرب قرر السماح بعودة أميناتو إلى العيون لظروف إنسانية بعد قيامها بكافة الإجراءات الإدارية في الجمارك. ثم قرأنا في أماكن أخرى أن أميناتو لم تعبئ أي مطبوع ولم تعترف ببلد اسمه المغرب.
في الصحافة الرسمية، قرأنا أن أميناتو التزمت بشروط معينة مقابل العودة إلى المغرب. وفي القناة الثالثة الكطلانية، سمعتها تقول، قبل أن تستقل الطائرة نحو العيون، إنها عائدة من دون شروط، وإن عودتها انتصار لقضية «الشعب الصحراوي».
وبمجرد ما وصلت، أجرت معها قناة إسبانية حوارا بالهاتف قالت فيه إنها لن تطلب المسامحة من النظام المغربي، وإن النظام المغربي هو الذي يجب أن يطلب المسامحة منها ومن «الشعب الصحراوي».
الداخلية المغربية، من جهتها، لم تجد شيئا آخر ترد به سوى قولها إنها ستستمر في سياسة الحزم مع الانفصاليين إذا خرقوا القانون المغربي. ماذا يسمي السيد شكيب بنموسى، يا ترى، هذا الذي صرحت به أميناتو قبل وبعد وصولها إلى العيون. هل هو دعوة واضحة إلى الانفصال أم خيانة للوطن أم مجرد رأي سياسي يحترم؟
نطرح هذه الأسئلة لأننا حائرون. وقد انتظرنا أن يأتي وزير الداخلية أو وزير الخارجية أو الناطق الرسمي باسم الحكومة لكي يعقد ندوة صحافية ويشرح لنا ما الذي وقع بالضبط حتى تراجع المغرب عن موقفه ورضخ لمطلب أميناتو والآلة الجهنمية الجزائرية والإسبانية والأمريكية التي كانت وراءها، إلا أن أحدا من هؤلاء لم ير ضرورة للظهور أمام المغاربة من أجل إطلاعهم على مستجدات ملف يتعلق بقضيتهم المصيرية الأولى. عباس الفاسي غائب في قمة «كوبنهاغن» وشكيب بنموسى مشغول مع الأفارقة في مراكش. وبينما غابوا جميعهم، فقد كلفوا الصحافة الرسمية والإعلام العمومي بتكييف هذه الهزيمة الدبلوماسية إلى انتصار «إنساني» أظهره المغرب في هذه «العواشر» الميلادية.
لكن، هل كان أمام المغرب خيار آخر غير القبول بعودة أميناتو بدون شروط؟ لا أعتقد.
شخصيا، فهمت أن الخارجية المغربية انهزمت في هذه الجولة عندما رأيت «النمس ديال» وزير الخارجية الإسباني، أنخيل موراتينوس، يرفع إحدى جلسات لجنة برلمانية عندما تلقى ورقة صغيرة من أحد معاونيه تحمل إشارة عاجلة إلى أن البرلمان الأوربي على وشك التصويت على قرار ضد المغرب بضغط من البرلمانيين الأوربيين الإسبانيين المنتمين في أغلبهم إلى اليسار. هذا في الوقت الذي كانت فيه كل القنوات الفرنسية تتناقل ما عبرت عنه برلمانية أوربية فرنسية من أصل مغربي اسمها رشيدة داتي، عبر ميكروفونها الذي نسيته مفتوحا، من تذمر بسبب إجبارها على البقاء في «ستراسبورغ» لحضور جلسات البرلمان الأوربي المملة. «عولنا على رشيدة بكري توقف معانا»، هي التي عندما تأتي إلى المغرب يخصصون لها فيلا للسكن المجاني في عين الذياب. وحتى عندما نظم وزير الهجرة الفرنسي «إريك بيسون»، قبل يومين، مأدبة عشاء على شرف الأعضاء المقربين إلى الجالية المغربية في فرنسا، قررت رشيدة داتي أن تقاطع هذا العشاء، فهي تتجنب دائما أن يخلطها الفرنسيون بالمغرب والمغاربة.
في تلك اللحظات القليلة التي تلت رفع «موراتينوس» للجلسة في البرلمان الإسباني، سيحسم موضوع أميناتو وسيقبل المغرب بعودتها إلى العيون. ماذا كان سيفقد المغرب لو تشبث برفضه عودة الانفصالية إلى أراضيه؟
الجواب جسده الأمين العام للحزب الشعبي الإسباني، ماريانو راخوي، يوم أمس، أحسن تجسيد في أحد لقاءاته الحزبية. فقد اتهم حكومة ساباطيرو بإهداء المغرب امتيازات فلاحية على طبق من ذهب، وعلى حساب الفلاحين الإسبان مقابل حل قضية أميناتو. ولكي يشرح وجهة نظره جيدا أخرج غصنا من الطماطم الحمراء ولوح به بيده.
القضية، إذن، «ما فيهاش غير أميناتو، فيها حتى ماطيشاتو». وليست «مطيشة» وحدها وإنما لائحة طويلة من المنتجات الفلاحية التي كانت «غادي تخماج» في الموانئ والطرق السيارة الإسبانية لو أن المغرب استمر في التشبث بموقفه الرافض لعودة أميناتو.
واضح، إذن، أن المفاوضات بشأن حل هذا الملف لم تكن سياسية أو حقوقية فقط، وإنما اقتصادية بالأساس.
المغرب إذا كان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يتنازل ويعيد أميناتو، وإما أن يتمسك بموقفه الرافض ويفقد اتفاقية التبادل الفلاحي التي كانت في صالحه، ويسحب الاتحاد الأوربي، الذي ستتسلم إسبانيا بعد أسابيع رئاسته، وضع الشريك المتقدم من المغرب ويعود هذا الأخير بالتالي إلى وضعه السابق.
سيقول أحدكم «وملي المغرب ما قاد على زحام آش داه يمشط للقرع راسو». الجواب هو أن الهزيمة الدبلوماسية التي تعرض لها المغرب كانت ضرورية لكي يكتشف نقاط ضعفه، وهذه في نظري هي الجوانب الإيجابية لهذا الفشل، وكم هي كثيرة.
ولعل أحسن من وجد العبارات الملائمة لوصف طريقة تدبير المغرب الرسمي لملف الصحراء هو «جوليانو أندريوتي»، رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق والبرلماني الحالي، عندما زار العيون قبل ثماني سنوات واندهش بسبب الفرق الكبير بين الواقع على الأرض وبين ما يردده البوليساريو في روما، فقال لمضيفيه المغاربة: «عندكم قضية عادلة بمحام فاشل».
أول درس يجب استخلاصه من هذه الهزيمة هو القدرة الهائلة لوسائل الإعلام على حسم المعارك السياسية لمصلحة من يعرف استغلالها أحسن من الآخر. أميناتو لم تكن مضربة عن الطعام. هذا ليس سرا. وحتى الصحافيون الإسبان، الذين غطوا توقيفها المزعوم للإضراب وأخروجها من «البريتش» الذي منحه لها الإسبان في المطار وعي تغطي وجهها حتى لا تلتقط عدسات المصورين آثار النعمة البادية عليه، كانوا يدارون ابتسامة محرجة عندما كان يسألهم مقدمو نشرات الأخبار عن الحالة الصحية لأميناتو. إحداهن «خرجت لها نيشان» وقالت إن أميناتو بصحة جيدة للغاية ولا يبدو عليها أي أثر للعياء رغم الـ32 يوما من الإضراب عن الطعام.
هكذا، اكتشفنا أن هذه المسرحية تم الإعداد لها جيدا من طرف الجزائر وإسبانيا والبوليساريو، والمغرب طبعا لم يفهم أنه سقط في الفخ إلا عندما شارفت المسرحية على النهاية ووجد أنه شارك فيها رغما عنه.
على الأقل، خلال هذه المعركة الدبلوماسية اكتشفنا ضعف وكسل وغباء الإعلام العمومي بقنواته التلفزيونية والإذاعية ووكالة أنبائه. وفي عز المعركة، نزل «بوزردة»، مدير الوكالة، إلى قاعة التحرير وأسمع رؤساء التحرير «خل ودنيهم»، مما اضطر ثلاثة منهم إلى تقديم استقالاتهم.
وبينما كان الإعلام الإسباني يخصص برامج يومية لقضية أميناتو ويشن حربا لا هوادة فيها ضد المغرب، استمرت قنوات القطب العمومي «المتجمد» في عرض مسلسلاتها المكسيكية والتركية المدبلجة، وفي سهرات «شيخاتها» ونشرات أخبارها المملة التي يستميت ضيوفها في إقناعنا نحن «خوتهم المغاربة» بعدالة قضيتنا، «بحال إلى حنا هوما العدو».
وإذا كان لهذه الهزيمة الدبلوماسية من مكرمة فهي أنها كشفت لنا جميعا أن دبلوماسية الفاسي الفهري سائرة بالمغرب نحو الحائط مباشرة، فقد صدم المغاربة وهم يكتشفون أن الجميع وقف ضدهم في هذه المعركة. وحتى بعض الدول العربية كقطر ذهبت بعيدا عندما سمحت لموقع قناة «الجزيرة» بتسمية العيون بـ«عاصمة الصحراء الغربية» عندما نسبت إلى وزير الاتصال تصريحا ينفي فيه وجود «أية صفقة وراء عودة الناشطة الصحراوية أميناتو حيدر إلى العيون عاصمة الصحراء الغربية». «هادو راه غير خوتنا المسلمين وشوف آش دايرين فينا»، أما الدول التي كنا نعتبرها صديقة فقد تحركت برلماناتها للتصويت على قرارات تطالب المغرب بالرضوخ لمطالب الانفصاليين، كالبرتغال وإيطاليا وإسبانيا، بينما الخارجية المغربية بقيت «تالفة» لا تعرف «باش تبلات».
ولعل الدرس الذي يجب أن يستفيد منه البرلمانيون المغاربة بفضل ما حدث، هو أنهم يملكون في أيديهم سلطة حقيقية لا يعرفون كيفية استعمالها، فالبرلمان الإسباني والبرلمان الأوربي ومجلس الشيوخ الأمريكي هي الأماكن الحقيقية التي مورس فيها على المغرب الضغط الأكثر إيلاما لكي يتراجع ويقبل بعودة أميناتو. البرلمان هو القلب النابض للديمقراطية. وإذا كان الهامش الديمقراطي الذي يلعب فيه المغرب بدون روح، فلأن قلب هذه الديمقراطية كف عن النبض بسبب نفور نواب الأمة من حضور جلسات البرلمان. هل يوجد برلمان في العالم يحترم نفسه يصوت فيه ستة مستشارين على ميزانية للمالية. أشرفُ لبرلمان مثل هذا الذي عندنا أن يحل نفسه ويوفر مصاريفه على الدولة.
لذلك كله لا يكفي أن نقول إن قضيتنا عادلة وننصرف إلى النوم، بل يجب أن نكلف بالدفاع عنها محامين أذكياء متيقظين وطنيين صادقين ومناضلين، يعرفون متى يشدون الحبل ومتى «يرخفون».
هذه في نظري هي أسباب سماح المغرب بعودة أميناتو، وأسباب فشل المغرب في التمسك بموقفه، وربما هذه «أيضا بعض أسباب نجاحه في إنقاذ صادراته الفلاحية نحو أوربا والمحافظة على وضع الشريك المتقدم مع الاتحاد الأوربي. «والله أعلم عاود ثاني».
... تابع القراءة

جيتو روطار


من كان يتصور أن التذكار الأكثر مبيعا للسياح في إيطاليا سيصبح هو ذلك المجسم الذي أصاب به مختل عقلي الرئيس الإيطالي «سلفيو برلسكوني» و«خنشش» له وجهه عندما جمع له «نيف وفم وسنان» في ضربة واحدة. وهكذا وبسرعة قياسية، أصبح كل من يزور إيطاليا يشتري هذا المجسم كتذكار. وإذا كان البعض قد فكر في استنساخ هذا المجسم الذي دخل التاريخ، فإن البعض الآخر فكر في صناعة دمى للرئيس الإيطالي وهو «مجمخ» الوجه وعرضها للبيع، ويبدو أن الإقبال على اقتنائها في تزايد. مصائب قوم عند قوم فوائد.
وربما يجد ناشرو الدليل السياحي العالمي «le guide du routard» في صورة «برلسكوني» وهو يجمع أسنانه غلافا مناسبا للنسخة المقبلة من دليلهم المخصص للسياحة في إيطاليا، مثلما وجدوا في صورة مغربي يقف أمام محطة «زيز» للوقود برفقة «كيضاره» لكي يتزود بالبنزين ويملأ به البراميل التي يحملها «الكيضار» في «الشواري» الصورة المناسبة بعد أن اختارها أصحاب «لوروطار» لكي يقدموا بها الطبعة الجديدة لسنة 2009 لدليلهم السياحي المخصص للمغرب. فنحن، في نظر هؤلاء الفرنسيين الذين ألفوا الدليل السياحي حولنا، لا زلنا في مرحلة ما قبل التاريخ حتى ولو كانت لدينا محطات للتزود بالبنزين كتلك الموجودة في أوربا.
وقد كنت اعتقدت أن المشرفين على دليل «لوروطار» قد أقلعوا عن عادة تقديم المغرب على أغلفة دليلهم بتلك الصورة المنحطة والمتخلفة والباعثة على السخرية، إلا أن العكس هو الذي وقع. فغلاف دليلهم السياحي الحالي حول المغرب ليس سوى امتداد لأغلفتهم السابقة مثل غلافهم حول «دليل مراكش لسنة 2009 الذي وضعوا على غلافه صورة مغربي يسوق دراجة هوائية حاملا أمامه وخلفه جبلين من البيض يشبهان «التوين سانتر»، أو دليلهم السياحي حول المغرب لطبعة 2008 الذي قدموه بصورة لطفلين «مقطعين» يلعبان الكرة أمام سور تاريخي «شابع بول»، أو طبعة 2007 الذي قدموا له بصورة مغربيين بلديين يرتديان جلبابين تقليديين ويعتمران طاقيتين جالسين تحت سور عتيق يكتبان فوق لوحة حروف حاسوب محمول.
يعني أن أصحاب الدليل السياحي العالمي الذي يعتبر بمثابة إنجيل السياح الذي يعتمدون عليه في اختيار وجهاتهم السياحية، يقدمنا إلى العالم بصورة مضحكة، تبعث على السخرية. فنحن لدينا محطات وقود، لكن تقف للتزود بها الحمير والبغال عوض السيارات. ولدينا شيوخ ملفوفون في الجلابيب الصوفية، ومع ذلك يلعبون بالحاسوب عوض الضاما.
ومع ذلك، يبقى دليل «لوروطار» أحسن طريقة لمعرفة الصورة التي يرسمها عنا الآخرون، يعني كيف يروننا وكيف يفسرون سلوكاتنا وردود أفعالنا. إنه كتاب يشبه كثيرا غرفة المرايا التي تدخلها فترى وجهك يتقلص ويطول ويكبر بشكل مضحك. فتحت بالنيابة عنكم، وعن وزير السياحة، دفتي هذا الكتاب واستخرجت منه هذه الجواهر الثمينة:
أول نصيحة يقدمها الدليل للسياح عندما يصلون إلى نقطة الجمارك هي أن يتحلوا بالصبر، وإذا وجدوا أن الإجراءات بطيئة فما عليهم سوى أن يتحملوا الوضع، لأن انزعاجهم لن يحل المشكل، بل بالعكس قد يعقده.
على الأقل، في نقط الجمارك المغربية لا يجبر الجمركيون السياح على نزع أحذيتهم. لقد سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبعض مطارات أوربا، ورأيت كيف يخضع الجميع لتفتيش دقيق تنزع فيه الأحذية والأحزمة وأحيانا الملابس بكاملها. لكن طبعة الدليل السياحي حول الدول الأوربية وأمريكا لا ترد فيها مثل هذه الإشارات.
وبمناسبة الحديث عن الجمارك المغربية، ينصح الدليل السياح القادمين إلى المغرب بإفراغ حقائبهم من أي كتب أو مجلات أو جرائد ذات حمولة سياسية تتحدث عن الوضع السياسي أو الملكية. وربما نسي أصحاب الدليل أن يضيفوا نصيحة صغيرة للمولعين بقراءة المجلات التي تتحدث عن الملك، بعدم ضرورة جلب هذه المجلات في حقائبهم، لأنه لدينا مجلات وجرائد متخصصة في الملك.
كما يخبر «لوروطار» كل السياح الذين سيختارون المغرب كوجهة سياحية بأن شبابيك البنوك تعرف ازدحاما كبيرا، خصوصا شبابيك التجاري وفابنك وشبابيك البنك المغربي للتجارة الخارجية والبنك الشعبي. ويحذر الدليل كذلك من أن شبابيك البنوك المغربية «تسرط» أحيانا البطائق البنكية عوض إعادتها. وإمعانا في الشرح، يقول الدليل: «تصور نفسك ذات جمعة مساء، بينما جيوبك فارغة، «يسرط» لك شباك بنكي بطاقتك. وفجأة تجد نفسك «حاصلا» في مدينة، جائعا، إلا حدود يوم الاثنين».
وبالنسبة إلى السياح «المزاليط» الذين يرغبون في صرف مبلغ يومي في حدود 300 درهم، فإن الدليل يحذرهم من الفنادق التي يغزوها البق، وينصحهم بتغليف أنفسهم بالثياب لتجنب الاحتكاك بالمانطات و«ليزورات» المتسخة، كما يحذرهم من الأكل في هذه الفنادق والنقل العمومي المختلط.
أما بالنسبة إلى الأمن، فالدليل يقدم شهادة في حق المغرب ستعجب الشرقي الضريص. فالمغرب، حسب الدليل، بلد يسوده الأمن، والقضاء متشدد جدا مع الجرائم التي تستهدف السياح والأجانب.
ونسي الدليل أن يضيف أنه في حالة تعرض السياح لحادثة سير، فإن الدرك الملكي يخصص لهم طائرات مروحية لنقلهم إلى أقرب مستشفى، حتى إن المسافرين المغاربة أصبحوا يفكرون في لبس «بيريك» شقراء وتركيب عدسات زرقاء في عيونهم تحسبا لوقوع حادثة سير في الطريق. هكذا، يمكن أن يخلطهم الدرك الملكي بالسياح الأوربيين وينقلوهم على متن المروحيات لإسعافهم.
وحتى يفسد كاتبو الدليل فرحة المدير العام للأمن الوطني بهذه الشهادة في حقه، يستطرد هؤلاء قائلين: «لكن في بعض الأماكن السياحية تحدث بعض المغربات، خصوصا عند بعض باعة البازارات الذين يعتقدون أنكم أغنى منهم، ولذلك يطمعون في عصركم واستخراج أكبر ما يمكن من المال منكم بطرق قانونية مستعملين ضغوطات نفسية ووسائل إقناع عالية الذكاء».
في مدارس فرنسا العليا المتخصصة في تدريس أحدث الطرق التواصلية لإقناع الزبون باقتناء منتوج معين، يسمي الأساتذة ذلك «الماركوتينغ»، أما في المغرب فعندما يستعمل التجار نفس «الوسائل فإنهم يتحولون عند كاتب الدليل إلى مجرد محتالين.
ينصح الدليل السياح بعدم التوقف في حالة ما إذا شاهدوا مغربيا منبطحا فوق الطريق. فهذه طريقته، حسب الدليل، لبيعهم الكيف. لأنهم إذا توقفوا واشتروا الكيف من عنده، فإنه سيذهب إلى الشرطة ليشي بهم لكي يجدوا أنفسهم في آخر المطاف في السجن. ويضيف كاتب الدليل أن هذه الطريقة معروفة وجارٍ بها العمل في طرقات المغرب.
في أوربا عندما يشاهد سائق شخصا منبطحا فوق الطريق ولا يتوقف لتقديم المساعدة إليه، تتم متابعته بتهمة عدم تقديم المساعدة إلى شخص في خطر. أما في حالة وجود شخص منبطح فوق الأرض على طرقات المملكة المغربية، فالأمر يتعلق بمحتال يريد أن يبيعك الكيف ثم يشي بك للبوليس لكي يرسلك إلى السجن. «زعما بنادم فالمغرب ما عندو ما يدار، النهار وما طال وهوا مشبح فالطرقان باش يسيفط التوريست للحبس».
ومن أهم النصائح التي يقدمها الدليل إلى السياح الذين يزورون المغرب، أن يقوموا قبل مجيئهم عندنا بتصوير ونسخ جميع وثائقهم بالسكانير ثم إرسالها إلى عناوينهم الإلكترونية. هكذا، إذا سرقت منهم يكون بمستطاعهم أن يستخرجوا نسخا منها فيما بعد.
وعليهم أن يعرفوا في حالة ضياع وثائقهم أن الشرطة لا تعطي تصاريح عن ضياع الوثائق خلال عطل نهاية الأسبوع. كما يخبرهم الدليل بأن هذه التصاريح مؤدى عنها. والنصيحة الثمينة التي يقدمها الدليل في هذه الحالات هي عدم تصديق البوليس المغربي إذا قال لك «غير سير تهنى، غادي نسيفطوها ليك فالبوسطة»، يعني أنه على السائح أن ينهج سياسة «بت نبت» إلى أن يعطوه تصريحا بالضياع.
ولعل الشيء الوحيد الذي يتكرر في كل صفحات الدليل هو أن كل من سيقابله السائح الأجنبي في المغرب سيرغب في بيعه «زربية». كل شيء يؤدي نحو «الزرابي» في المغرب، حسب الدليل. والسائح يجب أن يحتاط من كل شيء حتى لا يجد نفسه عائدا إلى بلاده محملا بزرابي لا يعرف أين يضعها، فالأعطاب المختلقة على الطرقات ليست سوى فخ منصوب بعناية من أجل بيعهم زربية. الرجل الذي يقف في الطريق «أوطوسطوب» لا يفعل ذلك سوى على سبيل الحيلة لبيع زربية، والشيخ الذي يستوقفك من أجل أن تقرأ له ورقة الدواء ليس سوى محتال يريد بيع زربية.
وبالنسبة إلى السائحات الأجنبيات، فالدليل ينصحهن بلبس ثياب تستر أكتافهن وسيقانهن حتى لا يتعرضن للتحرشات. فالمغاربة، حسب الدليل، لديهم فكرة خاطئة عن الأخلاق الأوربية، فهم يرون في كل سائحة تتجول وحيدة فريسة سهلة.
يبدو أن كاتب هذه النصائح لم يتجول في مقاهي كورنيش عين الذياب أو وسط المدينة بالرباط وطنجة ومراكش وأكادير لكي يرى ماذا أصبحت تلبس المغربيات. وفي الوقت الذي ينصح فيه الدليل السائحات الغربيات بستر أكتافهن وسيقانهن، نرى كيف أن الكثير من المغربيات أصبحن يلبسن «الإحرام» في الشوارع بدون مشاكل. وحتى بعض المحجبات أصبحن يقبلن على لباس مثير يسمونه «من الفوق إقرأ ومن لتحت روطانا»، بحيث تخرج الفتاة مستورة الرأس محزومة الوسط.
وفي ما يتعلق بالفصل المخصص للجنس، ينصح الدليل السائحات باتخاذ الاحتياطات اللازمة في حالة ما إذا صيدت إحداهن أحد رعايا هذه المملكة السعيدة، وأرادت إدخاله معها إلى غرفتها بالفندق. والحل هو أن تحجز السائحة لصيدها الثمين غرفة انفرادية، وأن يدخل كل واحد منهما الفندق على انفراد، وإلا فإن السائحة وصيدها من الممكن جدا أن ينتهيا في السجن.
بالنسبة إلى اختيار غرف الفندق، فنصيحة الدليل هي تجنب الغرف المطلة على الساحات، لأنه سيكون مستحيلا على السائح الإفلات من سماع صوت المؤذن خلال صلاتي العشاء والفجر.
ذكرتني هذه النصيحة بفندق نزلت فيه في مدينة «إكس إنبروفانس» بفرنسا، لم أستطع النوم طيلة الليل بسبب دقات ناقوس الكنيسة على رأس كل ساعة.
وهناك نصائح أخرى كثيرة مثيرة للضحك، كتجنب السائح التجشؤ أمام مضيفيه المغاربة للتعبير عن الشبع، أو الامتناع عن التوقف عن شرب الشاي المقدم من طرف المضيفين حتى ولو امتلأت «مصارين» السائح عن آخرها، لأن امتناعه سيفسر على شكل تكبر. كما يجب على السائح أن يبدأ أكله باسم الله، مع أن «المغاربة بروسهم قليل فيهم اللي باقي كايسمي الله قبل الماكلة».
ككتاب ساخر، يستحق «لوروطار» أن يقرأ. لكن كدليل سياحي، يمكن أن نقول إن كل من سيطالعه سيفكر ألف مرة قبل اختيار المغرب كوجهة سياحية.
... تابع القراءة

الزنزال


أيقظني هاتف على الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل ليخبرني بأن زلزالا «زار» الدار البيضاء وأخرج كثيرا من سكانها إلى الشوارع. في الصباح، تلقيت مكالمات كثيرة من أصدقاء ومعارف في الرباط وتمارة الصخيرات يسألونني هل شعرت بالزلزال. أحدهم قال إنه «مشا وجا» فوق سريره، وآخر قال إنه سقط من فوق «السداري» من شدة الرجة.
في المدينة القديمة بالدار البيضاء غادر المئات، وربما الآلاف، بيوتهم وتجمعوا في ساحة مسجد الحسن الثاني حيث تقام صلاة التراويح خلال رمضان، وشرعوا في ترديد اللطيف.
وعندما سألني أحدهم هل شعرت بالزلزال قلت له إنني أعود إلى البيت منهكا مهدود القوى بحيث لو هوت العمارة التي أسكن فيها فإن ذلك لن ينجح في إيقاظي، فبالأحرى أن توقظني خمسة فاصلة خمسة على سلم «ريشتر».
في الدار البيضاء، يتحدثون عن هروب الناس إلى الشوارع بلباس النوم. وقد تساوى في ذلك مواطنو الطبقتين الفقيرة والمتوسطة ومواطنو الطبقة «المرفحة». هؤلاء خرجوا أمام عمارات السكن الاقتصادي، والآخرون خرجوا أمام بيوتهم العشوائية، بينما الأثرياء خرجوا أمام فيلاتهم. وهناك من جمع أطفاله في السيارة ووقف ينتظر ويفكر «فين غادي يعطيها». بينما الجميع «يقفقف» من الخوف. فأمام الموت يستوي الفقراء والأغنياء. والحمد لله أن «الكفن ما فيه جياب».
في مثل هذه المواقف واللحظات العصيبة التي يقف فيها الإنسان عاجزا أمام كارثة طبيعية مثل «الزنزال»، يسترجع الواحد منا بسرعة قياسية شريط حياته، وينسى كل شيء ولا يعود تفكيره مركزا سوى على خلاصه. الخوف من الموت والهروب من النهاية الطبيعية للكائن، هذا هو مرض العصر.
عندما قرأت على الصفحة الأولى من موقع وكالة المغرب العربي للأنباء قصاصة تكذب إشاعة دخول الملياردير والوزير الأول الأسبق كريم العمراني المستشفى، ظلت في الموقع لأربعة أيام متتالية، حيث يؤكد للرأي العام أنه يتمتع بصحة جيدة ويدير أشغاله بنفسه، قلت مع نفسي إن هذا الرجل الذي تجاوز الثمانين من عمره لم يكن بحاجة إلى استغلال وكالة أخبار رسمية يمولها المغاربة من ضرائبهم لكي يكذب خبرا، كان يكفي أن يرسل تكذيبه إلى المجلة التي نشرته. عادل إمام الذي يتقدم به العمر يوما بعد يوم ويعاني من أمراض مزمنة في القلب، اختار أن يلجأ إلى رفع دعوى قضائية ضد جريدة مصرية نشرت خبر موته. وقبله، لجأ الرئيس المصري حسني مبارك، الذي تخطى الثمانين من عمره، إلى إيداع صحافي السجن لأنه تجرأ ونشر خبرا عن معاناة الرئيس من مرض اضطره إلى السفر إلى ألمانيا طلبا للعلاج.
إلا أنني عدت وتساءلت عن السبب الحقيقي الذي يجعل الناس، حتى وهم في أقصى لحظات ضعفهم الإنساني، مشغولين بإعطاء صورة «سوبرمان»، أو الرجل العنكبوت «سبايدرمان» في حالة بعضهم الآخر، خصوصا عندما يصلون إلى مرحلة متقدمة من العمر يكونون خلالها قد وضعوا رجلا في الدنيا ورجلا في الآخرة. ببساطة، إنها الرغبة المستحيلة والكاذبة في الخلود. تلك الرغبة التي تراود بعض الذين يستطيعون خلال حياتهم الطويلة العريضة تحقيق كل طموحاتهم وشراء كل ما يرغبون فيه بأموالهم. فيذهب اعتقادهم إلى أنهم قادرون على اقتناء كل شيء بما في ذلك خلودهم، إلى أن يكتشفوا ذات يوم أنهم مدعوون إلى مغادرة هذه الحياة ملفوفين في مترين من الثوب لا غير.
وهكذا، عوض أن يشكر كل هؤلاء الناس الذين شارفوا على الثمانين كل من يذكرهم بالمرض والموت، يختارون بدل ذلك اللجوء إلى مقاضاتهم وتكذيب أخبارهم وإشاعاتهم في وسائل الإعلام العمومية، ولو أن بعضهم ككريم العمراني لم يعد شخصية عمومية منذ مغادرته الحكومة.
لذلك، أعتقد أن الزلزال الذي ضرب المغرب ليلة أمس مناسبة لكي نتذكر جميعا أننا مجرد كائنات ضعيفة لا حول لها ولا قوة. وشخصيا، أدمن هذه الأيام على التفرج على سلسلة من الأفلام الأمريكية التي اختار لها مخرجوها، في الآونة الأخيرة، موضوع «القيامة» ونهاية العالم. وقد شاهدت مؤخرا فيلم «2012» لمخرجه «رولان إمريش»، والذي يحكي عن نهاية العالم بطريقة مرعبة عندما ستغمر مياه المحيطات أجزاء كاملة من الكرة الأرضية مغرقة إياها بسكانها وناطحات سحابها وبيتها الأبيض وكنيسة «سان بيير» وحجاجها. ولحسن الحظ أن المخرج انتبه إلى الضجة التي كان سيحدثها تركه لقطة في فيلمه تظهر فيها الكعبة المشرفة وحجاجها مجروفين بموجة عملاقة. وعندما سألت جريدة «لوجورنال دي ديمانش» المخرج عن سبب حذفه لهذه اللقطة في آخر لحظة، قال إنه فعل ذلك لأنه لا يريد أن يعيش بقية حياته محاطا بحراس شخصيين بسبب فتوى تهدر دمه يصدرها أحد الشيوخ.
الحسنة الوحيدة لمثل هذه الأفلام، أنها تذكر مشاهديها بحتميةٍ اسمُها النهاية. فمن كثرة ما انغمس الإنسان المعاصر في مباهج الحياة وملذاتها، نسي أن العالم سائر نحو نهايته بسبب هذا الإنسان نفسه. وقمة «كوبنهاغن» حول التحولات المناخية التي يعرفها العالم ليست سوى جرس إنذار تقرعه حكومات الدول الأكثر تلويثا للكرة الأرضية لإعلان دخول الحياة على الأرض، في السنوات القليلة المقبلة، تحولا حاسما ومصيريا.
نحن في المغرب لازلنا نعتبر أنفسنا بعيدين عن هذا النقاش البيئي بحكم انشغالنا بأمور أخرى نراها أهم. وهكذا، ننسى أن الأهم بالنسبة إلى المغرب هو مدى استعداده لسنة 2020.
والذين سيطيل الله لهم في العمر إلى أن يشهدوا هذه السنة سيرون كيف ستتحول الرباط والقنيطرة وسلا وكل هضبة بورقراق إلى كتبان رملية. فبسبب تدهور حالة غابة المعمورة، التي تحولت، من منطقة «بلاد الدندون» إلى مشارف الرباط، إلى زبالة محاطة بالأشجار، ستزحف الرمال من الشاطئ نحو المدن.
وفي نظري الشخصي، إذا كانت ستكون هناك من حسنة لهذا الزحف الرملي فهي أنه لأول مرة سيغلق باب البرلمان.
سيعرف المغرب بعد أقل من عشر سنوات، «وما بعيدا غي تادلة»، ارتفاع درجة الحرارة بدرجة واحد مائوية، وستتراجع التساقطات المطرية بأربعة في المائة، وسيرتفع معدل التصحر في الجنوب والجنوب الشرقي، كما ستعرف التساقطات الفصلية خللا كبيرا.
الماء بدوره سيقل بنسبة 15 في المائة عما هو عليه اليوم، أما الحبوب فستعرف نقصا في الإنتاج يصل إلى خمسين في المائة. وفي هذه الحالة، لا خوف علينا من الجوع، لأن الشعب الذي عرف المجاعة وعاش على جذور «إرني» يستطيع أن يتحمل غياب الخبز من مطبخه. «الكية كية اللي موالفين بالبارزيان المستورد ديال «شي بول» والفوري ديال «لابريوش دوري»!
في سنة 2020، سيكون لدينا سبعون في المائة من «المزاليط» يعيشون في العالم القروي، وسيكون لدينا ما لا يقل عن 400 منطقة مهددة بالفيضانات ولا قدرة لها على مجابهتها. «وراكم شفتو العام الفايت آش وقع فمنطقة الغرب» عندما لم تجد الحكومة من حل لإنقاذ منكوبي الفيضانات سوى ترحيلهم إلى غابة المعمورة جنب «الحلوف».
لدينا في المغرب، كما تعلمنا جميعا من خلال درس السدود والأنهار في أقسام الابتدائي، ثمانون سدا، أكبرها على الإطلاق سد «سد فمك» كما يعرف الجميع، تخزن ما يقرب من عشرة مليارات من الأمتار المكعبة من المياه، تضيع منها سنويا لسوء الحظ خمسون مليون متر مكعب هباء منثورا بسبب تآكل أرضيات الصهاريج التي تتجمع بها هذه المياه، ربما بسبب بنائها بـ«المسوس» أو بسبب تحميلها أكثر من طاقتها الاستيعابية. أما بالنسبة إلى الغطاء النباتي، فإنه يتراجع بنسبة ثلاثين ألف هكتار سنويا.
«آش ظهر ليكم ندوزو للزنزال».
رصدت الشبكة الوطنية لمراقبة الزلازل ما لا يقل عن 20.589 زلزالا ما بين 1993 و2003. تتراوح ما بين ثلاث وخمس درجات على سلم «ريشتر». هذا طبعا دون احتساب الزلازل الارتدادية التي تحدث في رواتب الموظفين كل شهر بسبب الزيادات والاقتطاعات المتتالية في كل شيء، فمثل هذه الزلازل لا تسجل على سلم «ريشتر» وإنما فقط على السلم الإداري!
المغرب إذن، كما هو الحال بالنسبة إلى دول أخرى، يوجد في منطقة معرضة للكوارث الطبيعية نتيجة للتغيرات المناخية التي يعرفها العالم بشكل متسارع. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما الذي أعده المغرب للتصدي لتداعيات هذه الكوارث؟
الناس في الدار البيضاء لم يملكوا من شيء يواجهون به خوفهم ونقص معلوماتهم حول ما يجب القيام به في حالة التعرض للزلزال سوى اللجوء إلى ساحة مسجد الحسن الثاني وترديد اللطيف.
وبسبب جهل أغلب المغاربة باحتياطات السلامة كلما تحركت بهم الأرض، فإنهم لا يعرفون من حل لتجنب الخطر سوى الخروج من عماراتهم والوقوف تحتها. دون أن يدور بخلدهم أن أول ما «سيتفرشخ» في حالة سقوط العمارة هو رؤوسهم.
والناس معذورون، فلا أحد في وسائل الإعلام العمومية يخصص برنامجا لتوعيتهم حول الكوارث الطبيعية المرتبطة بالتغيرات المناخية التي تنتظرهم، وكيفية التصرف في حالة وقوعها.
سيقول قائل متسائلا: «كيف تريد من حكومة وزير أول، هو في حد ذاته كارثة، أن تتوفر على برنامج واضح لمكافحة الكوارث؟».
صحيح، «اللي عندو عباس الفاسي وزيرا أول يحمد الله اللي باقية البلاد واقفة على رجليها».
... تابع القراءة

وداوني بالتي كانت هي الداء


هناك ثلاث دول الآن، تطالب جهاتٌ رسمية وغير رسمية داخلها المغربَ بإعادة أميناتو إلى موطنها الذي تنكرت له طواعية: واشنطن، عبر وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون وأعضاء في مجلس الشيوخ. مدريد عبر وزير خارجيتها موراتينوس وحوالي 320 جمعية تمولها الحكومة الإسبانية إضافة إلى الإعلام الرسمي والمستقل الذي يُجمِع (على عكس الإعلام المغربي المستقل) على مساندة أميناتو. ثم الجزائر التي يحرك جنرالاتُها خيوطَ المؤامرة من داخل قصر المرادية، مسنودين بصحافة تكتب من محابر ثكنات العسكر عوض قاعات التحرير.
هاته الدول الثلاث هي آخر من يحق لهم مطالبة المغرب بالسماح بعودة أميناتو إليه، وسأشرح لكم لماذا.
هيلاري ومعها «الشيوخ» الأمريكيون، الذين يحتجون على إبعاد أميناتو من المغرب ويطالبونه بضرورة إعادتها، لم يسمع لهم أحد خبرا عندما أصدرت وزارة العدل الأمريكية أحكاما بطرد مواطنين يحملون الجنسية الأمريكية من أراضيها بمقتضى قانون «باتريوت آكت»، بعد أن ألصقت بهم تهمة تمويل جمعيات خيرية. ورغم ثبوت براءة هؤلاء من تهمة دعم الإرهاب، فإن الحكومة الأمريكية لم تبادر إلى إعادة هؤلاء المبعدين إلى أمريكا، ومنهم مواطن مغربي من نواحي تيفلت تم إبعاده من التراب الأمريكي خمس سنوات رغم ثبوت براءته.
أما الجزائر، التي يتشدق قادتها اليوم بالدفاع عن حق مبعدة في العودة إلى موطنها من أجل معانقة أبنائها الذين يعانون من لوعة الفراق، فقد نسيت أنها اقترفت جريمة إنسانية لا تغتفر في حق 350 ألف مغربي تم إبعادهم من الجزائر في مسيرة مخجلة سماها النظام الجزائري «المسيرة الحكلة» انتقاما من «المسيرة الخضراء» التي دعا إليها الحسن الثاني قبل شهر من اتخاذ الجزائر قرار الطرد.
ولا بد أن الملك فيرناندو الكاثوليكي، الذي وقع قرار طرد العرب والمسلمين من الأندلس سنة 1908 ولم يشرع في تنفيذه سوى سنة 1909، كان أرحم من الرئيس الجزائري «هواري بومدين» الذي اتخذ قرار طرد المغاربة ليلة 18 دجنبر 1975 وطبقه في فجر الغد.
على الأقل، الملك «فيرناندو» وزوجته «إيزابيلا» الكاثوليكيان تركا للمسلمين والعرب مهلة سنة لكي يبيعوا ممتلكاتهم ويتشتتوا على دول البلقان وشمال أوربا وشمال إفريقيا، وليس مثل «هواري بومدين» الذي سلط جنوده على 350 ألف مغربي لكي يخرجوهم فجرا من منازلهم ويحملوهم رفقة أطفالهم نحو الحدود حفاة عراة وبدون السماح لهم بأخذ أي شيء من ممتلكاتهم.
لذلك، فعوض أن تنشغل الأمم المتحدة ومجلس الشيوخ والبرلمان الأوربي بقضية امرأة تخلت عن جنسيتها بمحض إرادتها للضغط على المغرب من أجل إعادتها إليه، على هذه المؤسسات أن تنشغل أكثر بمأساة 350 ألف عائلة مغربية تم اقتلاعها من الغرب الجزائري بالقوة وتجريدها من ممتلكاتها وإبعادها نحو المغرب ضدا على كل القوانين الدولية.
هؤلاء الضحايا لديهم اليوم جمعية تدافع عن حقهم في فتح الحدود أمام العائلات المغربية والجزائرية الممزقة لصلة الرحم، وتطالب بإرجاع ممتلكات المغاربة إلى أصحابها ومنحهم حرية التصرف فيها وإلغاء القانون الشفوي الذي يحرم بيع وشراء ممتلكات المغاربة بالجزائر، كما تطالب بتعويض الجزائر لهؤلاء الضحايا ماديا عن ثلاثين سنة من المعاناة، وتقديم اعتذار رسمي إليهم باسم الدولة الجزائرية التي اتخذ «هواري بومدين» قرار الطرد باسمها.
إذا كانوا هم يطالبون المنتظم الدولي بالضغط على المغرب لكي يعيد امرأة واحدة إلى ترابه، فالمغرب لديه ما يكفي من الأدلة والبراهين والضحايا لكي يطالب المنتظم الدولي بالضغط على الجزائر لفتح حدودها أمام 350 ألف مغربي لديهم ممتلكات مصادرة وعائلات وأهل وأحباب مشتتون في الغرب الجزائري.
وإذا فتش الأمين العام الأممي في دولاب وثائقه فلا بد أنه سيعثر على رسالة من «جمعية الدفاع عن ضحايا الترحيل التعسفي من الجزائر» تطالبه فيها الجمعية بفتح تحقيق دولي حول مأساة آلاف العائلات المغربية، ضحايا هذا الترحيل. فلماذا يتكاسل سعادته عن إعطاء الأمر بفتح تحقيق دولي حول هذه المأساة التي تعني 350 ألف عائلة مغربية، ويبدي حماسا زائدا لقضية امرأة واحدة كل أفراد عائلتها يطالبونها بالعدول عن معاداتها لوطنها.
أما «موراتينوس» وزير الخارجية الإسباني الذي ظهر في الشريط الذي يصور مفاوضاته مع «هيلاري كيلنتون» على موقع وزارة الخارجية الأمريكية الإلكتروني، وهو يطالب بحماس الحكومة الأمريكية بدعم «القضية العادلة لأميناتو»، فعليه، قبل أن يطالب بعودة أميناتو، أن يعترف هو ورئيسه بمناسبة الذكرى المائوية الرابعة لطرد الموريسكيين من الأندلس بالجرائم التي ارتكبتها إسبانيا في حق هؤلاء الأندلسيين.
وجدير بموراتينوس أن يقرأ جيدا رسالة مواطنة مغربية اسمها «مولينو» تستعد لمقاضاة الدولة الإسبانية لمطالبتها بحق العودة إلى الأندلس، الموطِن الذي طـُرد منه آباؤُها، واستعادة ممتلكات أجدادها هناك.
ولا بد أن «موراتينوس»، الذي تجري في عروقه دماء يهودية والذي اعتنق الصهيونية لكي تفتح له تل أبيب أبوابها من جديد بعد أن أوصدتها في وجهه طيلة فترة «إيهود أولمرت»، يعرف أكثر من غيره أن الدولة الإسبانية أعادت الاعتبار إلى اليهود السفارديم الذين طردوا من الأندلس، لأنهم يملكون آلة سياسية وإعلامية تستطيع إحراج كل الديمقراطيات أمام التاريخ، وإجبارها على الاعتذار والتعويض على ضياع الممتلكات. لكن الدولة الإسبانية تجاهلت العرب والمسلمين الذين كانوا يشكلون أكثرية المضطهدين، لأنهم أهملوا استغلال هذه الورقة السياسية.
اليوم فقط أصبحنا نسمع عن جمعيات للموريسكيين في المغرب تطالب الدولة الإسبانية بحق العودة إلى الأندلس والحق في استرجاع ممتلكات أجدادهم الذي طردوا وهُجّروا وأبيدوا على يد محاكم التفتيش.
وإذا كانت في إسبانيا 320 جمعية تساند الانفصاليين وتطالب بالسماح بعودة أميناتو إلى المغرب، فإن الحكومة المغربية ملزمة بتقديم الدعم الإعلامي والسياسي لآلاف الموريسكيين الذين يعيشون في الشمال المغربي وجهة الرباط زمور زعير وفاس، لكي يدافعوا عن حقهم في استعادة جوازات سفرهم الإسبانية وحق العودة إلى الأندلس.
ومثلما تستعد «مولينو» لمقاضاة الدولة الإسبانية من أجل استرجاع جواز سفرها الإسباني وممتلكات أجدادها، فعلى بقية العائلات الموريسكية الأخرى أن تفكر في نهج الطريق نفسه، دفاعا عن ذاكرة الأجداد وحقهم المغتصب.
هناك اليوم في المغرب مئات العائلات الموريسكية التي تحمل أسماؤها العائلية جِرسا أندلسيا، لم تفلح 400 سنة من النسيان في محو المأساة التي تسببت لهم فيها الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية. وهاته العائلات سبق للأستاذ علي الكتاني رحمه الله أن ذكر بعضها في مؤلفاته، ومنها عائلة «بلانكو» BLANCO و«برادو» PRADO و«بركاش» VARGAS و«بربيش» BARBES و»بلافريج» PALAFREN و»بلامينو» PALOMINO و«باليسيو» PALACIO و«بريس» PEREZ و«بيرو» PILO و«بونو» BONO و«تكيتو» CHIQUITO و«تمورو» CHAMORRO و«جوريو» OSORIO و«كديرة» GODERIA و«دياس» DIAZ و«رودياس» RODRIGUEZ و«كسوس» JESUS و«الدك» DUQUE و«الرينكة» RIENGA و«روان» ROAN و«كراكشو» CARRASCO و«كريسبو» CRESPO و«كليطو» QUERIDO و«الكمرا» CAMARRA و«لوباريس» OLIVARES و«لزارو» LAZARO و«لاميروو» ROMERO و«مرسيل» MARCELO و«ملين» MOLINA و«مورينو» MARENO و«مولاطو» MORATO و«مراس» MIRAS و»صندال» SANDALIO و«فرشادو» FARCHADO و«فلوريش» FLORES و«قريون» CARRION و«قمرادة» CAMARADA و«سباطة» ZAPATA القريب جدا من عائلة «سباطيرو» ZAPATERO التي ينحدر منها الوزير الأول الإسباني.
إن أفضل طريقة للرد على حماس «موراتينوس» الزائد لقضية أميناتو هو تنظيم عرض فني على طول الشواطئ الشمالية تزامنا مع الذكرى الـ400 لطرد الموريسكيين من الأندلس يصور هذه المأساة، تماما مثلما يصنع الإسبان في إقليم «فلانسيا» عندما يخلدون كل سنة ذكرى طرد العرب والمسلمين في احتفال موسيقي بهيج يسمونه «موروس وكريستيانوس» يغالطون به السياح حول حقيقة هذه المأساة التاريخية الدامية.
عندما نحرك هذه الأوراق التي في أيدينا ونحسن اللعب بها سياسيا، آنذاك سنرى ما إذا كان حماس هيلاري وموراتينوس وبوتفليقة للخرافات التاريخية سيظل متقدا أم إنه سيخبو أمام الحقائق التاريخية التي لا يستطيع أحد إخفاء بريقها الوهاج.
... تابع القراءة

الوزيعة


بعض الناس عندما يرزقون بمولود يسارع أقرباؤهم وأصدقاؤهم إلى زيارتهم وإحضار هدايا بالمناسبة.
بالنسبة إلى الوزير الأول والأمين العام لحزب الاستقلال عباس الفاسي، فليست هناك هدية لابنته بمناسبة وضعها لمولودتها قبل شهر أحسن من إهداء زوجها (أي نسيبو) منصب المدير العام لشركة «المغربية للألعاب»، المتخصصة في ألعاب القمار والرهانات الرياضية والتابعة لصندوق الإيداع والتدبير. وللإشارة، فراتب المدير العام الجديد لهذه المؤسسة، (نسيب السي عباس) يتجاوز الراتب الذي يحصل عليه عباس نفسه.
وهكذا، لم يمر على نشر تهنئة في جريدة حزب الاستقلال بمناسبة ازدياد مولودة جديدة في بيت بنت الوزير الأول، حتى قرأنا خبر تعيين زوجها، يونس المشرافي، على رأس «المغربية للألعاب» في الجريدة نفسها.
إنها أحدث طريقة لدى العائلة الفاسية الفهرية للاحتفال بمناسبة «السبوع»، حيث يستطيع الوزير الأول أن يمنح منصبا مهما لزوج بنته على شكل «زرور».
وهكذا، فبعد أن «دبر» عباس الفاسي لزوج ابنته نزار بركة على منصب وزير الشؤون العامة والاقتصادية للحكومة، ها هو «يدبر» لزوج ابنته الثانية على منصب «مضخم» في إحدى شركات صندوق الإيداع والتدبير. وبين تنصيب زوج ابنته الأولى في الحكومة وزوج ابنته الثانية في «المغربية للألعاب»، لم ينس عباس «التدبار» على ولده الذي لا يتجاوز من العمر 24 سنة بتنصيبه مديرا على رأس قناة إخبارية عمومية جديدة، مؤهلا المغربَ، بهذا الإنجاز، للدخول، عن جدارة واستحقاق، إلى كتاب «غينيس» للأرقام القياسية. فالمغرب هو الدولة الوحيدة في العالم التي يمكن أن يضع فيها الوزير الأول ولده، الذي لم يتعد عمره 24 سنة، على رأس قناة إخبارية عمومية ستتكفل بنقل أخبار المغرب إلى العالم الخارجي.
«هدايا» عباس لأبناء عمومته وأصهاره لم تبدأ اليوم، بل بدأت منذ تسلمه لحقيبة الوزارة الأولى. وقبل أشهر من الآن، لم يفطن أحد إلى تعيين مَـرّ «حسي مسي» على رأس «الوكالة الوطنية للنقل» التي تحولت إلى «الشركة الوطنية للنقل واللوجستيك». فبعد إحالة المدير السابق على التقاعد، تم تنصيب مدير جديد اسمه أسامة الودغيري، الذي ليس شخصا آخر سوى ابن محمد الودغيري، أحد المدراء السابقين للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووزير الشغل والشؤون الاجتماعية الذي استقبله الحسن الثاني خلال تعيينه ورأسه ملفوف بالفاصما بسبب تعرضه، ثلاثة أيام قبل تنصيبه، لحادثة سير.
لكن ما علاقة أسامة الودغيري بعباس الفاسي. لا شيء، عدا كونه ابن أخته. فأخت عباس الفاسي، زكية، التي قضت في حادثة السير رحمها الله، لديها ولد هو أسامة الودغيري استطاع أن يترقى بسرعة قياسية لكي يصل في الأشهر الأخيرة إلى منصب مدير عام شركة SNTL، فيما ابنتها الأخرى متزوجة من منير الشرايبي، والي مراكش السابق.
ما يجمع بين «حفلات التنصيب» هذه التي يستفيد منها أفراد عائلة عباس الفاسي، هو كونها تشمل مؤسسات عمومية تابعة للحكومة. والملاحظ أن هذه التعيينات تكاثرت منذ وصول عباس الفاسي إلى الوزارة الأولى، مما يعني أن هناك استغلالا واضحا للنفوذ من أجل استفادة مقربين من عائلة الوزير الأول من مناصب المسؤولية في المؤسسات الحكومية، وخصوصا منها تلك التابعة للوزارات التي يسيرها الوزراء الاستقلاليون.
فشركة «المغربية للألعاب»، التي «نزل» على رأسها زوج بنت الوزير الأول، تابعة لصندوق الإيداع والتدبير، والوزير الأول لديه ممثل ينوب عنه في المكتب الإداري للصندوق، كما أن الوزير الأول لديه سلطة تعيين الكاتب العام للصندوق.
أما شركة SNTL التي «نزل» على رأسها أسامة الودغيري، ابن أخت عباس الفاسي، فهي شركة عمومية مملوكة للدولة مائة في المائة وتابعة لوزارة النقل والتجهيز التي يوجد على رأسها وزير استقلالي اسمه كريم غلاب.
وإذا أردتم أن نعدد لكم «عروق» عباس الفاسي داخل الوزارات التي يسيرها وزراء استقلاليون «فهنا بقينا». ويكفي أن نحمل إلى علمكم أن منصب مدير الشؤون العامة في وزارة التجارة الخارجية، التي يحمل حقيبتها الوزير الاستقلالي عبد اللطيف معزوز، تم شغله قبل سنة من طرف مدام زينب الفاسي الفهري. التي ليست سوى بنت أخت عباس الفاسي وأخت الطيب الفاسي الفهري وزير الخارجية.
«مدام زينب الفهري فالتجارة الخارجية وخوها مسيو الطيب الفهري فالسياسة الخارجية. داك الشي علاش الخارجية ضرباتها تلافة».
والمثير في تعيين مدام زينب الفاسي الفهري على رأس مديرية الشؤون العامة بوزارة التجارة الخارجية هو أن «المدام» منذ تعيينها، وطيلة أربعة أشهر، لم تحضر إلى مكتبها بالوزارة، يعني أنها موظفة شبح. والعمل كله يتكلف به الرؤساء المركزيون في الوزارة، بينما هي تكتفي بالتوصل براتبها السمين. وقد راجت أخبار خلال إسقاطها بالمظلة على رأس المديرية أنها مريضة وتحتاج إلى فترة راحة طويلة للخضوع للعلاج. «اللي مريض الله يشافيه»، لكن ليس بهذه الطريقة يتم إسناد المناصب الحكومية الحساسة. فالوزارات والمؤسسات العمومية ليست أماكن لقضاء فترة النقاهة، وإنما أماكن للعمل من أجل المصلحة العامة.
والواقع أنه لم يعد مستغربا، في الأيام الأخيرة، سماع اسم «الفاسي الفهري» في كل مكان يوجد به منصب عمومي شاغر. «الكرسي اللي خوا يطيرو عليه». وربما قلة قليلة من الناس تعرف أنه، خلال الحادي عشر من سبتمبر من السنة الجارية، نصب أنس العلمي، المدير العام السابق لبريد المغرب (الذي أخذ مكان «ولد المحمدية» الباكوري على رأس صندوق الإيداع والتدبير)، السيد أحمد الفاسي الفهري على رأس فرع «بريد سيرفيس» التابع لبريد المغرب، تقربا وتزلفا إلى عباس الفاسي.
مع أن السي أحمد الفاسي الفهري سبق له أن تقاضى تعويضا مجزيا على مغادرته الطوعية لمنصبه كمهندس دولة في وزارة الفلاحة والصيد البحري على عهد العنصر، قبل أن يتكلف بتسيير شركات إدريس السنوسي ويغادرها تاركا إياها غارقة في ديون لفائدة الدولة، لكي «يحط» على رأس شركة مهمة من شركات بريد المغرب.
عندما كتبنا في افتتاحية «المساء» ليوم أمس أن الحليف الحقيقي للدولة هو المواطن المغربي الذي يجب أن نضمن رفاهيته ونصون كرامته حتى يكون مهيأ للدفاع عن وطنه في الأيام العصيبة، فإننا كنا نقصد، في ما نقصده، أن الوقت قد حان لتوقيف مسلسل استغلال النفوذ السياسي لعائلة آل الفاسي الفهري.
فالمغرب ليس إرثا تركه أجداد هؤلاء لأبنائهم لكي يوزعوه في ما بينهم فيما أبناء الشعب الذين أنفقوا سنوات أعمارهم في الدراسة والتحصيل يتفرجون على هذه «الوزيعة العباسية» دون أن يكونوا قادرين على تغيير هذا المنكر.
نعم، إن شعار حزب الاستقلال يقول «المغرب لنا لا لغيرنا»، لكن هذا الشعار لا يجب أن يكون مقتصرا على العائلة العباسية وحدها والدائرين في فلك الحزب، وإنما يجب أن يشمل 33 مليون مغربي، فالمغرب ليس ملكا لحزب الاستقلال وحده، وإنما هو ملك لجميع المغاربة.
يجب أن يعرف عباس الفاسي أنه بقبوله تنصيب أبنائه وأصهاره في مناصب المسؤولية على رأس المؤسسات العمومية، فإنه لا يفعل غير ترسيخ المزيد من الحقد الطبقي والظلم الاجتماعي بين شرائح المجتمع المغربي.
إن ما سيجعل المغاربة في هذه الظروف العصيبة التي نعيشها حريصين على وحدة بلدهم، مستعدين للدفاع عن حوزته ومقدساته بالغالي والنفيس، هو اقتناعهم بأن الوطن يعاملهم كأبناء، وليس كغرباء.
كفى، إذن، من التعامل مع المؤسسات العمومية كممتلكات شخصية تصلح كراسيها لوضع الأهل والأحباب فقط عليها.
إنكم بإقصائكم لشرائح واسعة من المغاربة المتعلمين والموهوبين من تحمل المسؤولية العمومية، تساهمون في توسيع الهوة بين الطبقات الاجتماعية ونشر الكراهية بين أبنائها تجاه بعضهم البعض.
بالنسبة إلى عباس الفاسي وعائلته الفهرية، فالأمر يتعلق فقط بمناصب يستحقها أبناؤهم، وكل ما تنشره الصحافة هو من باب الحسد والغيرة لا أكثر. أما بالنسبة إلى الرأي العام، فالأمر يتعلق باستغلال فاحش للنفوذ يجب أن يتوقف فورا قبل أن يطالب كل المغاربة الباحثين عن عمل عباس الفاسي بتبنيهم وإعطائهم اسمه العائلي لكي ينجحوا في الحصول على وظيفة. وإذا كان هناك من لقب جديد يجب إحداثه في المغرب فهو اسم السنة أسوة برجل السنة. ولا بد أن الجائزة ستذهب إلى «الفاسي الفهري»، لأنه الاسم الذي سمعناه أكثر هذه السنة في كل مكان، من السياسة الخارجية إلى التجارة الخارجية إلى الرياضة والماء والكهرباء والنقل والتلفزيون وبقية القطاعات التي شملها الغزو الفهري.
... تابع القراءة

نصائح لوجه الله


يتهموننا، نحن الصحافيين، بأننا نحترف فقط وصف المشاكل والتفنن في تعريتها، لكننا في المقابل لا نقترح بدائل وحلولا لهذه المشاكل. ورغم أن وظيفة اقتراح الحلول والبدائل هي وظيفة الحكومة وخبرائها الذين تتعاقد مع مكاتب دراساتهم بالملايير، فإننا اليوم نود، فعلا، تقديم بعض النصائح إلى وزارات الاتصال والخارجية والسياحة، لوجه الله.
أولا، دعونا نعطي مثالين مختلفين على ضرورة القطع مع السياسة الدفاعية التي ينتهجها المغرب لحماية مصالحه، وضرورة الانتقال إلى سياسة هجومية. فلربح الحروب تبقى أحسن طريقة للدفاع هي الهجوم.
لذلك، فعوض أن يبادر الإعلام العمومي عندنا إلى الهجوم للدفاع عن الوحدة الوطنية، اكتفى بسلسلة طويلة من التبريرات الدفاعية، وكأنه متهم يجب أن يدافع عن براءته من التهم الموجهة إليه، في حين أن المغرب صاحب حق.
لقد فات إعلامَنا العمومي، وهو يدافع عن موقف المغرب بصدد قضية إضراب أميناتو عن الطعام وتقديم المغرب من طرف الإعلام العمومي الإسباني كغول سيلتهم امرأة مسالمة، أن يعود، مثلا، إلى ما طالب به «خوان كارلوس رودريغيس إبارا»، رئيس إقليم «إكستريمادورا» وزير الداخلية الإسباني، قبل أشهر بخصوص الإضراب عن الطعام الذي قام به الانفصالي الباسكي «خوسي إناسيو دي خوانا» في السجن. لقد قال له بالحرف: «لا تترك هذا القذر يموت، لأنك إذا تركته يموت في المستشفى ستكون قد قدمت إليه أحسن هدية في حياته القذرة. هذا «العتروس» (وهي سبة في إسبانيا) لا يجب أن يموت».
والمفارقة اليوم في إسبانيا أن ساستها يريدون إرهاب المغرب بالحياة المهددة بالموت لأميناتو ويطالب بعضهم باحترام إرادتها وعدم إخضاعها للتغذية الاصطناعية لإنقاذ حياتها، في الوقت الذي يطالبون فيه وزير الداخلية عندهم بالقيام بالعكس في حالة الانفصالي الباسكي «دي خوانا».
وبالأمس، استشاط غضبا الحزب الشعبي وجهات إعلامية كثيرة من الاستفتاء الصوري الذي نظمته جهات انفصالية في إقليم «كطالونيا»، واعتبروا سماح الحزب الاشتراكي الحاكم بتنظيم مثل هذه الاستفتاءات تهديدا مباشرا لوحدة إسبانيا.
هؤلاء السياسيون والإعلاميون والمثقفون الإسبان الذين يهاجمون استفتاء صوريا من أجل استقلال إقليم «كطالونيا» عن إسبانيا هم أنفسهم الذين يطالبون باستقلال ما يسمونه «الشعب الصحراوي» عن المغرب.
إن أبسط شيء كان على إعلامنا العمومي القيام به هو تغطية هذا الاستفتاء، الذي شمل 170 مدينة وقرية في «كطالونيا»، ونقل تفاصيله وردود الأفعال الشرسة التي أثارها لدى شريحة واسعة من الإسبان الرافضين للانفصال، حتى يرى المغاربة التناقض الصارخ الذي يعيشه هؤلاء الإسبان المدافعون عن الانفصال في الصحراء والرافضون له في «كطالونيا».
وعوض الاكتفاء بالدفاع، كان على إعلامنا العمومي أن يمر إلى الهجوم وأن يجابه الخصم بنفس أسلحته.
إذا كانت الحكومة الإسبانية تدعم الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي تساند البوليساريو، فالمغرب لديه جمعيات تطالب بتعويض ضحايا الغازات السامة في الريف، وعليه أن يخلق فروعا لها في كامل التراب الإسباني لكي تحرج الحكومة الإسبانية أمام المنتظم الدولي بملف الغازات السامة.
إذا كانوا هم يساندون من يطالب باستقلال الصحراء، فعلى الحكومة المغربية والإعلام العمومي أن يساند الجمعيات التي تطالب باستقلال سبتة ومليلية والجزر الجعفرية.
إذا كانوا هم يطالبون بإعادة جواز سفر أميناتو وإرجاعها إلى المغرب والاعتذار إليها، فالمغرب من حقه أن يطالب بإعادة الجواز الإسباني إلى آلاف الموريسكيين الذين أبعدتهم الكنسية الكاثوليكية قبل قرون وإرجاعهم إلى الأندلس حيث موطنهم الأصلي وتقديم اعتذار إليهم عن المجازر التي قامت بها الكنسية في حقهم، خصوصا وأن النقاش حول هذا المطلب يحظى اليوم بمكانة هامة في أجندة الرئيس الإسباني.
المغرب مطالب باستغلال الأوراق التي في يديه، عوض الاكتفاء بالنظر بخوف إلى الأوراق التي يحركها الآخرون في أيديهم.
وإذا تركنا وزارة الخارجية جانبا وتحدثنا عن وزارة السياحة، فإننا نلاحظ أن بوسعيد لا يلعب جميع الأوراق التي في يديه. فقد سمع أخيرا تقرير وزارة التجارة الصينية الذي يقول إن المغرب هو المستهلك والمستورد الأول للشاي الصيني في العالم، وإن خزينة الحكومة الصينية تدخلها سنويا 22.94 مليون دولار من مبيعات الشاي للمغرب. لكن ما علاقة الشاي بالسياحة؟
العلاقة مهمة جدا. إذا كانت الصين تريد المحافظة على سوقها المغربي، فما عليها سوى أن تستمر في اختيار المغرب كوجهة سياحية، وأن تمتنع عن الرضوخ للضغوطات التي تمارسها عليها هذه الأيام كندا من أجل قرصنة سائحيها ودفعهم إلى الابتعاد عن المغرب.
وربما يجهل وزير السياحة المغربي أنه طيلة الأسبوع الماضي كانت أمريكا وكندا مجتمعتين لوضع مخطط لغزو السوق الصينية، خصوصا سوق السيارات والسياحة.
فالسائح الصيني، حسب الكنديين، على عكس السائح الأوربي والأمريكي، يبقى هو المفضل لديهم، ليس لسواد عينيه (لكي لا نقول ضيقهما)، ولكن لأنه ينفق 1300 دولار للشخص في المتوسط، بينما لا ينفق السائح الأمريكي والأوربي في كندا أكثر من 600 دولار.
المشكلة أن السائح الصيني يفضل فرنسا والمغرب وتونس ومصر. وهذه الأيام، يقوم الكنديون برحلات مكوكية بين «موريال» و«بكين» لقرصنة هؤلاء السياح، الذين يعدون بمئات الآلاف، نحو كندا. تماما كما تفعل بنوكهم مع رؤوس الأموال المغربية عندما ترسل مبعوثين عنها يقايضون أغنياء المغرب بالجنسية الكندية شرط أن يضعوا 500 مليون لـ«الراس» في البنوك الكندية.
ما هي طريقة الكنديين للضغط على الصين من أجل قرصنة سياحها؟ إنهم ببساطة يخيرون الصينيين بين سياحهم وبين السوق الكندية التي يغرقونها بمنتجاتهم. يعني إذا أرادت الصين الاستمرار في تصدير منتجاتها إلى السوق الكندية، فما عليها سوى أن تراجع نظام الكوطا الذي يقنن عدد السياح الصينيين الراغبين في السفر جماعيا برفقة وكالات سياحية نحو كندا.
أين هو المغرب ووزارة سياحته من هذه الحرب الخفية، هذه الأخيرة التي تريد جلب 10 ملايين سائح في 2010. فنحن لدينا في «درب عمر» آلاف الصينيين الذين يستوردون سلعهم ويبيعونها في المغرب، ملحقين أضرارا كبيرة بالسلع المحلية التي لا تستطيع منافسة السلع الصينية في الأسعار. العشرات من الشركات المغربية أقفلت أبوابها بسبب «الغزو الأصفر»، ومع ذلك لا أحد يفاوض الحكومةَ الصينية على سياحها بهذه الورقة. لماذا، إذن، لا يشهر المغرب ورقة حماية المنتوج المحلي من المنافسة الصينية من أجل أخذ نصيبه من السياح الصينيين الذين تريد كندا الاحتفاظ بهم لنفسها، ثم يشرع في تأسيس شركات سياحية مغربية صينية تعرف بالمنتوج السياحي المغربي في الصين.
لقد قرأنا جميعا إحصائيات المندوب السامي للتخطيط التي تقول إن «القطاع غير المنظم» في المغرب يحقق رقم معاملات يصل إلى 279.916 مليار درهم، يدخل فيه طبعا مئات التجار الصينيين الذين يشتغلون في درب غلف في السوق السوداء. لماذا لم يفكر مجلس المدينة في الدار البيضاء، مثلا، في بناء «الحي الصيني» china town الذي يوجد في كثير من البلدان، حيث يمكن للتجار الصينيين أن يستقروا وينشئوا متاجرهم ومحلاتهم ومطاعمهم، ويكونوا صلة وصل بين المغاربة والثقافة الصينية.
نحن أيضا أول مستورد للشاي من الصين في العالم. ماذا صنعنا بهذه الرتبة؟ لا شيء، عدا تسوس أسنان المغاربة بسبب نسبة السكر المرتفعة التي يضيفونها إلى الشاي.
على المغرب أن يتحرر من عقدة فرنسا، وأوربا بشكل عام، لأن المستقبل يوجد في الصين. والجهود التي تقوم بها أمريكا اليوم لفرض قيود على الصناعات الصينية ليس مردها الحرص على المناخ ومستقبل الكرة الأرضية، بل الخوف من تحول الصين إلى القوة الاقتصادية رقم واحد بعد سنوات قليلة والتهامها للمارد الأمريكي.
والعالم أصبح اليوم مقسما إلى قسمين، هناك الصين والهند وهناك بقية العالم. فالصين لديها احتياطي من العملة يصل إلى 2000 مليار دولار، واقتصادها يعرف نموا متزايدا. وعندما «يهجم» المغرب على السوق الصينية فإنه يقتحم سوقا تقدر بمليار مواطن ليسوا كلهم «مقطعين» كما تظهرهم الآلة الإعلامية الأمريكية، بل هناك شرائح واسعة من المواطنين الصينيين لديهم قدرة شرائية محترمة ولديهم القدرة على السفر والاستهلاك.
يجب، إذن، المرور من سياسة الدفاع عن النفس والتقوقع على الذات إلى سياسة المبادرة بالهجوم واستغلال الأوراق التي في أيدينا للدفاع عن النفس وفرض الذات، في السياسة كما في الاقتصاد كما في سائر المجالات.
لقد عشنا سنوات طويلة نحمي وجوهنا بأيدينا ونتلقى الضربات و«نكمدها» ونسكت. واليوم، حان الوقت لكي نسدد الضربات نحن أيضا، دون أن نخفض أيدينا عن وجوهنا طبعا.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى