تحت ظلال السيوف


ما يقع في فاس هذه الأيام من انفلات أمني تستحق معه المدينة أن تُعْلَنَ منطقة منكوبة أمنيا؛ فلم يعد الإجرام مقتصرا فقط على شوارع وأزقة المدينة بل وصل إلى داخل أقسام مستعجلات المستشفى الجامعي الذي اقتحمه المجرمون وأجبروا الممرضين والأطباء على تقديم الإسعافات لجرحاهم بدون الخضوع للإجراءات الإدارية المعمول بها في هذه المؤسسات. طبيعي أن تتزامن كل هذه «القيامة» مع انطلاق موسم «الشراب» بعد انتهاء المدة القانونية لما بعد رمضان. وحسب العاملين في أقسام المستعجلات، فبمجرد أن تعاود البارات وأروقة الأسواق الممتازة فتح أبوابها أمام زبائنها ترتفع وتيرة الجرائم والحوادث وتتضاعف نسبة الضحايا الذين يفدون عليهم كل يوم. أحد رجال التعليم بفاس أرسل إليّ رسالة يقول فيها إنه أصبح لا يغامر بحمل أي شيء معه إلى المدرسة، باستثناء عشرين درهما التي يحتاجها لدفع تذاكر الحافلات؛ حتى جهاز الحاسوب، الذي منحته إياه وزارة التعليم في إطار «برنامج نافذة» لاستعماله في المدرسة، أصبح لا يستطيع حمله مخافة جلب أنظار اللصوص إليه وسرقته منه. أما الموظفات وعاملات المصانع والشركات فأصبحن يقرأن الشهادتين على أرواحهن صباحا قبل الخروج من بيوتهن نحو العمل. ولا حديث في فاس ونواحيها هذه الأيام سوى عن عصابات أبو سياف التي تعربد نهارا وتروع السكان وتتحدى رجال الأمن. وقد انشغل الجميع بخروج ستة شبان للمجاهرة بالإفطار في نهار رمضان بالمحمدية، ونسوا أن أخطر شيء يقع في المغرب هذه الأيام هو مجاهرة المجرمين واللصوص وقطاع الطرق بالخروج نهارا لترويع الناس وقتلهم وسلبهم ممتلكاتهم. ولعل أحسن شيء فعله القضاء هو الإعراض عن متابعة متزعمي حركة «مالي»، فهؤلاء استوعبوا الدرس جيدا، وحتى الذين وقفوا إلى جانبهم وساندوهم اعترفوا بأنهم ليسوا متفقين على الطريقة الاستفزازية التي سلكها هؤلاء الشباب للتعبير عن أفكارهم. أما من يستحقون فعلا المتابعة القضائية فهم متزعمو العصابات الإجرامية الذين يهددون الأمن العام ويضعون أجهزة الأمن في وضع سخيف. وفي الوقت الذي تعاني فيه مستشفيات ومستوصفات وزارة الصحة من ندرة احتياطي الدم، نرى كيف تسيح الدماء في شوارع المدن كل يوم على أيدي مجرمين قتلة فقدوا كل حس إنساني وتحولوا إلى وحوش مفترسة تنشب سيوفها في أجساد عبد الله. أتذكر الآن عندما جئت إلى فاس لتغطية إحدى دورات مهرجان فاس للموسيقى الروحية، فنزلت في أحد المنتجعات السياحية بمنطقة «عين الشقف» بنواحي فاس بعدما وجدت كل فنادق المدينة مملوءة؛ أتذكر كيف كان المنظر خلابا بالنهار. لكن عندما جاء الليل تحول المكان إلى كابوس، وجاء إلى العلبة الليلية الموجودة هناك قوم لا يستطيع أغلبهم أن يطوي رجله اليمنى. وعندما سألت عن سبب هذه الإعاقة شبه الجماعية، تطوع أحد «قدماء المحاربين» بالمنطقة لكي يشرح لي أن ما يعيق هؤلاء القوم عن ثني أرجلهم هو أنهم «يسرحون» كلهم سيوفا داخل سراويلهم، وأن الوحيد ربما الذي يتجول هنا بدون سيف هو أنا. فكان أول شيء قمت به في الغد هو أن جمعت «قشي» وغادرت المكان، وكتبت مقالتين في جريدة «الصباح» وضعت لإحداهما كعنوان «تحت ظلال السيوف» فيما صدرت الثانية تحت عنوان «العكر الفاسي»، انتقدت فيهما «العفن» والإجرام الذي يحاول أصحاب المهرجان إخفاءه بالمساحيق؛ كادتا معا أن تكلفاني وظيفتي في القناة الثانية، فقد اشتكى القباج، مدير المهرجان، لنور الدين الصايل، مدير القناة، مما كتبته، فطالبني الصايل بالعودة إلى الدار البيضاء لأن صحافيا آخر سيأتي لكي يكمل تغطية المهرجان؛ فيبدو أن «تعريتي» للمهرجان لم تعجبهم. المغاربة وصلوا اليوم إلى حد لم يعودوا يستطيعون معه صبرا على هذه المجازر اليومية التي يتعرض لها أبناؤهم وبناتهم. وفي كل اجتماعات الأسر، يهيمن موضوع واحد هو انعدام الأمن وانتشار السرقة والجريمة في واضحة النهار. وبمجرد أن كتبت حول الموضوع الأسبوع الماضي، تقاطرت عليّ الرسائل من كل حدب وصوب، ولكل قارئ رأي واقتراح لحل هذه النكبة الأمنية التي حلت بالمغاربة. وإذا كان هذا يعني شيئا فإنه يعني أن المغاربة «وصلات ليهم الموس لعظم»؛ وليست الصورة هنا مجازية، بل إن «الموس» وصلت إلى العظم بالفعل. وهذا ما يفسر الغضب العارم الذي قابل به المواطنون ردود الفعل المساندة عند بعض الصحافيين والحقوقيين تضامنا مع المجرمين الذين طوفهم رجال الشرطة بفاس من أجل تعرف ضحاياهم عليهم في أحياء المدينة القديمة. وذهب البعض إلى حد اتخاذ موقف متطرف من هؤلاء المجرمين، مصنفا إياهم ضمن من يدخلون في حكم «حد الحرابة»، كما يحدث في العربية السعودية التي اعتبر مجلس هيئة كبار العلماء فيها العصابات والأفراد الذين يسرقون الناس ويخطفون النساء ويعتدون على الأعراض تحت تهديد السلاح ضربا من ضروب المحاربة والسعي في الأرض فساداً المستحق للعقاب الذي ذكره الله سبحانه في آية المائدة «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ» ، سواء وقع ذلك على النفس أو المال أو العرض، أو أحدث إخافة السبيل وقطع الطريق، ولا فرق في ذلك بين وقوعه في المدن والقرى أو في الصحارى والقفار. الأقل تطرفا يقترحون إخراج هؤلاء المجرمين للعمل في الحقول وأوراش بناء السدود والطرق، عوض الاحتفاظ بهم داخل السجون يسمنون ويتعاطون المخدرات ويطورون مهاراتهم في فنون الإجرام. وعوض أن يكون السجن بمثابة عطلة مفتوحة لهؤلاء المجرمين، فالأجدى أن يتحول إلى عقوبة شاقة يعرف من خلالها المجرم القيمة الحقيقية للحرية. قارئ آخر أقل تطرفا اقترح عودة المغرب إلى القرون التي كانت فيها أوربا تنفي عتاة مجرميها وقتلتها إلى القارة الأمريكية، وتعطيهم أرضا وتتركهم يعيشون هناك بعيدا عن المجتمعات البشرية. ويقول القارئ الكريم إننا في المغرب لدينا آلاف الهكتارات من الأراضي الخلاء التي يمكن أن تنفي إليها وزارة العدل عتاة المجرمين الذين لا ينفع معهم السجن. وطبعا، هناك اقتراحات أكثر تطرفا، وأغلبها لا تتورع عن مطالبة رجال الشرطة باستعمال العنف مع هؤلاء اللصوص والمجرمين لجعلهم يذوقون جزءا يسيرا مما يذيقونه يوميا لعباد الله بسيوفهم وخناجرهم. وإذا كان هناك شيء واحد تتفق حوله الأغلبية الساحقة من المغاربة اليوم فهو إعمال الشرطة للصرامة وعدم التساهل مع عصابات أبو سياف؛ فاليوم وأكثر من أي وقت مضى، أصبح استعمال رجال الأمن لمسدساتهم في توقيف همجية وهيجان بعض المجرمين أمرا ضروريا، بعدما كان كثيرون يعيبون على رجال الأمن إطلاقهم للنار لتوقيف المجرمين أو لصد هجومهم المسلح على أحدهم. أحد المعلقين قال منتقدا دعوة البعض إلى التعامل مع هؤلاء القتلة والمجرمين بإنسانية إن الإنسانية سلوك نبيل يتم التعامل به مع الذين يتوفرون في قلوبهم على قدر من الإنسانية، أما سفاكو الدماء هؤلاء الذين «يشرطون» أجساد عباد الله بدون أي إحساس بالذنب فلا يستحقون التعامل معهم بإنسانية، وإنما بقسوة وصرامة. لهذا كله، فالحاجة اليوم في المغرب أصبحت ماسة إلى خروج فرق أمنية خاصة من الثكنات إلى الشوارع لحفظ الأمن، فغياب دوريات أمنية مدججة بالأسلحة والكلاب، كما هو الحال في ميترو الأنفاق والأحياء السكنية الساخنة في أوربا، هو ما شجع عصابات «أبو سياف» على مهاجمة المواطنين وسلبهم ممتلكاتهم وإزهاق أرواحهم في واضحة النهار. وعندما يصل هذا الاستهتار بالأمن إلى حد اقتحام مستشفيات الدولة وأخذ الممرضين والأطباء كرهائن تحت تهديد السيوف، كما حدث في فاس، فإن الأمر يدعو فعلا إلى الخوف على المستقبل الأمني للبلاد؛ فما يقع في الحقيقة هو حرب مفتوحة تخوضها العصابات المنفلتة والمتغولة ضد أمن المواطنين البسطاء الذين ليست لديهم سيارات مصفحة كتلك التي لدى مسؤولينا ووزرائنا، والذين لا يرون ما يحدث يوميا في الشوارع من اعتداءات واغتصاب لأن المغرب، بالنسبة إليهم، هو المثلث الذي يربط ما بين الإدارة والفيلا والمطار. كثيرون أصبحوا يتأسفون على أيام «كرواتيا»، تلك الشرطة التي سماها الجنرال العنيكري شرطة «القرب»، والتي عندما أراد المغاربة أن يتندروا بها سموها «شرطة كبايلا». اليوم، أصبح الجميع يحن إلى مجرد رؤية إحدى سيارات هذه الشرطة تذرع أزقة أحيائهم التي يحكم اللصوص وقطاع الطرق قبضتهم عليها. فرغم الممارسات غير المهنية لبعض أفراد هذه الشرطة، كان لوجودهم في الشوارع والأحياء الهامشية ومحطات النقل دور مهم في إخافة المجرمين واللصوص. اليوم، أصبح هؤلاء المجرمون واللصوص سادة المكان، وحتى أولئك الصقور من رجال الشرطة الذين يركبون دراجات نارية ويفعلون كل ما بوسعهم لمطاردة اللصوص والمجرمين في الشوارع، أصبحوا مغلوبين على أمرهم بسبب اتساع رقعة النشل والعنف. لقد آن الأوان لكي يرى المغاربة في شوارعهم وأحيائهم فرقا أمنية مدربة ومسلحة ومجهزة بوسائل الاتصال الحديثة، مثلما يحدث في كل الدول التي تعاني من انتشار الإجرام والتسيب. على وزارة الداخلية والإدارة العامة للأمن الوطني أن تعتبرا ما يقع إرهابا سافرا يمارس على المواطنين بشكل يومي. ومسؤولية هاتين الإدارتين هي مواجهة هؤلاء الإرهابيين في الميدان وكسر شوكتهم وإعادة الأمن إلى شوارع وأحياء المدن المغربية.
... تابع القراءة

على سبيل التذكير


لا يكاد يمر أسبوع أو شهر دون أن يكتب حولي أحدهم مقالا أو «بورتريها» يرسم مساري المهني والدراسي ويحشر أنفه مفتشا في ثنايا حياتي العائلية «بالفتيلة والقنديل». إحداهن كتبت الأسبوع الماضي في مجلة «لوبسيرفاتور» أنني أنحدر من صلب أب سكير، دون احترام لذكرى هذا الأب، الذي يرقد في قبره منذ سنوات بعيدة، ولا لعائلته. و«الصحافية» معذورة في المقال التي ارتكبته، فقد نقلت حرفيا كلاما سبق لبنشمسي أن كتبه حولي في «تيل كيل» عندما خصص لي أحد أغلفة مجلته بخصوص والدي رحمه الله. وبسبب كل ما يكتبه بعض الزملاء حولي أكاد أتوصل برسائل يومية من قراء يطالبونني بالرد على كل ما ينشر حولي في الصحافة والمنتديات والمواقع الإلكترونية المشبوهة، فأجيبهم جوابا واحدا هو أنني لست معنيا بكل ما ينشره حولي بعض هؤلاء الزملاء، لأنني ببساطة لا أكتب لهم، ولا يهمني رأيهم في ما أكتبه. ولذلك، فكثيرون أيضا يسألون حائرين: لمن أكتب إذن؟ لذلك فمن المفيد التذكير بملامح وأنواع المواطنين الذين أتوجه إليهم كل صباح بكتاباتي، والتذكير أيضا بملامح الذين لا أتوجه إليهم ولا يهمني ما إذا كانوا يقرؤون ما أكتبه كل صباح أو يمسحون به زجاج نوافذهم: الذين ينامون بلا مشاكل ولا يحتاجون وساطة الحبوب المنومة وملاعق المحاليل الصيدلية؛ الذين لا يحلمون بالكوابيس ولا توقظهم ساعة المنبه إلا بمشقة بالغة؛ الذين لا تهتز شعرة واحدة في رؤوسهم كلما اهتز مكان ما من العالم؛ الذين يبتسمون كلما شاهدوا نشرة أخبار فيها الكثير من الجثث والجرحى؛ الذين لا يمارسون أي نوع من أنواع الرياضة، ومع ذلك تجد أعصابهم فولاذية كأعصاب المصارعين اليونانيين؛ الذين يعتنون بأسنانهم جيدا كل صباح، لأنهم يحتاجونها كاملة وناصعة في كل ابتسامة صفراء مرفقة بمجاملة كاذبة؛ الذين يملكون لكل كتاب النظارة المناسبة ولكل لقاء جماهيري ربطة العنق الملائمة والابتسامة الملائمة والتدخل غير الملائم تماما؛ الذين يقدمون التعازي دائما لأنهم لا يموتون أبدا، والذين يواظبون دائما على حضور حفلات التأبين لأنهم يتلذذون بتعداد مناقب الموتى، لأن هذا يطمئنهم بأن الشرور هي من نصيبهم ولا يزاحمهم عليها أحد؛ الذين يملكون أكثر من موقف في قضية واحدة. الذين من فرط تغييرهم لمعاطفهم أصبح لديهم دولاب كبير من المعاطف، والذين من فرط تغييرهم لجلودهم انتهوا عراة بالكامل؛ الذين يجلسون دائما في الصفوف الأمامية والذين تلتقطهم عدسات المصورين دائما آخذين في التفكير مثل تماثيل الحكماء في مجلدات الأنسكلوبيديا اليونانية؛ الذين يعطون التصريحات في كل مناسبة بأثمان معقولة ويشرحون الأمور دائما بسبابات مرفوعة في الهواء وحواجب مقوسة كحواجب زعيم الحزب الكردستاني عبد الله أوجلان؛ الذين يبرمجون دائما مواعيدهم نكاية بأوقات الآخرين ويبنون شهرتهم على أنقاض المتواضعين الذين اختاروا فضيلة الصم؛ الذين يملكون ما يكفيهم لكي يعيشوا حتى آخر يوم قذر من أعمارهم الطويلة، ومع ذلك يبحثون لكي ينغصوا على الآخرين عيشتهم النظيفة والقصيرة؛ الذين يتجولون بين كل التيارات بأفكار متخمة وقناعات مصطنعة؛ الذين لا يملكون غير حقارتهم يدافعون عنها في كل مناسبة، ولا يضيعون في دفاعهم المستميت هذا غير القليل من وضاعتهم؛ الذين ليست لهم مياه في وجوههم يدافعون عنها وليست لهم ذمم يحرصون على طهارتها؛ الذين لا يتعهدون أي نباتات في شرفات بيوتهم ولا يربون أي حيوان أليف في بيوتهم، لأن أزهار الشر التي تنمو في دواخلهم والحيوانات الضارية التي تتزاحم داخل أقفاصهم الصدرية تأخذ منهم كل وقتهم الثمين؛ الذين لا يذهبون إلى البحر مخافة أن تبتل مواقفهم الوسخة؛ الذين لم يكملوا تعليمهم إلى المستوى الذي يجعلهم قادرين على تركيب كلمة «وطن»، والذين بسبب ذلك بعثروا الحروف بلا رحمة فأصبح الوطن بسببهم عسيرا على النطق والعيش؛ الذين يدافعون عن قضايا المرأة برجولة نادرة في الخارج وينددون بأعداء الأمة في الداخل بصوت خفيض وبنبرات أنثوية للغاية؛ الذين لا يعلقون المرايا داخل بيوتهم مخافة أن تلتقي نظراتهم بوجوههم المخيفة فتفزعهم؛ الذين لم يحاربوا عدوا في حياتهم ولم يحرروا وطنا ولم يشاهدوا سلاحا طوال عمرهم غير بنادق الصيد المعلقة على حيطان قصورهم الفسيحة، ومع ذلك يمرون في الاحتفالات الوطنية بالنياشين والأوسمة، ويستطيعون أن يحكوا عن الحرب أكثر مما يستطيع المقاومون الحقيقيون أن يفعلوا، أولئك المقاومون الذين ماتوا دون أن يغيروا نوع تبغهم ولا موجتهم الإذاعية ولا ماركة شايهم الرخص؛ الذين لا حول لهم ولا قوة كلما تعلق الأمر بمصير الشعب في الشوارع والساحات، والذين يتحولون إلى وحوش كاسرة في القاعات المكيفة وأمام ميكروفونات الجرائد المأجورة؛ الذين ما إن تحتك بأحدهم في الشارع حتى يستعرض أمامك لائحة طويلة بأسماء معارفه في الوزارات والدواوين؛ الذين يسكنون داخل المغرب عوض أن يسكن المغرب داخلهم. هؤلاء لا أكتب لهم ولا يهمني سماع رأيهم في ما أكتبه كل صباح. أكتب للذين لا ينامون إلا بعد أن يمر شريط طويل بأحداث يومهم أمام أعينهم، شريط بطيء وقاس يمر أمامهم فيصيبهم بالأرق ولا يركبون سفينة النوم إلا بعد أن يكونوا قد فاوضوا طويلا كوابيسهم المخيفة؛ أكتب للذين ينامون بلا حراك وبصوت مطبق، بحيث لا تستطيع أن تميز بينهم وبين الجثث في مستودعات الموتى، رغم أن أعماقهم يقظة أبدا؛ أكتب للذين تفزعهم ضربات قلوبهم كلما اضطجعوا على الجانب الأيسر، والذين يستفيقون قبل ضربات المنبه بساعات؛ أكتب للذين كلما نشبت حرب ما في مكان ما من العالم أحسوا بالذنب بسبب أيديهم المسدلة مثل أيدي الجبناء؛ أكتب للذين يكرهون ابتسامات المذيعات البلهاء وهن يحصين أعداد القتلى والجرحى في انتفاضة ما من هذا الوطن العربي الجريح؛ أكتب للذين يمارسون رياضة الركض وراء الأوهام بلا توقف؛ أكتب للذين أعصابهم متلفة دائما مثل لعب الأطفال وأسنانهم في تساقط مستمر؛ أكتب للذين يملكون نظارة طبية واحدة تصلح لقراءة كل الكتب وتصلح لرؤية كل المواقع؛ أكتب للذين أعمارهم قصيرة مثل جبل الكذب ومواقفهم راسخة مثل الوشم على معاصم الريفيات؛ أكتب للذين يملكون معطفا واحدا يستعملونه في كل الفصول وربطة عنق واحدة تذكرهم دائما بحبل المشنقة؛ أكتب للذين خلقوا بجلد واحد لم يغيره شيء سوى شمس غشت على شواطئ البحر؛ أكتب للذين يجلسون في الصفوف الخلفية دائما بحيث تعفيهم آلات التصوير والكاميرات من أضوائها الكاشفة، وفي المساء يعودون إلى بيوتهم بأيديهم في جيوبهم رفقة ظلالهم فقط؛ أكتب للذين لم يقدموا أبدا تصريحا حول قضية ولم يرفعوا سبابتهم يوما لطلب شيء سوى أمام زحام المحلات التجارية لطلب حليب للأطفال؛ أكتب للذين لا يشيدون شهرتهم على أنقاض أحد ولم يشيدوا في حياتهم شيئا آخر غير قصور الرمال خلال لحظات شرودهم الطويلة؛ أكتب للذين تنظر إليهم فتخيفك الصفرة التي على وجوههم ونحول أجسادهم، والذين إذا تكلموا تركوك بفم مفتوح من الدهشة ومضوا حسيري الرؤوس إلى الظل؛ أكتب للذين يعيشون في وحدة قاسية، ومع ذلك لا يستطيعون الحديث عن الغربة، لأن هناك من يعيش في ألفة دافئة ويستطيع أن يتحدث عن الغربة أحسن منهم بعد أن يستعيروا ألم الآخرين؛ أكتب للذين تحتقرهم موظفات الاستقبال في الفنادق الفخمة، والذين يشكك الباعة في المحلات الراقية في طلباتهم مخافة ألا يكون معهم ما يكفي لتسديد مشترياتهم؛ أكتب للذين لا يحتاجون إلى أوراق هوية تثبت انتماءهم إلى هذا المغرب، لأن عيونهم تفضح عشقهم لوطنهم؛ أكتب للذين تخذلهم عفويتهم أمام أبواب السفارات؛ الذين يخجلون من أنفسهم عندما لا يجدون في جيوبهم ثمن البوربوار فيتركون النقود فوق الطاولة ويغادرون خلسة مخافة أن تلتقي نظراتهم بنظرات النادل الذي يبتسم من فرط تعاسته؛ أكتب للذين يقفون أمام المستشفيات العمومية متأبطين الصور الإشعاعية لصدور آبائهم المخنوقة والملطخة بالألم؛ أكتب للذين لا يملكون ما يسددون به ثمن التحاليل الباهظة، والذين يملكون بالمقابل ما يكفي من دموع تحت الأغطية عندما ينصرف الجميع إلى النوم؛ أكتب للذين يرتبكون عندما يسعلون في مقصورة القطار مخافة أن يكتشف الآخرون أن مكانهم الطبيعي يوجد فوق سرير أبيض في مستشفى الأمراض الصدرية وليس فوق مقعد في مقصورة قطار. لهؤلاء أكتب، وهم وحدهم من يهمني سماع رأيهم
... تابع القراءة

راه راه والغوت موراه


عاتبني عدد من القراء على انتقادي للطريقة التي عرض بها رجال أمن بفاس متهمين بالاعتداء على المواطنين حفاة وشبه عراة في الشارع العام. وحسب هؤلاء القراء، فما قام به رجال الشرطة أمر محمود بل مطلوب بالنظر إلى أجواء الرعب التي أصبحت تخيم على أحياء فاس بسبب جيوش القتلة والمجرمين والمنحرفين وخريجي السجون الذين أصبحوا يتجولون بسيوفهم في واضحة النهار وينهبون جيوب المواطنين ويزخرفون وجوههم بشفراتهم الحادة.
وآخذ قراء آخرون من ضحايا هؤلاء اللصوص بعضَ الصحافيين والحقوقيين على دفاعهم عن حق هؤلاء المجرمين في أن تتعامل معهم الشرطة بما يحفظ لهم كرامتهم وإنسانيتهم، مع أن أغلب هؤلاء المجرمين لا توجد في قلوبهم ذرة واحدة من الإنسانية، فهم عندما يحاصرون ضحاياهم «يشرطون» أجسامهم بسيوفهم وخناجرهم بلا رحمة، وأحيانا يفعلون ذلك فقط بسبب الغيرة، خصوصا عندما يكون أحد ضحاياهم ذا وجه وسيم، وكأنهم يقولون له «عاجباك التبوكيصة، وسير دابا دير الغراز».
وثالث كتب إلي يقول إننا، نحن الصحافيين والمثقفين والحقوقيين الذين ندافع عن كرامة اللصوص والمجرمين، لم نجرب «حر» سيوفهم ولا مضاء خناجرهم، وإننا نكتب عن الإجرام والانحراف من أبراجنا العاجية داخل مكاتبنا المكيفة، دون أن نعرف أن خروج آلاف المغاربة اليوم في بعض الأحياء نحو أعمالهم أصبح مغامرة حقيقية بسبب كل اللصوص والمجرمين الذين يتربصون بهم الدوائر في واضحة النهار، ولذلك فمن حق الشرطة أن تبهدلهم في الشارع جزاء لهم على ما ارتكبوه من مجازر في حق المواطنين، ومن حقها تطويفهم في الشارع ليراهم الذين كانوا ضحاياهم كي يحسوا بشيء من الاطمئنان الذي افتقدوه حتى في بيوتهم بسبب هؤلاء المجرمين. هكذا على الأقل، سيكون هناك من سيكتشف مجرما كان يسكن بجانبه وعائلته تتستر عليه، بل تقتات من ورائه. أما إشفاق الصحافيين والحقوقيين لحال هؤلاء المجرمين وهم عراة حفاة، فيتساءل قارئ آخر «هل يعني هذا أن على الشرطة أن تشتري لهم الملابس والأحذية التي فقدوها أثناء عملية مطاردتهم واعتقالهم؟».
قرأت هذه الرسائل الغاضبة وأنا أتذكر كل تلك المشاهد الصادمة والخالية من الرأفة والإنسانية التي شاهدتها في بعض البرامج الوثائقية الأمريكية حول ظروف اعتقال بعض المجرمين أو المبحوث عنهم المصنفين في خانة خطر؛ فأول شيء يقوم به رجال الأمن الأمريكيون عندما يواجهون مجرما خطيرا هو أمره بالانبطاح أرضا ووضع يديه فوق رأسه؛ وإذا رفض واستمر في التقدم نحو رجل الشرطة، فإن هذا الأخير يصوب إليه الرصاصة الأولى، وإذا أصر على التقدم فإنه يصوب إليه الرصاصة القاتلة.
أما في حالة استسلام المجرم، فإن رجل الأمن يضع ركبته الثقيلة فوق قفا هذا الأخير ويصفده ثم يوقفه على رجليه ويقتاده بقسوة نحو سيارة الأمن. وإذا قاوم، فإن ضربات رجال الأمن تنهال عليه من كل حدب وصوب إلى أن يسقط أرضا ويستسلم. وأحيانا، يتم هذا أمام عدسات الصحافيين وكاميرات القنوات التلفزيونية. وبالنسبة إلى الرأي العام الأمريكي، فإن هذه المناظر لا تشكل أي مس بكرامة وإنسانية هؤلاء المجرمين، بل إن الغالبية العظمى من الأمريكيين تطالب بالمزيد من القسوة والصرامة في التعامل مع القتلة والمجرمين واللصوص.
وحتى في حالة توقيف سيارة مواطن أمريكي عادي من طرف الشرطة، فإن الصرامة الأمنية تقتضي أن يظل السائق داخل سيارته ويداه فوق المقود؛ وإذا خرج من سيارته وتقدم نحو رجل الأمن، فإن هذا الأخير يشهر مسدسه في وجهه ويأمره بالعودة إلى سيارته؛ وإذا رفض السائق الامتثال لأوامر الشرطي، فإن مصيره لا يكون أحسن حالا من مصير أي مجرم.
الحق أنني وقفت حائرا بين ما كتب حول ضرورة احترام كرامة وإنسانية المجرمين وبين التعامل معهم بقسوة وصرامة خالية من الرأفة والإنسانية؛ فالمغاربة يقولون «محاس بالمزود غير اللي مخبوط بيه». فهناك فرق كبير بين أن تجلس في مكتبك وتشرع في إعطاء النصائح والدروس المجانية لرجال الأمن وضحايا هؤلاء المجرمين بخصوص احترام كرامتهم الإنسانية، وأنت ترتشف قهوتك الساخنة، وبين أن تقضي اليوم كله في مطاردة هؤلاء المجرمين داخل قنوات الوادي الحار، معرضا رقبتك لسيوفهم الطويلة ومعرضا أطفالك لليتم في بلد لا يرحم الأيتام ولا الأرامل.
أحد رجال الشرطة قال لي عندما كنت في إحدى دوائر الأمن من أجل جلسة استماع إننا، نحن معشر الصحافيين والحقوقيين، «ضصرنا» عليهم اللصوص والمجرمين بحديثنا اليومي عن حقوق الإنسان، حتى أصبح بعض هؤلاء المجرمين ضليعين في حفظ الفصول التي تنص على احترام حقوق المتهم، مع أنهم يعرفون أكثر من غيرهم أنهم متورطون في جرائمهم حتى الأذنين.
والمصيبة، اليوم، أن استفحال الإجرام لم يعد يقتصر على البالغين، وإنما هناك انتشار مفزع لإجرام اليافعين؛ فقد أصبح عاديا أن يحمل أبناء الثالثة عشرة السكاكين في محافظهم المدرسية والتي يشهرونها في وجه الفتيات والنساء في الشوارع لسرقة هواتفهن المحمولة. والشرطة عندما تعتقل هؤلاء المجرمين الصغار لا تستطيع أن تفعل غير إرسالهم إلى عائلاتهم من جديد. أما الجانحون البالغون سن الخامسة والسادسة عشرة فبمجرد ما يلقي عليهم رجال الأمن القبض يسارعون إلى تذكيرهم بأنهم لازالوا «مينور»، أي قاصرين، فيتم إرسالهم إلى الإصلاحيات التهذيبية التي لا تحمل من الإصلاح سوى الاسم، لأن أغلبها هو، في الحقيقة، عبارة عن «إفساديات» يدخل إليها القاصر بسبب خطفه لهاتف محمول فيخرج مجرما متخصصا في جميع أنواع الجرائم بعد معاشرته لجانحين أمثاله سبقوه إلى عالم الجريمة. ولعل الذين عدلوا قانون المسؤولية الجنائية، وحددوا سنها في 18 سنة عوض 15 كما كانت في السابق، سيفهمون الآن أن هذا التعديل ربما كان متسرعا، لأنه أصبح يعطي أبناء الثامنة عشرة إلا شهرين إمكانية اقتراف الجرائم والنزول ضيوفا على الإصلاحية التهذيبية بسلا.
لهذا، فإن النصب التذكاري الحقيقي الذي كان يجب على شباط عمدة فاس أن يضعه في وسط المدينة ليس نصب الأسدين البرونزيين المصنوعين من النحاس الخالص، وإنما نصبا من «القزدير» لمجرم عاري الصدر مفتول العضلات يلوح بسيف طويل؛ فهذا هو شعار المدينة الجديد الذي يجدر بالمسؤولين في فاس تجسيده في نصب تذكاري يستقبل الداخلين إلى العاصمة الروحية للمملكة التي أصبحت فيها الروح «تسوى فرنك».
إن ما يقع في العديد من مدن المملكة، من انفلات أمني وشيوع للجريمة واعتداءات متكررة على المواطنين وسطو علني على البيوت والممتلكات، يتطلب مقاربة أمنية جديدة تكون الصرامة والغلظة والتشدد من بين أهم مقوماتها. فما يحدث في شوارع المدن بالمغرب، اليوم، إرهاب حقيقي لا يفلت منه حتى السياح الذين أصبحت وفودهم تتحرك تحت حراسة فرق سرية من الشرطة.
أسباب هذا الإرهاب الإجرامي هي البطالة وانتشار المخدرات والانحراف من جهة، وهي من جهة أخرى تحول المؤسسات السجنية التي يحل بها أغلب هؤلاء المنحرفين إلى معاهد عليا لتخريج عتاة المجرمين والقتلة.
وما يزيد الطين بلة هو أن المشرفين على ملفات العفو بوزارة العدل يمتعون بعض المعتقلين بالسراح فيكتشفون أنهم عادوا إلى السجن من جديد بعد ارتكابهم لجريمة جديدة يومين بعد حصولهم على العفو؛ وربما هذا ما جعل أغلب المستفيدين من العفو بمناسبة عيد الفطر الأخير يكونون من ضمن السجناء الخاضعين للاعتقال الاحتياطي الموقوفين بسبب جنح ومخالفات بسيطة كان من الممكن تعويضها بالغرامة وإعفاؤهم من «حصص التكوين الإجرامي» في السجون.
إن المتأمل لأغلب أبواب العمارات والشقق في الأحياء السكنية الشعبية سيلاحظ أن الجميع لم يعد يكتفي بالباب الأصلي لشقته، وإنما أصبح يضيف إليه بابا حديديا بأقفال تشبه أقفال السجون. فالناس أصبحت لا تعول على الشرطة في حماية أمنها وممتلكاتها، وإنما أصبحت تستثمر في الأبواب الحديدية والأقفال والشبابيك المعدنية في النوافذ لإقفال جميع الثقوب التي يمكن أن يتسلل منها اللصوص إلى بيوتها.
فقد مضى ذلك الزمن الجميل الذي كانت فيه أبواب المنازل لا تغلق سوى بالليل، وجاء هذا الزمن الأغبر الذي أصبح الواحد فيه غير آمن على سلامته وسلامة أبنائه وممتلكاته حتى من أبناء أقرب جيرانه إليه. فبسبب القرقوبي والمعجون و«الويل الكحل»، أصبح بعض أبناء اليوم يمارسون هواية دخول بيوت الناس شاهرين سيوفهم في وضح النهار. وعندما يتصل أحدهم برجال الشرطة ويخبرهم باقتحام مسلحين للبيت، يجيبونه «شدوه نتوما نيت، علاه أنا ما عندي ولاد نخاف عليهم».
وهذا ما وقع تماما للبطل الأولمبي خالد السكاح عندما شاهد أحد موظفي السفارة النرويجية المتورطين في اختطاف ابنيه يتجول في وسط الرباط، فذهب إلى أقرب مقر للشرطة لكي يطلب منهم مرافقته من أجل اعتقاله، فاكتفوا بأخذ أقواله ووعدوه بالبحث عنه. وعندما خرج السكاح قال أحدهم لزميله ساخرا:
- وعلاش ما ضربهاش بجرية وشدو هوا نيت، ياك هوا بطل فالجري..
... تابع القراءة

انشغلوا بضياع اليونسكو ونسوا ضياع القدس


كم هم أغبياء هؤلاء الذين كانوا ينتظرون أن يفوز وزير الثقافة المصري فاروق حسني بمنصب الأمين العام لمنظمة اليونسكو. فهؤلاء الطيبون يعتقدون أن هذا اللوبي الصهيوني سيسمح في يوم من الأيام بأن يجلس عربي مسلم فوق كرسي رئاسة هذه المؤسسة التي تتحكم في مآثر العالم وإرثه الإنساني والحضاري والثقافي. فالحقيقة المخجلة التي لا يريد أحد في هذا التابوت المسمى عالما عربيا وإسلاميا الاعتراف بها هي أن إسرائيل لن تسمح أبدا لأي عربي أو مسلم بشغل هذا المنصب الحساس، وإليكم الأسباب. سيقول لكم بعض محللي عطلة نهاية الأسبوع إن السبب في فشل فاروق حسني في الفوز بمنصب الأمين العام لليونسكو هو الرهاب والخوف الذي يشعر به العالم الغربي تجاه العالم الإسلامي. هذا تحليل تبسيطي إلى أبعد حد، يكشف عن جهل مريع بخلفيات الصراع السياسي حول مستقبل القدس. السبب الحقيقي أعمق وأقدم من ذلك، وهو أن إسرائيل تخوض منذ 1948 خطة جهنمية لتهويد القدس. ومنذ ذلك التاريخ وأعمال حفر الأنفاق مستمرة تحت المسجد الأقصى، إلى الحد الذي استقدمت معه إسرائيل في السنين الأخيرة شركة فرنسية اسمها «Veolia Transport Alstom» لربط القدس الشرقية بالقدس الغربية عبر خط للترامواي، وهي بالمناسبة الشركة نفسها التي استقدمها كريم غلاب، وزير التجهيز، إلى المغرب ومنحها صفقة إنجاز الترامواي الرابط بين سلا والرباط. وقد تسببت أعمال الحفر التي تقوم بها هذه الشركة بالقدس في تشققات على أرضية المسجد الأقصى وجدرانه. في عام 2000، طالبت إسرائيل بضم مدينة القدس إلى لائحة التراث العالمي بوصفها موقعا ثقافيا إسرائيليا، فاجتمع وزراء الثقافة العرب بالرياض وأصدروا بيانا بعثوا به إلى مدير عام اليونسكو ورئيس لجنة التراث العالمي يطالبون فيه برفض الطلب الإسرائيلي المنافي لقرارات الشرعية الدولية. لكن هذا الاعتراض العربي لم يفلح في بث اليأس في نفوس الإسرائيليين، فحاولوا عام 2003 شطب مدينة القدس من قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، حتى تستمر في أعمال حفرها التي ستنتهي، إذا لم يتحرك الضمير الإسلامي، بتهديم أركان المسجد الأقصى وبناء الهيكل الذي يحلم به حاخامات إسرائيل المتطرفون. إسرائيل ليس لديها وقت تضيعه مثل العرب، فقد وضعت سنة 2020 كآخر أجل لإعلان يهودية القدس والدولة الإسرائيلية. والمخطط مستمر على قدم وساق، فالأزقة والشوارع كلها تغيرت أسماؤها العربية إلى العبرية، وباب المغاربة يتعرض يوميا للتدمير لإزالة أية علاقة لفلسطين بالمغاربة وحيهم التاريخي بالقدس، وسيطروا على البلدة القديمة بقلب القدس، لأنهم يعرفون أن من يسيطر على البلدة القديمة يسيطر على القدس ومن يسيطر على القدس يسيطر على فلسطين، ومن يسيطر على فلسطين يسيطر على العالم. فهكذا سارت الأمور على هذه الأرض منذ خلق الله بيت المقدس وجعل فلسطين أرض الأنبياء، فمن يفتح القدس يفتح العالم، ومن يطرد منها يعيش الذلة والمسكنة إلى آخر أيامه. والوحيدون الذين يبدون مستوعبين هذا الدرس التاريخي هم الإسرائيليون. ولذلك فهم لا يؤمنون بخرافة اسمها السلام مع الفلسطينيين، ويفعلون كل ما بوسعهم لطردهم خارج القدس. وبعد ذلك، سيأتي الدور على عرب إسرائيل لكي يغادروا بدورهم بعد أن تنتزع منهم الجنسية الإسرائيلية ويطرد نوابهم من الكنيسيت الإسرائيلي. كل هذا سيأتي أوانه، والفرق الوحيد بين الأمس واليوم هو أن تواريخ حدوث هذه المستجدات لم تعد تقاس بعشرات السنين وإنما بالأسابيع والأشهر في أقصى الحالات. إسرائيل تعرف أن العقبة الوحيدة التي يمكن أن تقف أمامها وتعيق تطبيق مشروع تهويدها للقدس وتدميرها لباب وحي المغاربة وكل شيء يحيل على الأثر الإسلامي في المنطقة، هي منظمة اليونسكو. فهي الجهة المستأمنة على التراث الإنساني العالمي. وإذا تولى قيادتها عربي مسلم فإن مهمة إسرائيل ستصبح أكثر تعقيدا. ولهذا السبب نفهم الشراسة التي هاجم بها «الفيلسوف» اليهودي الفرنسي «بيرنار هنري ليفي»، الذي تعود على إمضاء عطله في بيته بطنجة، قبل أمس على ميكروفون «أوروب 1»، المرشح المصري فاروق حسني. وإذا كان اللوبي الصهيوني يتهم وزير الثقافة المصري بمعاداة السامية، بسبب ما قاله للصحافة من أنه مستعد لإحراق أي كتاب إسرائيلي إذا ثبت وجوده في معرض الكتاب الذي تشارك فيه مصر، فإن «بيرنار هنري ليفي» اكتشف لفاروق حسني تهمة جديدة هي معاداة إسرائيل. مع أن هذا الأخير كان أول المشاركين في الاحتفال الذي جرى في اليونسكو لإحياء ذكرى ما أسمته المنظمة «مذبحة الشعب اليهودي»، فضلا عن كون فاروق حسني ليس عضوا في حكومة حماس أو إيران التي تهدد إسرائيل يوميا بإزالتها من الخريطة، وإنما وزيرا في حكومة حسني مبارك التي تعترف بإسرائيل وتطبع معها وتربطها معها معاهدة «كامب ديفد» ولديها سفارة في القاهرة ومعاملات تجارية قوية معها. لكن، في نظر إسرائيل، كل الضربات مباحة للاستحواذ على كرسي منظمة اليونسكو، بما فيها الضربات تحت الحزام التي لا تتورع عن توجيهها حتى إلى الذين يلعقون حذاءها. البعض استغرب موقف فرنسا التي صوتت لصالح المرشحة البلغارية وهمشت المرشح المصري، رغم كل الغزل الذي ينظمه ساكن «الإليزيه» حول متانة العلاقات الفرنسية المصرية بخاصة والعربية بشكل عام. فيبدو أن الهوى الإسرائيلي للرئيس ساركوزي، بالإضافة إلى أصوله الهنغارية اليهودية، تغلبا على مشاعر الود والمحبة التي يكنها للمصريين والعرب. وهاهي الإشاعات اليوم تتسارع بخصوص الأصول اليهودية للمرشحة البلغارية «إيرينا بوكوفا» التي فازت بمنصب الأمين العام للمنظمة. أما الدولتان الإفريقيتان اللتان غيرتا موقفيهما، في آخر لحظة، وصوتتا لصالح المرشحة الهنغارية، فلكي نفهم هذا التغير المفاجئ في موقفيهما يجب أن نرجع عشرين يوما إلى الوراء، أي إلى الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي «ليبرمان» للقارة الإفريقية. فالرجل لم يأت إلى إفريقيا للاستجمام وتغيير لون جلدته، بل للضغط على القادة الأفارقة لحجب أصواتهم عن المرشح المصري، إضافة إلى توقيع اتفاقيات تجارية لفك العزلة عن إسرائيل داخل القارة السمراء التي يغزوها المارد الصيني الأصفر من جميع الجهات. لكل هذه الأسباب يجب أن نعترف لإسرائيل بهذا الفوز المستحق بكرسي اليونسكو؛ فقد استطاع اللوبي الصهيوني المتحكم في دواليب الإعلام الغربي أن يقنع أغلبية الدول بأن المرشح المصري رجل معاد للسامية لأنه هدد بإحراق كتب يهودية.. مجرد تهديد بإحراق كتب. أما إسرائيل التي أحرقت بالفعل الآلاف من أطفال غزة الصيف الماضي، فلا حرج عليها؛ فالتهديد بإحراق كتب يهودية، في نظر «بيرنار هنري ليفي» فيلسوف زمانه، أخطر من الإحراق الفعلي للأطفال بالقنابل الفسفورية. وكم هو مضحك جواب وزير الثقافة المصري تعقيبا على خسارته لكرسي اليونسكو عندما قال إن المنظمة تعرضت للتسييس. أخيرا، اكتشف سعادة الوزير أن منظمة اليونسكو تشتغل بالسياسة عوض التراث والثقافة الإنسانية. وهذا الاكتشاف، في حد ذاته، خطوة محمودة في اتجاه صحوة عربية إسلامية من الغفلة. اليونسكو كانت دائما تشتغل بالسياسة، وستشتغل بها اليوم أكثر بعد وصول المرشحة المطلوبة من طرف إسرائيل وأمريكا إلى كرسي رئاستها. فالطريق اليوم أصبحت سالكة أمام مسلسل تهويد القدس وتدمير التراث الإسلامي بها تمهيدا لتطبيق المخططات الصهيونية التي يحلم بها الحاخامات اليهود المتطرفون منذ مئات السنين. ولعل أول قرار ستسعى إسرائيل إلى انتزاعه من اليونسكو هو القرار الذي فشلت في انتزاعه سابقا والقاضي بشطب اسم القدس من قائمة التراث الإنساني المعرض للخطر، حتى تتمكن من إكمال عمليات حفرها بدون وجع دماغ. تليها بعد ذلك المطالبة بإعلان القدس موقعا ثقافيا إسرائيليا، «وبالفور يا الشيفور». أما وزير الثقافة المصري فما عليه سوى أن يعود إلى مقر وزارته الذي يسكن به منذ عشرين سنة، ويقفل عليه الباب ويسأل نفسه سؤالا بسيطا «لماذا تنجح إسرائيل في الوصول إلى كل ما تريده في الوقت الذي يفشل فيه العرب؟». ببساطة، لأنه ليس هناك وزير إسرائيلي بقي في الحكومة عشرين سنة كاملة. ولو كان وزير الثقافة فاروق حسني ورئيسه حسني مبارك في إسرائيل لكان نصف أعضاء حكومتهما وراء القضبان.
... تابع القراءة

خيرنا يديه غيرنا


انشغل الجميع بصحة الملك والبلاغ الذي عممته وزارة القصور والتشريفات والأوسمة حول الموضوع، ونسوا أن هناك أشخاصا آخرين يحيطون بالملك لم يجرؤ أحد منهم على تقديم كشف بحالته الصحية للمغاربة الذين يأخذون رواتبهم الشهرية السمينة من ضرائبهم. الذين تابعوا البث الحي لليلة القدر، التي أحياها الملك في مسجد لالة خديجة بوجدة، لاحظوا كيف أن الوزير الأول عباس الفاسي وجد صعوبة كبيرة في الجلوس أثناء الصلاة، إلى الحد الذي كان معه مضطرا إلى مد إحدى رجليه في حضرة الملك. وطبعا، فالشرع يعطي لعباس رخصة مد رجليه معا إذا كان غير قادر على الصلاة بشكل عادي، مثلما أعطى لوزير الدولة بدون حقيبة محمد اليازغي رخصة الصلاة جلوسا في تلك الليلة المباركة. فمنذ أن جلس اليازغي في الركعة الأولى بقي «قابطا» الأرض إلى نهاية الصلاة. وعندما يبادر الملك إلى إطلاع الرأي العام على حالته الصحية ويسمي المرض الذي ألمّ به وفترة النقاهة التي يحتاجها، فإن وزراءه يصبحون مجبرين ليس فقط على إطلاع الشعب على الأعراض المرضية التي تصيبهم مثل جميع الناس، وإنما مجبرين أيضا على إعطاء كشف طبي مدقق عن حالاتهم الصحية. وقبل يومين «كشكش» عباس الفاسي في المجلس الحكومي بسبب ما نشرته الصحافة حول «صفقة» الدعاية حول «أنفلونزا الخنازير» التي تورطت وزيرة الصحة في فضيحة تفويتها إلى شركة بعينها بدون اللجوء إلى الإعلان عن طلبات عروض، مما اضطر وزير العدل عبد الواحد الراضي إلى ترطيب خاطره وتقديم اعتذار رسمي إليه نيابة عن الاتحاد الاشتراكي بسبب ما سبق للجريدة نشره حول اختفاء معدات طبية من المستشفى الإقليمي لابن امسيك مباشرة بعد تدشينه من طرف الملك. فالراضي بحكم معرفته القديمة بزميله في الحكومة يعرف أنه «يشعل» بسرعة بسبب أعراض مرض السكري. وهي الأعراض نفسها التي اضطرت وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري إلى استغلال مروره عبر الأجواء الباريسية خلال رحلته نحو نيويورك، قبل ثلاثة أيام، للتوقف في أحد مستشفياتها من أجل إجراء كشف طبي والاطمئنان على حالته الصحية، خصوصا بعد «الضربات» الإعلامية التي تلقاها مؤخرا بسبب سلوكيات ابنه إبراهيم الفاسي الفهري، رئيس مؤسسة «أماديوس». فوزير الخارجية، مثله مثل وزراء وجنرالات وبرلمانيين ومسؤولين كثيرين، لا يثق في مستشفيات ياسمينة بادو، زوجة أخيه علي الفاسي الفهري مدير الماء والكهرباء وجامعة كرة القدم، ويفضل بالمقابل مستشفيات باريس ومختبراتها التي تضمن السرية التامة لنتائج مرضاها. تحضرني هنا قصة طريفة وقعت لأحد نجوم الغناء المغربي الكبار والذي أصيب ذات وقت بأزمة بواسير حادة أخبره معها الأطباء المغاربة بضرورة الخضوع لعملية جراحية مستعجلة لإزالتها. ولأن صاحبنا الفنان المعتد بنفسه كان يرفض رفضا مطلقا أن يطلع طبيب مغربي على عورته، فقد قرر إجراء العملية في أحد مستشفيات باريس. وعندما استفاق صاحبنا من البنج، وجد عند رأسه طبيبا ينظر إليه بابتسامة واسعة، وقال له «على سلامة الفنان الكبير ديالنا». فكاد صاحبنا يغمى عليه من هول الصدمة، فقد اكتشف أن الطبيب الجراح الذي أزال له البواسير لم يكن سوى طبيب مغربي هاجر إلى فرنسا للعمل في مستشفياتها بعدما قهره العمل مع وزارة الصحة المغربية. فتمتم الفنان الكبير وهو يبادل الطبيب ابتسامة صفراء «الله يسلمك، داك الشي اللي خفنا منو طحنا فيه». وإذا كانت لدى وزرائنا ومسؤولينا عقدة من إطلاع الرأي العام على حالاتهم الصحية كما يحدث في كل البلدان التي تحترم مواطنيها، فإننا نطالبهم فقط بأن يتحملوا مسؤولياتهم ويقوموا بإطلاعنا على الحالة الصحية للمغرب، وهذا أضعف الإيمان. وفي الوقت الذي رحب فيه المنصوري، رئيس البرلمان، بالنواب المغاربيين ودعاهم إلى الاستفادة من أثمان مأكولات ومشروبات مطعم البرلمان المخفضة، مع ما أثارته هذه الدعوة المستفزة من استنكار بين صفوف البرلمانيين الضيوف، فقد كان زعيم المحافظين في البرلمان البريطاني، «دافيد كاميرون»، «يبشر» النواب البرلمانيين بقرب الرفع من أثمان الجعة والمأكولات التي يلتهمونها داخل مطعم البرلمان البريطاني رافعا شعار «دافعو الضرائب يمولون مشروبات وأكل البرلمانيين»؛ وهو الشعار الذي ينوي به النائب إزاحة رئيس الوزراء «كوردن براون» من منصبه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وليس هذا فحسب، فالنائب «كاميرون» يعد منتخبيه في حالة دخوله إلى «10 داونين ستريت» بتطبيق مخطط اسمه «تكلفة السياسة»، والذي سيتقلص بموجبه عدد البرلمانيين إلى 585 نائبا عوض 650 كما هو عليه الأمر الآن؛ كما يعد النائب «كاميرون» بتقليص رواتب الوزراء بنسبة 5 في المائة، وتقليص عدد سيارات الخدمة التابعة للدولة إلى الربع، وحذف منحة 10 آلاف ليفر إسترليني التي يستفيد منها كل نائب برلماني كتعويضات عن التواصل، بمعنى أن الدولة ستربح من وراء كل هذه الإصلاحات حوالي 120 ليفر إسترليني كل سنة. وإذا كان هذا النائب البريطاني يتحدث عن تخفيض أجور الوزراء في المستقبل، فإن رئيس حكومة إحدى دول أمريكا اللاتينية قلص عدد وزرائه الشهر الماضي بحذف ثلاث حقائب وزارية دفعة واحدة وإدماجها في وزارات أخرى بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية. ماذا يعني كل هذا؟ يعني ببساطة أن الحكومات والدول التي تخطب على شعوبها بضرورة تقليص النفقات بسبب الأزمة، عليها أن تكون أول من يعطي المثال في هذا الصدد. وفي بلد فقير مثل المغرب، تضطر فيه الدولة إلى اللجوء اليوم إلى التمويلات الدولية لسد الخصاص المهول الذي وصل إليه احتياطي العملة الصعبة، والذي بلغ 5.4 في المائة سنة 2008، فإن حكومته وبرلمانه يتصرفان كما لو أن المغرب يعيش عصر الرفاهية الاقتصادية. فنحن «خمسة وخميس» لدينا 35 وزيرا في الحكومة، أكثرهم لم ير لهم أحد نشاطا أو حركة منذ تعيينهم؛ منهم واحد اسمه عبو يتحمل حقيبة تحديث القطاعات العمومية، اكتشف بالإضافة إلى عمله الوزاري هواية أخرى هي الاعتصام أمام ولاية الحسيمة احتجاجا على الوالي. «ملي الوزارا حتى هوما بداو يعتاصمو آش بقا للدكاترة المعطلين ما يديرو». والنقاش الذي يملأ اليوم برامج التلفزيونات وصفحات الجرائد في كل الدول هو: كيف تخفف الدولة من مصاريفها؟ وفي إسبانيا، تخلت وزارة العدل قبل يومين عن منح موظفيها المكلفين بإيصال الاستدعاءات إلى بيوت المتقاضين مصروف سيارة الأجرة، وعوضتهم عن ذلك بمنحهم خريطة المدن حتى يتمكنوا من أخذ حافلات النقل العمومي الأرخص ثمنا مقارنة بالطاكسي. أما عندنا، فلازالت هناك وزارات وإدارات عمومية تمنح موظفيها سيارات الخدمة، رغم أنهم استفادوا منذ حكومة اليوسفي من تعويض عن التنقل يأخذونه ضمن تعويضاتهم الشهرية. «زيد الشحمة فظهر المعلوف». كل هذا التبذير والبذخ الذي تتمرغ فيه الوزارات والإدارات العمومية يجب أن يتوقف؛ فالوضعية المالية التي يجتازها المغرب لم تعد تسمح بكل هذه الفوضى. ولو كانت خزينة المملكة مهددة فقط من طرف هؤلاء المبذرين لهان الأمر، المصيبة أنها مهددة أيضا بالبنوك الأجنبية التي ترسل قراصنتها لاستمالة أصحاب الملايير ومقايضتهم أموالهم بأوراق الإقامة. ولعل ما يقوم به بنك «سكوتيا ماكليود» الكندي بموافقة الحكومة الكندية من اقتناص للمسؤولين والأثرياء المغاربة كاف في هذا الباب للتأكد من أن المغرب أصبح فريسة سهلة لقناصة رؤوس الأموال العالميين. فبعد أن كان المبلغ الذي تشترط البنوك الكندية وضعه في حساباتها هو سبعون مليون سنتيم للحصول على الجنسية الكندية، أصبح المبلغ المطلوب اليوم هو 500 مليون؛ وهو المبلغ الذي يغادر المغرب بعد تحويله إلى العملة الصعبة طبعا. ويمكنكم أن تتخيلوا كم 500 مليون غادرت المغرب من أجل عيون جواز السفر الكندي، خصوصا إذا عرفنا أن المغاربة يوجدون على رأس المواطنين الذين يضيفون جنسيات أخرى إلى جنسياتهم. وبالإضافة إلى سماسرة البنوك الكندية، هناك سماسرة البنوك السويسرية الذين يطوفون بفنادق المغرب الفخمة بحثا عن أثرياء يرغبون في فتح حسابات مصرفية في سويسرا بعيدا عن الأعين. وهؤلاء السماسرة يضمنون لزبائنهم إمكانية تهريب أموالهم بالعملة الصعبة بدون المرور عبر مكتب الصرف. وهكذا، ففي الوقت الذي يشن فيه الرئيس الفرنسي اليوم حملة قوية ضد «الفراديس الضريبية» التي يهرب إليها الأثرياء أموالهم هربا من الضرائب، نرى كيف يتزاحم سماسرة هؤلاء البنوك على المغرب لكي يستدرجوا أثرياءه نحو فراديسهم التي أصبح يخاف أثرياء أوربا دخولها بسبب العقوبات القاسية التي تترصدهم. ولعل الحقيقة المفجعة التي يكشف عنها هذا التسابق المحموم للبنوك العالمية على تجريد المغرب من احتياطي عملته، هي أن المغرب «فيه الفلوس». وهذه مفارقة غريبة، إذ كيف يمكن أن نفهم بلدا يلجأ إلى البنوك الخارجية لكي يستدين العملة الصعبة من أجل إكمال مشاريعه، في الوقت الذي تغادر فيه ترابه يوميا كل أنواع العملات لكي تستقر في خزائن البنوك الكندية والسويسرية. «هادي هيا الطلاب يطلب ومرتو تصدق».
... تابع القراءة

تعالاو تحكمو


تأملوا جيدا هذين الخبرين القادمين من العاصمتين الفرنسية والإسبانية، واللذين تزامن صدورهما مع الضجة الإعلامية التي تقودها صحف في إسبانيا وفرنسا بسبب متابعة بضعة شباب في قضية الإفطار العلني في رمضان. لنبدأ بالخبر الباريسي الذي يقول: «دعت نقابة طلابية فرنسية إلى اعتبار الثلاثاء المقبل «يوما للثوب القصير» احتجاجا على الطرد المؤقت لطالبة متهمة بالتحريض على ارتداء «الميني جيب» وتضامنا معها. وأبدى أعضاء «الاتحاد المستقل لطلبة الثانويات»، في بيان أصدروه، استغرابهم التصرف المتشدد لإدارة المدرسة إزاء أشكال اللباس الذي ترتديه الطالبات». قصة هذا الخبر بدأت بالطريقة نفسها التي بدأت بها حركة «مالي»، حيث دعت طالبة، عاقبتها إدارة مدرستها بالطرد ثلاثة أيام بسبب لباسها القصير، رفيقاتها عبر «الفايسبوك» إلى مخالفة وتحدي تعليمات الإدارة وحضور الدروس بثياب قصيرة، علما بأن الأخيرة تمنع الطالبات من ارتداء الثياب القصيرة والسراويل القصيرة وكذلك سراويل «الجينز» المثقوبة.. هذا في فرنسا العلمانية، «أجي تشوف البنات فثانويات المغرب البلد المسلم آش لابسات». وبالفعل، لبت الطالبات نداء صديقتهن المطرودة وجاءت حوالي 200 طالبة في اليوم الموالي للاحتجاج بارتداء «الشورط» في ساحة المدرسة. والنتيجة كانت هي طرد الطالبة المحرضة لمدة ثلاث أيام إضافية وحظر التظاهر داخل ساحة المؤسسة وطرد الطالبات اللواتي قمن بالاحتجاج إلى بيوتهن. الخبر الثاني والقادم من العاصمة الإسبانية مدريد يقول إن الشرطة منعت خلال حفل شبابي بإحدى حدائق مدريد ظاهرة اسمها «البوتيون»، حيث تعود الشباب الاجتماع خلال الحفلات لتعاطي الخمور والرقص. ومع ذلك، لم تكتب جريدة «إلموندو» مقالا كالذي كتبته حول منع مفطري رمضان من أكل «الفقاص» بشكل علني، عندما عنونت مقالها بـ«100 شرطي ضد 10 سندويتشات»، رغم أن 100 شرطي إسباني حضروا في حديقة مدريد لمنع فتح عشر قنانٍ من الخمور. الجميع في فرنسا اعتبر قرار مديرة الثانوية، التي عاقبت الطالبات المخالفات للقوانين الداخلية للمؤسسة، قرارا سياديا يدخل في إطار تطبيق القانون واحترامه. كما أن الجميع في إسبانيا سجل بارتياح تدخل الشرطة لمنع حفل «البوتيون» في حديقة مدريد، لأن هذا التدخل الأمني فيه تطبيق للقانون الذي طالما تساهلت معه الشرطة الإسبانية. عندنا في المغرب، عندما طبقت الشرطة القانون وفرقت الشبان الستة الذين تحدوا القانون والمجتمع والدين وتحركت مسطرة قضائية في حقهم، ثارت ثائرة هاتين الصحافتين الفرنسية والإسبانية وشرعتا في إعطائنا دروسهما العتيقة في الديمقراطية والحرية الفردية وما إلى ذلك من الأسطوانات المشروخة التي «يهردنا» بها الغرب كلما أراد لعب دور الأستاذ مع تلميذه الكسول. ما أثار سخريتي حقا هو حديث البعض عن محاكم التفتيش الجديدة في المغرب بمناسبة استنطاق هؤلاء الشباب المفطرين من طرف الأمن. ومن يقول هذا الكلام، بعض الصحافيين الإسبان الذين يعرفون أكثر من غيرهم أن محاكم التفتيش اختراع إسباني صرف. فعندما كان الإسلام يعم أركان الأندلس، عاش في كنفه المسيحيون واليهود لثمانية قرون. وهم يعرفون أكثر من غيرهم أنه إذا كانت هناك من ديانة متسامحة مع الديانات الأخرى فهي الإسلام، والدليل على ذلك أن الكنسية المسيحية عندما استعادت السيطرة على الأندلس كان أول شيء قامت به هو طرد المسلمين واليهود معا وإجبار كل من يريد البقاء فيها على التحول إلى المسيحية. سنوات بعد ذلك سيتم طرد الجميع، بمن فيهم الذين قبلوا تغيير دينهم الإسلامي واليهودي بالمسيحية. ومن يحبون التاريخ، ما عليهم سوى البحث عن رواية أمين معلوف «ليون الإفريقي» وسيجدون فيها فصولا كاملة تتحدث عن هذه التهمة التي نسيها الإسبان ويريد بعضهم اليوم إلصاقها بالإسلام. خلال تصفحي للصحافة المغربية الصادرة خلال نهاية الأسبوع الماضي، وقعت على مجلة نشرت مقالا حول حركة «مالي» واستندت إلى أرقام دراسة حول «الإسلام اليومي للمغاربة» صادرة عن مركز «فريديريك إيبير» سنة 2006، تقول إن 66 في المائة من المغاربة معادون للسامية. يتهمون المغاربة بمعاداة اليهود مع أن المغرب هو البلد الوحيد الذي رفض ملكه محمد الخامس تسليم اليهود المغاربة إلى الماريشال الفرنسي «بيتان» الذي كان يجمع اليهود من كل المدن الفرنسية ويرسلهم عبر قطارات البهائم إلى المحارق الألمانية في «داشو» و«أوشفيتز» و«تريبلينكا». ورغم أن المغرب كان تحت حكم الاستعمار الفرنسي، فقد قال محمد الخامس للماريشال «بيتان» إن المغرب ليس فيه مواطنون مسلمون ومواطنون يهود وإنما فيه مواطنون مغاربة فقط. يبدو أن فرنسا التي توزع صحافتها تهم معاداة السامية اليوم على كل من هم، في الواقع، معادون للصهيونية، نسيت تاريخها الأسود مع اليهود عندما سلمتهم إلى محارق النازية وغرف غازها، مع أنها الدولة التي قامت، قبل ثلاثة قرون من اقتراف هذه الفضيحة، بالثورة الفرنسية وأخرجت للعالم شعار الأخوة والعدالة والحرية. وحتى الكنسية المسيحية التي تتباكى اليوم على مأساة اليهود وتتهم الإسلام بالعنف، كما قال ذلك البابا «بندكتوس» بعظمة لسانه، تناست مساعدتها للمتورطين في جرائم النازية على الإفلات من محاكمة «نورمبورغ» عندما سهلت لهم الحصول على جوازات سفر دبلوماسية ووثائق عمل ضمن منظمة الصليب الأحمر. والبقية المتبقية من هؤلاء النازيين شغلتهم الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة الشيوعيين في أوربا الشرقية مع أنها تعرف أكثر من غيرها أن مكانهم الحقيقي هو السجن. هذا الغرب الذي يتهم المسلمين بالعنصرية ومعاداة السامية ويغمض عينيه عن عنصرية إسرائيل الحقيقية التي بنت دولتها على العرق اليهودي دون غيره من الأعراق؛ هذا الغرب الذي يغمض عينيه منذ ستين سنة عن ذبح الفلسطينيين، كما أغمض عينيه عن قتل مليون عراقي بسبب التجويع الذي مارسه العالم المتحضر على العراق بتهمة إخفاء أسلحة نووية تأكد العالم بأسره زيفها؛ هذا الغرب الذي يقتل يوميا عشرات المواطنين البسطاء العزل في قرى أفغانستان، ومع ذلك يملك الوجه لكي يعطي دول العالم الثالث الدروس والعظات حول احترام حقوق الإنسان والأقليات. إن الإسلام الذي يعلنون عليه اليوم الحرب تحت مسميات مختلفة، تارة الإرهاب وتارة أخرى التطرف وتارة تحت شعار حماية الأقليات المضطهدة، هو أول من ينص على احترام حقوق الإنسان والأقليات، وأول من طالب باحترام أصحاب الديانات الأخرى من أهل الكتاب. والمغرب، الذي يريد البعض اليوم تقديمه كبلد يستوطنه التعصب والتطرف والكراهية، ينسون أنه واحد من البلدان الإسلامية القليلة التي يمكن أن تصادف فيها داخل حي واحد مسجدا وكنيسة مسيحية وكنيسا يهوديا، وإذا بحثت جيدا يمكن أن تعثر على «بار» في مكان قريب من هذه الأماكن الثلاثة. «لكل وجهة هو موليها» صدق الله العظيم. إن هذا الغرب المنافق، القادر على تحويل الاستبداد إلى ديمقراطية والذي يحمي بجيوشه ومخابراته أغلب الدكتاتوريات العربية نكاية في شعوبها المقهورة، يعرف كيف «يلحن» جرائمه ويحولها بجرة قلم إلى فتوحات من أجل نشر الديمقراطية والعدالة والحرية. وقد رأى العالم بأسره نتائج هذه الحرية المزعومة في العراق وأفغانستان وفلسطين وغيرها من الدول التي وطئتها أقدام الحلفاء وأذنابهم الصهاينة. لذلك يجب أن نتخلص من عقدة الخوف تجاه هذا الغرب وصحافته المتعالمة التي احترفت «تجبيد» آذان حكامنا ومسؤولينا. إنهم ليسوا في مستوى إعطاء الدروس للآخرين؛ فبلدانهم هي الأخرى تغرق في الفضائح العسكرية والفساد المالي والأخلاقي حتى الأذنين. في بلدانهم يطالبون باحترام القوانين وتطبيقها، وفي بلداننا عندما نطبق القوانين ينزعجون. «على هاذ الحسب أسيدي تعالاو حكمو نتوما والسلام».
... تابع القراءة

ضريب الطر


بعدما تعالت الأصوات المنتقدة للصور التي نشرتها الصحافة حول تطويف عناصر من شرطة فاس لأربعة متهمين بأعمال إجرامية، بادرت إدارة الأمن الوطني إلى نفي خبر التطويف، وبررت اقتياد المتهمين الأربعة في الشارع برغبتها في مساعدة الذين وضعوا شكايات ضدهم للتعرف على ملامحهم. واضح أن الإدارة العامة للأمن الوطني وجدت نفسها في موقف حرج بمجرد صدور صور رجال الأمن وهم يقتادون هؤلاء المتهمين الأربعة حفاة وشبه عراة عبر شوارع المدينة. ومن خلال ملامح بعض أفراد رجال الأمن المنشرحة يظهر جليا أن خلفية التشفي كانت واردة، مع أن المفروض في رجال الأمن بمجرد ما يعتقلون مبحوثا عنه هو أن يصفدوه ويقتادوه داخل سيارة الأمن نحو المفوضية، لا أن يجردوه من ملابسه وحذائه ويتجولوا به في الشوارع بحثا عن ضحاياه من أجل التعرف عليه كما جاء في بلاغ إدارة الأمن. فلكي يتعرف الضحايا على المعتدين عليهم، يتم استدعاؤهم إلى مفوضية الأمن حيث يستعرضون أمامهم صور الموقوفين لكي يساعدوهم على التعرف على ملامحهم، أو يستعرضونهم أمامهم مباشرة داخل أسوار مخفر الأمن، لا في الشارع أمام أنظار المواطنين وتحت عدسات المصورين. هناك تناقض غريب في بلاغ الإدارة العامة للأمن الوطني، فهي من جهة تقر بأن الموقوفين تمت محاصرتهم في حالة تلبس بارتكاب جرائم السطو على المواطنين، ومع ذلك فالأمن محتاج إلى أن يثبت الأفعال المنسوبة إليهم بتعرف الضحايا عليهم، ولذلك اقتيدوا عراة وحفاة كل تلك المسافة في الشارع العام. أليست كافية بهذا الصدد حالةُ التلبس التي ضبطوا فيها؟ لماذا سيحتاج رجال الأمن إلى التأكد من مسؤولية الموقوفين عما حدث رغم أنهم وجدوا بحوزتهم السيوف والخناجر التي نفذوا بها اعتداءاتهم؟ ثم هل نفى هؤلاء الموقوفون التهم الموجهة إليهم حتى تتم مواجهتهم بضحاياهم؟ في أمريكا وبعض الدول الأوربية يتم فعلا تشويه المجرمين، لكن بعد صدور الأحكام النهائية ضدهم. وأكبر ضحايا التشويه هم المتورطون في جرائم اغتصاب الأطفال. وفي أمريكا، هناك صحف ومواقع إلكترونية ومحطات تلفزيونية متخصصة في نشر صور هؤلاء المجرمين حتى يحفظ ساكنو المنطقة التي يشملها البث ملامحهم ويحموا أطفالهم من شرهم. عندنا في المغرب يحدث العكس، فالمتورطون في جرائم اغتصاب وتعذيب الأطفال هم الأكثر استفادة من الأحكام المخففة.. هذا إذا حوكموا أصلا. وهذا ما يشجع هؤلاء المنحرفين على الاستمرار في جرائمهم. وأمامنا مثال قاضي وجدة وزوجته اللذين كيّفت النيابة العامة التهمة الموجهة إليهما من جناية إلى مجرد جنحة. وحجة النيابة العامة في ذلك أن التعذيب الوحشي الذي تعرضت له الطفلة زينب لن يتسبب لها في عاهة مستديمة، مع أن الجهاز التناسلي للطفلة محروق بالكامل بالزيت المغلى. وهكذا، فاستعباد طفلة في الحادية عشرة من عمرها وجلدها بسلك كهربائي وصب الزيت المغلى فوق أعضائها الحساسة وكي فمها بالقضبان الحامية ليس -في نظر النيابة العامة الموقرة- سوى جنحة، ونسيت النيابة العامة أن العاهة المستديمة الحقيقية التي لن تشفى منها الطفلة زينب هي العاهة النفسية التي تسبب لها فيها هذا القاضي وزوجته. لذلك فقد كان من اللازم متابعتهما بجناية إلحاق عاهة مستديمة وبنفسية مستقبل طفلة بريئة. أمثال هؤلاء المسؤولين الذين يتمتعون بالامتياز القضائي والحصانة البرلمانية هم الذين يجب تعميم صورهم بعد الحكم عليهم من طرف القضاء عبر الجرائد والمواقع ووسائل الإعلام المرئية حتى يراهم الجميع ويكونوا عبرة لغيرهم. وليسوا وحدهم فقط من يجب تعميم صورهم وفضائحهم على العموم، وإنما كل اللصوص الكبار الذين سرقوا صناديق الدولة ولازالوا أحرارا مع ذلك. وإذا كان من «شوهة» حقيقية يجب أن يقوم بها القضاء والأمن في المغرب فهي تشويه هؤلاء اللصوص الكبار بنشر صورهم والأحكام التي ستصدر في حقهم حتى يخاف كل مسؤول على اسمه وسمعته فلا يضع يده في جيوب الناس وصناديق الدولة. والشيء نفسه بالنسبة إلى المتورطين في قضايا الرشوة، فالحل الأمثل لإخافة الموظفين ورجال الأمن من تلقي الرشاوى هو نشر صورة كل من يتم ضبطه في حالة تلبس بالارتشاء؛ وعليه أن يعتبر نفسه سعيدا وهو يرى صورته منشورة في الجرائد، لأنهم في الصين يطلقون رصاصة نحو رأس المرتشي، وفوق ذلك فعائلته هي التي تؤدي ثمن الرصاصة؛ فالمرتشي في الصين يعتبر في مرتبة مرتكب جريمة الخيانة العظمى، لأنه يحطم الاقتصاد الذي تعيش منه مئات الملايين من المواطنين، ولذلك فإن هذا الميكروب لا يستحق أن يعيش. وحتى في الديمقراطيات الأوربية هناك طرق كثيرة لتشويه المجرمين والمخالفين للقانون والمتهربين من دفع ديونهم. وفي إسبانيا، مثلا، لازالت كثير من الشركات والبنوك تلجأ إلى خدمات شركة تأسست أيام فرانكو اسمها «موروسو» تخصصت في إرسال موظفيها بلباسهم الأسود وطربوشهم الطويل ليتعقبوا الأشخاص الذين لا يريدون تأدية ديونهم، بمعنى أن البنك أو الشركة التي لديها ديون تلجأ إلى تشويه سمعة الأشخاص الذين يتلكؤون في تسديد ديونهم بتسليط هؤلاء الأشخاص بلباسهم المميز الذي يعرفه الجميع عليهم منذ خروجهم من البيت في الصباح وإلى حين عودتهم إليه في المساء؛ وهم لا يتحدثون مع «ضحاياهم» ولا يحتكون بهم، بل فقط يرافقونهم طيلة النهار مثل ظلالهم، وهكذا يشوهون سمعتهم، بحيث يعرف الجميع في مدينتهم أن الشخص المطارد لا يسدد ديونه، وبالتالي يفسدون عليه جميع معاملاته التجارية، فلا أحد سيرغب في التعامل مع شخص «مديون». لماذا تلجأ شرطة وقضاء بعض الدول إلى استعراض صور المجرمين وعتاة القتلة في وسائل الإعلام، إذن؟ ألا تنص المواثيق الدولية التي اخترعتها هذه الديمقراطيات نفسها على احترام حقوق الإنسان حتى ولو تعلق الأمر بالقتلة والمجرمين الأكثر دموية؟ أحيانا، لا يكفي القانون لردع بعض السلوكيات البشرية الحيوانية، خصوصا في الجرائم التي يكون ضحاياها من القاصرين، لذلك تلجأ المجتمعات إلى الدفاع عن أطفالها وحلقاتها الأكثر ضعفا باستعمال سلاح التخويف والتشهير. وقديما كان السلاطين والحكام يعلقون رؤوس معارضيهم والثائرين ضدهم على أسوار المدينة لإخافة الأعداء؛ وباب محروق في فاس شاهد على ذلك، مثلما هي شاهدة عليه أسوار مكناس ومراكش ووجدة. وعندما كنت في أمريكا، أدمنت على مشاهدة برنامج تلفزيوني مباشر ينصب معدوه على مغتصبي الأطفال ويستدرجونهم عبر مواقع الدردشة إلى بيت الضحية، وعندما يصلون يجدون الطفل أمام الباب، فيستقبلهم ويدخلون لكي يصادفوا معد البرنامج الذي يستقبلهم بدوره عبر الهواء مباشرة. فينهار أغلب من يقع في الفخ ويشرع في البكاء والعويل، لكن دموعه لا تشفع له للإفلات من المحاسبة، فيخرج رجال الشرطة من الغرفة المجاورة ويلقون عليه القبض ويقتادونه مباشرة إلى المحاكمة. وطيلة حلقات البرنامج، شاهدت كيف سقط في الفخ جنود في المارينز وموظفون كبار وأساتذة في الجامعات.. كلهم كانت فضيحتهم بجلاجل، كما يقول المصريون. مثل هذه البرامج تجعل هؤلاء المجرمين يفكرون ألف مرة قبل محاولة استدراج طفل لاغتصابه، فهم يرون كيف ينهار مستقبل وسمعة أشخاص كان الجميع يعتبرهم محترمين، وفجأة يفقدون مناصب عملهم وعائلاتهم وكل شيء. أما استعراض أربعة متهمين تعساء بعد تعريتهم وانتزاع أحذيتهم في فاس قبل إدانتهم من طرف القضاء، فلن يفيد سوى في تأجيج حقدهم على المجتمع ومضاعفة رغبتهم في الانتقام من كل من شاهدهم على تلك الحالة الحاطة بالكرامة. فهؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه والسجن بالنسبة إليهم ليس سوى محطة للاستراحة يغادرها أغلبهم بعفو يجدون دائما الطريقة المناسبة للاستفادة منه. لقد جرب معنا بعض أساتذتنا، سامحهم الله، خلال سنوات السبعينيات هذه الطريقة العقابية القاسية عندما كانوا يعلقون على ظهور التلاميذ الكسالى ورقة مكتوب عليها «أنا حمار» ويأمرونهم بالطواف على أقسام المدرسة لكي يقرأ جميع التلاميذ اللافتة التي على ظهورهم. طبعا، كان هدف الأساتذة هو دفع التلاميذ إلى المثابرة والجد حتى لا يضطروا إلى حمل تلك اللافتة المهينة ويصبحوا «ضحكة» لأقرانهم. لكن آثار تلك اللافتة على نفسيات الأطفال الذين أجبروا على حملها لن تمحى أبدا، بل ستظل عالقة بأذهانهم إلى الأبد، وربما تتحول إلى عقدة تدفع الطفل في كبره إلى الرغبة في الانتقام من المجتمع بأسره.
... تابع القراءة

مالي كي جيتكم؟


سأل المعلم تلامذته في اليوم الأول للدخول المدرسي ذلك السؤال التقليدي الذي يقول «آش بغيتي تكون ملي تكبر؟». فجاءته الأجوبة مختلفة باختلاف الأسماء العائلية لأصحابها. وعندما سأل التلميذ «سميرس» عن المهنة التي يريد امتهانها عندما يكبر أجابه «باغي نكون طبيب بحال بابا»؛ وعندما سأل التلميذ «الفاسي» عن المهنة التي يحلم بها في الكبر قال له «باغي نكون مهندس بحال بابا»؛ وعندما سأل «الفهري» قال له «باغي نكون مدير بنك بحال بابا»؛ وعندما سأل التلميذ «بوشعيب» عن المهنة التي يريد امتهانها في كبره، سكت «بوشعيب» للحظة وهو يفكر، وعندما وجد أن «باباه» لا يشغل أي واحدة من هذه المهن الرفيعة، نظر إلى المعلم وقال له «أنا ملي نكبر بغيت نكون غير شي سميرس ولا شي فهري وصافي». تذكرت هذه النكتة وأنا أتابع المستقبل الذهبي الذي وصل إليه أبناء الفاسي الفهري خلال السنتين الماضيتين لوصول عمهم الأكبر عباس الفاسي إلى الوزارة الأولى وعمهم الأصغر الفاسي الفهري إلى وزارة الخارجية. وبالنسبة إلى المغاربة الذين لم يفهموا بعد لماذا اختار حزب الاستقلال دائما شعار «المغرب لنا لا لغيرنا»، فمن المفيد تذكيرهم ببعض «المنجزات» التي حققتها العائلة الفاسية الفهرية لأبنائها خلال الفترة الأخيرة. لعلكم جميعا تذكرون شابا في الرابعة والعشرين من عمره اسمه «فهر الفاسي الفهري» وقف إلى جانبه وزير النقل والتجهيز كريم غلاب ووزيرة الصحة ياسمينة بادو خلال الانتخابات الأخيرة إلى أن نجح في الحصول على كرسي مستشار في الجماعة. ولم تكتف ياسمينة بادو بالوقوف مع ابن عمها في الانتخابات وإنما وقفت معه أيضا عندما فوتت إلى شركته الخاصة الشطر الأول من الحملة التحسيسية لوزارة الصحة حول «أنفلونزا الخنازير»، مع العلم بأن المغرب فيه آلاف الشركات المتخصصة في الإشهار والتواصل قادرة على التنافس حول الصفقة لو أن إعلانا حول طلبات عروض فتح بشأنها. وإذا كان الابن البكر للوزير الأول محظوظا إلى هذه الدرجة، فإن ابنه الثاني، عبد المجيد الفاسي، ليس أقل حظا من أخيه؛ فبعد قضائه لفترة تدريب بالقناة الأولى براتب وصل إلى 24 ألف درهم للشهر، هاهو يستعد اليوم لتقلد منصب ملصق، عفوا منسق لأخبار قناة «الإخبارية» التي ينوي مدير القطب العمومي إطلاقها في القريب. عندما نتأمل حجم المسؤوليات التي تسند إلى أبناء الوزير الأول نستغرب كيف يستطيع شباب في الرابعة والعشرين من أعمارهم أن يتحملوها ويقوموا بها على أحسن وجه. لا بد وأنهم عباقرة زمانهم، ولا بد لجميع الأمهات المغربيات أن يذهبن للتبرك بلالة أم البنين التي أنجبت للمغرب هاته الأدمغة. لكن عندما نتأمل في الأمر جيدا، نفهم أن المسألة لا علاقة لها بالعبقرية، وإنما لها علاقة بسباق محموم وسط العائلة الفهرية لوضع الأبناء في مناصب المسؤولية قبل أن تنقلب المنزلة وتتغير الحقائب الوزارية من أيدي الفهريين إلى أيادٍ أخرى. ولهذا نفهم الحرص الشديد لوزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري على ضمان كل شروط النجاح لمؤسسة «أماديوس» التي يترأسها ابنه إبراهيم الفاسي الفهري، إلى درجة أن وزير الخارجية يتصل شخصيا بالسفراء المغاربة في الخارج لكي يطلب منهم إقناع بعض الشخصيات الأجنبية المرموقة بالمشاركة في منتديات ابنه التي تنظم بالمغرب. ومن كثرة «الفشوش» الذي تعود عليه الابن المدلل، أصبح يخلط مصالح وزارة الخارجية بمصلحة مؤسسته الخاصة، إلى الحد الذي تجرأ معه على حجز الصالة الملكية بمطار محمد الخامس، عبر الوزارة، لأحد أبناء القذافي عندما دعاه إلى زيارة خاصة للمغرب. وعندما وصل الخبر إلى المعنيين بالأمر لم يجد الفاسي الفهري من جواب يقدمه لشرح هذه «البسالة» سوى أن قال إن «هاد الولد شي نهار غادي يخرج ليا على بلاصتي». لكن يبدو أن الولد ليس بكل هذا النزق والخفة التي حاول والده تصويره على هيأتها، بل إنه يتمتع بحس استثماري كبير يؤهله لتحويل مؤسسته إلى واحدة من المؤسسات التي تتصرف في ميزانية تقدر بمئات الملايين من الدراهم. ولعل المؤسسات العمومية والخاصة، التي تتوصل بطلبات لعقد شراكة معها، تندهش من حجم المبالغ المالية التي يقترحها المعهد لوضع اسمائها وعلاماتها التجارية على الدعوات واللافتات والمنشورات التي يوزعها. والكارثة العظمى هي أن الملفات التي يوزعها على بعض المؤسسات من أجل طلب الدعم والشراكة، تحمل أسماء معاهد عالمية مشهورة «للتينك تانك» think thank في لندن وباريس، مع إشارة إلى أن معهد «أماديوس» لصاحبه إبراهيم الفاسي الفهري تربطه شراكة وتعاون مع هذه المعاهد، وهو الأمر الذي ليس في علم هذه المعاهد العريقة التي وجدت فجأة أسماءها مطبوعة على الملفات التي «يسعى» من خلالها ابن وزير الخارجية إلى قرع أبواب المؤسسات العمومية وجمع الدعم بمئات الملايين. عندما نتأمل هذا التسابق المفضوح لأبناء العائلة الفهرية المشاركة في الحكومة على المناصب والصفقات، نفهم جيدا شعار «المغرب لنا لا لغيرنا» والذي رفعه حزب الاستقلال دائما. فالعائلة الفهرية الاستقلالية تعلمت الدرس مما وقع لعائلة بلافريج الاتحادية عندما خرجت من الحكومة «بلا حمص»، كما يقول المصريون، فقالت سعدة بلافريج، زوجة محمد اليازغي الذي فشل في انتزاع أية حقيبة حكومية لابنه عمر الذي قذف به في أتون الانتخابات بطنجة وفشل، قولتها المشهورة «ولادي ضاعو». لكن العائلة الاتحادية البوعبيدية وعائلة بلافريج تحاولان اليوم بدورهما أن تستردا مكانتيهما ومجديهما عبر محاولة ابنيهما علي بوعبيد وعمر بلافريج بعث الروح في جثة ميت اسمه اليسار بندائهما الذي وقعاه بمعية آخرين وأطلقاه في الفراغ والذي يحمل اسم «مات اليسار يحيا اليسار»، تيمنا بالشعار الذي ترفعه الشعوب عندما يموت الملك ويتم تنصيب ولي العهد مكانه والذي يقول «مات الملك عاش الملك». وعندما نتأمل الشجرة العائلية لعلي بوعبيد وعمر بلافريج نجد أن الأول ليس سوى ابن عبد الرحيم بوعبيد، الزعيم الاتحادي الذي تقلد أكثر من وزارة في عهدي محمد الخامس والحسن الثاني، بينما الثاني ليس سوى ابن أخ سعدة بلافريج، زوجة اليازغي الذي يخيم في الحكومة منذ 12 سنة. وهكذا، فاليسار أصبح بدوره «ساروتا» قابلا للتمليك يتوارثه الأبناء عن الآباء، مثله مثل المناصب الوزارية والوظائف السامية في هذا البلد. وصدق من قال إن المغرب تحكمه 200 عائلة تنفرد بثرواته ومصادر رزقه وتقرر له أي تعليم سيتلقاه أبناؤه وأي الوظائف سيشغلون وأي راتب سيأخذون. وأبناء هذه العائلات المحترمة هم الذين يتناوبون على تدبير شؤوننا في الوزارات والمؤسسات العمومية والمجالس الإدارية للبنوك وشركات القروض التي تمسك بخناق الشعب وتسرق جيوبه. باختصار شديد، فهؤلاء «الأبناء البررة هوما اللي طالعة ليهم فهاد البلاد». وأمثلة أبناء عباس الفاسي والفاسي الفهري تغني عن كل تفصيل. فأكبرهم سنا لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره «قياس الخير»، ومع ذلك نرى كيف ضمنوا مستقبلهم بفضل آبائهم بدون حاجة إلى جرح حناجرهم برفع أي شعار أمام البرلمان. فالشعارات والهراوات واللافتات كلها أشياء يتركونها لأبناء الشعب الذين ليست لديهم جداتهم في العرس. هؤلاء الذين لا تثير أسماؤهم العائلية عندما ينطق بها مدراء الشركات والبنوك سوى الاشمئزاز وهم يتهجون حروفها النشاز. مثل هذا الظلم الاجتماعي هو الذي يحتاج فعلا إلى حركة مثل حركة «مالي» التي خرجت تدافع عن الإفطار العلني في رمضان، يكون شعارها هذه المرة هو «مالي كي جيتكم إلى مكانتش سميتي الفاسي الفهري بحالكم»، ويكون هدفها تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع أبناء المغاربة في الحصول على مكان تحت شمس الوطن.
... تابع القراءة

لهذه الأسباب منع الماريشال ليوطي الإفطار العلني في رمضان؟


ما لا تعرفه الأخت زينب، التي تزعمت حركة المفطرين في رمضان بالمحمدية، أن الفصل 222 الذي يجرم المجاهرة بإفطار رمضان، والذي تنادي بحذفه ضمانا للحريات الفردية كما هي مطبقة في فرنسا، البلد الذي تحمل زينب جنسيته، ليس مصدره التشريع المغربي الحديث وإنما مصدره الحماية الفرنسية التي وضعته سنة 1913 لكي يتم تعديله في 1933 خلال حكم الماريشال ليوطي، الذي ربما تكون زينب وأصدقاؤها في الحركة درسوا فوق طاولات «الليسي» الفرنسي الذي يحمل اسمه بالدار البيضاء. هذا الفصل لم يكن في الأصل موجها إلى المغاربة لأنهم كانوا يصومون رمضان، وإنما كان موجها إلى المعمرين الفرنسيين حتى لا يستفزوا مشاعر السكان المحليين. وهكذا، كان المعمرون الفرنسيون يلتزمون طيلة شهر رمضان بالأكل في بيوتهم والانقطاع عن التدخين في الأماكن العامة، تجنبا لإثارة غضب الصائمين. عندما حصل المغرب على استقلاله، ورث ترسانة من القوانين التي وضعها المستعمر الفرنسي، بعضها منقول حرفيا من القانون المدني الفرنسي، وبعضها الآخر معدل حسب ما تقتضيه الشريعة الإسلامية. هذا لا يعني أن كل القوانين التي ورثناها عن فترة الاستعمار لازالت صالحة إلى اليوم، فهناك قوانين مضحكة لازالت الإدارة المغربية تعمل بها، مثل ضرورة الحصول على وثيقة إثبات الجنسية المغربية بالنسبة إلى المغاربة. فحتى لو كان المغربي حاصلا على البطاقة الوطنية وجواز السفر المغربي، فإنه مضطر، مثلا، إلى الحصول على ترخيص إصدار جريدة باستصدار وثيقة تثبت جنسيته المغربية، وكأن «الجلبة» التي على ذراعيه والتي تشبه عضة كلب لا تكفي للبرهنة على أنه مغربي «ضوريجين». وبالإضافة إلى هذا القانون، هناك قوانين أخرى بالية موروثة من عهد الاستعمار لم يفكر أحد في الأمانة العامة للحكومة برميها في سلة المهملات. لكن بالنسبة إلى الفصل 222، الموروث عن الماريشال ليوطي، فأهميته تكمن في أنه يحمي المفطرين في رمضان عكس ما تتصوره زينب وأصدقاؤها. ولنتصور أن هؤلاء الشبان الذين جاؤوا لكي يعلنوا أمام الملأ أنهم سيذهبون إلى غابة بنواحي المحمدية لكي يأكلوا «الفقاص» ويشربوا الماء بالسكر، توجهوا فعلا إلى الغابة وأفطروا علانية دون أن توقفهم عناصر الأمن، فمن يا ترى سيضمن أنهم لن يتعرضوا للرجم في تلك الغابة الموحشة من طرف أشخاص سيعتبرون ما يحدث بالقرب منهم استفزازا مباشرا لمشاعرهم ومنكرا يجب تغييره. لذلك، فالفصل 222 يوجد في القانون أساسا للحرص على السلامة الجسدية للمفطرين في رمضان. وبما أن الدولة ليست لديها الإمكانية لضمان الأمن لجميع المفطرين في رمضان، فإنها لجأت إلى الاحتفاظ بهذا الفصل لكي تمنع المجاهرة بالإفطار فقط، أما الإفطار في حد ذاته فليس ممنوعا. واليوم، تشتكي زينب وأصدقاؤها من كونهم أصبحوا يتلقون رسائل ومكالمات تهددهم بالقتل. وطبعا، لا يسعنا سوى أن ندين أصحاب هذه الرسائل والمكالمات الجبانة، لكن هذا لا يمنعنا أيضا من طرح سؤال بسيط على هؤلاء الشباب الذين شربوا حليب السباع وقرروا إعلان إفطارهم على الملأ بلا خوف، ما الذي كنتم تنتظرون أن يصلكم.. باقات الورود ورسائل التهاني ربما؟ مشكلة هؤلاء الشباب «المفرنسين» أنهم لا يعرفون بلدهم جيدا، فأغلبهم يعيش في عالم افتراضي داخل «اليوتوب» و«الفايسبوك» و«تويتر» وغيرها من المواقع التي، من فرط استيطانها، يصبح هؤلاء الشباب منفصلين كليا عن الواقع اليومي للمغاربة؛ ولذلك يتصرفون أحيانا بخفة ونزق ويرتكبون حماقات غير محسوبة، وفي الأخير يشرعون في الشكوى بسبب التهديدات التي تصلهم عبر الهاتف والبريد الإلكتروني. إن من يملك الجرأة والشجاعة على تحدي 99.99 في المائة من المغاربة، بإعلان إفطاره نهارا جهارا، عليه أن يعرف أن جرأته هذه لديها ثمن، وعليه أن يكون مستعدا لدفع هذا الثمن مهما كان باهظا. طبعا، الدولة مسؤولة عن حماية كل الأفراد، بمن فيهم أولئك الذين يعرضون حياتهم للخطر. لكن على هؤلاء الذين يغامرون بتحدي مشاعر المغاربة الدينية في شهر يعتبر من أقدس الشهور وأكثرها احتراما عند المسلمين، أن يتحملوا أيضا نصيبهم من المسؤولية في ما يقومون به. فالأخت زينب التي لا تتعب من توزيع صورها على الصحف كاشفة عن وجهها بدون خوف، معطية الحوارات هنا وهناك، بإصرار مبالغ فيه على استفزاز مشاعر المغاربة في أواخر هذا الشهر المبارك، أبانت عن جرأة كبيرة في التعبير والدفاع عن موقفها، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معه؛ ولذلك فتحميلها للدولة المسؤولية في حالة تعرض أي عضو من حركتها لمكروه، لا قدر الله، فيه محاولة للعب دور الضحية في هذه الحكاية السخيفة التي كان يجب أن تبدأ وتنتهي أمام محطة القطار بالمحمدية. وما لا تعرفه زينب وأصدقاؤها أن الدولة عندما استمرت في الاحتفاظ بالفصل 222 فمن أجل حمايتها، وحماية أشباهها، من أي اعتداء قد تتعرض له إن هي جاهرت بإفطارها. إنها عندما تطالب بحذف الفصل 222 فإنها في الواقع تطالب بتخلي الدولة عن حمايتها. لماذا نقول إن هذه الحكاية سخيفة وكان يجب أن تنتهي بتفريق «أبطالها»؟ ببساطة، لأن هؤلاء «الأبطال» يعيشون في مغرب آخر لا يوجد سوى في المواقع الافتراضية على الأنترنيت بعيد كل البعد عن المعاناة الحقيقة واليومية للأغلبية الساحقة من المغاربة. وهكذا، ففي الوقت الذي يريد فيه ستة شبان ليّ ذراع الدولة للحصول على الحق في أكل «الفقاص» أمام الملأ في رمضان، تلوي الدولة أذرع مئات الشابات والشبان من حملة الشواهد العليا الذين قرروا الإفطار يوميا أمام البرلمان احتجاجا على البطالة التي يعانون منها. «شي باغي ياكل الفقاص قدام محطة التران وشي مفقوص قدام البرلمان». لقد أعطت حركة «فطارين رمضان» صورة مغلوطة عن انشغالات الشباب المغربي، فقد كانت حركتهم ستكون ذات جدوى لو أنها ناضلت ضد المشاكل الحقيقية التي يعاني منها المغاربة، وخصوصا الشباب في سنهم: المخدرات، البطالة، العنف، الانفصام الثقافي، الهجرة، إلى غيرها من الكوارث التي تتربص بالشباب المغربي. لكن يبدو أن «وليدات فرانسا» تلاميذ «Gilles kepel» الذي يتخرجون على يديه من مدرجات العلوم السياسية بباريس ويعودون إلى المغرب للاشتغال في الصحافة الفرنكوفونية وترديد أفكاره مثل ببغاوات، لا يعرفون أين وصلت «الدقة» في المغرب. فهم لم يعيشوا «الزلط» ولم تضربهم الحيطان ولم يتشردوا على أرصفة الوطن. وفي الوقت الذي ينشغلون فيه بتحدي الصائمين بالإفطار أمامهم بأكل «الفقاص»، هناك الآلاف من المواطنين في زنقة «بني مكيلد» في الدار البيضاء يعيشون على «الخبز البايت» من أحد المحلات المتخصصة في بيعه، لأن ظروفهم المادية لا تسمح لهم باقتناء الخبز الطري. وفي الحي المجاور، هناك الآلاف من المواطنين يشترون «المرقة بالديطاي» في أكياس بلاستيكية لأن حالتهم الاجتماعية مزرية إلى الحد الذي لا يستطيعون معه طهو مرقهم الخاص في البيت. وفي أماكن أخرى كثيرة، لازال المغاربة يشترون لحوم عيد الأضحى بالديطاي في اليوم الموالي للعيد بسبب العوز والفقر والحاجة. مشاكل المغرب الحقيقية هي هذه يا زينب، هي انتشار الفقر والحاجة بسبب الظلم الاجتماعي والشطط في توزيع الثروات؛ هي البطالة التي تقتل أغلى ما يملكه المغرب، شبابه المتعلم؛ هي هذا المد العاتي من الدعارة الذي يهدد الأسر في بناتها؛ هي هذا الهجوم الكاسح للمخدرات من كل نوع على بيوت المغاربة والذي حول فلذات أكبادهم إلى مدمنين في مقتبل العمر؛ هي هذا الرعب الذي أصبح يتربص بالمغاربة في الشوارع حاملا سيفا طويلا يسرق به رواتبهم الشهرية. وإذا كانت هناك من ضرورة لحركة حقيقية على موقع «الفايسبوك» فلتكن حركة شبابية واعية وناضجة للنضال ضد كل هذه الظواهر السلبية التي تهدد شباب المغرب في مستقبله وصحته الجسدية والعقلية وتوازنه الروحي والأخلاقي. أما تبديد الجهد والوقت في الدفاع عن القضايا الخاسرة، مثل الحق في الإفطار العلني خلال رمضان في بلاد يصوم فيها 99.99 في المائة من سكانها، فهذا يكشف عن خواء فكري وثقافي وديني لا حدود له عند هؤلاء الشباب. عندما نرجع إلى الوراء ونتأمل كيف قرر الماريشال ليوطي، الذي جاء لاستعمار المغرب، وضع قانون خاص بالفرنسيين يجبرهم على تجنب الإفطار أمام المغاربة في رمضان احتراما لمشاعرهم، ثم نعود إلى وقتنا الراهن ونرى كيف أصبح مغاربة يطالبون بحقهم في الإفطار العلني أمام إخوانهم المغاربة بدون خجل، نستخلص أن هناك بيننا من أصبح «يناضل» لكي ينجح في ما فشل الاستعمار نفسه في تحقيقه.
... تابع القراءة

علامة «خيزو» للجودة


في ظرف أسبوع واحد غرقت محطتان مهمتان تابعتان لوزير التجهيز كريم غلاب؛ واحدة هي مطار مراكش الدولي الذي لم يمر على تدشينه أكثر من شهر، والثانية هي محطة القطار الرباط أكدال التي حصلت على علامة «إيزو» الخاصة بالجودة، وتحولت صباح الاثنين الماضي إلى «مطفية» يتطلب الدخول إليها ركوب «الزودياك». في مراكش، كانت بضع ساعات من الأمطار كافية لإغراق مطارها الدولي عن آخره. وهكذا، وجد السفراء وضيوف الملك، الذين جاؤوا إلى مراكش لحضور جلسة من جلسات الدروس الحسنية بها، مجبرين على رفع جلابيبهم وسراويلهم «القندريسية» ووضع بلاغيهم تحت آباطهم للخروج من الحافلة واجتياز الضاية التي تفصلهم عن بوابة المطار. وبعد ترقيد ثياب السفراء والضيوف في ماء الضاية التي اجتاحت المطار، اكتشف بعضهم أن ألوان «كندورة» أحد السفراء الأفارقة «طلقت» في جلابيبهم البيضاء بسبب الاحتكاك، فأصبحوا يظهرون وكأن أحدهم «مرمدهم» في الوحل. المشكلة أن الطائرة التي كانت ستحملهم إلى الرباط لم تستطع الإقلاع بسبب غرق أرضية المطار. فأعادوهم إلى الفندق لكي يقضوا الليلة هناك في انتظار الغد. أما في محطة القطار الرباط أكدال، فقد اكتشف المسافرون كيف يمكن أن تتحول محطة للمسافرين، حصلت مؤخرا على علامة الجودة العالمية «إيزو»، إلى بحيرة لا ينقصها سوى البجع. وكم كان منظر المسافرات اللواتي تعودن على ركوب القطار في محطة أكدال، قادمات من الأحياء الراقية للعاصمة من أجل التنقل إلى مقرات عملهن ببنوك وبورصة وشركات الدار البيضاء الكبرى، مقطعا للقلب وهن يشمرن عن سراويلهن ويحملن أحذية كعبهن العالي في أيديهن ويغطسن أرجلهن في الماء الداكن الذي يحمل كل أوساخ وشحوم قضبان السكة الحديدية. لكن المتضرر الأكبر من الغرق الذي تعرضت له عاصمة المملكة صباح الاثنين ليس فقط مستعملي قطارات الخليع، وإنما حتى وزير السياحة بوسعيد، فإذا كان المسافرون قد وجدوا أنفسهم في مواجهة ضاية من مياه الأمطار، فإن وزير السياحة وجد نفسه في مواجهة مياه الصرف الصحي التي فاضت داخل منزله في طريق زعير. فمن سوء حظ سعادة وزير السياحة أن المنطقة التي يقطن بها لا توجد بها مجارٍ للواد الحار، والحل الوحيد أمام سكان فيلات وقصور تلك المنطقة «الراقية» هو نبش حفر يسمونها بالفرنسية Les fosses septiques. وعندما امتلأت الحفرة عن آخرها بمياه الأمطار، فاضت واجتاحت منزل الوزير. ويبدو، والله أعلم، أن لعنة ما تطارد الوزير الحركي هذه الأيام أكبر من اللعنة التي تطارد المنصوري، رئيسه في الحزب، إذ لم تكد تمضي أسابيع قليلة فقط على اقتحام اللصوص لفيلة بوسعيد وسرقتهم لذهب زوجته، التي رأتهم يقتحمون عليها غرفة النوم وتظاهرت بالنوم، حتى رأى كيف تحولت حفرة دورة مياهه إلى ما يشبه البركان الذي يقذف حمم «داك الشي اللي على بالكم» في كل الاتجاهات. وليس وزير السياحة وحده «اللي طلاه خضر» هذه الأيام، بل حتى جاره وزير السكنى والتعمير، توفيق احجيرة، غرقت فيلته في مياه الأمطار. وإذا كان ممكنا أن نتفهم قبول وزير للسياحة للسكن في حي يفتقر إلى قنوات الصرف الصحي، فإن الأمر سيكون صعبا بالنسبة إلى وزير في السكنى والتعمير مهمته الأساسية في الحكومة هي الإشراف على تجهيز الأحياء بشبكة الصرف الصحي. ولكي تكتمل مصيبة حزب الاستقلال بسبب الأمطار الأخيرة، فقد غرقت مطبعة لسان حال الحزب ووصل علو الماء في الأرضية السفلية للمطبعة إلى خمسة أمتار. واضطرت جريدتا «العلم» و«لوبينيون» إلى طلب اللجوء الحزبي عند مطبعة الاتحاد الاشتراكي بالدار البيضاء. والمصيبة الكبرى هي أن المياه أغرقت خمسين سنة من أرشيف جريدة الوزير الأول في لمح البصر. لننتقل الآن إلى تحديد المسؤوليات. في الرباط هناك شركة للتدبير المفوض اسمها «ريضال» لم يلاحظ أحد، طيلة نهاية هذا الصيف، أنها باردت إلى تطهير المزاريب والقنوات استعدادا لموسم الأمطار. ولهذا، فمن الطبيعي أن الأمطار الأولى عندما تأتي تجد هذه القنوات المخنوقة صعوبة في تسريبها، وبالتالي تفيض على البيوت والإدارات والمحلات التجارية. بمعنى آخر، يجب على كل ضحايا الأمطار الأخيرة أن يطالبوا شركة «ريضال» بتعويضهم عن ممتلكاتهم التي ضاعت بسبب تقصير هذه الشركة في القيام بواجبها الذي تأخذ عنه شهريا مقابلا من فواتير المواطنين. وهي أيضا مناسبة لكي تعيد مجالس المدن حساباتها مع هذه الشركات الأجنبية التي «تحلب» المواطنين شهريا دون أن تقدم إليهم خدمات تليق بمستوى الفواتير الباهظة التي تتقاضاها منهم. لقد أصبحت هذه الشركات الأجنبية شركات للتبذير المفوض وليس للتدبير المفوض؛ هدفها الأساسي هو جمع أكبر قدر من الأرباح السنوية لإرسالها إلى الشركة الأم في إسبانيا وفرنسا وإفراغ بنك المغرب من احتياطيه من العملة الصعبة. وإذا لم نكن قادرين على جمع أزبالنا وتنظيف شوارعنا وتطهير قنواتنا بأنفسنا، فإننا لا نعرف لماذا نصلح. «صيطا»، «فيوليا»، «أمانديس»، «ريضال»، «ليدك»،.. كل هذه وغيرها شركات أجنبية تدير قطاعات لها علاقة بالنظافة والتطهير وتدبير الماء والكهرباء؛ وكل هذه الشركات تحول سنويا أرباحها على حسابات الشركة الأم في الخارج مسببة عجزا ماليا مزمنا لاحتياطي الدولة من العملة الصعبة. المسؤول الثاني في ما حدث هو وزارة التجهيز التي يقودها نحو الكارثة وزير استقلالي اسمه كريم غلاب. وإلى جانبه في قفص الاتهام، نجد موظفين تابعين لوزارته هما ربيع الخليع، مدير شركة السكك الحديدية، وعبد الحنين بنعلو، مدير المكتب الوطني للمطارات. وبالنسبة إلى ربيع الخليع، فالزيادة الأخيرة، التي فرضها على المسافرين والتي عللها بالرفع من جودة الخدمات، أعطت نتائجها الواضحة. فبالإضافة إلى التأخيرات المعتادة وسوء الخدمات داخل القطار طيلة السنة، اضطر مئات المسافرين صباح الاثنين إلى العودة إلى بيوتهم بسبب تحول المحطة إلى مسبح عمومي. أما عبد الحنين بنعلو فربما هو مدير المطارات الوحيد في العالم الذي يفوت صفقات بناء مطارات جديدة إلى شركات بعينها بمئات الملايير لكي تنزل منها «القطرة» بعد يومين على تدشينها. وربما لازلتم تتذكرون فضيحة السنة الماضية عندما غرقت المحطة الجديدة التي دشنها بنعلو في مطار محمد الخامس وقطر سقفها بمياه الأمطار. فبنعلو يعتقد أن اقتناء لوحات «القطبي» التشكيلية بمئات الملايين وتعليقها في قاعات الاستقبال هو ما سيجنب المطار مخاطر الغرق. وخلال الأسبوع الماضي، غرق مطار مراكش الدولي عن آخره بعد أن توهم المراكشيون، بسبب النباتات التي زين بها بنعلو جنبات المطار، أنه تحفة حقيقية، قبل أن يكتشفوا أن ساعة متواصلة من الأمطار قادرة على تحويله إلى بحيرة حقيقية. والشوهة الكبرى هي أن سفراء الدول الصديقة الذين حوصروا في المطار الغارق أشهروا هواتفهم النقالة وشرعوا يلتقطون صورا للفضيحة. ويبدو أن ساعة رحيل بنعلو قد دقت، خصوصا وأن تقرير قضاة المجلس الأعلى للحسابات حول صفقات المكتب الوطني للمطارات وصل بين يدي الملك. وعندما نعرف أن الذي اقترح بنعلو لشغل منصب مدير المكتب الوطني للمطارات هو فيصل العرايشي نفهم لماذا فشل هذا الأخير في القيام بمهمته؛ فالذي اقترحه فاشل كبير أيضا في الإعلام، و«الحاجة اللي ما تشبه مولاها حرام»، كما يقول المغاربة. المطارات ومحطات القطارات هي أول ما يستعمله السياح عندما يأتون إلى المغرب. ومن يتهاون في تسيير هذين القطاعين عليه أن يعرف أنه يلعب بخبز ملايين المغاربة الذين يتوقف معيشهم اليومي على ملايين السياح الذين يتوافدون على بلادنا. وبالنظر إلى المستوى الرديء والعشوائي لتسيير الخليع وعبد الحنين، فإن الوقت حان لكي يبحثا لهما عن شغل آخر غير تسيير المطارات والقطارات. أما رئيسهما المباشر كريم غلاب، فالأفضل أن ينزل من قطار الحكومة في أقرب تعديل قبل أن «يخربها» على المغرب. وإذا كان من حسنة للأمطار الأخيرة فهي أنها فضحت هؤلاء الموظفين الفاشلين الذي يفتخرون، في كل مرة، بحصول محطاتهم على علامة «الإيزو» للجودة، «لاواه خيزو ماشي الإيزو».
... تابع القراءة

بزاف على المحبة


من يحاول أن يرى أبعد من أرنبة أنفه لكي يفهم خلفيات الأحداث الأخيرة التي «فتنت» الصحافة والرأي العام المغربي، لا بد أنه سيعثر على بصمات أجنبية في كل الملفات التي أثيرت مؤخرا وكادت تتحول إلى زوابع إعلامية. وقبل خمسة أشهر عندما جاء وفد من الشواذ الإسبانيين اسمه «كوليغاس» إلى الرباط ، «كوليغاس» تعني «الزملاء» بالعربية، وكان بينهم مغربي يدعى بركاشي يمثل جمعية للشواذ الجنسيين المغاربة تدعى «كيف كيف»، حظي باستقبال «حار» من طرف «لويس بلاناس»، السفير الإسباني في الرباط، ونشرت الصحافة صورا للسفير وزعيم الشواذ المغاربة واقفين جنبا إلى جنب كما لو أن الأمر يتعلق باستقبال رسمي. خلال تلك الجولة، فتحت أكثر من جريدة ومجلة صفحاتها لبركاشي لكي يتحدث عن الدعم المادي والسياسي الذي تتلقاه حركته من طرف تمثيليات أجنبية معتمدة في المغرب ومن طرف حزب يساري مغربي. وإلى اليوم، لم يصدر عن هذا الحزب ما يؤكد أو ينفي مزاعم بركاشي. المهم أن الحركة، المدعومة من إسبانيا على أعلى مستوى والممثلة في التمثيلية الدبلوماسية للدولة الإسبانية في الرباط، استطاعت أن تخترق جزء كبيرا من الصحافة المغربية وأن تمرر أفكارها ومواقفها على نطاق واسع. وبمجرد ما هدأت الزوبعة الإعلامية حول الشواذ و«معاناتهم» الكبيرة في المغرب و«حرب الإبادة الجماعية» التي تخوضها الدولة ضدهم، اندلعت زوبعة إعلامية أخرى حول صحة الملك. ومن غرائب الصدف أن عود الثقاب الذي أشعل نيران هذا الحريق، الذي شب في تلابيب بعض الجرائد، ليس شخصا آخر غير «بيدرو كناليس»، أحد الصحافيين الإسبان المعروفين بوشائجهم الخفية مع المخابرات العسكرية الإسبانية التي تقرب منها خلال فترة اشتغاله في جريدة «لاراسون» التي يعرف الجميع في إسبانيا ارتباطاتها الأمنية. ولكي يخلق «كناليس» حالة من الارتباك والشك حول صحة البلاغ الذي نشرته وزارة القصور والتشريفات والأوسمة حول صحة الملك، لم يجد من طريقة أخرى غير الادعاء، بدون حاجة إلى تقديم دلائل أو معلومات طبية مؤكدة، بأن حالة الملك الصحية خطيرة وأن ما يعاني منه في الحقيقة ليس هو ما جاء في البلاغ وإنما ما جاء في مقال سابق لكناليس يتحدث فيه عن عملية جراحية أجراها الملك عندما كان في فرنسا قبل سنة. ولكي يسهل «كناليس» المهمة على الصحافة المغربية، تحمل مشاق ترجمة مقاله إلى الفرنسية وعممه على الجميع. ومرة أخرى، ابتلع بعض الصحافيين الطعم ونشروا ملخصا لما كتبه الصحافي الإسباني من «معلومات»، وهناك من ذهب إلى حد الاتصال به واستجوابه ضمن ملف من خمس صفحات حول بلاغ من خمسة أسطر. وقبل يومين، رأينا كيف طفت على السطح حركة جديدة سماها أصحابها «الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية»، دعوا عبر «الفايسبوك» إلى إفطار رمضان أمام الملأ في وضح النهار بمحطة القطار بالمحمدية. ورأينا كيف تمت تغطية هذه الحركة، التي لم يكن يتعدى المشاركون فيها أصابع اليد الواحدة، من قبل وفد صحافي إسباني يفوق عدد مصوريه وصحافييه عدد المشاركين في الوقفة. وفي الليلة نفسها، صدرت مقالات في المواقع الإلكترونية لتلك الجرائد الإسبانية تتحدث عن «المضايقات» التي يتعرض لها مفطرو رمضان في المغرب، و«المعاناة» التي يعيشونها بسبب السجن الذي يتهدد حريتهم بسبب مجاهرتهم بالإفطار في رمضان. كما حاولوا جميعهم في مقالاتهم توضيح ما سموه «مغالطة» تتردد في المغرب، وهي أن المغربي ليس بالضرورة مسلما. نحن هنا، إذن، أمام ثلاث جبهات «تحارب» فيها جهات إسبانية المغرب فوق أرضه بدون حاجة إلى إخفاء وجوهها. هناك جبهة الأخلاق والقيم الاجتماعية التي تربى عليها المغاربة منذ قرون، وهناك جبهة الملكية، ثم في الأخير هناك جبهة الدين الإسلامي. وفي كل واحدة من هذه الجبهات هناك فيالق صحافية إسبانية مجندة لهذا الغرض بالذات، يتحرك صحافيوها بأجندة مضبوطة ويعزفون جميعهم مقطوعة متناغمة لا أثر فيها للنشاز. هذا طبعا دون أن نتحدث عن جبهة ما يسمونه بقضية «الصحراء الغربية»، والتي يتعاملون معها كأطراف في النزاع وليس كصحافيين محايدين. أعطوني صحافيا إسبانيا واحدا معتمدا في المغرب يستطيع أن يعالج موضوع الصحراء بمهنية وتجرد.. لا يوجد؛ جميعهم يتبنون موقف البوليساريو ويتحدثون في مقالاتهم عن «الشعب الصحراوي» ويدافعون عن تقرير المصير أكثر من جنرالات الجزائر، بل منهم من ينسى مهنته كصحافي ويحضر ندوات تنظمها البوليساريو كما صنعت صحافية إذاعة «كادينا كوبي» واضطرت وزارة الاتصال إلى سحب اعتمادها قبل أن تعترف المراسلة بخطئها وتعتذر وتستعيد اعتمادها من جديد. هل هي مصادفة، إذن، أن تكون وراء كل الزوابع الإعلامية التي أثيرت مؤخرا حول الملك والدين والمجتمع بصمات إسبانية؟ لا أعتقد أن في الأمر أية مصادفة، بل هناك تخطيط محكم من طرف المخابرات الإسبانية لخلق فتنة ثقافية ودينية ودستورية داخل المغرب. وهذا ليس بغريب على جهاز يقوده، اليوم، سفير سابق لإسبانيا في المغرب إلى جانب المحلق الثقافي الإسباني الذي اشتغل إلى جانبه سنوات طويلة في الرباط. فهذان الرجلان اللذان يعرفان «كرش» المغرب جيدا، بحكم عملهما الدبلوماسي المخابراتي في المغرب لسنوات، لديهما خطة مدروسة لجعل مؤسسات المغرب تحت الوصاية الإعلامية لبعض المنابر الصحافية الإسبانية المعروفة بعدائها للمغرب ووحدته الترابية. سيقول قائل إن ما تكتبه الصحافة الإسبانية عن المغاربة هدفه الدفاع عن حقوقهم وإطلاع العالم الخارجي عن معاناة الأقليات الثقافية والعرقية داخله. والجواب عن هذا السؤال سهل جدا: إذا كانت إسبانيا حريصة على حقوق المغاربة وتتقطع ألما لمعاناتهم، فلماذا لا تحسن معاملة نصف مليون مغربي يعيشون على أراضيها؟ لماذا نقرأ ونسمع يوميا عن آلاف المهاجرين المغاربة الذين يعاملون مثل العبيد في الحقول وأوراش البناء؟ لماذا تستهدف الحكومة الإسبانية المهاجرين المغاربة دون غيرهم من المهاجرين وتصدر من أجل ذلك القوانين الأكثر صرامة لطردهم، سواء كانوا حاصلين على أوراق الإقامة أو بدونها؟ إذا كان قلب إسبانيا على المغاربة فلماذا تحتل مدينتين اسماهما سبتة ومليلية يوجدان فوق التراب المغربي، وتهين يوميا المغاربة البسطاء الذين يقصدون المدينتين من أجل تحصيل لقمة العيش؟ إسبانيا مشغولة بصحة الملك إلى درجة أن صحافتها أجرت لهذا الأخير فحصا مضادا دون علمه ودون علم طبيبه الخاص؛ إسبانيا مشغولة بـ«معاناة» ستة شبان مغاربة يريدون استفزاز مشاعر ملايين المغاربة بالإفطار جهارا في رمضان؛ ومشغولة بـ«معاناة» حفنة من الشواذ الجنسيين الذين يريدون الحصول على اعتراف رسمي بحركتهم؛ إسبانيا مشغولة بمعاناة هذه الأقلية التي لا تكاد ترى بالعين المجردة والتي لا تتعرض من طرف المغاربة لأي اضطهاد أو اعتداء، في الوقت الذي تصم فيه آذانها عن معاناة مئات الآلاف من المهاجرين المغاربة، الذين يوجدون في المرتبة الأولى بين كل المهاجرين على مستوى المساهمة في صندوق الضمان الاجتماعي والذين تمر عليهم هذه الأيام فترة حالكة تذكرهم بمحاكم التفتيش السوداء التي عاشها المسلمون زمن الملكة «إزابيلا». فهي ربما تعبر عن كون هؤلاء المهاجرين ليسوا مغاربة يستحقون هم أيضا الاستفادة من هذه العواطف الجياشة التي غمرت قلب إسبانيا وصحافتها تجاه المغرب والمغاربة هذه الأيام. لقد انكشفت اللعبة وأصبح واضحا أن عناصر المخابرات الإسبانية تستهدف اختراق الأقليات في المغرب بهدف إثارة النعرات العرقية خدمة لأجندة سياسية وأمنية واضحة هدفها وضع المغاربة في مواجهة إخوانهم المغاربة؛ ولهذا تجدها وراء حركة الشواذ وحركة «فطارين رمضان» وبعض الحركات الانفصالية في الشمال الداعية إلى فصل الريف عن بقية مناطق المغرب. إن الصحافة التي تعودت على فضح مخططات الفكر الاستعماري السابق للمغرب، عليها أن تتحمل اليوم مسؤوليتها في فضح مخططات الفكر الاستعماري الحالي المتنكر في زي المدافع عن حقوق ومصالح الأقليات داخل المغرب، والذي يريد أن يفرض الوصاية بتدخله في الشؤون الدينية والدستورية والأخلاقية للمغرب. وإذا كان هؤلاء الإسبان يحبون المغاربة إلى هذه الدرجة «أسيدي يتهلاو لينا غير فهادوك المغاربة اللي صيفط ليهم المغرب».
... تابع القراءة

مالكم على حالتكم


كم من الحماقات ترتكب باسم الحرية. هكذا فكرت وأنا أقرأ خبر «الإفطار الجماعي» الذي أراد ستة شباب تنظيمه أمام محطة القطار بالمحمدية أول أمس قبل سبع ساعات من موعد أذان المغرب. وحسب متزعمة حركة الإفطار العلني في رمضان، فإن هذه المبادرة تأتي احتجاجا على فصل في القانون المغربي ينص على اعتقال كل شخص مسلم يجاهر بإفطاره خلال رمضان، واحتجاجا أيضا على الاعتقالات التي تتم كل سنة لمفطرين يتجرؤون على المجاهرة بإفطارهم. وأضافت زعيمة الحركة أن الشرطة اعتقلت خلال رمضان الحالي أشخاصا بسبب إفطارهم في مدن مغربية مختلفة. كصحافي يطالع وكالات الأنباء والصحف يوميا، لا أذكر أنني قرأت خبر اعتقال مفطر خلال رمضان الحالي. وإذا ما طالبنا زعيمة حركة «فطارين رمضان» بأسماء هؤلاء «الضحايا» فإنها ستكون عاجزة عن تقديم اسم واحد. في المغرب هناك الآلاف من الأشخاص الذين لا يصومون، ليس بسبب عارض صحي، وإنما لأنهم يعتقدون أنهم بإفطارهم يمارسون حريتهم الشخصية. ولا أحد جاء لكي يعتقلهم ويرميهم في السجن بسبب إفطارهم. نعرف مقرات مجلات تصفر فيها الكوكوت بالنهار طيلة شهر رمضان، ومع ذلك لا أحد اقتحم على هؤلاء المفطرين مقراتهم من أجل اعتقالهم في حالة تلبس بفتخ «جوان» أو أكل صحن من المرقة ساعة الغداء. لماذا، إذن، هذا الخروج إلى العلن و»الإفطار الجماعي» في محطة للمسافرين، ولماذا حظيت هذه الوقفة بتغطية واسعة من طرف الصحافة الإسبانية التي كان عدد صحافييها ومصوريها يضاعف عدد المشاركين في الوقفة. لعل واحدة من أكبر المفارقات أن الصحافية، التي تتزعم حركة «فطارين رمضان» والتي تعتبر الإفطار العلني في بلاد تصوم الأغلبية الساحقة من سكانها حقا من حقوقها الفردية، تخوض حملة إعلامية شرسة ضد المغربيات اللواتي يذهبن إلى المسابح الخاصة للسباحة بثياب تستر أجسادهن. فهؤلاء النساء، حسب الصحافية، يلوثن بثيابهن مياه المسبح، ولذلك فدفاعها عن المايوه ليس بسبب موقف ثقافي وإنما فقط بسبب موقف صحي له علاقة بالنظافة أكثر من شيء آخر. هكذا، يصبح المايوه مرادفا للنظافة والطهارة بينما يصبح الحجاب مرادفا للقذارة والميكروبات. ولعل هذا أكبر تناقض تسقط فيه «زميلتنا» المبتدئة في النضال. فهي تقول إن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ، ولذلك يجب الدفاع عن الحقوق الفردية بجميع أشكالها. لكن عندما يتعلق الأمر بحق المرأة في السباحة بلباس آخر غير المايوه، تختفي هذه الحقوق الفردية وتشهر الورقة الحمراء في وجه الراغبات في الاستمتاع بحقهن في الاستحمام بلباس يخترنه بكل حرية. وحتى في فرنسا التي يعتبرها دعاة الحقوق الفردية في المغرب نموذجا مثاليا في هذا الموضوع، فإن الحكومة كونت لجنة خاصة لتدارس ظاهرة النساء المنقبات، وطالب وزير الداخلية علانية بمنع هذا اللباس الذي لا يتناسب مع مبادئ الجمهورية، رغم أن النساء الثلاثمائة اللواتي يلبسن النقاب في كل فرنسا أغلبهن فرنسيات أبا عن جد ودخلن الإسلام عن طواعية؛ فأين هي الحرية الفردية في ارتداء اللباس الذي تريده النساء في فرنسا يا ترى؟ وفي هولندا، هناك اليوم حملة في البرلمان لمنع الحجاب والعلامات الدينية البارزة، فأين هي حرية اللباس والتدين في بلاد محكمة لاهاي الدولية؟ إذن، فالهدف من هذه الوقفة في محطة القطار حيث يكثر المسافرون كان هو الاستفزاز ولا شيء آخر غير الاستفزاز. استفزاز مشاعر الصائمين ودفع بعض المتعصبين إلى ارتكاب حماقة تلتقطها عدسات المصورين من أجل نشرها عبر العالم لكشف «وحشية» و«همجية» المسلمين الذين يصومون رمضان ولا يتسامحون مع من يختار إفطاره. والجميع يعرف خطورة الصورة في عالمنا الراهن، وكيف تستطيع صورة واحدة أن تقلب بلادا رأسا على عقب. لكن لحسن الحظ لم يستطع المشاركون في الوقفة التهام «الفقاص» الذي أحضروه معهم في «صيكانهم»، واكتفوا بإعطاء تصريحات للصحافة والتقاط صور ظهرت في الصحافة الإسبانية الليلة نفسها مرفقة بمقالات منها واحد صدر بجريدة «إلموندو» عنوانه «100 شرطي ضد 10 سندويتشات». ورغم أن القوانين المغربية تعاقب على الإفطار العلني في رمضان، فإن هذا الفصل يعيش عطالة مزمنة، وإذا كان هناك من مغربي يريد دخول «ماكدونالدز» للإفطار فلا أحد سيمنعه. وهناك مقاه تفتح أبوابها للسياح الأجانب والمفطرين الذين لا يصومون بسبب عارض صحي أو بدونه. ومثلما أن السجون المغربية لا يوجد بها معتقلون بتهمة إفطار رمضان، فإنها تخلو أيضا من معتقلين شواذ دخلوا السجن لمجرد أنهم أعلنوا عن شذوذهم. فالشواذ الذين يوجدون اليوم في السجون المغربية هم شواذ اعتقلوا بتهمة الدعارة واعتقلوا في حالة تلبس برفقة سياح أو برفقة عاهرات يمارسن الفساد. أما الشواذ الذين يعترفون بشذوذهم علنيا في وسائل الإعلام ويفتخرون به، فإن الأبواب التي تفتح لهم في المغرب ليست أبواب «عكاشة» أو «الزاكي» وإنما أبواب قناة عين السبع. وأكبر مثال على هذا الاحتفاء الإعلامي بمن يعترف بشذوذه أن القناة الثانية خصصت للكاتب المغربي الشاذ عبد الله الطايع من اللقاءات والبرامج ما لم تخصصه لعبد الله العروي أو المنجرة. ورغم اعترافه بشذوذه واعتراف آخرين معه بذلك على صفحات الجرائد والمجلات، فإنهم ظلوا أحرارا ولم تصدر أية متابعة في حقهم. ثم إن القانون المغربي يمنع تعاطي الخمور وبيعها للمسلمين، ويعاقب عليها بالسجن والغرامة. هل سمعتم ذات يوم أن رجال الأمن داهموا خمارة أو بارا أو كازينوها يسكر فيه المغاربة المسلمون واقتادوهم إلى المخفر لتسجيل محاضر لهم وإرسالهم إلى المحاكمة. شخصيا، لم أسمع بهذا مطلقا، بل الذي يحدث هو العكس، فمن كثرة ما تمنحه وزارة الداخلية من تراخيص لأصحاب البارات والخمارات، أصبحت هذه الأماكن تقتحم على المغاربة أحياءهم السكنية. والقانون المغربي لا يعاقب على السكر، وإنما على السكر العلني. وهذا موجود في قوانين كل الأنظمة الديمقراطية. لماذا، إذن، الخروج إلى العلن للدفاع عما يسمى حق المغربي في المجاهرة بشذوذه الجنسي وحقه في المجاهرة بإفطاره في رمضان، مادام القانون معطلا في هذا الباب ومتسامحا إلى أبعد الحدود؛ وليس القانون وحده بل حتى المغاربة متسامحون في هذا الشأن. فدعاة الشذوذ يرتكزون في معركتهم على واقعة يتيمة حدثت في إحدى الجامعات عندما حاكم فصيل طلابي بفاس أحد الشواذ الجنسيين داخل الحرم الجامعي؛ وعدا هذه الواقعة لم يحدث أن تعرضت حياة شاذ مغربي للخطر بسبب شذوذه. اللهم في القصر الكبير عندما قرر شواذ المدينة أن يخرجوا إلى العلن ويستفزوا مشاعر السكان المحافظين، فكادت تحدث الكارثة، علما بأن هؤلاء الشواذ كبروا وترعرعوا في المدينة ويعرف الجميع بشذوذهم، ومع ذلك لم يتعرض لهم أحد بسوء قبل واقعة «عرس الشواذ». لذلك فالسبب الرئيسي في مجاهرة هؤلاء الشباب بشذوذهم وإفطارهم لرمضان هو القطع مع مرحلة السرية والدخول في مرحلة العلنية من أجل التطبيع مع هذه الظواهر تمهيدا لقبولها من طرف المغاربة. وهذا يتزامن مع الدعوة التي أطلقتها مؤخرا المنظمات العالمية المدافعة عن الحقوق الفردية في البلدان الإسلامية، والرامية إلى الظهور العلني لهؤلاء «المناضلين» في وسائل الإعلام والأماكن العمومية. صيام رمضان في الدين الإسلامي لم يكن بالإكراه؛ الدين كله في الإسلام ليس بالإكراه. لكن، في المقابل، إذا كانت للفرد حرية عدم الصيام والقيام بالفرائض الدينية، فإن الأكثرية الساحقة التي تمارس هذه الفرائض لديها أيضا حريتها الخاصة التي يجب احترامها. وإذا أرادت حفنة من الأشخاص استفزاز ملايين المغاربة في مشاعرهم الدينية، بحثا عن الشهرة أو خدمة لمصالح أطراف أجنبية، فإن الخاسر الأكبر سيكون هو التعايش والتسامح الذي يجب أن يعيش تحت سقفه جميع المغاربة بصائميهم ومفطريهم، بمؤمنيهم وغير مؤمنيهم، بشواذهم وغير شواذهم. فهذه الظواهر كانت دائما موجودة في المغرب، وإفطار رمضان لم يظهر اليوم مع هؤلاء الشباب بل ظهر خلال السبعينيات مع موجة «الهيبي» والشيوعيين وأطراف في اليسار واستمر إلى اليوم. ولعل تسمية «مالي» التي أطلقها هؤلاء الشباب على حركتهم تحتاج إلى بعض التعديل لكي تعكس حالة التيه النفسي والفكري التي يعيشونها لكي تصبح «مالي على حالتي». «اللي بغا يفطر يفطر، شكون تسوق ليه».
... تابع القراءة

غير أجي وقلد «المساء»


عوض أن يفتح نقاش صحافي جريء وواضح حول الزوبعة التي ضربت فنجان الصحافة المستقلة مؤخرا، فضل بعض الزملاء إثارة زوبعة حول «المساء». وهكذا، روى أحد الصحافيين الذين استدعوا إلى التحقيق أن سعد حصار، الكاتب العام لوزارة الداخلية، دخل عليهم قاعة التحقيق شاهرا جريدة «المساء» وقال للصحافي مصطفى حيران إن ما تكتبه «المساء» هو الصحافة التي يجب أن تكون في المغرب. وعندما سأله أحدهم عن رأيه في ما قاله له سعد حصار، أجاب حيران إجابة فضحت الكره الشخصي والغيرة المرضية التي تأكل قلبه على «المساء»، حيث قال: «رشيد نيني هو عورة الصحافة المغربية، والعورة يجب سترها». سعد حصار، من جانبه، أصدر بيانا ينفي فيه حضوره أو مشاركته في جلسات التحقيق التي باشرتها الداخلية مع الصحافيين. لكن هذا البيان الذي نشرته «الجريدة الأولى»، التي كانت سباقة إلى نشر وتعميم خبر حضور حصار أطوار التحقيق، لم يمنع أحد المساهمين في رأسمالها، بوبكر الجامعي، من الاستناد إلى رواية حيران لكتابة افتتاحيته الأولى في مجلة «لوجورنال» بعد قرابة ثلاث سنوات من الغياب. لماذا، إذن، هذه الرغبة في شيطنة «المساء» بهذه الطريقة وتحميلها أوزار خطأ مهني ارتكبه صحافيون آخرون. أولا، هذه ليست المرة الأولى التي يخوض فيها مصطفى حيران حملة تشويه ضد «المساء» وضدي شخصيا؛ فمنذ أن انطلقت هذه الجريدة قبل ثلاث سنوات وهو لا يذخر جهدا في ترويج الإشاعات والأخبار الكاذبة والمغرضة عنها وعن صحافييها، فقد اكتشف حيران موقعا مشبوها اسمه «هيسبريس» كل همّ المشرفين عليه أن يرفعوا من عدد زواره لجلب الإشهار، فوجد له وظيفة في «الشبكة»، واكتشف أن الموضوع الأكثر جلبا للزوار هو «المساء» ومديرها، فأصبح لا يكاد يمر يوم دون أن ينشر مقالا ملفقا في فقرتين يتحدث فيه عن «نزيف الصحافيين في «المساء»» أو «نهاية المساء» وما إلى ذلك من الإشاعات التي يحتفظ الموقع بأرشيفها. ولعل «هيسبريس» هو الموقع الوحيد الذي ينشر، بين فترة وأخرى، استطلاع رأي حولي، وآخر هذه الاستطلاعات كان حول سؤال يقول «لصالح من يشتغل رشيد نيني، الشعب أم المخزن أم المال؟». وعندما اكتشفوا أن حوالي سبعين في المائة من الزوار صوتوا لصالح خدمة نيني للشعب، حذفوا الاستطلاع قبل وقته. فيبدو أن الزوار قد «ندموهم» على فكرة الاستطلاع من أصلها. ومن بين الأكاذيب التي يروجها حيران منذ مدة في موقع «هيسبريس» أنني التقيت منير الماجدي، السكرتير الخاص للملك، وأنني قلت له: «امنحونا الإشهار ولا شيء سيهم بعد ذلك». وهذه مناسبة لكي يسمع مني حيران وغيره جوابي على هذه الأكذوبة. أولا، أنا صحافي ومن حقي أن ألتقي جميع المسؤولين في هذه البلاد، والملك نفسه إذا ضرب لي موعدا سأذهب للقائه وليس فقط كاتبه الخاص؛ ثانيا، لو أنني التقيت منير الماجدي لكنت أول من كتب عن هذا اللقاء، بمعنى أن حيران يكذب على زوار موقعه ويكذب على السكرتير الخاص للملك. وباستثناء فؤاد عالي الهمة الذي التقيته في لقاء عمومي قبل سنتين عندما نظمت «المساء» ندوة في فندق حسان، فإنني لم ألتق في حياتي بأي واحد من مستشاري الملك أو مقربيه. أما قضية الإشهار، فليعلم حيران بأن «المساء» هي الجريدة الوحيدة التي قررت ألا تتعدى نسبته على صفحاتها خمسة وعشرين في المائة من مجموع صفحات العدد، ولهذا السبب أصبحنا مجبرين على تأجيل الإعلانات، وبين كل الإعلانات التي تمر في «المساء»، لا تتعدى نسبة إعلانات مجموعة «أونا» التي يديرها الماجدي عشرة في المائة؛ ثم إن الإعلان الذي يمر عندنا نستحقه عن جدارة. فأي معلن أحمق سيترك جريدة يشتريها أكثر من مائة ألف شخص يوميا ويطالعها أكثر من خمسمائة ألف قارئ، لكي يعلن في جريدة لا تبيع أكثر من عشرة آلاف نسخة بالكاد. لماذا يحقد حيران على «المساء» بهذه الطريقة المرضية، إذن؟ القصة بسيطة وقد بدأت قبل خمس عشرة سنة، وبالضبط عندما كنا صديقين أنا وحيران في فترة كان يشتغل فيها هو محررا بجريدة «العلم» فيما كنت أنا مجرد متعاون معها. كان حيران آنذاك مشرفا على صفحة يومية اسمها «من كل الآفاق»، وكانت تلك الصفحة بالنسبة إلينا، نحن المتعاونين، واحة لنشر مقالات مترجمة لتعزيز تعويضنا الهزيل نهاية الشهر. وبمجرد ما لاحظ حيران أن تعويضي الشهري، أنا المتعاون الذي لست ملزما بالحضور إلى الجريدة، يقترب من الراتب الشهري الذي يتقاضاه هو كصحافي رسمي بالجريدة، بدأ يقفل «الروبيني»، وأصبح يشتغل على الصفحة بنفسه بلا حاجة إلى مقالاتي المترجمة. مرت علي أشهر عجاف، كان تعويضي فيها يصل بالكاد إلى ألف درهم في الشهر. فخطرت لي فكرة جهنمية اقترحتها على حيران وقبلها بسرور، فقد اتفقت معه على أن يطلق سراح مقالاتي المترجمة في صفحته إلى أن أبلع سقف ثلاثة آلاف درهم، على أن تكون ألفا درهم من نصيبي وألف درهم من نصيبه. وهكذا، بدأت مقالاتي تمر مثل رسالة في البريد، وانتهى المشكل. إلى أن قررت مغادرة «العلم» للتحليق بأجنحتي الخاصة والتي احترق بعض ريشها عندما أصدرت جريدتي الخاصة سنة 1997. بعد ذلك هاجرت إلى إسبانيا وتبادلنا أنا وحيران رسائل لازلت أحتفظ بها إلى اليوم. عدت إلى المغرب، واشتغلت في الصحافة والتلفزيون، إلى اليوم الذي قررت فيه تأسيس «المساء»، وصادفت حيران في محطة القطار وتحدثنا حول الموضوع واقترح العمل معي كصحافي، فوعدته خيرا. لكن السبل تفرقت بنا ولم يكتب له أن يكون ضمن هيئة تحريرنا. ومن ذلك الوقت والرجل ناقم وحاقد علي وعلى «المساء». فقد كان صعبا عليه أن يتقبل رؤية «المتعاون» السابق مع الجريدة التي كان هو يشتغل فيها كصحافي رسمي، يحلق بأجنحته الخاصة عاليا. ربما كان عليه أن يتجرع الإهانة وهو يطلب العمل عند «متعاون» كان يتحكم في تعويضه الشهري حسب مزاجه التحريري فأصبح اليوم مديرا لأكبر وأول جريدة في المغرب. الغيرة والحسد مشاعر إنسانية أتفهمها جيدا. لكن عندما تعمي هذه المشاعر صاحبها وتجعله قادرا على اختلاق الأكاذيب والإشاعات فإن حالة صاحبها تصبح مقلقة. ولعل حيران عندما خرج من غرفة التحقيق وسارع إلى نشر ما يدعي أن سعد حصار قاله بخصوص «المساء»، يعتقد أنه يسيء إلى «المساء» وإلى مديرها، والحال أنه يسدي إليهما معروفا كبيرا؛ فإذا كان حصار قد رفع «المساء» في وجه حيران وقال له هذه هي الصحافة التي يحب أن تقلدوها، فإننا بدورنا نقول لهما معا «عير أجي وقلد «المساء». فلكي تقلد «المساء» «خصك تكون سيدي ومولاي»؛ وتجارب الاستنساخ معروضة أمامكم؛ كم من جريدة حاولت أن تقلد «المساء» وكلفتها التجربة حياتها. ألم تشرع أغلب الجرائد في تقليد أعمدة «المساء» وصفحاتها الساخرة لرفع مبيعاتها دون أن يفيدها ذلك في شيء. لماذا، إذن، تنجح «المساء» حيث تفشل الجرائد الأخرى؟ ببساطة، لأننا نمارس الصحافة ولا نشتغل وفق أجندة سياسية، كما يصنع بوبكر الجامعي الذي اعترف، في حواره الأخير مع «الحياة»، بأنه يمارس السياسة ويفتخر بها، ولذلك فهو يقول إن الملكية بالنسبة إليه مسألة ثانوية لأنها تنتحر على المدى البعيد، ما يهمه هو مصلحة المغاربة، وبالتالي يجب التساؤل: «هل الملكية صالحة للمغاربة؟». نحن في «المساء» لا نطرح هذه الأسئلة، ليس بسبب الخوف وإنما لأن طرحها ليس من اختصاص الصحافي بل من اختصاص السياسي. والصحافي الذي يريد أن يمارس السياسة عليه أن يقدم استقالته من الصحافة وينخرط في الأحزاب ويترشح للانتخابات ويصل إلى البرلمان والحكومة لكي يطبق أفكاره سياسيا؛ أما استعمال الصحافة كوسيلة للدفاع عن أجندة سياسية تضع ضمن أولوياتها طرح أسئلة من قبيل «هل الملكية صالحة للمغاربة أم لا؟»، فهذا خلط متعمد للأوراق لا يفيد الصحافة في شيء، بقدر ما يفيد أصحاب الأجندات السياسية الباحثين عن السلطة والحكم. وبما أننا لا نعاني من عقدة «المبيعات»، فإننا أيضا في «المساء» لا نصنع مثلما يصنع بنشمسي الذي اعترف، في حواره الأخير مع مجلة «لوتون»، بأن أغلفته المثيرة والفضائحية حول الملك والدين والجنس هي التي أنقذت مجلته من شبح الإفلاس، وأن هدفه الرئيسي من وراء ذلك هو الرفع من المبيعات. لماذا، إذن، تبيع «المساء» بلا حاجة إلى الركوب على أجندة سياسية أو عناوين فضائحية حول الدين والجنس والملك؟ ببساطة، لأن «المساء» تبيع بالخبر اليقين والصورة الحية والتعليق الذكي والرسم الساخر والتحليل الرصين؛ وفوق هذا كله، تبيع «المساء» بالمصداقية والمهنية، وهذا بالضبط ما يطلبه منا قراؤنا الذين نعتبرهم رأسمالنا الوحيد والحقيقي.. هذا الرأسمال الذي لا يباع ولا يشترى ولا يقدر بثمن.
... تابع القراءة

سؤال جدير بالتأمل


لأول مرة في حياته، جلس، يوم الثلاثاء الماضي، القاضي الإسباني الشهير بالثزار غارسون في كرسي الاتهام عوض الجلوس في مكانه المعتاد الخاص بهيئة الدفاع. القاضي، الذي حرك المتابعات القضائية ضد دكتاتوريي الأرجنتين والشيلي وغواتيمالا بسبب جرائمهم ضد البشرية، وجد نفسه يدفع ثمن جرأته على فعل الشيء نفسه مع بقايا فرانكو في إسبانيا. وهكذا بمجرد ما طالب القاضي غارسون بتكسير «قانون الصمت» الذي تم الاتفاق حوله سياسيا مع إقرار الديمقراطية سنة 1978، ومتابعة المتورطين في التصفيات الجسدية التي أمر بها فرانكو، ثارت ضده نقابة القضاة المعروفة باسم «الأيادي النظيفة»، وطالبت بفصله من مهنة القضاء بعد أن وجهت إليه تهمة فتح ملفات الماضي بسوء نية. ما هو الدرس الذي نستخلصه من هذا الخبر؟ الدرس بسيط جدا، وهو أنه في دولة ديمقراطية ليس هناك شخص فوق القانون، حتى ولو كان قاضي القضاة نفسه. قرأت هذا الخبر وأنا أتابع الحملة العدوانية والشرسة التي يخوضها بعض المحسوبين على الجسم الصحافي ضد شخصي المتواضع في المنتديات والمواقع الإلكترونية المشبوهة وصحافة «الخرقوم» المتخصصة أسبوعيا في صبغ أغلفتها بالدماء وأحمر شفاه العاهرات. جريمتي الكبرى هي أنني لم أرفع شعار «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما» للوقوف إلى جانب الزملاء الصحافيين المتابعين على خلفية ما نشروه حول «صحة الملك» من أخبار مصدرها الوحيد هو الأنترنيت. وعوض أن يكون النقاش هو ما مدى الخطأ المهني الذي وقع فيه بعض هؤلاء الزملاء بنشرهم لأخبار لا تستند إلى مصدر حقيقي، أصبح النقاش هو لماذا لم يساند رشيد نيني زملاءه في هذه المحنة. أولا، يجب أن تكون الأمور واضحة.. إن دور الصحافي النزيه والمهني ليس هو مساندة زملائه ضد الدولة أو مساندة الدولة ضد زملائه، وإنما واجبه الأساسي أن يساند الحق ضد الجميع. وعندما يخطئ الصحافي عليه أن يعترف بخطئه وأن يعتذر عنه. ونحن في «المساء» عندما أخطأنا باتهامنا لأحد وكلاء الملك بحضور «عرس الشواذ» بالقصر الكبير، كتبنا اعتذارا ونشرناه في الصفحة الأولى، ورغم ذلك حكموا علينا بستمائة مليون. ومع ذلك فنحن لم نكن ضد محاكمتنا، بل كنا ضد انعدام شروط المحاكمة العادلة في محاكمتنا. اليوم، أصبحنا نرى بعض الصحافيين، بمجرد ما تقرر جهة ما متابعتهم قضائيا، يشرعون في النحيب والصراخ والاستنكار، وكأن الصحافي منزه عن الخطأ وبالتالي لا تجوز متابعته ككل عباد الله. الصحافي مثله مثل القاضي، كلاهما يملك سلطة المحاكمة والمحاسبة، وعندما يخطئ أحدهما فإن المكان الأنسب بالنسبة إليه يكون هو المكان نفسه الذي يقف فيه هذه الأيام القاضي غارسون، أي كرسي الاتهام. وعليه، فإن ما يجب أن يحتج عليه الصحافي هو غياب شروط المحاكمة العادلة في محاكمته، لا أن يحتج على المحاكمة في حد ذاتها، لأن احتجاجه على الوقوف أمام القضاء يجعل منه مواطنا فوق العادة. وسأشرح لكم لماذا أصبح بعض الصحافيين يحسون بأنهم أصبحوا مواطنين «فورست كلاص». والأمثلة التي سآتي على ذكرها سيعرف أصحابها أنفسهم دون أن أذكر أسماءهم، وهم من الصحافيين الذين يحترفون إعطاء الدروس في الأخلاق وضرورة تطبيق القانون ويخوضون حملة شرسة ضد الشطط في استعمال السلطة والتدخلات العليا لطي الملفات. أعرف مدير مجلة مشهورا، يتفنن في فضح قضايا الفساد ويطالب بمتابعة المتورطين فيها، تورط هو الآخر في قضية فساد مع تعاطي المخدرات والخمور في جلسة صاخبة مع بنت صحافي آخر مشهور هو الآخر. وعندما تم ضبط الاثنين في حالة تلبس وأنجز لهما محضر يتضمن التهم الموجة إليهما، اتصل الصحافي والد الفتاة بأحد الجنرالات، الذي تربطه به صداقة انطلقت مع بداية السبعينيات عندما كان هذا الأخير يشتغل في الزايير، وتم طي الملف وأقبر إلى اليوم. وأعرف صحافيا مشهورا بأعمدته المثيرة للجدل، يغير الجرائد مثلما يغير جواربه، اشتهر بالدفاع عن حقوق المظلومين والبسطاء، لكنه في خضم انشغالاته بتحرير أعمدته حول حقوق الخادمات نسي وتسبب في حمل خادمته. ولولا تدخل مسؤول كبير في الداخلية لطي هذه الفضيحة، لوجد صاحبنا نفسه أمام القضاء في مواجهة خادمته التي تحمل نسله. ومن غرائب الصدف أن صديقنا الصحافي عندما خرج سالما من هذه الفضيحة، أول شيء قام به هو تصفية حسابه مع المسؤول الذي انتشله من الوحل الذي كان سيجرجر فيه. وأعرف صحافيا يدير أسبوعية، لعبت الخمرة برأسه في أحد الفنادق التي كانت تتبادل مع جريدته الإشهار بالغرف المجانية في الصويرة، وحاول استدراج فتاة إلى غرفته بالفندق عن طريق القوة. فحضرت الشرطة وعاينت الصحافي المخمور وسجلت محضرا من أجل المتابعة. لكن تلفونا عاجلا جاء من مكان ما لينقذ الصحافي من الورطة وتم «ضمص» القضية. وأعرف صحافيا مشهورا بالدفاع عن حرية التعبير، ضاقت زوجته ذرعا بخياناته المتكررة، وقررت أن تفضحه. فترصدت خطواته إلى أن عرفت مكان تواجده مع خليلته، فاتصلت بالشرطة وضبطته في حالة تلبس. وبقدرة قادر، تحركت الهواتف من جديد وتم تخليص الصحافي الهمام من تهمة الخيانة الزوجية. وهكذا، انتزعت الزوجة الطلاق و«سمحت» في زوجها للعشيقة وتم طي الملف حرصا على سمعة الصحافي وسمعة المؤسسة الإعلامية التي يديرها. وأعرف صحافيا مشهورا تعود الكتابة حول منتجع سياحي في عين الذياب بالدار البيضاء، إلى درجة أن صاحب المنتجع خصص له غرفة مجانية بأكلها وشرابها. المشكلة بدأت عندما اكتشف الصحافي أن صاحب المنتجع يتحرش بزوجته، فطلقها وأصبح يأتي إلى المنتجع ليشرب ويسب مديره. وذات يوم، طلب الصحافي وهو في قمة نشوته إحضار المدير لأنه يريد تصفية الحساب معه، فتدخل رجال الحراسة لإخراجه، فانتفض الصحافي وأخذ صحنا وقذف به، غير أن الصحن عوض أن يصيب المدير أصاب أحد القضاة كان جالسا مع زملائه في الطاولة المجاورة، وأصاب معه أحد الحراس بجروح في رأسه. فقامت القيامة وتحركت التلفونات من جديد، وتنازل القاضي عن حقه، غير أن مدير المطعم وضع شكاية يتهم فيها الصحافي بمحاولة قتل حارسه. وإلى اليوم، لم تتحرك الشكاية؛ وبالمقابل، رأينا كيف أصبحت جريدة الصحافي تغازل جهاز الأمن وجهاز القضاء بمناسبة وبدونها. وأعرف مدير أسبوعية متخصصة في نشر الأخبار الخاصة للسياسيين والمسؤولين ورجال الإعلام، بدون ذكر الأسماء أو المصادر، كتب ذات يوم خبرا حول مسؤول أمني في الداخلية، فقرر هذا الأخير الانتقام من الصحافي، وبدأ يتربص به الدوائر. وعندما جاءه خبر وجود صاحبنا مع عشيقته في منزلها، أخذ رجاله وداهموا المنزل واعتقلوا الصحافي وعشيقته وحجزوا المشروبات الروحية التي كانت فوق الطاولة واقتادوهما إلى مخفر الأمن. ولم يكتفوا باعتقالهما بل اتصلوا بزوجة الصحافي التي كانت مسافرة خارج المغرب لإخبارها بالفضيحة. وكما هي العادة، عادت الحرارة إلى الهواتف السرية وتم إخراج الصحافي من القضية كما تخرج الشعرة من العجين واختفى الملف من رفوف المحكمة بالرباط، وعاد الصحافي إلى جريدته «يفضح» أسبوعيا فساد النخبة والمسؤولين. سيقول قائل إن الجميع من حقه أن يفعل ما يشاء بحياته الخاصة، وسأقول له آمين. لكن الذي ليس من حق هؤلاء هو إعطاء الدروس للآخرين في افتتاحيات جرائدهم حول النزاهة وتطبيق القانون، لأنهم يعرفون قبل غيرهم أنهم استغلوا نفوذهم كصحافيين للإفلات من المتابعة التي كان سيخضع لها أي مواطن بسيط آخر. وهؤلاء الصحافيون يعرفون أنفسهم جيدا ويعرفون أيضا المسؤولين الذين حموهم ووقفوا إلى جانبهم، ونحن أيضا نعرفهم. فالإشكال الذي يطرح نفسه في هذه الأمثلة التي ذكرتها ليس هو «الفضائح» الأخلاقية التي تورط فيها هؤلاء، وإنما كونهم استفادوا من تدخلات جهات في السلطة للتغطية عليهم. وهذا في الأنظمة الديمقراطية، التي يطالب هؤلاء الصحافيون بتطبيقها في المغرب، لديه اسم، إنه استغلال النفوذ. واستغلال النفوذ لا يوجد فقط في السياسة أو الاقتصاد وإنما أيضا في مجال الإعلام، بل إن أخطر نوع من أنواع استغلال النفوذ هو استغلال النفوذ الإعلامي. فعندما يقبل الصحافي بأن يستعمل شهرته وسلطته للتغطية على أخطائه وفضائحه، فكيف تحق لنا محاسبة الآخرين عندما يمارسون الشطط في استعمال السلطة السياسية أو الأمنية أو القضائية. ربما حان الوقت لكي يعرف بعض الصحافيين المغاربة أنهم ليسوا ملائكة ولا أنبياء معصومين من الخطأ. كما أنهم ليسوا مقدسين، ومن حق الصحافة أن تنتقدهم عندما يكتبون فيخطئون. كما أن الوقت قد حان لفتح نقاش صريح حول العلاقة بين الصحافة والمؤسسة الملكية، وأن نطرح جميعا سؤالا واضحا هو التالي: «هل لكي تكون صحافيا في المغرب يجب أن تكون أولا ضد الملك». لماذا هذا السؤال؟ لأن ملك المغرب هو الوحيد في العالم الذي اتهمته صحافة بلاده بتقاضي الرشوة، مثلما صنعت المرحومة «الصحيفة» وحكمت على نفسها بالإعدام؛ وملك المغرب هو الوحيد في العالم الذي كتبت صحافة بلاده عن أمه بشكل مخجل، كما صنعت «الأيام» واعتذرت برسالة إلى الديوان الملكي؛ وملك المغرب هو الوحيد في العالم الذي نشرت عنه صحافة بلاده إشاعات في شكل أخبار حول حالته الصحية، وقدمته كملك يخفي عن شعبه مرضا خطيرا، كما صنع جل الصحافيين المتابعين اليوم أمام القضاء. أعطوني ملكا واحدا في العالم اتهمته صحافة بلاده بكل هذه التهم الثقيلة، ومع ذلك استمر في السماح بصدور هذه الصحافة. سؤال جدير بالتأمل، أليس كذلك؟
... تابع القراءة

ابتهالات أطلنتيكية


خلال شهر رمضان، تلجأ الأغلبية الساحقة من القنوات التلفزيونية والإذاعات الخاصة إلى تعديل شبكة برامجها وتطعيمها ببرامج دينية تتماشى وأجواء الشهر الفضيل. وإذا كان المشاهدون المغاربة قد لاحظوا أن القناة الثانية لم تضع في شبكة برامجها أي برنامج ديني خلال هذا الشهر، في مقابل برمجتها لسلاسل تستفز الشعور الديني للمغاربة، فإن متتبعي برامج الإذاعات الخاصة استغربوا كيف أن إذاعة، تبث في سبعين في المائة من التراب المغربي اسمها «أطلنتيك»، غيرت شبكة برامجها لمواكبة شهر الصيام، وأصبحت تبث يوميا برنامجا للفكاهة ينشطه فنانون فرنسيون، بعد أن كانت تبثه أسبوعيا. لكن ما هي المشكلة في أن تغير إذاعة خاصة برمجة حلقات فكاهية فتشرع في بثها يوميا بمناسبة رمضان عوض بثها مرة في الأسبوع؟ المشكلة ليست في برمجة هذه الحلقات الفكاهية بساعة قبل الإفطار، وإنما المشكلة في محتوى هذه الحلقات. وقد كنت توصلت خلال رمضان الماضي برسائل كثيرة ومكالمات عدة تنصحني بمتابعة حلقات هذا البرنامج الفكاهي الذي تبثه «أطلنتيك» قبل الإفطار، لكي أسمع بأذني ما يحكيه هؤلاء الفكاهيون الفرنسيون على أسماع المستمعين المغاربة دقائق قبل أذان المغرب. وفعلا، تابعت بعض الحلقات التي قدموا فيها على الأثير عروضا ساخرة للكوميدية «آن رومانوف»، ولاحظت كيف أن المسؤولين عن البث في المحطة الإذاعية كانوا يتركون «الكلمات الكبيرة» تمر بدون أدنى تحرج، في فترة تعرض فيها أغلب الإذاعات والقنوات ابتهالات دينية في انتظار أذان المغرب. فقلت مع نفسي إن الأمر ربما يكون سهوا غير مقصود ونسيت الأمر، إلى أن حل رمضان هذه السنة ولاحظت أن البرنامج الفكاهي الذي كان يمر كل أسبوع أصبح يمر يوميا، مع تقريب وقت بثه ليصبح قبل الأذان مباشرة، فقررت أن أتابع عن كثب حلقات هذا البرنامج لكي أفهم انزعاج المستمعين من محتوى بعض حلقاته. فماذا سمعت؟ أولا، أخبركم بأنني سأضع فراغا للدلالة على الكلمات المخلة بالحياء والآداب العامة، يعني «كملو من روسكم»؛ ثانيا، أذكركم وأذكر الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بأن استعمال هذه الكلمات المخلة بالآداب العامة والحياء تدخل تحت طائلة القانون، وخصوصا الفصل التاسع من دفتر التحملات الذي وقعت عليه الإذاعات الخاصة مع الهيئة وتعهدت باحترام بنوده، والذي ينص على تجنب استعمال هذه الكلمات خلال البث، فما بالك باستعمالها في رمضان، وقبل أذان المغرب بالضبط. في اليوم الثاني من رمضان، عرضت المحطة في إطار برنامجها الفكاهي لحوار بين شخصين يحكي أحدهما للآخر قصة من قصص «أرلوكان» الغرامية الشهيرة. وفي الحكاية، أتى على ذكر امرأة اسمها «سيدني»، وأخذ يصف كيف أن «سيدني» بدأت تحتك برجل اسمه «ستيف» داخل سيارة «فيراري» حمراء. وكانت سيدني امرأة بثديين كبيرين، وحتى لا نتخيل أنهما كانا يلبسان ثيابهما يذكرنا الراوي بأن «ستيف» و«سيدني» كانا عاريين. وفي الأخير أخرج ستيف (...) وبدأ يحتك بها هو أيضا. للإشارة فقط، فالكلمات المستعملة في هذا «السكيتش» تسمي الأعضاء بمسمياتها، والقائمون على البث لم يجدوا حرجا في تركها تمر، رغم أن البرنامج مسجل ويمكن مراجعته وحذف ما يتنافى مع الحياء والآداب العامة التي التزمت المحطة باحترامها. في اليوم الثالث من رمضان، عرض البرنامج لحوار بين شخصين يلعب فيه الأول دور بحار، فسأله صديقه كيف يفعل لكي يتحمل العيش في أعالي البحار، فأجابه بأنه يحمل معه دمية كبيرة من البلاستيك. فسأله إن كانت أعضاؤها الحساسة حقيقية، فقال له إنها من البلاستيك. فعاد وسأله إن كان يحصل له جوع جنسي عندما يكون في البحر، فقال له إنه لا يشعر بأي انقطاع جنسي لأن هناك أربعة رجال معه على متن السفينة، وهتف أحدهم بذكر اسم مرهم «الفازلين». وطيلة هذا «السكيتش» كانت الإيحاءات الجنسية هي سيدة الموقف. في العاشر من رمضان، بث البرنامج «سكيتش» نشطته مجموعة تطلق على نفسها «المجهولون»، أتحف آذان المستمعين بكل أسماء الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة، كما شنف أسماعهم بكل الشتائم البذيئة التي يتبادلها الفرنسيون في الأحياء الهامشية. في اليوم الحادي عشر من رمضان، قدم البرنامج فكاهية فرنسية اسمها «سيلفي جوني»، تمحور عرضها حول رسالة كتبتها «جوني» إلى أحد الرجال تقول فيها إنها تحبه وتريده. وفي معرض قراءتها للرسالة، قفزت إحدى صديقاتها وأضافت أنها تريد (...). ولم تكن «جوني» أقل خجلا من مجموعة «المجهولون»، ففي تلك الحلقة «مكاين غير جيب يا فم وطلق، مكاين غير السمطة ولتحت»، حتى تساءلت مع نفسي في نهاية الحلقة هل صيامي جائز أم باطل. في اليوم الثاني عشر من رمضان، روى أحد الكوميديين في البرنامج قصة اكتشاف الإنسان البدائي للجلوس على مؤخرته. وبينما هو يحكي عن سعادة الإنسان البدائي بهذا الاكتشاف، فاجأه إنسان بدائي آخر باختراع آخر وقال له إن مؤخرة الإنسان تصلح لقضاء الحاجة وللجلوس ولوظيفة ثالثة.. «الخبار فروسكم». في منتصف رمضان، عرض البرنامج لحوار بين هندي عراف وشخص آخر على الشكل التالي: - ما هو جنس الرجل؟ - ذكر. - ما هو حجمه؟ - مترين. il pèse combien - Il baise deux fois par semaine - تلاحظون أنني كتبت السؤال والجواب الأخير بالفرنسية، لأن ترجمتهما إلى العربية تفقدهما دلالتهما الجنسية التي أراد الكوميديان إثارتها. في اليوم الثالث عشر، عرض البرنامج «سكيتشا» يحكي عن شخص يلبس مايوها ورديا، مكتوب عليه علامة «ابتعوا السهم». وعندما أتى على ذكر السياسيين، قال إن السياسيين يمارسون علينا الجنس. في اليوم الرابع عشر، كان نصيب المستمعين من الكلام الفرنسي السوقي نكتة تتحدث عن العالم الأخروي. وتحكي النكتة عن جزار مات وجاء يجر معه «صوصيص» إلى أن وصل إلى باب الجنة، ففتح له جبريل عليه السلام (عليه السلام من عندي، طبعا) فسأله ماذا يريد، فقال له إنه يريد أن يدخل. فسأله عن «الصوصيص» الذي يجره خلفه، فلم يجبه الجزار، ففتح باب الجنة وسأل هل هناك من يعرف ما يعنيه هذا «الصوصيص»، فظهرت مريم العذراء وقالت له: - أزل الخيط عن «الصوصيص» لأرى الروح القدس. أما بعد، إذا كنت قد نقلت إليكم حرفيا ما قررت إذاعة «أطلنتيك» بثه من «ابتهالات» بمناسبة شهر رمضان، لحظات قبل أذان المغرب، فليس من باب الإثارة المجانية، ولكن للتأكيد على مسألة أساسية وهي أنه من حق هؤلاء الكوميديين أن يستغلوا اللغة الجنسية والإحالات الإيروتيكية لإضحاك الجمهور. ففي فرنسا، ليس هناك كوميدي واحد يستطيع أن يجمع حوله جمهورا دون أن يستغل موضوع الجنس بشكل فج أحيانا، كما يصنع «جون ماري بيغار» مثلا في كل عروضه. لكن هذه الفرجة الكوميدية لديها جمهور خاص هو الجمهور الفرنسي الذي يدفع من أجل مشاهدتها. متى يبدأ المشكل، المشكل يبدأ عندما نشتري هذه العروض ونبثها عبر إذاعة خاصة بالمغرب تخضع لدفتر تحملات يمنع استعمال الكلمات المخلة بالحياء والآداب العامة، لكي يسمعها جمهور مغربي مسلم. والمصيبة أن ذلك يحدث في شهر رمضان وبوتيرة يومية عكس الإفطار الذي تبث فيه الإذاعة عادة هذا «العجب» مرة في الأسبوع. ربما ستقول لنا «ماريا طيريز» (نادية صلاح)، المشرفة على إذاعة «أطلنتيك»، إنها لا تستهدف الجمهور المغربي المسلم من خلال برنامجها وإنما تستهدف الجالية الفرنسية المقيمة في المغرب. تماما مثلما تقول لنا وزارة الداخلية عن الخمور المعروضة في الأسواق المغربية والموجهة إلى غير المسلمين. لكن هذا القول مردود على المدام «طيريز»، لأن الإذاعة تبث داخل المغرب والتصريح الذي تشتغل به منحتها إياه الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري المغربية وليس الهيئة العليا للاتصال الفرنسية. وبالتالي، فهي ملزمة باحترام بنود دفتر التحملات الذي وقعت عليه ووقف هذا الاستهتار اليومي بالمستمعين.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى