الإيداع والتبذير


لا حديث للصحافة والمعارضة الفرنسية هذه الأيام سوى عن العشاء الفاخر لزعماء ورؤساء الدول بمناسبة مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط سنة 2008، والذي كلف دافعي الضرائب الفرنسيين ثمنا باهظا قدر بحوالي 1.010.256 أوروها، أي خمسة آلاف أورو «للراس». ولعل النقطة التي أفاضت الكأس وجعلت المعارضة الاشتراكية تخرج عن طورها هي تركيب «دوش» خاص بالرئيس الفرنسي خلال المؤتمر بغلاف مالي قدره 24 ألف أورو. يحدث هذا في بلد ينتمي إلى نادي الدول الغنية، بلد صناعي يعتبر اقتصاده من أقوى الاقتصادات في العالم. ومع ذلك وبسبب الأزمة الاقتصادية التي تضرب العالم، بدأنا نسمع أصواتا في فرنسا تهاجم الحكومة بمجرد ما تسجل عليها تبذيرا صغيرا للمال العام. في المغرب، لدينا مؤسسات لا أحد يعرف لأي شيء تصلح، رغم أن ميزانية الدولة تصرف عليها الملايير كل سنة من أموال دافعي الضرائب. إحدى هذه المؤسسات هي المعهد العالي للإدارة بالرباط، والذي مرت على افتتاحه حوالي ست سنوات. ولعلكم تذكرون كيف أن الحسن الثاني كان يتابع سنة 1996 أحد البرامج الحوارية على القناة الثانية أيام العز، فأثارته القدرة الكبيرة للضيف خالد الناصري على الارتجال ومقارعة الحجج. ولم يفطن إلى أن ما كان يقوم به الناصري في ذلك البرنامج ليس سوى «تعمار الشوارج». فاستدعاه وطلب منه خلق مؤسسة لتكوين النخبة التي ستسير الإدارة المغربية، أطلق عليها الحسن الثاني «المعهد العالي للإدارة». ومنذ توصل الناصري بظهير تعيينه بتاريخ 20 يونيو 1996، وهو يتوصل براتبه الشهري دون أن يظهر للمعهد أثر. يعني أنه ظل موظفا شبحا طيلة سبع سنوات. وقد كان ضروريا انتظار سنة 2003 لكي يخرج المعهد إلى الوجود في ظل حكومة جطو الذي جاء بوفد وزاري هام لاستقبال الفوج الأول من الموظفين الذين دخلوا فصول المعهد. المعهد، الذي ترصد له ميزانية سنوية من أموال دافعي الضرائب، لا يكاد يستفيد منه أحد. بالعكس، فالذي يقع هو أن الأطباء والدكاترة والمتصرفين والموظفين الكبار الذين يغامرون بالتخلي عن مناصبهم ويأتون لاجتياز الاختبارات الصعبة لولوج المعهد، يجدون أنفسهم، بعد سنتين من التكوين الشاق على أيدي خبراء محليين وأجانب، مجبرين على العودة إلى وظائفهم الأصلية التي أتوا منها. وهذه هي «اللقطة الخايبة فالفيلم». فهؤلاء الأطر عندما يعودون إلى قواعدهم يجدون صعوبات كبيرة في الاندماج في محيطهم المهني، خصوصا أولئك الذين يجدون أنفسهم مجبرين على الاشتغال تحت إمرة رؤساء آخرين بعدما كانوا في الأول يشغلون منصب رؤساء أقسام أو مصالح. يعني أنهم يصبحون «لا ديدي لا حب الملوك». فلا هم تخرجوا من المعهد سفراء ولا مدراء مؤسسات عمومية أو مدراء مركزيين بالوزارات أو ولاة أو كتاب عامين للولايات، كما غرروا بهم في البداية، ولا هم عادوا إلى سابق مسؤولياتهم التي غامروا بها من أجل دخول «المعهد العالي للإدارة». في فرنسا، نجحت المدرسة الوطنية للإدارة بباريس، التي أراد الحسن الثاني بتأسيسه للمعهد العالي للإدارة تقليدها، في تكوين سياسيين وإداريين يحتلون اليوم مقدمة الساحة الإعلامية والسياسية، أسماء من عيار «جاك شيراك» و«ألان جوبي» و«سيغولين روايال» و«دومينيك دوفيلبان» و«فرانسوا هولاند»، وغيرهم كثير. أما عندنا في المغرب، فعدا إطارين محظوظين تم توظيفهما بظهير، لم ينجح المعهد، إلى حدود اليوم، سوى في «تخريج» مائة إطار ضمن أربعة أفواج وإرجاعهم إلى وظائفهم الأصلية، دون أن تستفيد الدولة والإدارة من التكوين العالي الذي تلقوه طيلة سنتين. ورغم أن الفوج الرابع تخرج منذ يناير الماضي، فإن خريجيه لم يتوصلوا إلى اليوم بشواهدهم. فيبدو أن عباس الفاسي والناصري مدير المعهد خائفان من أن تسمعهم جمعية خريجي المعهد «خل ودنيهم»، كما صنعت خلال حفل تخرج فوج 2008، عندما طالب رئيس الجمعية الوزيرين بتوضيح الوضعية الشاذة التي يعيشها المعهد، فبدأ الناصري ينظر إلى عباس الفاسي «بنص عين» وكأنه يقول له «الهضرة عليك أ الحادر عينيك». قبل أن يأكل الوزيران حلوى حفل التخرج ويمضيا إلى شؤونهما ويتركا المعهد مفتوحا على المجهول. الوحيد الذي ربما يستفيد من المعهد هو خالد الناصري نفسه الذي يقول الموقع الإلكتروني للمعهد إنه لازال مديره إلى اليوم. فالناصري الذي سبق له أن ساهم مع إدريس البصري وآخرين في الثمانينيات بمقال في كتاب «30 سنة من الحياة الدستورية بالمغرب»، يظهر أنه لم يقرأ الفصل الذي ينص على عدم الجمع بين وظيفتين عموميتين في وقت واحد. والله أعلم إن كان الناصري يترأس إدارة هذا المعهد «باطل»، أي «فابور»، أو يتقاضى تحفيزات شهرية عن هذه المسؤولية بالإضافة إلى راتبه كوزير. «شي ربعة كيلو زيد عليها ستة ديال الوزارة هيا كمالة عشرة». اللهم لا حسد. فيبدو أن سعادة الوزير لا يحب كثيرا الخوض في الحديث حول موضوع «المعهد العالي للإدارة». والدليل على ذلك أنه عندما أعد حلقة من برنامج «ميزانكور» مع صديقه القديم حميد برادة، الذي «يتخلص» من «دوزيم» عن كل حلقة يعدها جالسا في الأستوديو بحوالي خمسة ملايين سنتيم دون الحديث عن تذاكر الطائرة المجانية والحجز في فندق من صنف خمس نجوم (الشيء الذي دفع بعض ألسنة السوء إلى تسمية برنامجه الشهري «ميزي أونكور» عوض «ميزانكور»)، تحدث عن كل شيء في حياته المهنية إلا عن إدارته للمعهد العالي للإدارة. فالرجل تنكر، طيلة ساعة من وقت البرنامج المخصص لسيرته الذاتية، لحوالي 13 سنة من حياته المهنية. وربما كان معه حق، فما هي المنجزات التي سيتحدث عنها الناصري للمشاهدين طيلة إدارته لهذا المعهد الذي أراده الحسن الثاني مشتلا لتكوين النخبة، فإذا به يتحول إلى محارة فارغة تكلف خزينة الدولة ميزانية سنوية كان الأجدر استغلالها في ما هو أهم. هذه، إذن، مؤسسة عمومية لا أحد يفهم سر بقائها إذا كانت الدولة في غير ما حاجة إلى خريجيها. فحتى الميداوي، رئيس مجلس الحسابات، الذي يحفظ عن ظهر قلب مدونة المحاكم المالية، خصوصا فصليها 172 و174، اللذين ينصان على ضرورة تخصيص ربع المناصب المالية في المجلس كل سنة لخريجي المعهد المتفوقين، يبدو أنه غير مهتم بمصير خريجي المعهد. لذلك فالأنسب، بالنسبة إلى موارد الدولة وحفظا للمستقبل المهني للموظفين، سيكون هو إغلاق هذا المعهد وكفى الله المغاربة شر «التخرج فالحيط»، وإلا فالحل الأمثل لبقاء هذا المعهد هو الاستفادة من مؤهلات خريجيه انسجاما مع الفلسفة التي أنشئ من أجلها. وبالإضافة إلى الملايير التي تضيع بسبب هذا المعهد، هناك ملايير أخرى تصرفها خزينة الدولة سنويا لمؤسسة لا يكاد يعرف عنها المغاربة الشيء الكثير، وهي مؤسسة «التعاون الوطني» المكلفة بتوزيع المنح على الخيريات والمراكز الاجتماعية ودور العجزة والجمعيات. ولعل القلة القليلة من المغاربة تعرف أن ميزانية هذه المؤسسة تصل سنويا إلى حوالي ثمانين مليار سنتيم. أخذت منها، على سبيل المثال، سنة 2004 جمعية «آفاق» التي تديرها زوجة الهاروشي عندما كان وزيرا حوالي 55 مليون سنتيم كدعم. وبالإضافة إلى جمعية «آفاق»، نعثر على جمعيات أخرى كثيرة مقربة من حزب الاستقلال تستفيد من منح «التعاون الوطني» لتمويل «حملاتها الاجتماعية» التي ليست في الحقيقة سوى واجهة للحملات الانتخابية طويلة الأمد التي يلجأ إليها بعض وزراء ومستشاري ونواب حزب الاستقلال في أحيائهم ومدنهم. ولا بد أن اللجنة التي جاءت من مفتشية الضرائب لكي تحقق في ملفات مؤسسة «التعاون الوطني»، قد استرعى انتباهها «سخاء» هذه المؤسسة مع جمعيات بعينها دون أخرى. كما قد يكون استرعى انتباهها الحضور الطاغي للعائلة الاستقلالية داخل إدارة هذه المؤسسة. فمنذ وصول عباس الفاسي وعائلته الفهرية إلى الحكومة أصبحنا نعثر على الاستقلاليين في مندوبيات وزارة الصحة وفي وزارة النقل والتجهيز وسائر المؤسسات العمومية التي توجد بها «ريحة الشحمة فالشاقور». وهذا هو «التعاون الوطني ديال بصح وإلا فلا».
... تابع القراءة

ها هيا فروسكم


تخيل نفسك وأنت جالس ترتشف قهوتك على رصيف أحد المقاهي، فإذا بفتاة عمرها أربع عشرة سنة تسقط فوق مائدتك من السماء. وقبل أن تلتقط أنفاسك من هول الصدمة، تكتشف أن فتاة أخرى عمرها خمس عشرة سنة تسقط هي الأخرى فوق مائدتك.
ليس في الأمر أية مبالغة، فهذا ما حدث بالضبط في أحد مقاهي حي المحيط بالرباط. فبينما كان أحد المواطنين يشرب قهوته «ما بيه ما عليه»، سقطت فتاتان فوق طاولته بعد أن رميتا بنفسيهما من نافذة بيتهما بالطابق الثالث الواحدة تلو الأخرى. ولولا أن «باش» المقهى امتص الصدمة لكانت الفتاتان في عداد الأموات الآن، لكن الله سلم.
وطبعا، لم تلق الفتاتان بنفسيهما من النافذة لأنهما كانتا تتعلمان الطيران على طريقة «عباس بن فرناس»، ولكن، وهذا هو صلب الحكاية، لأنهما لم تجدا من طريقة أخرى للإفلات من أنياب وحش آدمي، اقتحم عليهما البيت في غياب ووالديهما وحاول اغتصابهما، سوى القفز من النافذة نحو الشارع. فقد راقب المجرم البيت جيدا منذ الصباح، وعندما اطمأن إلى أن والدي الطفلتين خرجا، صعد الدرج وطرق الباب، وبمجرد ما فتحت إحداهما الباب اقتحمه وشرع في ضربهما وركلهما لكي يخيفهما قبل الشروع في اغتصابهما. وهنا، كانت النافذة بمثابة باب الخلاص بالنسبة إلى الفتاتين، فقفزت الأولى ثم تبعتها الثانية لكي تهبطا معا فوق طاولة أخينا الذي لم يعرف «باش تبلى». ولحسن الحظ، نجت الفتاتان من الموت بفضل الله و«الباش» الذي سخره الله لإنقاذهما، فخرجتا من رحلة الطيران الإجباري هذه بكسور في الكتف والركبة.
هذه الحادثة، التي وقعت قبل أيام في شارع مدغشقر بحي المحيط بالرباط، تكشف إلى أي حد وصلت جرائم الاغتصاب في المغرب. كما تكشف أيضا أمرا في منتهى الخطورة وهو إشكالية العود. إذ أصبح كثير من المسرحين من السجون يقترفون نفس الجرائم التي دخلوا بسببها على السجن بمجرد مغادرتهم لزنازينهم. ما وقع، إذن، يطرح سؤالا حقيقيا على المؤسسة السجنية وعلى وزارة العدل بصفة عامة. فالرجل الذي اقتحم على الفتاتين في شارع مدغشقر شقتهما واعتدى عليهما بالضرب قبل أن يحاول اغتصابهما، مما دفعهما إلى القفز من الطابق الثالث، سبق له أن حوكم ثلاث مرات وقضي في حقه بالسجن لارتكابه ثلاث جرائم اغتصاب.
وإليكم سوابقه العدلية كما هي مدونة في سجله:
1998، حكم عليهم بالسجن لمدة أربعة أشهر بتهمة الاتجار في المخدرات. 2006، خمسة أشهر حبسا بتهمة محاولة الاغتصاب والمشاركة في السرقة الموصوفة. 2008 سنة وأربعة أشهر بتهمة اغتصاب قاصر بالعنف والسرقة الموصوفة والضرب والجرح. واليوم يقف صاحب هذه السوابق أمام المحكمة بتهمة احتجاز قاصرتين ومحاولة هتك العرض بالعنف والضرب والجرح والتهديد بالسلاح الأبيض والسكر العلني.
وبالإضافة إلى مشكلة العود التي يعاني منها المواطنون الأبرياء، هناك مشكلة أكبر وهي مشكلة العفو.
والناس يتساءلون من هم هؤلاء المساعدين الاجتماعيين الذين يحررون لهؤلاء السجناء التقارير التي ترفع إلى مديرية الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل والتي يشهد بحسن سلوكهم وضرورة تمتيعهم بالعفو. الناس يتساءلون من هم هؤلاء المسؤولين الذيني يطلعون على مثل هذه التقارير وسمحون بتقديمها إلى الديوان الملكي من أجل التوقيع عليها.
هل يجهل هؤلاء الذين يتقدمون بمثل هذه الأسماء إلى الملك أن الفصل 34 من الدستور، الفصل الأقصر في الدستور كله والذي يقول: «الملك يمارس حق العفو»، قد حدد وظيفة العفو الملكي والغاية منه، والتي هي إما رفع قسوة قضائية زائدة عن اللزوم، أخذ حالة اجتماعية معينة بعين الاعتبار والرحمة، أو تصحيح خطأ قضائي.
إن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه أمام تكاثر هذه الحالات ليس هو كم يمضى مجرم وراء القضبان قبل أن يخرج بالعفو بعد تحرير تقرير حوله يشهد بحسن سيرته وسلوكه، وإنما كم أعطى لكي يخرج بالعفو.
عندما كتبنا على صفحات هذه الجريدة، قبل حوالي ثلاث سنوات، تحقيقا عنوانه «العفو الملكي في المزاد العلني»، استدعانا الوكيل العام للملك، العلوي البلغيثي، بأمر من وزير العدل الراحل محمد بوزوبع، وحرر لي ولزميلي لحسن والنيعام محضري استماع إلى أقوالنا، وبعد ذلك قررت النيابة العامة حفظ الملف لأننا رفضنا أن نكشف عن مصادرنا، ولم تر ضرورة لمتابعتنا قضائيا بتلك التهمة الجاهزة في دولاب النيابة العامة وهي «نشر أخبار زائفة».
اليوم، سنقول بملء أفواهنا إن هناك مافيا خفية تسيطر على ملفات العفو الملكي وتحوله إلى بورصة لمن يدفع أكثر. وأفراد هذه المافيا يجب أن يتم فضحهم لأنهم يشوهون التفاتة ملكية سامية وينزعون عنها مراميها النبيلة ويحولونها إلى «كريمة» تباع وتشترى.
إن أخطر ما في هذا الموضوع هو أن الناس العاديين لا يعرفون طريقة الحصول على العفو ولا الإدارات الكثيرة التي يمر منها طلب العفو قبل أن يصل إلى الديوان الملكي. فأغلبية المغاربة يقولون «الملك اللي عفا عليهم»، وينسون أن الملك لا يعرف من يكون هؤلاء الذين يمتعهم بعفوه. والذي يتحمل المسؤولية في تقديم طلبات للعفو إلى الديوان الملكي، لا يستحق أصحابها الحصول على العفو، هو مدير مديرية الشؤون الجنائية والعفو، لأنه يسمح بوصول ملفات عفو إلى الملك لا يستحق أصحابها ذلك. والدليل هو اعتقال الشرطة، بعد كل عفو ملكي، للمتورطين أنفسهم في الجرائم نفسها التي دخلوا بسببها إلى السجن أول مرة، مما يعني أن «تحسن السلوك» هؤلاء السجناء المستفيدين من العفو ليس سوى ذريعة، أما السبب الحقيقي لتسجيلهم في لوائح العفو فهو «تحسن الحالة المادية» لبعض الماسكين بخيوط ملفات العفو.
إن أكبر تشويه لصورة العفو الملكي من طرف مديرية الشؤون الجنائية والعفو هو وضع اسم لبنى بن الصديق ضمن لوائح طلبات العفو، وحصولها عليه مؤخرا، رغم أن ابنة الزعيم النقابي «التاريخي» صدر في حقها حكم بالسجن موقوف التنفيذ لستة أشهر بتهمة حيازة المخدرات، دون أن نتحدث عن دهسها لمستخدميها بسيارتها «الجاغوار» أمام الملء.
هناك، إذن، رغبة خفية من طرف البعض في إخراج العفو الملكي عن أهدافه التي نص عليها الدستور بشكل واضح في فصله الرابع والثلاثين. فهل أرادت مديرية الشؤون الجنائية والعفو، عبر سعيها وحصولها لابنة الزعيم النقابي على العفو، تصحيح خطأ قضائي أم أرادت مراعاة حالتها الاجتماعية، مع أنه محكوم عليها بالسجن موقوف التنفيذ أم تراها أرادت فقط التخفيف من قسوة قضائية نزلت بقوة على ابنة الزعيم النقابي المدللة.
إن المغاربة، اليوم، أصبحوا يضعون أيديهم على قلوبهم خوفا كلما اقترب عيد ديني أو مناسبة وطنية تتزامن مع خروج أفواج من المساجين بالعفو، فإدارة السجون تجدها «من الجنة والناس» لأن العفو يخفف عنها الاكتظاظ في السجون الضيقة أصلا. وفي مديرية الشؤون الجنائية والعفو، يجدها البعض مناسبة لـ«تدوير الناعورة» في ملفات العفو. والذين يتحملون ضريبة هذه الإدارة السيئة لمؤسسة العفو هم المواطنون الذين «تطلق عليهم» وزارة العدل كل هؤلاء المساجين المتعطشين للعودة إلى جرائم قتلهم واغتصابهم وسرقاتهم التي دخلوا بسببها إلى السجن أول مرة قبل أن يغادروه بعد أن «حسنوا» سلوكهم.
في السجون المغربية، اليوم، تباع الشواهد المدرسية وتباع النقط وشواهد حسن السيرة والسلوك المعتمدة في ملفات العفو. في السجون المغربية يباع كل شيء، من شفرة الحلاقة إلى الكرامة البشرية. ولذلك، فالحاجة ملحة، اليوم، إلى تطهير «جهاز العفو»، لأنه قرصن فصلا من الدستور حدد بوضوح أهداف العفو الملكي وشروط الحصول عليه، وجعله في خدمة مصالحه المادية عوض خدمة الهدف النبيل والسامي الذي أنشئ من أجله أول مرة.
الناس عندما يذهب أطفالهم ضحية مجرم، دخل السجن أكثر من مرة بتهمة الاغتصاب وخرج منه بالعفو، لا يعرفون أن عبد النبوي، مدير الشؤون الجنائية والعفو، هو المسؤول الأول عن مثل هذه الأخطاء التي تحول «العفو الملكي» إلى مناسبة لإفراغ السجون عشوائيا من المجرمين وإرسالهم إلى الشارع لكي ينهبوا أموال الناس بالسكاكين والسيوف.
«دابا ها هيا فروسكم».
... تابع القراءة

الصحافة بين رؤوس الأقلام ورؤوس الأموال (2/2)


الصحافيون الذين سبق لهم أن وقفوا أمام القضاء في إحدى محاكم المملكة، لا بد أنهم لاحظوا أن دورهم يأتي غالبا بعد مرور المتهمين في ملفات حوادث السير أو الخيانة الزوجية أو الفساد أو السكر العلني. والسبب هو أننا في المغرب لا توجد لدينا قاعة متخصصة في النظر في قضايا الصحافة والنشر كما هو الحال مع محكمة «نانطير» بفرنسا، مثلا، والتي تنظر في مختلف القضايا التي يتابع فيها الصحافيون.
لذلك، فأول شيء يجب أن تقوم به وزارة العدل، إذا كانت تريد فعلا إصلاح القضاء، هو تكوين قضاة متخصصين في جنح وجرائم الصحافة والنشر، وتخصيص غرفة في إحدى محاكم الدار البيضاء للنظر في هذه القضايا.
إن قانون الصحافة، الذي يفتح القضاة كتبه أمامهم عندما يحاكمون الصحافيين، يجب أن تخضع بعض فصوله للتعديل أو الحذف نهائيا، لأن واضعيه، سامحهم الله، غلبوا جانب «الزيار» على جانب العدل، ولذلك جاءت أغلب فصوله لصالح المشتكين وليس لصالح الصحافيين. فجريمة القذف، مثلا، كما هو منصوص عليها في قانون الصحافة، تبقى فضفاضة ويمكن لأي شخص كـَتبتَ حوله مقالا أو خبرا أو رأيا أن يتابعك بتهمة القذف، لأن باب التأويل الذي يفتحه هذا الفصل على مصراعيه أمام هيئة المحكمة لا يترك للصحافي أدنى فرصة للإفلات من الإدانة.
زد على ذلك أن مدير الجريدة المسؤول عن النشر يجد نفسه، بمجرد توصله باستدعاء المحكمة مرفقا بشكاية المشتكي، مجبرا على تقديم الوسائل والوثائق التي تبرئه خلال خمسة عشر يوما من توصله بالاستدعاء. وبمرور هذه المهلة، تصبح أية وثيقة إثبات أو دليل براءة يتقدم به الصحافي أمام المحكمة لاغيا غير مقبول.
حتى في جرائم القتل، تسمح المحكمة للمتهم بالإدلاء بما يثبت براءته ولو كان ذلك دقيقة واحدة قبل النطق بالحكم، أي أن المجرم أمامه فترة التقاضي بأشهرها الطويلة لإثبات براءته، إلا في ما يخص الصحافي، فإن المحكمة تمهله خمسة عشر يوما فقط للإدلاء بكل ما لديه. وأنا أتساءل هنا عن سبب التضييق على الصحافي دون غيره من عباد الله في هذه البلاد في هذه النقطة بالذات. الجواب ببساطة أن واضعي قانون الصحافة ينتظرون الصحافي «فالدورة». فهم وضعوا هذا البند في القانون وهم يتمنون ألا يعثر الصحافي على دليل براءته حتى في تلك الخمسة عشر يوما. «كون جات على شي وحدين فيهم كون عطاوه 24 ساعة».
واضح، إذن، أن قانون الصحافة وضع لتكبيل أيدي الصحافيين عوض ضمان محاكمة عادلة لهم. والدليل على ذلك أن هذا القانون أعطى المشتكي الحق في مقاضاة الصحافي أمام أية محكمة يريد في المغرب. ويمكن لأي مواطن أو مسؤول، أحس بأن ما نشرته حوله إحدى الجرائد يشكل قذفا بالنسبة إليه، أن يرفع دعوى قضائية ضد كاتب المقال ومدير نشر الجريدة التي نشرته والتي تصدر في الدار البيضاء، أمام محكمة في وجدة أو العيون.
وحسب قانون الصحافة، فإن مدير النشر عليه أن يمثل شخصيا أمام العدالة طيلة أطوار المحاكمة. هذا في الوقت الذي تكلف فيه الشركات الأخرى ممثليها القضائيين ومحاميها الخاصين بالمثول أمام القضاء والدفاع عن مصالح موكليها.
وإذا كانت لمدير النشر ثلاث أو أربع قضايا في مختلف محاكم المملكة، فإنه يجد نفسه فجأة مضطرا إلى السفر كل أسبوع إلى مدينة مختلفة للدفاع عن براءته. وهكذا، يضطر مديرو بعض الجرائد والمجلات إلى ترك مكاتبهم ومنشوراتهم والتفرغ للمثول أمام المحاكم. وأذكر أنني كنت منذ سنة خلت مدعوا إلى حضور محاكمة في الرباط وفي اليوم نفسه كنت مدعوا إلى المثول أمام محكمة في بني ملال. «بغاو يفرقونا على جوج».
وفي فرنسا، مثلا، يحضر مدير النشر شخصيا إلى المحاكمة إذا ما قرر القاضي ذلك لضمان المحاكمة العادلة للطرفين، أما في الحالات العادية فإن المحامي والممثل القانوني للشركة الناشرة هما اللذان يتكفلان بالمثول أمام القضاء. ويوميا في محكمة «نانطير» بباريس، مثلا، تصدر عشرات الأحكام ضد الجرائد والمجلات بتهم القذف والتشهير دون أن يرى أحد في ذلك نوعا من التضييق على حرية الصحافة. لكن الغرامات التي تصدر في حق المجلات والصحف تراعي حجم الضرر الذي تتسبب فيه هذه الوسائل للمشتكين، كما تراعي ميزانية الشركات الناشرة. ومثلا، في فرنسا لم يحدث أن أدين مدير نشر بدفع غرامة قدرها 600 مليون سنتيم كما حدث معي، ولم يحدث أن ظل حساب شركة ناشرة وحساب مدير نشرها محجوزا منذ سنة كما وقع معي ولا يزال إلى الآن.
وفي مقابل تشدد القانون مع الصحافي عندما يقف أمام القضاء، فإن هذا القانون نفسه يتساهل، بشكل كبير، مع كل من يريد تأسيس صحيفة أو مجلة. وبسبب هذا التساهل، أصبحت لدينا إلى حدود اليوم في المغرب حوالي 700 جريدة ومجلة. «الصين الشعبية وموحالش فيها هاذ الشي كامل».
وعوض أن يتشدد القانون مع الصحافيين قضائيا، يجب أن يتشدد في شروط منح تصاريح بإصدار الجرائد. فالشرط الأول الذي يجب توفره في كل راغب في تأسيس جريدة هو المهنية أولا. ومثلما لا نستطيع تصور طبيب يفتح عيادة بدون توفره على شهادة الكفاءة المهنية، فإنه لا يمكننا أيضا تصور شخص يفتح جريدة دون أن يكون حاصلا على بطاقة الصحافة التي لا تعطى له إلا بعد توفره على تجارب مهنية سابقة في المجال.
حاليا، وانسجاما مع القانون الحالي، يستطيع أي أمي أو محتال أن يجمع خمسة وثائق ويذهب لاستخلاص تصريح بإصدار جريدة وطبع بطاقات زيارة تحمل لقب «مدير النشر» والشروع في ابتزاز الناس بحفنة من الأوراق التي يلطخها ببعض المقالات المسروقة من هذا الموقع أو ذاك.
ولعل أول شيء يجب أن تطالب به المحكمة كل من يأتي لاستصدار تصريح بإصدار جريدة هو الكشف عن مصادر التمويل، أي كم لدى الشركة الناشرة من أموال في البنك، وهل تستطيع هذه الأموال ضمان صدور الجريدة بانتظام بما يكفي لكي تقف على رجليها في السوق. لنكن واضحين، مشروع إصدار جريدة مشروع مكلف جدا. وأستطيع أن أقول بدون افتخار إن «المساء» هي اليومية الوحيدة في المغرب، وربما في العالم العربي، التي استطاعت أن تبدأ بمائة مليون سنتيم لا غير، واستطاعت منذ الأشهر الستة الأولى أن تقف على رجليها بفضل ثقة قرائها فيها. أما في الحالات العادية، فلكي تضمن، مثلا، بقاء جريدة تطبع عشرين ألف نسخة يوميا مدة ستة أشهر في السوق، يجب أن تبدأ بميزانية مالية لا تقل عن مليار سنتيم، ويجب أن تضع في حسابك أن هذه الميزانية ستنفد وعليك أن تقنع الشركاء بضخ المزيد من الأموال في رأس المال حتى لا تتوقف الجريدة عن الصدور. وبالنسبة إلى استقرار أي مشروع صحافي ماليا، فيجب انتظار خمس سنوات من تاريخ إصدار أول عدد. أما إذا كنت تريد الحصول على أرباح، فعليك انتظار الاحتفال بذكرى مرور العشر سنوات الأولى للصدور. هذا إذا بقيت الجريدة على قيد الصدور. ومن يزور مقبرة الجرائد اليومية المغربية سيقرأ على شواهد قبورها أسماء جرائد يومية كثيرة قضت نحبها، ومنها ما ينتظر.
لماذا يجب أن يكون شرط الكشف عن مصادر التمويل ضروريا قبل إعطاء تصريح بتأسيس الجريدة. ببساطة، لأن مصدر التمويل هو الذي يكشف التوجه التحريري للجريدة أو المجلة، ويكشف هل هي مستقلة أم تابعة لجهة ما. وهناك اليوم جرائد ومجلات تتأسس في ظرف شهر، ويرصد لبعضها مليار سنتيم منذ الانطلاقة، ولا أحد يعرف من أين حصل أصحابها على كل هذه الأموال. وفي الوقت الذي «يفرع» فيه هؤلاء المدراء آذان قرائهم بضرورة تطبيق مبدأ «من أين لك هذا؟» مع المسؤولين السياسيين والقضاة والبرلمانيين والوزراء، نرى كيف ينتفض هؤلاء المدراء غاضبين عندما يطالبهم أحد بالكشف عن مصادر تمويلهم وتطبيق مبدأ «من أين لهم هذا؟».
وبعض هؤلاء المدراء يطالبون أيضا في جرائدهم بمراقبة صرف المال العام المستخلص من جيوب دافعي الضرائب، لكنهم يرفضون اقتراح وزارة الاتصال التي فاتحتهم حول ضرورة خضوع الدعم المالي الذي يتوصلون به لمراقبة قضاة المجلس الأعلى للحسابات. وفي إحدى جلسات الحوار بين فيدرالية الناشرين ووزارة الاتصال، قفز أحد أولئك المدراء من مكانه عندما «جبدو» له حس «المحاسبة» على ملايين الدعم التي يتوصل بها كل سنة، وقال منتفضا إن هذا الدعم عبارة عن «هبة» لا أحد يملك حق محاسبتنا نحن الصحافيين عليها.
فالصحافي، حسب هؤلاء المدراء، مهمته هي إعطاء الدروس للآخرين ومراقبة الآخرين ومحاسبة الآخرين، أما سعادته فيوجد فوق النقد وفوق المحاسبة وفوق المراقبة.
وهذا وضع غريب لا يوجد له مثيل في العالم، يبدو أن الوقت حان لتغييره. فالصحافي ومدير الجريدة يجب أن يكونا قدوة في النزاهة والشفافية والمصداقية والاستقلالية. وإلا فإن كلامهما اليومي عن هذه القيم سيصبح من باب النفاق والكذب والتزييف. وهذه وحدها تهم كافية لمقاضاتهما أمام محكمة القراء التي تعقد يوميا في أكشاك المملكة، وتصدر عنها أحكام لا يراها غير هؤلاء المدراء المنافقون عندما يتوصلون بأرقام مبيعاتهم من موزعيهم نهاية كل شهر.
... تابع القراءة

الصحافة بين رؤوس الأقلام ورؤوس الأموال (1/2)


لأن عائدات الضريبة نزلت بحوالي 11.7 في المائة، فإن نور الدين بنسودة، مدير مديرية الضرائب، يبحث هذه الأيام بكل الطرق الممكنة عن استخلاص ضرائبه المنسية. وهكذا، سيرسل بنسودة رجاله قريبا إلى مراكز الرياضة واللياقة البدنية العالمية التي فتحت لها فروعا في المغرب. تلك المراكز التي حققت أرباحا كبيرة بفضل أثمانها المرتفعة، التي تصل في بعضها إلى عشرة آلاف درهم كانخراط سنوي بالإضافة إلى مبلغ شهري يتراوح ما بين 300 و500 درهم، دون الحديث عن أثمان الخدمات التي توفرها هذه المراكز لزبائنها من حمامات تركية وجاكوزي و«مانيكير» و«بيديكير» وجلسات تدليك بالشوكولا والحليب والعسل، إلى غيرها من «الماصاجات» الخيالية والباهظة. «واحد ما لقاش رابعة ديال الحليب باش يفطر وواحد كايمسد بيه عظامو». السنة الماضية دعاني أحد الأصدقاء إلى زيارة النادي الذي يتدرب و«يتحمم» و«يكسل» عظامه فيه، لأنه حصل على دعوات مجانية من النادي لدعوة أصدقائه من أجل التعرف على الخدمات الصحية التي يقدمها النادي إلى زبائنه. وعندما دخلت، اندهشت من أنواع «الماصاجات» التي يقترحها النادي. واندهشت أكثر من أثمنتها الباهظة. فبين «الحمام الملكي» و«الحمام الإمبراطوري» و«الحمام الأميري» وحمام «ألف ليلة وليلة»، بقيت حائرا. فطيلة حياتي السابقة، الحمام الوحيد الذي كنت أعرفه هو حمام «ولد الشلحة» في مدينتي الصغيرة حيث لم تكن «التحميمة» تكلف أكثر من درهمين ونصف و»الله يرحم الوالدين» للشخص الذي سيحك لك ظهرك بالكيس. وإذا كانت «الحركة مهورة» وتكرمت عليك الوالدة بخمسة دراهم أخرى زائدة فيمكنك أن «تتبرع» على نفسك بـ»تكسيلة» من أيدي «عمي الجيلالي» الذي كنا نسميه «زومبلا» بسبب عضلاته المفتولة، والذي «يطرطق» لك عظامك حتى آخر فقرة من فقرات «سلسولك». وهكذا، وبسبعة دراهم ونصف تخرج من الحمام «مزنك» الوجه منفرج الأسارير مرتخي العضلات.
هكذا إذن، يكون مدير الضرائب اكتشف، أخيرا، أن قطاع النوادي الرياضية وحماماتها البخارية وصالات تدليكها قطاع مدر للدخل يفلت من ضرائبه، مثلما اكتشف أن موظفي السفارات والقنصليات والهيئات الدبلوماسية الأجنبية لا يؤدون الضريبة على الدخل لخزينة الدولة. ولذلك بمجرد ما وصل السفراءَ والقناصلة َالأجانبَ خبرُ شروع مديرية الضرائب في اقتطاع الضريبة على الدخل من رواتب موظفيهم، أخبروا هؤلاء بأن الضريبة سيتم اقتطاعها للموظفين من رواتبهم ولن تدفعها عنهم وزارات خارجية الدول التي يشتغلون معها. ولذلك وضعه على رأس أولوياته للسنة الضريبية الجديدة. وليس قطاع القاعات الرياضية الخاصة وحماماتها ورواتب موظفي القنصليات والسفارات الأجنبية وحده من سيحظى باهتمام مديرية الضرائب، بل حتى قطاع الإعلام بقنواته التلفزيونية ومحطاته الإذاعية وجرائده ومجلاته وشركات إشهاره. فكل هذه المؤسسات ستتشرف بزيارة رجال بنسودة الذين سيراجعون معها حساباتها المالية للسنوات الماضية. بعض مدراء الشركات الإعلامية «شداتهم سريسرة» من الآن، لأنهم اكتشفوا أنهم ظلوا يخلطون حساباتهم المالية الشخصية مع حسابات شركاتهم الإعلامية. والبعض الآخر يطلب «التسليم» ويتمنى ألا يكون اسمه واسم شركته موجودا في لائحة «ضحايا» بنسودة، لأنه ببساطة يعطي الدروس في جريدته للشركات التي لا تؤدي واجبات الانخراط لصندوق الضمان الاجتماعي في الوقت الذي لا يستحيي فيه من اقتطاع واجبات الانخراط من مرتبات موظفيه دون دفعها لصندوق الضمان الاجتماعي.
ومن الصدف العجيبة أن اجتماع بنسودة بمفتشي ضرائبه حول استعدادات لزيارة المؤسسات الإعلامية وشركات التواصل والإشهار، تزامن مع اجتماع عقدته لجنة الدعم في وزارة الاتصال لوضع اللمسات الأخيرة على لائحة الجرائد والمجلات التي ستستفيد من دعم الوزارة المالي لهذه السنة.
شخصيا، كنت أعتبر دائما هذه الملايير التي تقسمها وزارة الاتصال على الجرائد والمجلات، التي تتوفر فيها شروط الحصول على الدعم، مجرد مضيعة للمال العام. ورغم أن اسم جريدتنا موجود ضمن لائحة الجرائد التي استكملت شروط الحصول على الدعم، فإن هذا لا يمنعنا من الجهر بهذه الحقيقة. هذا المال الذي توزعه وزارة الاتصال على الجرائد والمجلات لا يخدم مستقبل الصحافة في شيء. بل بالعكس، إنه مثل كل أشكال الدعم التي يحصل عليها السينمائيون والمغنون والمسرحيون، تزرع في أصحابها روح التكاسل والاتكال والكسل.
وبما أن الشيك الذي تعطيه وزارة الاتصال للجرائد المستفيدة من الدعم يكون في اسم مديري هذه الجرائد، فإنني أعرف مدراء جرائد بمجرد ما استلموا الشيك دفعوه في حساباتهم البنكية الخاصة، واشترى به أحدهم سيارة فاخرة، فيما دفع آخر مبلغ الشيك تسبيقا في شقة، وبقيت حالة جرائدهم كما هي وازدادت وضعية صحافييهم بؤسا، ولم تنعكس أموال الدعم على جودة المنتوج الصحافي الذي يقدم إلى القارئ.
طبعا، هناك جرائد ومجلات استعمل مديروها أموال الدعم في دفع الديون المتراكمة وفي تسديد تكاليف الطباعة التي ترتفع شهرا عن شهر. لكن التجربة أثبتت أن دعم الدولة للصحافة يحتاج إلى مقاربة أخرى غير «الشيك».
اقتراحي هو التالي: مكان منح الجرائد والمجلات شيكات الدعم السنوي من أموال دافعي الضرائب، أليس من الأفضل تغيير التعامل الضريبي للسيد بنسودة مع المؤسسات الإعلامية. فإلى حدود اليوم، مديرية الضرائب تتعامل مع المقاولات الصحافية التي تنتج الجريدة أو المجلة مثلما تتعامل مع الشركة التي تنتج الخميرة أو «الصبابط»، مع العلم بأن المهنة التي يزاولها الصحافيون لا علاقة لها بالمهن الأخرى لا من حيث الإكراهات المهنية ولا من حيث القيمة الفكرية للمنتوج. لذلك فالضريبة التي تدفعها المقاولات الإعلامية لا يجب أن تكون مثلها مثل الضريبة التي تدفعها المقاولات التجارية أو الصناعية. حاليا، ندفع للسيد بنسودة نفس الضرائب التي تدفعها الشركات الصناعية، مع أن الشركات التي نسيرها نحن تساهم، بالإضافة إلى صناعة الجريدة، في صناعة الرأي العام وإخباره وتوعيته وتثقيفه. وهذه الوظائف لا تأخذها مديرية الضرائب في الحساب كما تصنع مديريات الضرائب في الدول المتقدمة التي تعرف حق المعرفة وظيفة الصحافة والإعلام المستقل.
الدولة تعرف المقاولات الإعلامية فقط عندما تحقق أرباحا سنوية. فعندما يريد المساهمون تقسيم الأرباح، على كل مساهم منهم أن يدفع لمديرية الضرائب ثلاثين في المائة من أرباحه، أما عندما تخسر المقاولة الإعلامية فالدولة تقول لك «شد فالبولة الحمرا».
وحتى نبسط الأمور للقارئ العادي، يمكن أن نقسم له الدراهم الثلاثة التي يدفعها مشكورا من أجل اقتناء جريدته اليومية على الشكل التالي: عندما تعطيني عزيزي القارئ ثلاثة دراهم عن كل عدد، فإنني أدفع منها درهما ونصفا للمطبعة، وأدفع منها درهما لشركة التوزيع. وبين الضرائب وفواتير الماء والكهرباء ورواتب الصحافيين والمستخدمين وكراء المقرات، تصل كلفة النسخة الواحدة من الجريدة التي بين يديك إلى درهمين وسبعين فرنكا، أي أن الشركة المصدرة للجريدة تربح في كل عدد تطبعه وتوزعه وتبيعه 3 ريالات لا غير. والباقي، الباقي كله علينا أن نعوضه من عائدات الإشهار التي لولاها لما استطعنا أن نصنع هذه الجريدة وأن نوصلها بين يديك.
وعلى ذكر الإشهار، فأهم نقطة ينسى المهنيون العاملون في قطاع الإعلام المكتوب مناقشتها، بالإضافة إلى مشكلة الضرائب (للذين يدفعونها طبعا)، هي الفراغ القانوني الذي يعيشه قطاع الإشهار. فلكي «تخلصك» بعض وكالات الإشهار في «رزقك» عليك أن تنتظر أحيانا تسعة أشهر من تاريخ صدور الإعلان، و«نتا وزهرك». وهناك وكالات إشهار عندما يمر عام على مطالبتك برزقك، يقترح عليك أصحابها إعفاءهم من عشرة في المائة من مجموع المبلغ الذي في ذمتهم مقابل تمكينك من رزقك حالا، وإلا «سير ضيم».
لذلك فمن السهل أن يتناول السيد بنسودة إفطاره وهو يقلب أوراق الجرائد التي أمامه ثم يقرر، بين رشفة عصير وأخرى، أن يرسل رجاله لعصر المقاولات الإعلامية أكثر مما هي معصورة.
نحن كصحافيين لا نريد معونة من وزارة الاتصال كل سنة، نريد قانونا ضريبيا جديدا لا يعاملنا كبائعي بضائع وسلع تجارية، كما نريد قانونا منظما لمهنة الإعلان يقنن علاقتنا بوكالات الإشهار ويحمي المقاولات الإعلامية من بعض مصاصي الدماء الذين يحولون، بجشعهم، الصحافيين وجرائدهم إلى عبيد تحت أقدامهم، فقط لأنهم يتحكمون في سوق الإعلانات بعلاقاتهم ونفوذهم ومعارفهم.
هذا بالنسبة إلى الشق المادي لأي إصلاح مرتقب لحقل الصحافة المكتوبة، أو المنكوبة على الأصح. غدا نتكلم في الشق المعنوي، بعيدا عن لغة الأرقام. فالصحافي بحكم علاقته اليومية بالكتابة مفروض فيه أن يفهم في الحروف أكثر مما يفهم في الأرقام. لكن وكما يقول المثل «ما حك جلدك مثل ظفرك»، ففي هذه المهنة لكي لا يأكلك «الشمايت» يجب أن تكون كاتبا جيدا و«حساسبيا» جيدا أيضا. ورغم كل شيء، «تحضي حتى تعيا ويقولبوك يقولبوك».
... تابع القراءة

باك صاحبي


بمجرد ما تسرب إلى الصحافة خبرُ احتمال تعيين نجل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على رأس مقاطعة «لاديفونص»، أحد أكبر أحياء الأعمال في أوربا، تعالت أصوات كثيرة في الإعلام وداخل الأحزاب، بما فيها حزب الرئيس الفرنسي اليميني، تستنكر تحويل الجمهورية الفرنسية إلى جمهورية شبيهة بإحدى جمهوريات الموز حيث الرؤساء يعينون أبناءهم وأقاربهم في مناصب المسؤولية. وبما أن فرنسا مشهورة بالتفاح، فقد سماها بعض الصحافيين الساخرين بجمهورية التفاح وليس الموز. فيما اكتشف بعض الشباب العاطلين طريقة جديدة للسخرية من رغبة ساركوزي في وضع ابنه على رأس حي الأعمال الباريسي الشهير، بإرسالهم طلبات عمل مع وضع اسم «جان ساركوزي»، ابن الرئيس، عليها مكان أسمائهم الحقيقية. آخرون ذهبوا إلى حد اقتناء حبات الموز وألصقوا عليها راية فرنسا واجتمعوا أمام قوس حي الأعمال الشهير بمنطقة «لاديفونص»، ووضع كل واحد منهم حبة الموز في أذنه وشرع يتصل عبرها بقصر «الإليزيه» طالبا من الرئيس ساركوزي أمام عدسات المصورين منصب عمل في حي الأعمال الشهير. المهم أن الصحافة الفرنسية صلبت الرئيس الفرنسي طيلة خمسة عشر يوما على صفحاتها الأولى، إلى الحد الذي جعل نجله يتخلى عن المنصب الذي عبد له والده الطريق إليه. ولكي يخرج من هذه الفضيحة بأقل الخسائر الممكنة، قال إنه لا يريد نصرا ملطخا بالشكوك. والواقع أن الولد لم يتخل عن منصبه على رأس أغنى حي في أوربا لأنه لا يريد نصرا ملطخا بالشكوك، ولكن لأن نصره كان سيكون بمثابة هزيمة سياسية نكراء لوالده. فشعبية الرئيس الفرنسي توجد اليوم في الحضيض بسبب هذه الفضيحة وفضيحة مساندته المطلقة لوزير الثقافة «فريديريك ميتران» الذي اعترف في مذكراته بتعاطيه الجنس مع القاصرين في مواخير «بانكوك» (أنظر كتاب الأسبوع الصفحة 6)، هذا الأخير الذي يساند بدوره مساندة مطلقة المخرج البولوني «رومان بولانسكي» المعتقل في سويسرا، بطلب من العدالة الأمريكية، بسبب اغتصابه لقاصر قبل ثلاثين سنة. الدرس الذي نستخلصه من هذه القضية هو أن الصحافة والرأي العام في فرنسا لازالت لديهما كلمتهما المسموعة. فالصحافة توجه الرأي العام، والرأي العام يؤثر على صانع القرار السياسي إلى الحد الذي يجعله يتراجع عن قراراته. ليس حبا في الرأي العام وإنما حبا في أصواته التي يمكن أن يحرمه منها خلال الانتخابات. فساركوزي عندما ساند وزيره الشاذ، قال: «باي باي» لأصوات اليمينيين المتطرفين الذين جلبهم إلى حزبه من صفوف «جون ماري لوبين». وهو عندما ساند «بولانسكي»، المتابع بجريمة اغتصاب قاصر في أمريكا، جلب عليه نقمة المسيحيين المحافظين الذين يشكلون غالبية المنتمين إلى حزبه. وبمحاولته تنصيب ابنه على رأس حي «لاديفونص»، يكون قد ارتكب الخطأ القاتل الذي يمكن أن يعصف به خارج قصر «الإليزيه»، لذلك تراجع في آخر لحظة وعاد إلى صوابه. عندنا في المغرب، بحت حناجر الصحافيين وهم يصرخون كل يوم منددين بتحويل جزء من حكومة عباس الفاسي إلى حكومة عائلية، يمكن أن تجد فيها الأصهار والأعمام والأخوال. وفي كل مرة يصدر فيها مقال أو تحقيق حول «الحكومة الفاسية الفهرية»، نكتشف تنصيب اسم جديد من هذه العائلة على رأس مؤسسة عمومية أو حكومية. وإلى حدود اليوم، نرى كيف يسيطر آل الفاسي الفهري على أغلب مناحي الحياة اليومية للمغاربة، فهم في الماء والكهرباء والكرة والصحة والخارجية وجزء من الداخلية والشؤون العامة للحكومة والوزارة الأولى والطرق السيارة. والكارثة أن بعض هؤلاء الوزراء عندما ينجحون في الحصول على حقيبة وزارية يصنعون المستحيل لتمكين أبنائهم وأحفادهم من مناصب المسؤولية في قطاعات قريبة منهم. وهكذا، رأينا كيف بدأ الجيل الثالث من «آل الفاسي الفهري» يعلن عن نفسه بشكل لافت للانتباه. ورأينا كيف أن أحد أبناء عباس الفاسي يحصل على منصب في قناة عمومية، وابنا ثانيا ينجح في مقاطعة في الدار البيضاء. ورأينا كيف أن ابن وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري يوضع على رأس معهد للدراسات والتفكير ويتصرف في ميزانية بمئات الملايين، ويستفيد من علاقات والده الدبلوماسية في استدعاء الأسماء العالمية المرموقة لحضور ندواته ومؤتمراته. ثم رأينا كيف وظف وزير الشبيبة والرياضة قبل أسابيع لينا الفاسي الفهري، أخت وزير الخارجية، في منصب رئيسة الموارد البشرية بالوزارة. ونحن هنا لا نتحدث سوى عن التعيينات التي يستفيد منها «آل الفاسي الفهري» في الحكومة والمؤسسات العمومية، لأننا إذا أردنا أن نتحدث عن المؤسسات الخاصة كالبنوك والمؤسسات المالية، فإنا سنحتاج إلى أعداد كاملة من هذه الجريدة لإحصائهم، وكأن أبناء هذه العائلة هم وحدهم من درس وحصل على شواهد في هذه البلاد. وعندما تحتج الصحافة وتنتقد هذا الاستغلال الفاضح للسلطة للاستفادة من تنصيب الأهل والأحباب في مناصب المسؤولية، تسمع احتجاجات من المقربين من «آل الفاسي الفهري» يتذرعون فيها بكون كل هذه التعيينات التي يستفيد منها أقرباؤهم وأبناؤهم ليست سوى محض مصادفات. كما أن بعضهم أصبح يهدد هذه الصحافة بالمتابعة القضائية بتهمة التحرش الإعلامي بالعائلة الفاسية الفهرية. وهذه طريقة بالية لتخويف الصحافة من الاقتراب من إمبراطورية «آل الفهري»، والأنسب كان سيكون هو توقف هذه العائلة عن استغلال نفوذها السياسي لتنصيب المزيد من أبنائها وأقربائها في مناصب المسؤولية. نحن في المغرب لا نعاني فقط من سياسية «سعدات اللي عندو جداتو فالعرس»، ولكن أيضا من سياسة «باك صاحبي». وهي سياسة متبعة في جميع القطاعات، سواء كانت عمومية أو خصوصية. وهذه السياسة يعمل بها المغاربة، ليس فقط داخل مؤسساتهم بل حتى مع المؤسسات الأجنبية التي تريد الاستقرار في المغرب. ومؤخرا، افتتح بنك «لاكايشا» الإسباني فرعا له في الدار البيضاء، فتقدم مرشحون كثيرون يشتغلون في وكالات هذا البنك بإسبانيا من أجل الظفر بفرصة للعودة واستثمار مؤهلاتهم المهنية في المغرب. لكن صدمتهم كانت كبيرة عندما اكتشفوا أن البنك، الذي اختار مستشارا كأندريه أزولاي لكي يكون ضمن هيئة مستشاريه الماليين، اختار ثلاثة أسماء لم تخرج عن «بناني» و«كنون» و«القادري»، مع أن بعض هذه الأسماء لم يكن مدرجا أصلا في لائحة المتبارين. وآخر تعيينات قامت بها المديرية العامة للوقاية المدنية لم يخرج بعضها عن قاعدة «باك صاحبي»، خصوصا عندما نرى كيف أن المديرية العامة عينت رئيسا لقسم التوثيق والإعلاميات ليست له تجربة في هذا المجال، وفوق هذا وذاك جعلت تحت إمرته مهندسين يشغل أحدهما «مصلحة تطوير واستغلال الإعلاميات»، فيما يشغل الثاني «مصلحة الإعلاميات». أما التعيين الذي ترك الجميع في المديرية العامة للوقاية المدنية فاغرا فمه فهو تعيين ابنة كولونيل ماجور، تربطه صداقة بالجنرال اليعقوبي، رئيسة على مصلحة «الاعتمادات والمحاسبة»، على الرغم من كون هذه الأخيرة لازالت في مرحلة التدريب. أما المقدم مصطفى الطويل، الذي ارتبط اسمه بمحرقة «روزامور» عندما كان يشغل منصب رئيس مصلحة الإطفاء بمنطقة «ليساسفة»، فقد تمت ترقيته إلى منصب رئيس «مصلحة تدبير الأزمات» في إطار التقسيم الجديد الذي اقترحته المديرية العامة للوقاية المدنية على وزارة الداخلية ووافقت هذه الأخيرة عليه. مع أن الأزمات الحقيقية التي تحتاج فعلا إلى تدبير في مصالح الوقاية المدنية هي أزمات رجال الإطفاء البسطاء نهاية كل شهر عندما يكتشفون أن تعويضات الساعات الإضافية التي انتظروها لأشهر لا يوجد أي أثر لها في ورقة الأداء. وليسوا هم وحدهم، بل حتى ضباط القوات المساعدة ينتظرون الإفراج عن تعويضاتهم التي صرفتها وزارة المالية ولازالت عالقة بأدراج مكتب الجنرال العنيكري. وبسبب سياسة «باك صاحبي»، أصبحت بعض المناصب والقطاعات الوزارية تتوارث بين أبناء العائلات الكريمة تماما كما يتوارث أبناء «المزاليط» أحذية وملابس الذين يكبرونهم سنا. ولم تفلح بعض الأسماء العائلية الشعبية في اختراق الجدار المنيع الذي تضربه بعض العائلات «العريقة» حول بعض المهن المسماة نبيلة، سوى بشق الأنفس. فبدأنا نسمع، خلال العشرين سنة الأخيرة، أسماء عائلية جديدة داخل تجمعات مهنية كالطب والصيدلة والهندسة والتوثيق، بعد أن كانت الطريق الجامعية نحو هذه المهن صعبة على حاملي الأسماء العائلية «الحرشة». إن المجتمع الناجح هو المجتمع الذي يفتح الطريق أمام جميع أبنائه نحو المناصب، للأكثر جدارة وموهبة وذكاء بينهم لا للذين لديهم «جداتهم فالعرس». إن الخاسر الأكبر في ترسيخ سياسة «باك صاحبي» هو المغرب، لأنه يفقد ثقة أبنائه في عدالته ويدفعهم إلى البحث عن هذه العدالة تحت سماوات أخرى. هناك حيث تستطيع الصحافة والرأي العام إجبار رئيس الجمهورية على التراجع عن فكرة وضع ابنه في منصب مسؤولية لا يستحقه.
... تابع القراءة

دامت لكم الأفراح والمسرات


لولا الألطاف الإلهية لوجد الشيخ بيد الله، رئيس مجلس المستشارين، نفسه فعلا بيد الله في مستعجلات الشيخ زايد بالرباط. فقد سقطت من سقف الغرفة الثانية، في غيابه، «مادرية» ثقيلة وزنها حوالي أربعة كيلوغرامات. ومن حسن حظ مدام العابدة، كاتبة الدولة في التعليم الابتدائي، أن «المادرية» سقطت بالقرب منها وليس فوق رأسها، وإلا لكانت فضيحة المغرب فضيحة بجلاجل. فالغرفة، التي من المفروض أن تراقب المال العام وطرق صرفه وتفضح الغش في المنشآت العمومية، عاجزة حتى عن مراقبة الغش الذي بدأت تظهر نتائجه على بنايتها التي كلفت عشر سنوات من الأشغال بغلاف مالي وصل إلى 226 مليون درهم. ولا بد أن الاستقلالي فوزي بنعلال، الذي ترأس الجلسة التي شهدت سقوط «المادرية» من سقف المجلس، تمنى في قرارة نفسه أن تنشق الأرض لكي يدخل فيها. فسعادة المستشار كان هو من تعاقد مع الشركات الكثيرة التي تعاقبت على بناء مجلس المستشارين طيلة العشر سنوات التي تطلبها استكمال المشروع، كما لو أن الأمر يتعلق بهرم من أهرامات الجيزة وليس بغرفة في البرلمان. وهكذا، اكتشف السادة المستشارون أن اللوح الخشبي، الذي كاد يسقط فوق رأس كاتبة الدولة في التعليم، لم يكن «مطرقا» بالمسامير، وإنما تم إلصاقه إلى السقف بواسطة «الكولا». وإذا كان إقدام رئيس مجلس المستشارين، المنتخب حديثا والذي افتتح ولايته بهذا «الفال» السيئ، على فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية في حق الشركات التي أنجزت الأشغال بناء على ما سيكشف عنه تقرير الخبرة، شيئا مطلوبا، فإن الأنسب بالنسبة إلى مجلس كشف، منذ افتتاحه، عن وجود غش في البناء والصيانة، هو إقفال أبوابه وتكليف مكتب للخبرة بإنجاز تقرير شامل عن البناية ككل، حرصا على أرواح «سكان» الغرفة والوزراء الذين يزورونها بين وقت وآخر. فعندما نزلت القطرة من سقف المجلس مباشرة بعد افتتاحه من طرف الملك قلنا «مكاين باس»، لا بد أن الأمر يتعلق بسهو في تبليط سقف المجلس بالزفت (وكأن الزفت هو ما ينقص في هذه البلاد)، لكن أن تصل الأمور إلى سقوط «المادري» من سقف المجلس قرب رؤوس الوزراء والمستشارين، أسبوعين بعد افتتاح الدورة الخريفية من طرف الملك، فهذه سابقة في العمل النيابي على مستوى العالم بأسره. وإذا عجز السادة المستشارون عن حماية سلامتهم الجسدية في مجلس المستشارين فكيف يمكن أن نصدقهم عندما يريدون إيهامنا بأنهم قادرون على الدفاع عن سلامة المغاربة. لذلك، فأبسط شيء كان يجب أن يطالب به السادة المستشارون هو إقفال أبواب الغرفة الثانية وإخضاعها لخبرة مكتب متخصص في الأشغال العمومية. «اليوم طاح المادري غدا بحال والو طيح شي سارية». ولا بد أن أغلب المستشارين سيجدون هذا الاقتراح «من الجنة والناس»، فأخيرا سيكون لديهم سبب مقنع لمقاطعة جلسات مجلس المستشارين الذي يكلف المغاربة 30 مليار سنتيم في السنة. فالأنسب لهذا المجلس المعطوب هو أن يعلق بيد الله لائحة فوق بابه مكتوب عليها «مغلق من أجل الأشغال». هكذا يتفرغ كل مستشار إلى «أشغاله» الخاصة. والحقيقة أن الجميع انتبه إلى «المادرية» التي سقطت من سقف المجلس ونسي التوقف عند الحجارة الثقيلة التي نزلت فوق رأس هذا المجلس قبل أسبوعين، وبالضبط عندما قال عبد الهادي خيرات، مدير جريدة «الاتحاد الاشتراكي»، إن ثلث البرلمانيين من تجار الحشيش. وإلى حدود اليوم، لم نسمع أن وزير العدل عبد الواحد الراضي، رفيق عبد الهادي خيرات في المكتب السياسي، أمر النيابة العامة باستدعاء خيرات والاستماع إلى إفادته بخصوص هذا الاتهام. فما دام خيرات قد قال إن ثلث البرلمانيين المغاربة من بائعي الحشيش فلا بد أنه يعرف أسماء هؤلاء «البزنازة» الذين يتحدث عنهم، وإلا لماذا لم يقل إن ربع البرلمانيين المغاربة بائعو حشيش أو ثمنهم أو خمسهم مثلا. وإذا لم ير وزير العدل ورئيس النيابة العامة ضرورة للاستماع إلى رفيقه في الحزب في هذه «النازلة» من أجل تنوير العدالة حول هؤلاء الأباطرة المائة والثمانية والتسعين الجالسين في البرلمان بغرفتيه والمحميين بالحصانة، فقد كان عليه على الأقل أن يأمر بوصفه رئيسا للنيابة العامة بفتح تحقيق قضائي عاجل للتعرف على هؤلاء الأباطرة الذين أحصاهم خيرات في البرلمان من أجل نزع الحصانة عنهم وتقديمهم إلى العدالة. أما إذا كان ما قاله خيرات مجرد مزايدات سياسية تدخل في إطار «تسخان البنادر»، المعروف عن الاتحاديين كلما أحسوا بقرب إخراجهم من الحكومة، فعلى رؤساء الفرق البرلمانية أن يطالبوه بسحب هذا الاتهام الخطير والاعتذار إليهم، وإلا فإن سكوتهم سيثير الشكوك حول مدى صحة اتهامات خيرات، وهي اتهامات كافية، في حال ثبوتها، لحل البرلمان وإعادة الانتخابات من جديد. ولم تكد تنزل «مادرية» خيرات على رؤوس البرلمانيين حتى بادرهم بـ«مادرية» أخرى أثقل منها عندما قال إن الولاة والعمال كانوا يتصلون بالمستشارين شخصيا لإجبارهم على التصويت على الشيخ بيد الله كرئيس لمجلس المستشارين، بمعنى أن بيد الله فاز برئاسة مجلس المستشارين بفضل الداخلية، وليس بفضل رفيقه الاتحادي إدريس لشكر والاستقلالي شباط اللذين فعلا المستحيل لإقناع مستشاريهما بالتصويت لصالح بيد الله. وهو ما تم بالفعل. ومرة أخرى، لم نسمع أي تكذيب لوزير الداخلية لهذا التصريح الخطير الذي يضع ولاته وعماله موضع اتهام. كما لم نسمع أن وزير العدل أمر بفتح تحقيق حول هذا الاتهام لمعرفة حدود تدخل ولاة الداخلية وعمالها في التأثير على المستشارين أثناء التصويت لبيد الله. وليس خيرات وحده من يرمي القنابل فوق قبة البرلمان هذه الأيام، وإنما حتى حزب التقدم والاشتراكية الذي يشارك في الحكومة بحقيبتين وزاريتين، إحداهما حقيبة الناطق الرسمي باسم الحكومة، يرمي نصيبه من «القنيبلات». فقد خرجت لجنة الحزب المركزية بتقرير ناري، يوم الأحد الماضي، تتهم فيه «مفسدي الحياة السياسية الوطنية باحتلال معظم المقاعد بمختلف الهيئات المنتخبة»، وتقصد بذلك البرلمان بغرفتيه والمجالس البلدية، كما اتهمت «ممثلي السلطة الترابية بالتدخل لدعم مرشحين دون غيرهم»، دون تدخل من قبل وزارة العدل. وأخطر ما في التقرير هو أن ما وقع خلال الانتخابات الأخيرة «يهدد»، حسب مولاي إسماعيل العلوي، «استقرار البلاد ومؤسساتها». كل هذه القنابل والاتهامات الثقيلة لم تفلح في تحريك «زغبة» واحدة في رأس وزير العدل، رئيس النيابة العامة «يا حسرة». فالرجل مشغول عن هذا كله بحضور مؤتمر النواب العامين والمدعين العامين ورؤساء هيئات التحقيق والادعاء العام والوكلاء العامين الذي انطلقت أشغاله بمراكش الثلاثاء الماضي. وقد ذهب سعادته إلى مؤتمره بمراكش بعد أن أمر بالاستماع إلينا في «المساء» لمجرد أننا نشرنا خبرا يقول إن بارون المخدرات «اطريحة» اعترف بوجود شخصية مهمة في وزارة العدل ضمن شبكته. وقد تكفل الوكيل العام للملك، «السي العلوي البلغيثي الله يجازيه بيخير»، بإتمام الباقي، وعين لنا جلسة أمام المحكمة في التاسع من الشهر المقبل، حيث سنتابع بتهمة «نشر خبر زائف»، وهي التهمة التي يمكن، في حال ثبوتها، أن ترسلنا إلى السجن من شهر إلى ستة أشهر. وفي الوقت الذي كنا فيه، كصحافيين، ننتظر أن يفي الوكيل العام للملك، العلوي البلغيثي، بالوعد الذي قطعه على نفسه أمام كاميرا القناة الثانية في رمضان عندما قال إن جميع من سيثبت تورطه في ملف «اطريحة» ستتم متابعته بغض النظر عن موقعه ومكانته، ها نحن نرى كيف أن الوكيل العام للملك نسي وعده وترك جميع أسماء القضاة والمحامين والمسؤولين الذين ذكرهم «اطريحة» للمحققين، واستدعانا نحن للاستماع إلينا، وها أنتم ترون كيف أن الأمور تسير بالمقلوب في هذه البلاد، وأن الرسالة الملكية حول إصلاح القضاء وقعت في آذان صماء، والدليل على ذلك أنهم عوض أن يحاكموا المتورطين في ملف «اطريحة» هاهم يحاكمون الصحافيين الذين لم يفعلوا غير واجبهم المهني في إطلاع الرأي العام على مستجدات هذه الفضيحة. عندما سلمني وكيل الملك استدعاء المحكمة لحضور الجلسة، تسلمته وقرأت تهمتي، «نشر خبر زائف»، ووقعت على وصل التسلم وقلت للوكيل: - «وهادوك الناس اللي ذكرهم اطريحة فالاستنطاق واش ما عندكومش التلفونات ديالهم تعيطو ليهم حتى هوما؟ فابتسم وقال لي: - هاداك الشي ماشي شغالي... يبدو، فعلا، أن العدالة في المغرب ليست من «شغال» القضاء، فالقضاء مشغول في مراكش بالمؤتمرات والندوات. دامت لكم الأفراح والمسرات.
... تابع القراءة

وسخ الدنيا


بمجرد ما تشمم صانعو وبائعو ومستوردو الخمور رائحة زيادة خمسين في المائة في الضريبة التي لوح بها وزير المالية، شرعوا في التنسيق في ما بينهم لمواجهة هذه الزيادة الضريبية التي لم تتغير منذ 1979، أي أنهم منذ 39 سنة وهم يراكمون الأرباح على ظهر المستهلكين، مستغلين تساهل مديرية الضرائب معهم. واليوم، يبدو أن بنسودة، مدير الضرائب، ليس وحده من قرر اختراق الحصن الحصين لتجار الخمور، بل حتى العاملون البسطاء، الذين يشتغلون في مزارع أحد أكبر عاصري الخمور في المغرب، قرروا «الانتفاض» ضد استغلالهم المهني في الضيعات والمزارع.
يتعلق الأمر بإمبراطور الخمور إبراهيم زنيبر، الذي خرج حوالي 2500 من النساء العاملات في مزارعه إلى شوارع مكناس للاحتجاج على خرقه لقوانين العمل استجابة للدعوة التي وجهتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.
وفي ضيعة «خروبة» وحدها، التي يملكها إمبراطور الخمور زنيبر، تشتغل نساء كثيرات تكلفت إحداهن بالقول، نيابة عن 600 عاملة أخرى، إنهن يشتغلن في الضيعة بلا بطاقات للضمان الاجتماعي وبلا حقوق.
وهكذا، فالملياردير زنيبر، الذي يحقق رقم معاملات سنويا يقترب من مليارين ونصف المليار درهم ويستغل حوالي 8400 هكتار من أراضي المغرب المزروعة ويسيطر على حوالي 85 من مجموع الخمور المبيعة في المغرب، لا يجد حرجا في تشغيل نساء مزارعات في حقوله بدون ضمان اجتماعي وبدون احترام للحد الأدنى للأجور.
وإذا كان وزير المالية قد قرر مضاعفة الضرائب على صناعة الخمور، فإن أغماني، وزير الشغل، الذي ينتمي إلى حزب كالاتحاد الاشتراكي صنع أمجاده على ظهر القوات الشعبية، مطالب بأن يرسل مفتشي شغله إلى مزارع ومعاصر هذا الإمبراطور لكي يقفوا على تجاوزاته واستغلاله لمآسي النساء وحاجتهن إلى الشغل في منطقة تعتبر الأكثر فقرا في خريطة الفقر التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط.
وإلى جانب الملياردير زنيبر، الذي خرجت النساء العاملات في مزارعه إلى شوارع مكناس لإعلان تمردهن على الاستغلال المهني، هناك ملياردير آخر في الدار البيضاء لم تهتز شعرة واحدة في رأسه بسبب معاناة 600 عامل يعيلون 600 أسرة، يحتجون منذ أكثر من سنة أمام مصنعه تضامنا مع 40 عاملة طردن من العمل بدون مبرر.
إنه الملياردير كريم العمراني، وزير المالية الأسبق والوزير الأول الأسبق ومدير المكتب الشريف للفوسفاط الأسبق، الذي يملك شركة «سيما بوا أطلس» لتحويل الخشب، تلك الشركة التي تأسست سنة 1949 تحت مظلة الحماية الفرنسية التي كانت تربطها بعائلة العمراني مصالح مشتركة.
ورغم أن شركة كريم العمراني تحقق رقم معاملات يصل إلى سبعين مليون أورو سنويا، بفضل وحداتها الإنتاجية الأربع المنتشرة بالمغرب والغابون، ورغم أن المسؤوليات التي تحملها هذا الأخير في الدولة والحكومة تجبره على أن يكون قدوة ومثالا للآخرين في احترام حقوق العمال والمستخدمين، فإن سيادة الملياردير لم يلتفت طيلة سنة كاملة إلى كل أولئك النساء البسيطات المطرودات من شركته واللواتي يعتصمن بأطفالهن الصغار أمام مدخل الشركة.
كما أن مفتشي الشغل التابعين لوزارة الوزير الاتحادي لم يكلفوا أنفسهم إجبار الملياردير العمراني على تطبيق قانون الشغل وإعادة النساء العاملات إلى وظائفهن. فمثل هذه الشركات لا يجرؤ أحد على الاقتراب من سياجها خوفا من أن يجد نفسه مطرودا من العمل هو الآخر.
فالموظف الذي يطمع في الترقية يجب عليه أن يعرف كيف يسبح في مياهه الإقليمية. وللتأكد من صحة هذه النظرية، يكفي أن يبحث الواحد منا عن مصير المقدم مصطفى الطويل الذي كان يشتغل في مصلحة الوقاية المدنية التي وقعت كارثة «روزامور» في مجالها الحضري. فرغم تحميله المسؤولية عن عدم تطبيقه للمساطر والقوانين الضرورية الواجب على كل مصنع الامتثال لها قبل تسليمه شهادة الممارسة من طرف الوقاية المدنية، ورغم تسبب الكارثة في موت 49 شخصا من مستخدمي المصنع، فإن مسؤول الوقاية المدنية بمنطقة ليساسفة وجد نفسه في لائحة الترقيات التي قدمها الجنرال اليعقوبي إلى وزير الداخلية من أجل التأشير عليها بالموافقة. وهكذا، أصبح المقدم المصطفى الطويل، ابتداء من مارس الماضي، رئيسا لمصلحة «تدبير الأزمات».
ومثل هذه التعيينات لا يمكن أن تحدث سوى في أجمل بلد في العالم. فالمسؤول، الذي فشل في تدبير أزمة حريق في مصنع، تعهد إليه إدارته بمسؤولية إدارة مصلحة «تدبير الأزمات» على المستوى الوطني.
«كاينة شي أزمة قد هادي».
وبالإضافة إلى الملياردير إبراهيم زنيبر والملياردير كريم العمراني، اللذين يصمان أذنيهما عن سماع احتجاجات المسحوقين من مستخدميهم، هناك ملياردير آخر اسمه عثمان بنجلون استفاقت له نقابة المستخدمين أمس واجتمعت على عجل للنظر في مطالب المستخدمين الذين يشتغلون في وكالاته الأربعمائة، والذين يعيشون على أعصابهم منذ سماعهم بخبر استعداد مديرهم لإنفاق خمسة ملايير سنتيم في ليليتين بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس البنك المغربي للتجارة الخارجية.
فالملياردير، الذي تعود على تغطية نوافذ سيارته المصفحة بالخوامي حتى لا يرى «كحل الراس» في الشوارع، يتهرب من دفع المنحة السنوية لمستخدميه ومنحة الشهر الثالث عشر كما وعدهم بذلك لتبريد «خواطرهم» أثناء اندلاع الإشاعات قبل شهر حول تفويت البنك إلى مؤسسة مالية أخرى.
أما الموجة الثانية من تفويت شطر من أسهم البنك إلى المستخدمين التي وعدهم بها بنجلون فقد ضرب عنها هذا الأخير صفحا وأصبحت نسيا منسيا. ولذلك، فهناك اليوم داخل كل وكالات البنك المغربي للتجارة الخارجية جو مكهرب واستياء عارم للمستخدمين من تساهل الملياردير بنجلون مع نفقات «البخ» وتشدده مع نفقات ومنح العمال المستحقة بعرق جبينهم ووقتهم الذي يضحون به من أجل نماء بنك سعادة الملياردير. ولهذا السبب، لا يجب أن يستغرب الملياردير بنجلون إذا تهاطلت على مكتبه استقالات أطره البنكية، فالمثل المغربي يقول «اللي عندو باب واحد الله يسدو عليه».
شخصيا، ما يثيرني في حالة هؤلاء المليارديرات الثلاثة، الذين يشتكي مستخدموهم من الطرد والاستغلال والضغط والتمييز المهني، هو كونهم يوجدون جميعهم على أعتاب التسعين من العمر، يعني أنهم شبعوا من الدنيا، وكما يقول المغاربة: «ما بقا قد اللي فات». ومع ذلك، تجدهم أكثر الناس حرصا على المال الذي يسميه المغاربة «وسخ الدنيا»، حتى ولو كان على حساب أكتاف المستضعفين والبسطاء.
أمثال هؤلاء المليارديرات في أمريكا وأوربا وبعض الدول العربية يؤسسون الجامعات والمستشفيات والخيريات، ويتبرعون بجزء من ثرواتهم للبحث العلمي والجامعي، ويخصصون منحا للطلبة المعوزين وجوائز مالية قيمة تحمل أسماءهم للمبدعين.
سيقول أحدكم إن مليارديراتنا أيضا لديهم مؤسساتهم، فعثمان بنجلون أنشأ لزوجته ليلى أمزيان مؤسسة تحمل اسم والدها «الماريشال أمزيان» بمنطقة بني نصار بالريف، وإبراهيم زنيبر أسس لزوجته غيثة مؤسسة «غيثة زنيبر» لرعاية الأيتام بباب الجديد بفاس. وبما أن الملياردير كريم العمراني ليست له مؤسسة تحمل اسمه، فقد تبرع لمؤسسة محمد الخامس للتضامن بشيك قدره خمسون مليون درهم «هادي عامين». ومنذ ذلك الوقت، لم نسمع عن «تبرع» آخر لسعادة الملياردير.
عندما ينشئ المليارديرات في العالم بأسره المؤسسات التي تحمل أسماءهم أو أسماء زوجاتهم، أو يتبرعون بأموالهم لصالح مؤسسات أخرى، فليس دائما من أجل سواد عيون «المزاليط»، فالأموال التي يتبرعون بها هم وغيرهم لهذه المؤسسات تنفعهم مع مفتشي الضرائب، لأن المتبرعين يضعون الأموال المتبرع بها من أرباح شركاتهم ضمن خانة الأعطيات.
كما أن هذه المؤسسات الحاصلة على صفة المنفعة العامة تكون مداخيلها من التبرعات معفاة من الضرائب ومن زيارات مفتشي الضرائب، حيث إنها تتصرف في الهدايا والتبرعات التي تصلها بحرية تامة. وهنا يبدأ «التخوفيش» عند بعض هذه المؤسسات ذات المنفعة العامة، والتي تتحول إلى مؤسسات ذات منفعة خاصة تعود بالربح على أصحابها.
... تابع القراءة

ثرثرة في القطار


كنت في القطار أطالع حوارا مطولا من عشرين صفحة ملونة أجرته إحدى المجلات المغربية مع كريم غلاب، وزير النقل والتجهيز، عندما سمعت بعض المسافرين يحتجون على مراقب التذاكر بسبب الاتجاهات الخاطئة التي تعلن عنها سيدة الميكروفون في محطات القطار. فعندما يرتفع صوتها لكي تعلن عن قرب دخول القطار إلى المحطة، وتقول لك إن مقصورة الدرجة الأولى توجد في مؤخرة القطار (حاشاكم، لأن الصحيح هو آخر القطار وليس مؤخرته)، فعليك أن تعرف بحسدك المغربي أن مقصورة الدرجة الأولى التي تتحدث عنها صاحبة الصوت الرخيم توجد في المقدمة. وإذا سمعتها تقول إن مقصورة الدرجة الأولى توجد في المقدمة، فما عليك سوى أن تنتظر هذه المقصورة في الوسط. والمثير في الأمر أن أخطاء الاتجاهات التي ترتكبها صاحبة ميكروفون القطارات لا تنحصر فقط في المحطات، وإنما ترتكب حتى داخل القطار. وكم من مرة كنا ذاهبين نحو الدار البيضاء وفجأة، عندما يقترب القطار من محطة المحمدية، نسمع صاحبة الصوت الرخيم تنبه السادة المسافرين إلى أنهم داخلون إلى محطة سلا المدينة. فتلاحظ كيف يلتفت المسافرون في وجوه بعضهم البعض مستغربين متسائلين هل هم الذين أخطؤوا القطار أم إن القطار هو الذي أخطأ المحطة. آخر مرة حضرت فيها لمثل هذه المواقف كانت قبل يومين عندما كنا قادمين من محطة الدار البيضاء الميناء نحو محطة المحمدية. وبمجرد ما اقترب القطار من المحمدية، قفز صوت صاحبة الميكروفون لكي ينبه المسافرين إلى أنهم داخلون إلى محطة القنيطرة. فتململ أحد المسافرين، يظهر من قسمات وجهه أنه «شابع هضور»، وقال لها: - الله يمسخك أبنتي... المهم أن المسافرين الغاضبين الذين كانوا يحتجون على مراقب التذاكر البريء بسبب تأخر القطار وأخطاء مذيعته المتكررة، كان أحدهم يطالب بوضع دفتر الشكايات داخل القطارات حتى يتمكن المسافرون من كتابة احتجاجاتهم على متنه وليس أخذ الصف وإضاعة نصف ساعة أخرى في البحث عنه في المحطات. فيما قال آخر إن إدارة السكك الحديدية تتعامل مع المسافرين كالبهائم. في هذه اللحظة بالضبط، كنت قد وصلت في قراءتي للحوار الطويل مع وزير النقل والتجهيز إلى ذلك السؤال الذي قالت فيه الصحافية الفرنسية للوزير: - لماذا اخترتم مهنة مهندس؟ فكان جواب الوزير كالتالي: - في عائلتي هناك الكثير من الأطباء، وأول رد فعل تولد لدي هو ألا أقلد الآخرين، ولذلك كان حلمي في لحظة ما هو أن أصبح طبيبا بيطريا. لكن النقط التي حصلت عليها شجعتني على متابعة دراستي كمهندس. وبسرعة، ربطت بين حلم وزير النقل القديم في أن يصبح طبيبا بيطريا يتعامل مع البهائم عوض بني البشر وبين حلمه الثاني كمهندس طرق وقناطر. قلت مع نفسي إن كريم غلاب ولد محظوظ، فقد ضرب عصفورين بحجر واحد، فمن جهة استطاع أن يشتري قطارات تتعامل فيها إدارته مع المسافرين كالبهائم، ومن جهة أخرى استطاع أن يحقق حلم الهندسة الذي قاده إلى كرسي الوزارة. «شكون بحالو». انتهت المشادة الكلامية بنزول المسافرين في محطاتهم وتابعت قراءة الحوار الطويل في المجلة مع وزير النقل والتجهيز، حيث تختلط أمور الوزارة بحياته الشخصية وزواجه من إيطالية. سألته الصحافية إن كان زواجه من امرأة إيطالية قد أغناه، فقال إن اختلاف الثقافات يغني الأفراد. وشجع المغاربة على الزواج من أجنبيات إذا ما وجدوا فيهن ما يكمل نصفهم الثاني. وقال إنه بفضل هذا الزواج أصبح يجيد اللغة الإيطالية وأصبح لديه أصدقاء كثيرون في إيطاليا التي يزورها كل سنة. وربما بسبب هذه «الربطة الزغبية» في إيطاليا وثقافتها اختار كريم غلاب أن يبرم سنة 2006 صفقة مع شركة «أنسالدوبريدا» الإيطالية، ويشتري منها 24 قطارا بغلاف مالي وصل إلى ملياري درهم (188 مليون أورو). وهذه القطارات «المزغوبة» التي اشتراها غلاب من عند أصدقائه الإيطاليين هي نفسها القطارات التي «تتعكس» أبوابها فجأة إلى درجة أنها أحيانا «تقرم» على أيدي وأرجل المسافرين إذا لم يسرعوا في النزول أو الصعود. وهذه القطارات التي اشتراها غلاب من عند أصدقائه الإيطاليين هي نفسها التي تتعطل مكيفات هوائها في عز الصيف و«تتعطل» في الوصول باستمرار، وأحيانا بالساعات الطوال. لكن وزير النقل لديه جواب عن إشكالية «التعطل» هذه. فقد قال في معرض جوابه عن سؤال حول مشاكل التكييف داخل القطار الرابط بين الدار البيضاء ومراكش، خصوصا في هذه السنة نظرا إلى ما عرفته من ارتفاع كبير في درجات الحرارة. فكان جواب الوزير عجيبا وغريبا في آن واحد، لأنه بدأ يكيل الانتقادات للصفقة التي عقدها بنفسه مع الإيطاليين، وقال للصحافية: - «علينا أن نفهم أن القطارات صناعة، فلسنا نحن من يصنع القطارات، بل الأوربيون. وهناك في أوربا، الحرارة لا تصل إلى خمسين أو خمس وخمسين درجة تحت الشمس. وبالنسبة إلى القطارات التي اشتريناها من إيطاليا، فقد صرفنا مبالغ على خدمات إضافية وطورنا أداءها لكي تتحمل الحرارة. لكن عندما تصل الحرارة إلى مستوى معين، فإن القطارات «تطيح أونبان»». سعادة وزير النقل والتجهيز يعتقد أننا على مستوى من الغباء بحيث سنصدق أن الحرارة هي المسؤول الوحيد عن «تعطل» القطارات التي اشتراها من عند أصدقائه الإيطاليين، وكأن سعادة الوزير الذي عاش ودرس في أوربا لا يعرف أن درجة الحرارة في الجنوب الإسباني، مثلا، تصل إلى خمس وخمسين درجة أحيانا. ومع ذلك، فقطاراتهم لا «تتعطل» عن مواعيدها ولا تتوقف بالمسافرين في الخلاء. والواقع أن الحر لا يتحمل وحده المسؤولية في الجحيم اليومي الذي يعيشه المسافرون على متن القطارات المغربية، وإنما الذي يتحمل المسؤولية هو الصفقة الفاشلة التي عقدها غلاب مع أصدقائه الإيطاليين الذين باعوه خردة شبيهة بلعب الأطفال. وقد شاهدت قطارات كثيرة في دول أوربية مختلفة، ولم أشاهد في حياتي قطارات كتلك التي اشتراها غلاب تـُقتلع كراسيها من مكانها بسهولة، وعندما يصعد المسافرون بأحذيتهم المبللة بمياه الأمطار وتمتصها أرضية مقصورات الدرجة الأولى المفروشة بالموكيط تضربك رائحة «الغمال» التي «تعطعط» بمجرد ما تصعد سلالم المقصورة. باختصار، قطارات «خانزة» ومتسخة لا تستحق نصف الثمن الذي يدفعه المسافرون من أجل ركوبها. ولأن وزير التجهيز لا يركب القطارات التي اشتراها من إيطاليا، فإنه يعتقد أن هذه الأخيرة «تتعطل» فقط عندما تصل درجة الحرارة إلى خمسين. وأستطيع، كمستعمل يومي لقطاراته، أن أؤكد له أن الخردة التي اشتراها تتوقف في عز الشتاء أيضا، بل إن الأمطار تتمكن من النفاذ إلى داخل المقصورات لكي تقطر على رؤوس المسافرين، فهل هناك «شوهة» أكبر من هذه؟ نعم هناك شوهة أكبر من هذه، وهي «شوهة» نزول القطرة من سقف المحطة الجديدة في مطار محمد الخامس على رؤوس المسافرين كلما هطلت الأمطار. وطبعا، طيلة العشرين صفحة التي خصصتها المجلة للسيد وزير التجهيز، المسؤول عن المكتب الوطني للمطارات، لم تفكر الصحافية في طرح سؤال صغير على السيد الوزير بخصوص كل هذه «القطرة» التي تنزل من سقف مشاريعه التجهيزية الكبرى، سواء كانت طرقا أو قناطر أو محطات. لكن أهم شيء في الحوار هو أن وزير النقل يدعو المواطنين ضحايا حوادث السير إلى مقاضاته شخصيا عندما تكون التجهيزات السيئة هي السبب المباشر في ذلك أو مقاضاة العامل أو الوالي إذا وقعت الحادثة داخل المدينة وكانت البنية التحتية السيئة للطرق هي السبب فيها. وهنا أيضا يتصور وزير التجهيز والنقل أن المغاربة أغبياء بما يكفي لكي يصدقوه، «بحال إلى غير جي ودعي وزير وعامل ووالي فالمغرب». المغاربة لا يجب أن يطالبوا فقط بمحاسبة وزير التجهيز على حوادث السير التي يتعرضون لها بسبب طرقه وقناطره، وإنما الأهم من ذلك هو أن يحاسبوه، عبر ممثليهم في البرلمان، على الصفقات الضخمة التي يبرمها مع الشركات الأوربية والتي تخرج تكاليفها من ضرائبنا. لكن أين هم الممثلون الذين سيقومون بهذه المهمة؟ فهم لم يتحركوا حتى عندما قال لهم عبد الهادي خيرات، مدير «الاتحاد الاشتراكي»، إن ثلثهم من تجار المخدرات. «هادو ما دافعو حتى على روسهم عاد يدافعو على المغاربة».
... تابع القراءة

فعايل الجنتلمان


وهو في قصره بباريس، قرأ عليه أحد معاونيه ما كتبه هذا العبد المتواضع حول بنكه اللندني الفاشل وكل تلك الملايير التي تخرج من بنك المغرب لكي تسد العجز الذي يعاني منه هذا البنك. فأرغى وأزبد وأقسم بأن يقيم الدنيا على رأس «المساء» ولا يقعدها. وأصدر أوامره المطاعة إلى مدير شركة «الساتيام» التي يملك أسهمها بالوقف الفوري لتوزيع «المساء» عبر حافلاته على سائر ربوع المملكة. فاتصل مدير شركة النقل بمدير شركة التوزيع التي توزع «المساء» وقال له إن «مسيو» عثمان بنجلون أمره بالتوقف عن توزيع «المساء» فورا، وإنه لا يملك غير الامتثال لأوامر سعادته.
وهكذا، فنحن أمام احتمالين: يا إما يتراجع عثمان بنجلون عن حماقته ويحترم العقد الذي يجمعه بالشركة التي توزع «المساء»، ويا إما سيبحث الموزع عن شركة نقل أخرى توزع له مطبوعاته غير شركة «الساتيام» مع الاحتفاظ بحقه في متابعة مديرها أمام القضاء بتهمة فسخ عقد من طرف واحد.
والحمد لله أننا لم نفتح حسابا بنكيا في بنك التجارة الخارجية، وإلا لكان مديره عثمان بنجلون حجز لنا على أرصدتنا بسبب ما كتبناه حوله وحول بنكه اللندني. وإني لأخشى أن يقطع علينا حتى الهاتف النقال، ما دمنا مشتركين عند سعادته في خدمة شركة «ميديتيل» التي اشترى فيها أسهما مؤخرا.
إذا كان الملك وأعضاء الأسرة الملكية يلجؤون إلى القضاء عندما يشعرون بأن جريدة أساءت إلى شرفهم، فكيف يسمح مدير بنك كعثمان بنجلون لنفسه بإصدار أوامر لشركة نقله بإيقاف توزيع جريدة المغاربة الأولى. إذا شعر عثمان بنجلون أو غيره بأن ما كتبناه فيه مس بالاحترام الواجب لسعادته فما عليه سوى أن يلجأ إلى القضاء الذي يوجد فوق الجميع. أما أن يتصرف كأي دكتاتور صغير ويستغل نفوذه كمالك لشركة النقل التي توزع جريدتنا لكي يعرقل وصولها إلى القراء، فهذا عمل جبان لا يليق بشخص سمته الصحافة التي تأكل من يديه «الجنتلمان» عثمان. إذا كانت هذه «فعايل الجنتلمان» فكيف يا ترى ستكون «فعايل الجرتلمان»؟.
لنعد إلى المقال الذي أثار حنق «الجنتلمان» عثمان بنجلون وأخرجه عن طوره. ما الذي قالته «المساء» في حق إمبراطور زمانه حتى قرر منع توزيعها. قلنا إن بنك «ميدي كابيطال» الذي فتحه بنجلون في لندن ابتلع، منذ تأسيسه سنة 2007، قرابة 400 مليون درهم من العملة الصعبة التي خرجت من بنك المغرب. كما قلنا إن المغرب محتاج إلى من يجلب له العملة الصعبة لا إلى من يخرجها منه. ونقلنا إلى القراء تذمر مدراء البنوك من غياب بنجلون «رئيس المجموعة المهنية للأبناك»، المنتهية ولايته منذ ثماني سنوات، عن مؤتمر حول «الأسواق المالية» واكتفائه بإرسال رسالة تلاها نيابة عنه نائبه التويمي. والحال أن إرسال الرسائل لتلاوتها في المؤتمرات تقليد عودنا عليه مستشارو الملك الذين يتلون رسائله نيابة عنه. وهذه أول مرة نرى فيها مدير بنك يتغيب عن مؤتمر يترأسه ويكتفي بإرسال رسالة ليتلوها نائبه مكانه.
«واش هاذ الشي فيه شي عيب». لا أعتقد. وبما أن الجنتلمان بنجلون «خرج للعيب»، فليسمح لنا أن نقول له إن إخلاله بالعقد الذي يجمعه بالشركة التي توزع «المساء» وإعطاءه الأوامر بالتوقف عن توزيعنا، لن يمنعنا من الحديث حول بنكه. بنجلون لا يحب أن ينتقده أحد. ولذلك بادر قبل مدة إلى إغلاق الموقع الإلكتروني الداخلي الذي كان مستخدمو البنك يتبادلون عبره مشاكلهم ومخاوفهم وانتظاراتهم تحت أسماء مستعارة. ورغم أنه أقفل «الفوروم» الداخلي، فإنه لم يستطع أن يقفل أفواه مستخدمي وكالاته الأربعمائة الذين لا حديث لهم هذه الأيام سوى عن الحفل الأسطوري الذي سينظمه أجانب في فندق «أونفيتريت» بالصخيرات يومي 25 و26 من الشهر الجاري.
وفي الوقت الذي تأكد فيه مستخدمو البنك من أن الوعد الذي قطعه بنجلون على نفسه أمامهم بمضاعفة أجرة شهر شتنبر 2009 كتعويض على المردودية، لم يكن سوى ذر للرماد في العيون لكي يصم آذان المستخدمين عن سماع نداء البنوك الأخرى التي شرعت تمتص أطر بنك التجارة الخارجية، خصوصا بعد الأخبار التي راجت حول احتمال بيع المجموعة عن آخرها. خلال هذا الوقت، يستعد بنجلون لصرف خمسة ملايير سنتيم على حفل باذخ طيلة يومين. يستدعي فيه خلال اليوم الأول الشخصيات الحكومية والعمومية والعسكرية، ويستدعي فيه خلال اليوم الثاني مدراء بنكه والبنوك الأخرى وزوجاتهم وأصدقاءهم. أما مستخدمو البنك الذين يكدون يوميا لإيقاف نزيف الخسائر المالية للمجموعة فهؤلاء لم يفكر أحد في استدعائهم للاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس بنكهم.
فما يهم بنجلون هو دعوة أصدقائه الوزراء والجنرالات الذين عرف دائما كيف «يتمعش» تحت نياشينهم الوارفة. وإذا كان هناك من فضل يدين به بنجلون لأحد في جمع ثروته الهائلة فإلى الجنرالات من كل نوع، وأولهم الجنرال المذبوح الذي كان له الفضل في إدخاله إلى القصر الملكي أول مرة. وعندما أعدم المذبوح تحول إلى العيش تحت ظل الجنرال أوفقير. وعندما أعدم أفقير انقلب نحو الجنرال مولاي حفيظ. وعندما مات هذا الأخير، «ضربها بلصقة» في «جلايل» الجنرال الدليمي. وعندما أعدم من أعدم ومات من مات من هؤلاء الجنرالات والانقلابيين، هاهو اليوم يتقرب من الجنرال العنيكري الذي «تلبطه» في حفل «سيدي علي» الذي نظمته مجموعة بنصالح بعين الذياب قبل سنة، والذي عندما لم يحالفه الحظ في الجلوس إلى جانب الجنرال في عرس مولاي إسماعيل قبل شهر جلس بالقرب من ابنه أمين. «عضة من الفكرون ولا يمشي فالت».
ولعل الملاحظة المثيرة للانتباه في تصرفات بنجلون الأخيرة أنه لم يعد يقتصر فقط على مغازلة أصحاب النياشين والأوسمة وتكليف من يقرأ له رسائله في المؤتمرات، وإنما أصبح يتحرك بالمواكب الوزارية. وقبل يومين عندما ذهب إلى «والماس» لكي يعطي انطلاقة مشروع «مدرستي» الذي تساهم فيه مؤسسة بنجلون، اندهش المواطنون وهم يرون كل تلك «الفخفخة» التي أحاط بها بنجلون موكبه. فبالإضافة إلى أطر وكبار موظفي بنكه، حضر إلى جانب بنجلون ثلاثة وزراء من حكومة عباس هم محمد أوزين وامحند العنصر ولطيفة العابدة. «كان خاص غير عباس الفاسي باش تكمل الباهية».
وإذا كان بنجلون لا يقيم وزنا للظرفية الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المغرب، ويصر على «طرطقة» خمسة ملايير سنتيم في ليلتين لمجرد الاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس بنكه، فقد كان عليه على الأقل أن يقيم وزنا للظرفية المالية الصعبة التي يعيشها بنكه ومعه مستخدموه الذين كانوا ينتظرون الزيادة في رواتبهم فحصلوا في الأخير على تعويض شهري قدره 650 درهما لا يدخل ضمن الراتب الأصلي ولا يتم احتسابه في تعويضات التقاعد.
فأرباح بنك بنجلون، حسب آخر الأرقام التي نشرها في الصحافة، تعرف تراجعا ملموسا مقارنة بالسنوات الماضية. كما أن مستخدمي وكالاته الأربعمائة لازالوا ينتظرون المنحة السنوية التي كان من المفروض أن يتقاضوها خلال شهر ماي الماضي والتي توصل بها كل مستخدمي البنوك إلا بنك بنجلون. وطبعا، لا نتحدث هنا عن المقربين من المدير العام ونائبه ومديريه، فهؤلاء يحصلون على رواتب تتراوح بين 25 و40 ألف درهم ويسمونهم «الأطر الشابة النشيطة»، فيما لا يحصل المستخدم الذي يقضي يومه كاملا في الشباك يحسب الأموال سوى على راتب لا يتعدى 4500 درهم. أما المدراء فيتقاضون ما بين 15 و20 مليون سنتيم في الشهر ويتحركون بسيارات «جاغوار».
ولكي تشرح الإدارة لمستخدمي الوكالات البنكية خارج الدار البيضاء أنهم ليسوا على قدم المساواة في نظر إدارتهم مع مستخدمي وكالات المركز، فقد أرسلت إليهم مؤخرا منشورات للتوعية حول أنفلونزا الخنازير، فيما وضعت رهن إشارة مستخدمي وكالات الدار البيضاء المنشورات والصابون المخصص لغسل اليدين للوقاية من الفيروس. وكأن فيروس أنفلونزا الخنازير لا يوجد سوى في الدار البيضاء.
إذا كان ثاني بنك في المغرب «يتقشح» مع مستخدميه حتى في صابون غسل اليدين، فكيف يسمح مديره العام بأن يكون سخيا إلى هذه الدرجة ويقرر تبذير خمسة ملايير سنتيم في ليلتين على احتفال كان يمكن أن يوفر مصاريفه لدفع منح مستخدميه والزيادة في رواتبهم كما وعدهم بذلك قبل سنة.
واضح إذن أن بنجلون يريد، من خلال كل هذه «الهندقة» التي يعد لها العدة في فندق «أنفتريت بالاص»، أن يرسل إشارة إلى من يهمهم الأمر مفادها أن «صحته» المالية بخير، حتى ولو كانت هذه الصحة تعاني مؤخرا من نزيف حاد في العملة الصعبة التي تغادر المغرب نحو بنكه اللندني المتعطش للمزيد.
من حق بنجلون أن يفرح بنفسه وأصدقائه في الذكرى الخمسين لتأسيس بنكه. لكن عليه أن يفهم أن المؤسسات المالية في العالم بأسره أصبحت، بسبب الأزمة الاقتصادية، تقلل من مظاهر «الفخفخة» و«البخ»، لأن الناس تعاني من مخلفات الأزمة وتفقد بيوتها ومدخراتها بسبب البنوك. ولذلك فالوقت وقت تقشف لا وقت احتفال وبهرحة. والخمسة ملايير التي ينوي بنجلون إهدارها في ليلتين يمكن لمؤسسته البنكية أن تبني بها خمس جامعات في خمس مدن مغربية يدرس فيها أبناء الشعب الذين بفضل مدخرات آبائهم وقف بنك بنجلون وسائر البنوك الأخرى على أرجلها.
هذه هي المنجزات التي تستحق البنوك أن تفتخر بها، وليس إنجازات من قبيل المتحف الذي أسسه بنجلون في الريف إكراما لذكرى والد زوجته، الماريشال مزيان، الذي يحتفظ له تاريخ المقاومة الريفية بصفحات دامية عندما شارك إلى جانب الجيش الإسباني في قتال أبناء الريف، والذي كرمه عهد الاستقلال بإرساله سفيرا للمغرب بالأرجنتين إلى حين وفاته.
عندما شبهت في مقال سابق إمبراطورية بنجلون بسفينة «الطيطانيك» فليس على سبيل الاستعارة، بل لأن الأمر أصبح يلمسه كل مستخدمي هذه المؤسسة وكل المراقبين الماليين والاقتصاديين الذين لا يفهمون كيف أن عثمان بنجلون يصر على الاحتفال وقرع كؤوس الشامبانيا على إيقاع الموسيقى العالمية وإنفاق الملايير على «البخ» بينما سفينته المالية تتسرب إليها المياه من كل جانب وتغرق ببطء.
هذا بالضبط ما يجب على بنجلون أن يهتم به، وليس منع حافلاته من توزيع «المساء». فليست الحافلات ما ينقص في هذا البلد السعيد. «غير نتا اللي عندك الكيران».
... تابع القراءة

الساقي يسقي راسو


لكي تعرفوا أن ما تروج له الحكومة بخصوص قانونها المالي الجديد، الذي يراعي مصلحة الطبقات الشعبية ويخفض من مصاريف الحكومة ونفقات المؤسسات العمومية، ليس سوى محاولة للهروب إلى الأمام وذر الرماد في العيون، عليكم أن تطلبوا من وزير المالية أن يكذب خبر زيادة مليون سنتيم التي تحدثنا عنها بالأمس والتي وافق عليها الوزير الأول والتي ستستفيد منها رواتب سفراء المغرب في العواصم العالمية.
لقد أرادوا أن يشغلوا الناس بقرار مضاعفة الضرائب على صانعي الخمور في قانون المالية الجديد، لكي يصرفوا النظر عن الزيادات الخيالية التي قررتها بعض الوزارات عن طريق مراسيم وزارية بمباركة وزير المالية والوزير الأول عباس الفاسي.
عندما كتبنا عن زيادة مليون سنتيم لفائدة السادة السفراء، لم نسمع أحدا من المطالبين بالمحافظة على المال العام ينتفض ويطالب عباس الفاسي بتقديم تفسيرات لهذه الزيادة التي ستخرج من ميزانية الدولة. وفي المقابل، رأينا كيف انتفض مستوردو وصانعو الخمور بمجرد ما قرؤوا التسريبات الأولية لقانون المالية على صفحات الجرائد، وفهموا أن وزير المالية «سيحلبهم» بالضرائب. فاجتمعوا لكي يتدارسوا أحسن طريقة للرد على هذا «الهجوم» الضريبي الذي يستهدف «بزولة» مالية طالما رضع منها مصنعو ومستوردو الخمور بالمغرب.
وكان أول من انتفض ضد هذا القانون الضريبي الجديد هو «جورج إمانويل بنحاييم»، مدير شركة «FOODS AND GOODS MAROC»، الذي رأى في استهداف الخمور بقرار مضاعفة الضرائب عليها دفعا للمستهلكين المغاربة إلى شرب «الماحيا» وسائر المشروبات الروحية المصنعة سرا داخل البيوت، مما سيهدد سلامة هؤلاء المستهلكين. «مسيو بنحاييم» يريد أن يعطي الانطباع بأنه خائف على سلامة المغاربة الصحية، فيما هو في الواقع خائف على سلامة عائدات شركته السنوية. ونحن نتمنى أن تكون لممثلي المغاربة في البرلمان ولجمعياتهم المدنية نفس الغيرة التي للسيد «بنحاييم» على «سلامة» المغاربة، خصوصا سلامة رواتبهم الشهرية في ظل هذه الأسعار المجنونة التي تنتظرهم في القانون المالي الجديد. فإلى حدود اليوم، لم نسمع لهم حسا بخصوص الزيادة المجزية في رواتب سفراء وزارة الطيب الفاسي الفهري.
وإذا كان هناك من «لوبي» قوي ومنظم في المغرب فهو «لوبي» صناع الخمور ومستورديها. فلكي يواجهوا الأزمة التي تنتظرهم بادرت بعض العلب الليلية والخمارات بمراكش التي تعيش على عائدات الخمور إلى إرسال آلاف الرسائل الهاتفية القصيرة إلى هواتف المواطنين تدعوهم فيها إلى زيارة إحدى الحانات الليلية بمراكش للاستفادة من كؤوس خمر مجانية.
ولا تستغربوا إذا رأيتم وزير المالية يستقبل ممثلي هذا القطاع المدر للدخل لكي يفاوضوه حول تخفيض الضريبة التي فرضها عليهم، مثلما فعل ممثلو قطاع المشروبات الغازية الذين استطاعوا ليّ ذراع الحكومة وانتزاع منحة صندوق الموازنة على مادة السكر، رغم أن أرباحهم السنوية تقدر بالملايير.
في هذه الأزمة الاقتصادية الصعبة، تتجه كل حكومات الدول التي تستعد لمواجهة الأزمة إلى تجميد الزيادة في رواتب الموظفين الكبار. إلا في المغرب، فأول الرواتب التي تستفيد من الزيادة هي رواتب هؤلاء الموظفين. أما صغار هؤلاء الموظفين فبمجرد ما يذكرون «حس» الزيادة يجدون من يخرج لهم تلك الأسطوانة المشروخة التي تتحدث عن تضخم كتلة الأجور التي سترتفع خلال 2010 إلى 5.3 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، وكأن تضخم كتلة الأجور سببه هو رواتب الموظفين الصغار من السلم 1 إلى 9 الذين استفادوا من زيادة هزيلة لم تتجاوز 300 درهم، فيما استفاد أصحاب السلالم 10 من تخفيض بأربع نقط فقط من أشطر الضريبة على دخلهم.
وينسى أصحاب هذه الأسطوانة أنه في الوقت الذي يرفض فيه عباس الفاسي ووزير ماليته مناقشة أية زيادة في الحد الأدنى للأجور، نكتشف أن سعادة الوزير الأول ووزير المالية ووزير تحديث القطاعات العمومية السي عبو قد وافقوا جميعهم «حسي مسي»، مباشرة بعد الموافقة على زيادة «مليون» في رواتب السفراء، على زيادة صاروخية في رواتب الكتاب العامين للوزارات ومدراء الإدارات المركزية للوزارات ورؤساء المصالح بالوزارات.
وإليكم تفاصيل هذه الزيادات المرتقبة بالأرقام، وإذا كانت لدى عباس الجرأة السياسية فليكذبها:
بالنسبة إلى سعادة الكتاب العامين للوزارات، فرواتبهم التي تصل إلى 39.390 درهما في الشهر زائد تعويض شهري عن الهاتف والماء والكهرباء قدره 10.700 درهم، ستعرف زيادة قدرها 15.000 درهم، أي أن رواتبهم ستصل إلى 65.090 درهما في الشهر، أي ستة ملايين ومائة ألف ريال وتسعين سنتيم لا غير.
أما مدراء الإدارات المركزية للوزارات الذين يتقاضون رواتب شهرية تصل إلى 25.000 درهم زائد تعويض شهري عن الهاتف والماء والكهرباء قدره 4.800 درهم، فسيحصلون على زيادة قدرها 10.500 درهم، وهكذا ستصل رواتبهم إلى مبلغ 40.300 درهم، أي أربعة ملايين وستة آلاف ريال في الشهر لا غير.
وبالنسبة إلى رؤساء المصالح بالوزارات، فهؤلاء «طالبين الرخا»، لأن رواتبهم ستزداد بألفي درهم فقط. «ماماتش» سيقول بعضكم. والمدهش أننا في المغرب نرى كيف أن الآلاف من الموظفين يطالبون فقط بزيادة طفيفة في الحد الأدنى من وراتبهم لكي تصل إلى ألفي درهم، فيمتنع بنك المغرب ووزير المالية، في الوقت الذي نرى فيه كيف «يفششون» كتابهم العامين ورؤساء مصالحهم وأقسامهم في الوزارات بزيادات تبدأ من ألفي درهم وتصل إلى 15 ألف درهم.
هؤلاء الذين يتغنون أمامنا هذه الأيام بتخفيض نفقات الحكومة يكذبون على المغاربة دون أن يرف لهم جفن. والدليل على ذلك أن معظم الوزراء والكتاب العامين للوزارات توصلوا مؤخرا بسيارات جديدة تتراوح أثمنتها ما بين 50 و80 مليون سنتيم للسيارة. مع العلم بأن أصغر وزير فيهم يتوفر على ثلاث سيارات. «خفضنا النفقات بكري».
فوزير المالية يأخذ بيد ما يعطيه باليد الأخرى. وعندما يقول إن نفقات التسيير الحكومي ستنخفض بنسبة 10 في المائة في القانون المالي الجديد ينسى أن نفقات المستخدمين سترتفع بنسبة 5.3 في المائة، يعني «اللي حرثو الجمل دكو».
إذا كنا نعرف أن عدد الكتاب العامين في الوزارات لا يتعدى 32 كاتبا عاما، فإننا لا نعرف بالتحديد كم من رؤساء مصالح ومدراء الإدارات المركزية يشتغلون في الوزارات التي تشكل الحكومة. وهم، بلا شك، يعدون بالمئات. ولذلك فكلفة هذه الزيادة الأخيرة التي اتفق بشأنها وزير المالية مع عبو، وزير تحديث القطاعات العمومية، «بلا خبار البرلمان»، ستكون بمثابة الضربة القاضية لميزانية الدولة المثقلة أصلا بالتضخم والعجز.
والغريب في أمر هذه الزيادات «السرية» أن الجواهري، والي بنك المغرب، الذي نصح عباس بعدم الرضوخ لضغوط النقابات ونسيان مطلب الزيادة في الحد الأدنى للأجور، سكت عن هذه الزيادات السخية التي شملت الحد الأقصى للأجور، وهي الزيادات التي لم تناضل من أجل تحقيقها أية نقابة عمالية ولم تكلف المستفيدين منها فتح أي حوار اجتماعي بشأنها مع الوزير الأول.
وعوض أن تعطي الحكومة المثل في تدبير نفقاتها وترشيدها، وذلك بتجميد رواتب موظفيها الكبار، نرى كيف أن هذه الحكومة تجمد رواتب الموظفين الصغار وتسمن رواتب موظفيها الكبار، عملا بالقول المأثور «الساقي يسقي راسو».
أية مصداقية، إذن، بقيت لعباس الفاسي الذي أظهر، في هاتين السنتين اللتين أمضاهما على رأس الحكومة، أنه مكلف فقط بالدفاع عن مصالح الشركات الرأسمالية والبنوك الكبرى ومصالح الطبقات المرفهة ورواتب الموظفين الكبار في وزاراته. أما مصالح الطبقات الشعبية والطبقة الوسطى فيمكن أن تنتظر ثلاث سنوات أخرى، ما يكفي لكي يكمل عباس المهمة «العائلية» التي تم تكليفه بها على رأس الحكومة الفاسية الفهرية.
فهل لدى المغاربة متسع من الصبر لتحمل ثلاث سنوات أخرى من تبذير أموالهم في تسمين رواتب موظفي عباس ووزرائه؟
ذلك هو السؤال.
... تابع القراءة

يا قضاة العالم تفرجوا


لعلكم لازلتم تتذكرون ذلك البيان الناري الذي تلاه الوكيل العام للملك، عبد الله العلوي البلغيثي، في التلفزيون العمومي عقب انفجار ملف «اطريحة ومن معه». فقد قال بالحرف الواحد إنه «سيتم الاستماع إلى جميع الأشخاص المذكورين في الملف مهما كانت مراكزهم أو مواقعهم». ومنذ أواسط رمضان، تاريخ إطلاق هذا التصريح الناري وإلى حدود اليوم، لم يتم الاستماع إلى أي واحد من هؤلاء الأشخاص الذين ذكرهم بارون المخدرات «اطريحة» خلال التحقيق معه. وكم كانت مفاجأتنا كبيرة في «المساء» عندما جاء إلى مقرنا عميدا شرطة، بعد زوال الأربعاء الماضي، يحملان استدعاء لي ولزميل آخر في الجريدة للحضور بأقصى سرعة إلى مقر ولاية الأمن للاستماع إلينا في ملف «اطريحة ومن معه». فقد تركت النيابة العامة كل أسماء القضاة والمحامين ورجال الأمن والمسؤولين الذين ذكرهم «اطريحة» خلال الاستنطاق، وقررت الاستماع إلينا نحن، فقط لأننا كتبنا أن «اطريحة» اعترف، خلال التحقيق معه، باسم مدير مركزي في وزارة العدل. وخلال الاستماع إلينا، سألنا رجال الأمن المكلفون بإنجاز المحضر عن اسم هذا المدير المركزي وعن المصدر الذي زودنا بالخبر. وطبعا، قلنا لهم إنه إذا كانت هناك أشياء لا نستطيع الإفصاح عنها أبدا فهي مصادرنا. وانتهى الاستماع بهذا الجواب. الآن، السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تحركت النيابة العامة، التي يرأسها وزير العدل، بهذه السرعة بمجرد نشرنا لخبر اعتراف «اطريحة» بمدير مركزي في وزارة العدل خلال التحقيق معه، مع العلم بأن جريدة وزير العدل «الاتحاد الاشتراكي» كتبت في نفس اليوم ما يلي: «تحدثت مصادر حقوقية عن وجود أسماء تنتمي إلى سلك القضاء بكل من محكمة الاستئناف وابتدائية تطوان، وكذا محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، هذا إلى جانب ذكر اسم ينتمي إلى هيئة المحامين بالدار البيضاء». وإذا كانت النيابة العامة لا تقرأ ما ينشر في جريدة وزير العدل، أو أنها تقرؤه وتغض الطرف عنه، فإنها مدعوة، بحكم اشتراكها السنوي في مجلة «الشرطة»، إلى قراءة ما جاء في آخر عدد من المجلة تحت عنوان «التهريب نحو إسبانيا: البارونات وفق النمط الكلاسيكي». فقد نشرت المجلة -التي يرأس إدارة نشرها الشرقي الضريص المدير العام للأمن الوطني، ويرأس إدارتها عبد العزيز السامل، مدير الموارد البشرية في الإدارة العامة للأمن الوطني- مقالا يتحدث فيه كاتبه عن مسار «اطريحة» الذي وصفه بـ«البارون الكلاسيكي» قائلا: «هذا البارون، وبالرغم من إثارة اسمه في محاضر «منير الرماش» و«النيني»، فقد استطاع أن يعبر بدون عائق الثقوب الدقيقة لسياج العدالة، فقد أفصح للمحققين عن شبكة علاقاته المشبوهة، ولاسيما في صفوف رجال القضاء بمدينة تطوان الذين استطاعوا أن يوفروا له الحماية في عدد من القضايا التي أثير فيها، وذلك بوساطة من بعض المحامين وموظفي الشرطة العاملين بمنطقة الشمال أو بعض رجال الدرك الذين يعملون بمنطقة شفشاون. لكن الجديد هذه المرة هو تورط خمسة من رجال السلطة السامين العاملين بمدينة شفشاون وضواحيها». إذا كانت مجلة المدير العام للأمن الوطني قد كتبت هذا المقال الذي يتهم رجال القضاء وأفرادا من هيئة الدفاع ورجال الأمن ورجال الدرك وموظفي الداخلية بالتواطؤ مع بارون المخدرات المعتقل، دون أن يراسل الوكيلُ العام للملك رئيسَ تحريرها عبد اللطيف أكنوش، وإذا كانت جريدة «الاتحاد الاشتراكي»، التي تنطق باسم وزير العدل عبد الواحد الراضي، قد نشرت مقالا تتحدث فيه عن توريط «اطريحة» لقضاة ومحامين، فلماذا يا ترى يتم استدعاؤنا نحن للاستماع إلينا لمجرد ذكرنا لاعتراف بارون المخدرات باسم مدير مركزي في وزارة العدل؟ عندما نشرت الصحف مقالات تتحدث عن ورود أسماء عمال وقياد وموظفين كبار في الداخلية في ملف «اطريحة» لم تبادر وزارة الداخلية إلى مراسلة النيابة العامة ومطالبتها بالاستماع إلى مدراء الصحف الذين نشروا هذه الأخبار، وعندما نشرت الصحف مقالات تتحدث عن ورود أسماء مسؤولين في جهاز الدرك في محاضر استنطاق «اطريحة» لم تبادر إدارة الدرك الملكي إلى مطالبة النيابة العامة باستدعاء مدراء هذه الصحف لمساءلتهم حول أسماء الدركيين الذين يقصدونهم في مقالاتهم. فلماذا عندما ننشر نحن مقالا نشير فيه إلى ورود اسم مدير مركزي في وزارة العدل ضمن اعترافات «اطريحة» تقوم القيامة في النيابة العامة وتسارع إلى استدعائنا ومطالبتنا بالكشف عن مصادرنا وعن اسم المدير المركزي الذي أشرنا إليه، وتتهمنا بعرقلة سير التحقيقات؟ هل تعتبر وزارة العدل نفسها معصومة من الأخطاء، وأن موظفيها الكبار ومديريها ملائكة من ملائكة الرحمان لا يجوز حتى مجرد الشك في أحدهم عندما يأتي بارون مخدرات على ذكر اسمه في التحقيقات؟ الجواب نجده في إحدى اليوميات التي تخصصت في الدفاع عن «اللوبي» النافذ في جهاز القضاء، فقد كتبت تقول إنه «لا يجب أخذ تصريحات «اطريحة» وشركائه في الملف على محمل الجد، إذ إنهم من تجار المخدرات، وإن طريقة زجهم بالمسؤولين بمختلف الأجهزة يتم اللجوء إليها في العديد من الملفات التي أبانت التحقيقات والمحاكمات أن ادعاءاتهم غير صحيحة». وإذا كان يجب، حسب هؤلاء «المحامين» المتنكرين في جلابيب الصحافيين، أخذ اعترافات «اطريحة ومن معه» على محمل الهزل، فلماذا يتم استنطاقه أصلا ما دام الأمر لا يدخل في إطار الجد؟ ومتى كانت تهمة الاتجار الدولي في المخدرات كافية لنزع المصداقية عن اعترافات المتورط فيها؟ الرسالة، إذن، واضحة ومفادها أنه يجب أخذ اعترافات بارون المخدرات على محمل الهزل، فالأسماء الوازنة التي اعترف بها أثناء التحقيق والتي وعد الوكيل العام للملك باستدعائها مهما كان مركزها أو موقعها، لا وجود لها على أرض الواقع، لأن البارون «جبدها» فقط لتصفية الحساب معها. إن من له الحق في الوصول إلى هذا الاستنتاج يا سادة ليس هو نوع من الصحافيين يلعب دور «كاري حنكو» في هذه القضية لمصلحة بعض القضاة، وإنما هو التحقيق القضائي الجدي والنزيه. ومن يريد عرقلة سير التحقيق في الواقع ليس نحن في «المساء» الذين نواكب هذه القضية وننشر مستجداتها للرأي العام، وإنما أولئك الصحافيون الذين يبرئون ساحة المسؤولين الكبار الذين اعترف بهم بارون المخدرات «اطريحة»، ويحاولون جهد مستطاعهم تحويل اعترافاته إلى مجرد نزوة ساورته لتصفية الحساب مع هؤلاء المسؤولين. إن الأسئلة المحيرة التي يطرحها الجميع حول بعض ملفات المخدرات التي اندلعت أخيرا هي: كيف يقرر بعضهم تسليم نفسه في الدار البيضاء لكي تتم إحالته على محاكم تطوان، مع أن المنطقي هو أن يسلم هؤلاء أنفسهم إلى شرطة تطوان التي كانت هي أول من أصدر مذكرات بحث واعتقال في حقهم؟ بارون المخدرات «اطريحة»، الذي كان مبحوثا عنه بتهمة الاتجار الدولي في المخدرات، سلم نفسه إلى الوكيل العام للملك الذي أحاله على الفرقة الوطنية والتي أحالته بدورها على المحكمة الابتدائية، حيث حكم عليه وكيل الملك السلموني بالسجن النافذ لست سنوات. وعندما ذهب ملفه إلى محكمة الاستئناف حصل على البراءة بقدرة قادر. وجزاء له على تشدده في الأحكام ضد بارونات المخدرات، سربت جهات قضائية في تطوان شريطا مصورا يظهر فيه وكيل الملك السلموني رفقة بعض الطلبة العرب في جلسة عادية أراد البعض تحويلها «بزز» إلى جلسة خمرية. وبسرعة كبيرة، تم وضع الشريط في موقع «يوتوب» في انتظار أن تتلقفه الصحافة و«تضرب الطر» للقاضي. لكن الزملاء، لحسن الحظ، انتبهوا إلى الفخ وأعرضوا عن السقوط فيه. أما البارون «الشارف» فقد سلم نفسه بدوره إلى الوكيل العام للملك بالدار البيضاء الذي أحاله على الفرقة الوطنية والتي أحالته بدورها على محكمة الاستئناف بتطوان بتهمة القتل، وعوض أن يرسله الوكيل العام للمحكمة بتطوان إلى السجن أرسله إلى مستشفى الأمراض العقلية. وبعد مدة، استخرجوا له شهادة الشفاء من المرض العقلي وغادر المستشفى في وقت كان فيه مديره في عطلة. وهو اليوم حر طليق. أما محمد العربيطي، الملقب بـ«بيلوكا» والذي تم اعتقاله في محطة للوقود بالناظور برفقة خال وزير مغربي، فقد تم إحضاره أيضا إلى الدار البيضاء وقدم أمام الوكيل العام للملك وأحيل على المحكمة حيث قضي في حقه بست سنوات سجنا نافذا، بتهمة الاتجار الدولي في المخدرات وتكوين عصابة. «عمركم شفتو شي عصابة فيها واحد». وطبعا، أفلت خال الوزير من المتابعة وقضي الأمر. وبعد كل هذا، يتركون جميع هؤلاء القضاة والمسؤولين الذين يعترف البارونات بأسمائهم، ويتفرغون لاستدعائنا نحن الذين لا نفعل غير تنوير الرأي العام بمستجدات هذا الملف الذي وعد الوكيل العام للملك باستدعاء كل المتورطين فيه مهما كبر شأنهم. «وفين هاذ المسؤولين الكبار ديالك أسي العلوي البلغيثي، شفتك خليتيهم وعيطتي علينا حنا، ياكما تغالطو ليك السميات»؟ لعله من سخريات القدر أن يتزامن استدعاؤنا للاستماع إلينا في ملف «اطريحة»، في وقت كان يجب فيه الاستماع إلى المسؤولين الحقيقيين الذين ذكرهم البارون، مع انعقاد المؤتمر الـ52 للاتحاد العالمي للقضاة في مراكش. وهي مناسبة لكي يتفرج قضاة العالم على هذا الإنجاز القضائي الذي ينفرد به المغرب والذي يذكر بأولئك القوم الذين كانوا عندما يتلقون من ساعي البريد رسالة تحمل إليهم مشكلة يسارعون إلى قتل الرسول عوض البحث عن حل للمشكلة. ما أثار سخريتي، فعلا، هو أخذ الودادية الحسنية للقضاة لضيوفها الدوليين في زيارة تفقدية لمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء. والحال أن المعلمة الحقيقية التي أصبحت تستحق من قضاة العالم زيارة تفقدية هي محكمة الاستئناف بتطوان. فمن كثرة الأحكام التي صدرت من قاعاتها لصالح بارونات المخدرات أصبح مستحيلا أن تمر بجانبها دون أن تشتم رائحة «الزطلة».
... تابع القراءة

زادو فيه


الذين كانوا يتوقعون زيادة في الحد الأدنى للأجور في القانون المالي الجديد ما عليهم سوى أن «يكبو» الماء على كروشهم ويبردوا «خواطرهم»، فليس هناك في القانون المالي الجديد، الذي طبخه وزير المالية، ما يلمح إلى أية زيادة. فيبدو أن عباس الفاسي استمع أخيرا إلى نصيحة الجواهري، والي بنك المغرب، الذي حذره من مغبة الانسياق وراء أحلام زعماء النقابات الذين وعدوا موظفي الطبقات المسحوقة بالزيادة الموعودة. فالزيادة في هذه الظروف المالية الحرجة ستكون زيادة «من راس الحمق». وعباس، طبعا، أعقل من أن يكون ذلك الأحمق الذي يوزع أموال الدولة على الموظفين. وإذا كان القانون المالي الجديد لا يتوقع زيادات في الأجور، فإنه بالمقابل يقرر زيادة على الضريبة المفروضة على «الروج» و«البيرة»، تضاعفت في القانون المالي للسنة المقبلة بحوالي خمسين في المائة. وحدها «البيرة» حلال أفلتت من هذه الزيادة. لكن ليس بضرائب «الروج» و«البيرة» ستحقق مديرية الضرائب التوازن المالي، فالعجز المرتقب في الميزانية العمومية سيصل إلى أربعة في المائة، أي بزيادة نقطة واحدة على عجز السنوات الماضية. سمعنا والي بنك المغرب يحذر الوزير الأول من مغبة الرضوخ لمطالب النقابات العمالية المطالبة بالزيادة في الحد الأدنى للأجور، وسمعنا أطرافا في المعارضة وأخرى في الحكومة تتهم والي بنك المغرب بممارسة الوصاية على عباس. والحق أنه بحاجة إليها. ثم سمعنا الأرقام الأولية لقانون المالية الجديد، حيث لا أثر للزيادة الموعودة. فهل، فعلا، تراجع عباس ووزيره في المالية ووالي بنك المغرب عن فكرة الزيادة في الحد الأدنى للأجور؟ «أسيدي الزيادة فالأجور كاينة» وأنا هنا سأعطيكم الدليل على أن الزيادة ليست قادمة في الطريق بل تقررت وسيتوصل بها أصحابها ابتداء من الشهر المقبل، وهي ليست زيادة بسيطة بل وصلت إلى حدود عشرة في المائة. وقبل أن تقفزوا على هواتفكم المحمولة وتشرعوا في إرسال الرسائل النصية القصيرة إلى معارفكم لكي تزفوا إليهم خبر الزيادة التي قرأتم خبرها في بداية هذا العمود، تريثوا قليلا حتى تأخذوا الخبر كاملا غير منقوص. الزيادة التي نتحدث عنها لا تعني عشرات الآلاف من الموظفين «الكحيانين» الذين ينتظرون بالريق الناشف زيادة 190 درهما في رواتبهم، بل تعني 86 سفيرا من سفراء المغرب في العواصم العالمية، مما يعني أن الوزارة الوحيدة التي استفادت من زيادة بمرسوم خاص، خارج قانون المالية، هي وزارة الخارجية التي يوجد على رأسها الطيب الفاسي الفهري. كم يربح، إذن، سفير مغربي شهريا؟ عليكم أن تعرفوا أن أصغر راتب يتقاضاه أصغر سفير مغربي لا ينزل عن 60 ألف درهم في الشهر، أي ستة ملايين للذين يحبون الحساب بالسنتيم. أما بالنسبة إلى السفراء الذين يتقلدون مهمات على رأس سفارات في بلدان الاتحاد الأوربي، فإن رواتبهم لا تنزل عن ثمانية ملايين في الشهر، أي أكثر من راتب وزير في الحكومة. دون أن نتحدث عن مصاريف السيارات وتعويضات الأثاث الذي تزين به زوجة السفير إقامة زوجها، ورواتب المستخدمين الذين تضعهم وزارة الخارجية رهن إشارة السفير، وبطاقات السفر بالطائرة المجانية التي يتفاوض بشأنها السفير مع وزارته بحسب عدد أبنائه، وأحيانا بحسب الهدايا التي يجلبها معه لبعض «مسامر الميدة» المسمرين في قدم وزارة الخارجية «هادي قرن وزمارة». وبفضل الزيادة الجديدة التي وافق عباس الفاسي على مرسومها الوزاري، فإن سفراء المغرب في الخارج سيتقاضون، ابتداء من الشهر المقبل، عشرة آلاف درهم زائدة في رواتبهم. منهم واحد لا أحد يسمع له حسا أو يرى له نشاطا، يوجد على رأس سفارة المغرب في طوكيو باليابان، كان يتقاضى 12 مليون سنتيم فأصبح اليوم، بموجب الزيادة الجديدة، يتقاضى 13 مليون وربعين ألف ريال لا غير، أي أكثر مما يتقاضاه الوزير الأول نفسه. أما سفراء المغرب بكل من واشنطن ونيويورك والأمم المتحدة، فإنهم سيرون رواتبهم تتحول من تسعة ملايين في الشهر إلى عشرة ملايين و«شي تقرقيبة». وهكذا، فوزارة المالية وبنك المغرب، اللذان يحذران عباس الفاسي من زيادة «جوج فرنك» في رواتب «المزاليط»، لا يتورعان عن الإمضاء بالموافقة على المراسيم الوزارية التي تهدف إلى زيادة عشرة آلاف درهم دفعة واحدة في رواتب موظفي الدولة الكبار. وكل من سيسمع بهذه الزيادة المجزية في رواتب السفراء سيقول في نفسه «وعلاش زعما، على خدمتهم الزينة»، خصوصا بالنظر إلى الأداء السيئ لكثير من السفراء المغاربة في العواصم التي يمثلون فيها المغرب، خاصة على مستوى قضية الصحراء. ففي الوقت الذي تستغل فيه عناصر البوليساريو كل المناسبات لفرض حضورها في تلك العواصم والترويج لأطروحتها الانفصالية، ينشغل كثير من سفرائنا بحفلات «الملاوي» و«كعب غزال» والصفقات الشخصية. لذلك فقد كان الأولى بوزارة الخارجية أن تقلص من أجور بعض هؤلاء السفراء عوض أن تزيد فيها، خصوصا في الدول التي كانت تساندنا في ملف الصحراء سابقا وتحولت لمساندة البوليساريو. عباس الفاسي يرفض الزيادات التي تقترحها النقابات العمالية ويقبل بالزيادات التي يقترحها ابن عمه الطيب الفاسي الفهري عليه، وكأن هذه الزيادات لن تؤثر على الميزانية العمومية، فهو أحسن من يطبق المثل القائل «دقة الخو ما تضر». أما والي بنك المغرب، الذي يبدي حرصا كبيرا على احتياطي العملة الصعبة في خزائنه ويرفض رفضا قاطعا تضخيم كتلة الأجور بزيادات جديدة في رواتب «المزاليط»، بحجة الحفاظ على التوازنات المالية وعلى احتياطي السيولة الذي يتناقص بالتدريج، فقد كان الأجدر به أن يكون أول من يعترض على الزيادة في رواتب السفراء والتي ستخرج من خزائن بنك المغرب بالعملة الصعبة. وحتى إذا عجز الجواهريون عن الوقوف في وجه «زيادات» الفهريين، فعلى الأقل كان على الجواهري، حرصا على احتياطي العملة الصعبة، أن يقف في وجه العثمانيين، وعلى رأسهم كبيرهم عثمان بنجلون الذي كلف بنكُه اللندني «ميدي كابيتال»، الغارق في الخسارة منذ تأسيسه، بنك المغرب تحويلا من العملة الصعبة قدره 400 مليون درهم منذ 2007 إلى الآن. «ومازال العاطي يعطي»، لأن بنك بنجلون اللندني شبيه بالبئر التي لا قرار لها، إذ لا يفعل غير التهام الأموال التي تحول إليه من المغرب بالعملة الصعبة، فبنجلون وقع له ما وقع لذلك الشاطر الذي ذهب إلى «رحبة فليو» وأراد أن يتعلم العطس. فبسبب الأزمة المالية العالمية لم تفلح حتى البنوك الأوربية القوية في المحافظة على وجودها، فبالأحرى أن يحافظ على هذا الوجود بنك مغربي يتلمس طريقه مثل الأعمى وسط ضباب لندن الكثيف. وإذا كان والي بنك المغرب لم يقرأ التقرير الخاص بأنشطة بنك بنجلون اللندني برسم سنة 2008، بسبب حرص أصحابه على نشره «حسي مسي» في جريدة فرنسية مغمورة في عز عطلة الصيف الأخيرة، (باش ما يشوفو حد)، فإن خسائر هذا البنك برسم سنة 2007 وصلت إلى 109 ملايين درهم، ووصلت إلى 96 مليون درهم برسم سنة 2008، «والله يحفظ من 2009». وكل هذه المبالغ التي يخسرها البنك اللندني لعثمان بنجلون يتم استخلاصها من ظهر بنك المغرب الذي يسمح بإخراج كل هذه الملايين من الدراهم بالعملة الصعبة في هذه الظرفية الاقتصادية الصعبة. «الناس دايرين البانكات باش يجيبو العملة للمغرب وشي وحدين دارو بنك باش يخرجوها، طفرناه بكري». وكل هذه الخسارة المالية لإمبراطورية عثمان بنجلون ولبنك المغرب تهون في سبيل حصول بنجلون على لقب «سير» الذي تمنحه بريطانيا للمواطنين الذين يقدمون إلى التاج البريطاني خدمات جليلة. فعثمان بنجلون أصبح يتخيل نفسه إمبراطورا حقيقيا، ولذلك فضل عدم الحضور مؤخرا إلى مناظرة الصخيرات التي نظمتها «المجموعة المهنية للأبناك» بشراكة مع بورصة الدار البيضاء حول «الأسواق المالية»، وفضل مكان ذلك إرسال رسالة «سامية» تلاها على الحاضرين بدلا عنه المدير العام التنفيذي للبنك المغربي للتجارة الخارجية، التويمي بنجلون إبراهيم. ففهم بنشعبون، مدير البنك الشعبي، «الرسالة» وغادر القاعة. فالرسائل الوحيدة التي يتم تعيين من يتلوها على الحاضرين في مثل هذه المناسبات هي رسائل الملك. يبدو أن بنجلون لم يفهم أن رئاسته للمجموعة المهنية للأبناك انتهت منذ خمس سنوات، وأن عدم استدعائه للأعضاء من أجل الحضور إلى الجمع العام لا يعني أنه سيظل رئيسا لهذه الهيئة مدى الحياة. سيكون مفيدا جدا أن يهمس له أحد معاونيه بهذا التذكير خلال الحفل الأسطوري الباذخ الذي يستعد بنجلون لإحيائه في الخامس والعشرين من هذا الشهر بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس بنكه. ما أشبه بعض الوضع المالي في المغرب بالتيتانيك. بنك المغرب يغرق في الديون والبنوك تستغيث بسبب نفاد السيولة، والطبقة العاملة تستغيث بسبب رفض وزارة المالية الزيادة في الحد الأدنى للأجور، والسي بنجلون يبدد الملايير في بنكه اللندني ويحتفل ويقرع كؤوس الشامبانيا ويرقص على أنغام الموسيقى في الدار البيضاء، وكأن لا شيء يحدث في المغرب. صدق من قال «محاس بالمزود غير اللي مخبوط بيه».
... تابع القراءة

المنتخب بين السمسارة والبزنازة


الحقيقة أنني لا أفهم سبب غضب الكثير من المغاربة بسبب الهزيمة التي «أحرزها» المنتخب الوطني أمام منتخب الغابون، فالمنتخب الوطني «دار خير فالمغاربة»، لأنه أعفاهم من زيارة طبيب القلب وتكاليف التحاليل الطبية التي يجرونها بعد كل مباراة بسبب ارتفاع منسوب السكر في دمائهم؛ كما أن المنتخب الوطني، بتكبده هذه الهزيمة النكراء التي أخرجت المغرب من كأس العالم وكأس إفريقيا، يكون قد أعفى دافعي الضرائب من دفع مصاريف الرحلات الجوية التي كانت ستحمله للعب في المونديال وكأس إفريقيا؛ كما أنه أعفى المغاربة من مصاريف التحفيزات الباهظة التي تصرف للاعبين بعد كل انتصار أو تعادل تافه، كما أعفاهم من مصاريف رحلات بعضهم على علب مراكش الليلية عقب كل مباراة تدريبية استعدادا للمونديال وكأس إفريقيا. لهذه الأسباب كلها يجب على المغاربة أن يكونوا سعداء بهذه الهزيمة النكراء للمنتخب، لأنها ستضع حدا لنزيف مالي نحن في أمس الحاجة إليه في هذه الأزمنة الاقتصادية الصعبة التي تجتازها خزينة المملكة. فالمغاربة لم يعودوا مستعدين لتمويل نفقات «لعب» بعض «الدراري المفششين» أكثر من اللازم والذين أصبح اسم المغرب بسببهم مقترنا بالهزيمة. «أسيدي سالينا، كان عندنا مع الكورة وما بقاش». فعندما يتحول المنتخب إلى أداة لبهدلة راية المغرب في المحافل القارية والدولية، فإن قرارا يجب أن يؤخذ على أعلى المستويات لوقف هذه المهزلة التي يقول الفاسي الفهري إنه جاء لإصلاحها دون أن يظهر ما يفيد بأنه قادر حتى فهم ما يقع في الجامعة الوطنية لكرة القدم. وعندما يتجرأ لاعب كالعليوي ويقول إن المنتخب الوطني أصبح مجالا مفتوحا للتبزنيز، فإن الأمور وصلت إلى حد أصبح معه فتح تحقيق شامل حول تسيير ومالية المنتخب شيئا عاجلا. فقد اتضح أن الاتهامات -التي كان بعض اللاعبين المحترفين في الخارج يكيلونها لبعض الأطر والتي كانت، في معظمها، تتمحور حول ضرورة جلب بعض الهدايا كالحواسيب المحمولة والهواتف المتطورة وكاميرات التصوير الرقمية للمتحكمين في اختيار التشكيلة النهائية للمنتخب، للظفر بمكان داخل التشكيلة- هي في الواقع اتهامات مبنية على أسس، وليست مجرد «كلام جرائد». نخشى فقط أن يتراجع اللاعب العليوي عن تصريحه ويسحب القنبلة التي أطلقها بعد هزيمة المنتخب، لأن لاعبين ومسيري نوادٍ قبله شربوا حليب السباع وتجرؤوا على فضح الفساد داخل جامعة كرة القدم، ثم تراجعوا بسرعة وسحبوا تصريحاتهم، بل وتنكروا لها جملة وتفصيلا. وآخرها ندوة صحافية كان ألقاها أبرون، رئيس النادي التطواني أمام الصحافة، بعد تولي علي الفاسي الفهري رئاسة الجامعة، تحدث فيها صراحة عن «التسمسير» الذي تمارسه الجامعة على الفرق الوطنية، وصرخ في وجه الصحافيين: «الجامعة هلكاتنا، الجامعة ضراتنا، اللهم إن هذا منكر». قبل أن يضيف أن الجامعة صرفت 14 مليارا في تسيير شؤونها، ويتساءل: «أشنو دارو بيها؟»، ويتهم: «مكاينش الشفافية، مكاينش الوضوح»، ويلتفت إلى جاره ويسأله: «ياكما خفتي، أنا إذا قلت هاذ الكلام راني كانتحمل فيه المسؤولية ديالي». ولعل أخطر ما قاله أبرون في تلك الندوة ولم تتحرك أية جهة لفتح تحقيق حوله هو أن المنتخب الوطني «عندو لاكارط بلانش من بنك المغرب» قبل أن يضرب بقبضة يده على الطاولة لكي يثير انتباه جميع من في القاعة لخطورة ما سيقوله، وأضاف رافعا من حدة صوته: «أنا حضارت فالعهد ديال التسيير ديالي، أنا حضارت على الشوانط د لفلوس كايمشيو والله ما كايرجعو، أنا حضارت عليهم، أنا حضارات عليهم، واللي كايقول لي شكون نقولو فلان وفلان وفلان. لذلك آش من تسيير بغيتو ديال الكرة نتوما، 27 مليار ديال الفرق عطاونا منها 200، ماشي صدقة، داونا فلوسنا وعطاونا اللي بغاو. أنا بركت مع السي أوزال وقلت لو هاذ الشي حرام اللي كاديرو، حرام أسي أوزال. جا الجمع العام سمعتو شي مختلفات ديال 14 مليار؟ واش كاين شي مختلفات ديال 14 مليار؟ كان كايركب فالكار دحبابو، كايمشي من مولاي عبد السلام للصحرا. مختلفات 14 مليار. واش ماشي حشومة». وبعد خروج هذه التصريحات والاتهامات الخطيرة إلى الصحافة، سارع أبرون إلى نفي ما قاله وتحميل الصحافة مسؤولية تأويل تصريحاته، وسجل شكاية بالشاب الذي صور الندوة وخضع للتحقيق من طرف الشرطة بتهمة تسريب وثائق داخلية خاصة بالنادي التطواني إلى الصحافة. وكان أول ما قاله أبرون لتبرير «أقدمية» الشريط هو أنه يعود إلى فترة وجود حسني بنسليمان على رأس الجامعة الوطنية لكرة القدم، والحال أن أبرون في الشريط المسجل والذي يوجد في موقع «يوتوب»، يتحدث بعظمة لسانه ساخرا من الرحلة التي قام بها علي الفاسي الفهري لترطيب خواطر اللاعبين «المقلقين» الذين «دفعو كبير» على المنتخب ورفضوا اللعب في صفوفه. وطبعا، فهذه المهمة «التفشيشية» قام بها علي الفاسي الفهري بوصفه رئيسا للجامعة وليس بوصفة مديرا للمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، مما يدل على أن شريط أبرون «يقدام حتى يشبع ما يفوتش 6 أشهر». وإذا كان أبرون قد امتلك شجاعة القول إنه شاهد بعينيه «الشوانط ديال الفلوس» تغادر المغرب ولا تعود إليه، وإنه إذا طلب منه أحد إعطاء الأسماء فإنه مستعد لكي يقول لهم فلان وفلان، فإن أول شيء كان على المؤسسات العاملة في مجال حماية المال العام فعله هو مطالبة القضاء بفتح تحقيق مفصل حول هذا الموضوع الذي يتعلق بإخراج الحقائب المليئة بالأموال من المغرب. إلى حدود اليوم، لم نر أن أحدا ضربته النفس على هذه الأموال التي تغادر المغرب داخل «شوانط» الجامعة. ولماذا سينتظر القضاء أن تطالبه المؤسسات العاملة في مجال حماية المال العام بفتح تحقيق لكي يتحرك، أليست النيابة العامة التي يرأسها وزير العدل هي أول من يجب عليه أن يتحرك في مثل هذه القضايا لكي يفتح تحقيقا بمجرد سماعه لمثل هذه التصريحات، ويتتبع خيوط هذه القضية لكي يعرف حدود تورط الجامعة في إخراج الأموال من المغرب بفضل «لاكارط بلانش» التي أعطاها بنك المغرب للجامعة، كما قال أبرون. إن ما يجمع بين التصريح الذي قاله رئيس النادي التطواني قبل أشهر والذي تحدث فيه عن إخراج أعضاء من الجامعة لـ«شوانط الفلوس» و«التسمسير» الذي تمارسه الجامعة مع الأندية بخصوص توزيع المنح، وبين التصريح الذي جاء على لسان اللاعب العليوي والذي قال فيه إن المنتخب أصبح مجالا «للتبزنيز»، وهو التصريح الذي حذفه بالمناسبة المدير الجديد لقناة «الرياضية» من أحد البرامج، هو أن الكرة المغربية لا تعاني فقط من تدني الشعور الوطني والروح الرياضية لدى اللاعبين، وإنما تعاني أيضا من الفساد المالي. وإذا كان تدني الشعور الوطني لدى اللاعبين ليس له من دواء آخر سوى الاعتماد مستقبلا على لاعبين «ولاد البلاد» خرجوا من رحم الفرق الوطنية، لديهم «الكبدة» على راية بلادهم ويستطيعون ترديد النشيد الوطني دون مضغ «المسكة»، فإن دواء الفساد المالي الذي تتخبط فيه الجامعة يتطلب شيئا واحدا لا ثاني له وهو الكي، أي فتح تحقيق قضائي شامل لمعرفة أين تذهب ملايير هذا المنتخب التي يدفعها المغاربة من ضرائبهم. المغاربة يريدون أن يعرفوا مصير هذه الملايير التي تعلن المؤسسات العمومية عن ضياعها، فشركة الخطوط الملكية الجوية أعلنت عن خسارة 100 مليار سنتيم خلال السنة الحالية، والقناة الثانية أعلنت عن خسارة 45 مليار سنتيم خلال الخمس سنوات الأخيرة، والجامعة المغربية لكرة القدم تخسر حوالي 40 مليار سنتيم في السنة إذا أضفنا إليها الشيك الملكي الذي توصلت به مؤخرا. كل هذه الملايير التي ضاعت لم تحرك شعرة واحدة في رأس عبد الواحد الراضي، وزير العدل الاشتراكي ورئيس النيابة العامة، وتدفعه إلى فتح بحث قضائي في رزم الملفات التي «ألفها» قضاة المجلس الأعلى للحسابات حول هذه المؤسسات؛ فمفتشو الضرائب في المغرب «فالحين غير فالمزاليط» الذين يراجعون معهم ضرائبهم بالنقطة والفاصلة. أحد هؤلاء اتصل بي أمس وقال لي إنه ورث أرضا عن والده ويخاف من بيعها. وعندما سألته لماذا هو خائف، قال لأنه عندما سيبيعها سيكون عليه أن يدفع الضرائب التي تراكمت عليه بمبلغ البيع لمصلحة الضرائب، وعليه فوق ذلك أن يستدين من البنك لكي يكمل لهم الباقي، لأن ثمن البيع وحده لا يكفي للخلاص من قبضة دار الضريبة. هذا هو المغرب، «شي كايجمع الفلوس وشي كايجمعو ليه رجليه».
... تابع القراءة

نكبة آل الجامعي


سأل أحد الأبناء والده عن سبب إعراض الناس عن مناداتهم بلقب «مولاي» مثلما هو الأمر مع بعض العائلات، فقال له والده إن العائلات التي ينادونها بلقب مولاي هي عائلات شريفة؛ فسأله الابن: «علاش مانعودوش حتى حنا شرفا؟»، فأجابه والده: «حتى يموتو اللي كايعرفونا أوليدي». تذكرت هذه الحكاية وأنا أقرأ لائحة الاتهامات الجديدة في حق «المساء» التي ساقها بوبكر الجامعي في مقاله الأخير بمجلة «لوجورنال»، والتي يستخلص منها أن «المساء» تشتغل لحساب المخزن. ولو أن أحدا آخر غير بوبكر الجامعي اتهمنا بالعمالة للمخزن لاعتبرنا ذلك رأيا يحترم، وربما دفعنا ذلك إلى الشك في أنفسنا ومراجعة خطنا التحريري. لكن أن يصدر هذا الاتهام من شخص ينحدر من عائلة عريقة في خدمة المخزن، فهذا هو العجب بعينه. فعائلة الجامعي عاشت طيلة تاريخها تحت معطف المخزن، وتقلبت في دواوينه ووزاراته وبلاطاته. وإذا كان بوبكر يجهل تاريخ عائلته المخزني، فما عليه سوى أن يقصد أول مكتبة لكي يشتري كتاب «لوي أرنو» الذي يحمل عنوان «زمن المحلات السلطانية» ويقرأ عن المناصب المخزنية التي شغلها أجداده. وأول منصب مخزني شغله آل الجامعي هو منصب الصدر الأعظم والخارجية في القرن الـ19. وكانت نهاية الصدر الأعظم الجامعي وشقيقه في الخارجية هي موت أحدهما في السجن بعد أن فهم السلطان عبد العزيز أن الجامعي يريد أن يكون خليفة مكان الخليفة. أما جد بوبكر، الشيخ بوشتى الجامعي، فقد عاش طيلة حياته داخل حزب الاستقلال الذي كان حليفا مخلصا للمخزن، والمدرسة الحرة التي كان يديرها لم يكن يعلم فيها التلاميذ مبادئ الثورة على الملكية، وإنما كان يعلم فيها الولاء للعرش العلوي ومبادئ حزب الاستقلال المدافعة عن المخزن. ورغم أن الشيخ بوشتى الجامعي كان وطنيا صادقا مدافعا عن مبادئ الإسلام فإنه، ككل قادة حزب الاستقلال، سجل كل أبنائه في مدارس البعثة الفرنسية، حيث حرموا من تعلم اللغة العربية. وهذا ما يفسر تلك الافتتاحية التي كتبها حفيده بوبكر دفاعا عن «وكالين رمضان» تحت عنوان «هذا ليس إسلامي» (كان يسحاب لينا كاين غير إسلام سيدنا محمد حتى قرينا على إسلام سيدنا بوبكر)، فقد اعترف بأنه لم يكتشف سورة «الضحى» إلا في سن السادسة عشرة من عمره، ووجد صعوبة كبيرة في تهجيها وقراءتها؛ وهذا ما يفسر أيضا جهل والده خالد الجامعي بمبادئ اللغة العربية، مع أنه لا يخجل من توقيع مقالات بهذه اللغة مكتوبة من طرف أناس يعرفهم، ويعرفهم أغلب الصحافيين. السي بوبكر الذي يتهمنا بخدمة المخزن نسي أن والده السي خالد الجامعي كان صديقا حميما للعشعاشي، أحد جلادي سنوات الرصاص. وفي الوقت الذي كان فيه المناضلون اليساريون يعذبون في المعتقلات السرية كان هو يسهر مع أحد زبانية المخزن بدون إحساس بالذنب؛ والسي بوبكر الذي يتهمنا بالعمالة للمخزن نسي أن والده السي خالد الجامعي، الذي ينتقد اليوم أوفقير ويقدم نفسه كضحية من ضحايا سنوات الرصاص، اشتغل مع أوفقير في حكومته عندما عينه محمد الفاسي، وزير الثقافة الاستقلالي، رئيسا لديوانه؛ والسي بوبكر الذي يتهمنا بالعمالة للمخزن نسي أن والده السي خالد الجامعي، الذي يشتم ويسب في كل مقالاته فؤاد عالي الهمة، سبق له أن شغل وظيفة مستشار إعلامي في ديوان فؤاد عالي الهمة عندما كان هذا الأخير وزيرا منتدبا في الداخلية؛ وكان السي خالد الجامعي يتلقى راتبا شهريا مقابل استشاراته؛ والسي بوبكر الجامعي الذي يتهمنا بالعمالة للمخزن نسي أن والده السي خالد الجامعي، الذي اشتهر بلقب «الفاكتور» بسبب إدمانه المرضي على كتابة الرسائل للملوك والرؤساء بمناسبة وبدونها، أرسل رسالة ساخنة إلى البصري عبر جريدة «لوبنيون» التي كان يرأس تحريرها، وفي الأسبوع الموالي قبل دعوة للسفر إلى جانب إدريس البصري في طائرته نحو الجزائر، وهناك تسلم تعويضات عن هذه الرحلة، هو والصحافي الذي يحكي هذه الحكاية والذي لازال على قيد الحياة. وعندما انتقد البعض قبوله السفر إلى جانب الرجل الذي هاجمه قبل أسبوع، لم يجد من مبرر آخر يستند إليه سوى الادعاء بأنه قبل السفر لمصلحة الوطن؛ والسي بوبكر الجامعي الذي يتهمنا بالعمالة للمخزن نسي أن والده السي خالد الجامعي، الذي يكتب هذه الأيام عن جرائم إسرائيل، كان أول المنخرطين في عملية التطبيع مع إسرائيل التي شرع فيها المخزن أيام الحسن الثاني بعد زيارة شيمون بيريز الشهيرة لإفران، وذهب برفقة زوجته الكندية إلى «الكيبوتز» بإسرائيل، رمز الصهيونية، وبقي هناك شهرا كاملا. وعندما كتب أبراهام السرفاتي في أول عهد محمد السادس أن مشروع اكتشاف البترول في «تالسينت» غير ممكن علميا، شتمه خالد الجامعي في «لوبنيون» ووصفه بالمعادي لمصالح المغرب، مذكرا بأصوله اليهودية. قبل أن يتأكد فيما بعد للجميع أن السرفاتي كان على حق في ما نبه إليه، وأن الجامعي لم يكن سوى منفذ لتعليمات المخزن التي صدرت لحزب الاستقلال، فأمر بها صحافته. وإذا كان السي بوبكر قد نسي كل هذه الخدمات الجليلة التي قدمها والده وجده وجد جده إلى دار المخزن، وأراد أن يقدمه في افتتاحيته، التي تحدث فيها عن تربيته الدينية والعائلية في معرض دفاعه عن «وكالين رمضان»، كضحية من ضحايا سنوات الرصاص بسبب اعتقاله من طرف النظام، فليسمح لنا لكي نصحح له مغالطاته، لأن والده لم يعتقل لأنه كان معارضا للمخزن وإنما فقط لأنه نشر في «لوبنيون» في صفحة الرباط، دون أن يدري، صورة يظهر فيها الأمير مولاي رشيد رفقة مربيته يمر في شارع محمد الخامس أمام امرأة جالسة تتسول بطفلها الصغير. ولم تزعج الصورة الحسن الثاني بقدر ما أزعجه التعليق الذي رافقها، والذي كان يتحدث عن الفرق الكبير بين الأغنياء والفقراء في المغرب. فظن الحسن الثاني أن حزب الاستقلال «يحشي له الهضرة» فأمر باعتقال الجامعي. ولم يطلق سراحه إلا عندما جاء أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال يطلبون الشفاعة والعفو من الملك، فأُطلق سراح الجامعي وعاد إلى مكتبه وكرسيه في المجلس الوطني لحزب الاستقلال يصوت بالموافقة على القرارات اللاشعبية التي اتخذها هذا الحزب المخزني طيلة وجود الجامعي بين صفوفه. أما إذا كان السي بوبكر قد نسي أنه ورث خدمة المخزن عن أجداده، فيمكن أن نعود بذاكرته إلى سنة 1995 عندما توسل والده خالد الجامعي إلى أندريه أزولاي تشغيله في سكرتارية مركز «الدوحة» الاقتصادي للشرق وشمال إفريقيا، والذي أسسه مستشار الحسن الثاني أندريه أزولاي لتسهيل التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل بعد زيارة شيمون بيريز للمغرب لتفعيل اتفاقيات أوسلو ومدريد. وقد اشتغل بوبكر في هذا المركز وهو يعرف أهدافه ومقاصده التطبيعية مع إسرائيل، هو الذي يكتب اليوم منتقدا توشيح وزير الخارجية المغربي ليهودي أمريكي اسمه «جاسون إسحاقسون» بوسام فارس في نيويورك. كما نحيله على كتاب «سوء الفهم الكبير» لزميله ورفيقه في المهنة، علي عمار، الذي فضح فيه كواليس تأسيس مجلة «لوجورنال» وكيف أن رجالات المخزن أيام الحسن الثاني هم الذين كانوا وراء هذا التأسيس. كما نجد في الكتاب صفحات «غير مشرقة» تتحدث عن اللقاءات الودية التي كان يعقدها بوبكر مع رجالات المخزن الذين يشتم بعضهم اليوم، وكيف كان يستعد رفقة أميره الأحمر لتسلم وظيفة مهمة في البلاط، لولا أن رجالات المخزن قرروا سحب البساط من تحت قدميه مع وصول الملك الجديد للعرش، ليتحول الحب إلى كراهية قاتلة، ويبدأ بوبكر حربه على الملك بتعمد نشر صورته أسبوعيا على غلاف مجلته. السي بوبكر الذي يتهمنا بالعمالة للمخزن ينسى أنه مساهم في مجلة يملكها ملياردير اسمه فاضل العراقي عاش وربى الريش في أحضان المخزن، فيما والده محمد العراقي يرأس مؤسسة مخزنية اسمها ديوان المظالم، لم يثبت أنها حلت مظلمة أحد منذ إنشائها، كما لم نقرأ يوما في «لوجورنال» انتقادا بسيطا لهذه المؤسسة المخزنية ورئيسها. السي بوبكر الذي يتهمنا بالعمالة للمخزن ينسى أنه كان دائما في خدمة الأمير مولاي هشام، والذي يقيم هذه الأيام الدنيا ولا يقعدها نيابة عنه بسبب غيابه عن الصورة التي التقطت للعائلة الملكية بمناسبة زفاف الأمير مولاي إسماعيل. وينسى السي بوبكر أن مولاي هشام جزء لا يتجزأ من المخزن الذي يتهمنا نحن بالاشتغال معه، فمولاي هشام ينتمي إلى العائلة الملكية ويتقاضى ميزانية سنوية من أموال دافعي الضرائب مثله مثل سائر الأمراء والأميرات، ولم يثبت قط أن مولاي هشام قال إنه لا ينتمي إلى المخزن. وربما ينسى بوبكر أن الأمير مولاي هشام عندما يتصل به هاتفيا من أي مكان من العالم يفعل ذلك انطلاقا من «سطاندار» إقامته بعين عودة بالرباط، أي على حساب دافعي الضرائب الذين تدفع من أموالهم فاتورة هواتف إقامته. من حق بوبكر الجامعي أن يدافع عن صديقه الأمير مولاي هشام، فهو الذي تدبر له منحة الدراسة في أمريكا، وشغله إلى جانبه كمستشار اقتصادي لمشاريعه بدبي، وهو الذي شغل له والد زوجته في الجمعية الخيرية التي تديرها والدة الأمير لمياء الصلح في الصخيرات؛ من حق والد بوبكر الجامعي أن يدافع عن مولاي هشام لأنه وقف إلى جانبه ودفع له مصاريف العملية الجراحية التي أنقذت حياته؛ من حق الذين تسلموا شيكات من يد الأمير، لكي يؤسسوا الجرائد ويصبحوا مدراء في رمشة عين، أن يتكتلوا جميعهم اليوم ضد «المساء» لأنها امتلكت الشجاعة الكافية لكي تفضح هذا الاجتياح الخطير لأصحاب الأجندات السياسية المشبوهة للحقل الصحافي. من حق الرسام المغمور خالد كدار أن يشيد بقشابة الأمير الواسعة ويفتخر بأنه رسمه أكثر من مرة دون أن يتابعه، من حقه أن يلحس له «الكابة» لأن هذا الأخير يصرف لوالده راتبا شهريا كعامل في ضيعته، ويساعد ماديا خالد الجامعي الذي يقيم الرسام في بيته عندما تتقطع به السبل. لكن ما ليس من حق كل هؤلاء هو أن يقبلوا بخدمة أمير يعتبر أحد أفراد المخزن في عهد الملك الحالي، بعد أن عملوا طيلة حياتهم في خدمة رجال مخزن الملك السابق؛ وفي الأخير يتهموننا نحن بالعمالة للمخزن، نحن الذين لم نلتق في حياتنا بأي واحد من رجال المخزن، لا في العهد القديم ولا الجديد. لقد أصبح واضحا الآن أن حلم بوبكر ووالده والصحافيين الذين يشتغلون تحت إمرة الأمير هو العودة، مرة أخرى، إلى حضن المخزن؛ لذلك اختار بوبكر لغلاف عدد مجلته الأخير عنوانا يفضح هذا الحلم، يقول: «ماذا لو تصالح محمد السادس ومولاي هشام». وطبعا، عندما سيتصالح الملك مع مولاي هشام، فإن المنطقي هو أن يتسلم الأمير، كما ينصح الجامعي، وظيفة في خدمة المخزن. ولهذا السبب أعاد بوبكر التذكير بالسيرة الذاتية للأمير وشواهده الجامعية وعلاقاته الدبلوماسية مع الشرق والغرب. وطبعا، عندما سيتسلم الأمير وظيفة في خدمة المخزن فمن الطبيعي أن يشغل معه كل الصحافيين الذين وقفوا إلى جانبه ودافعوا عنه وسهلوا عملية الصلح. وهكذا، يتحقق حلم هؤلاء الصحافيين الذين يقدمون أنفسهم كثوار حمر، فيما هم في الواقع مجرد «مخازنية» متنكرين. وها قد حان الوقت لكي تسقط عنهم أوراق التوت واحدا واحدا. وهذه ليست سوى البداية.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى