«ويكيليكس».. ظاهرة «أمريكية» عابرة للثقافات

ويكيليكس :
ما يحتويه موقع «ويكليكس» ليس خبرا أو قصاصة يمكن إدراجها إعلاميا تحت مسمى السبق الصحافي للموقع، وإنما هو «بحر» من الوثائق الأصلية المنقولة عن مصادرها،
وعندما نقول الوثائق، فإنها تحوز درجة  كبيرة من المصداقية، بدليل أن همَّ أمريكا اليوم، أو لنقل الإدارة الأمريكية تحديدا، هو وقف النشر أو منع دخول الموقع بالنسبة إلى القارئ العادي، إذ ليس لها أي حظ في تكذيب ما ورد في الموقع. ما يحتويه «ويكليكس»، أيضا، لا يخص دولة أو شخصا أو هيئة، بل إن العالم كله يتملى في صورته كما يراها ويفهمها ويؤولها الدبلوماسي والاستخباراتي الأمريكي، فوراء مجاملات رسائل التهنئة والصداقة التي يتم تبادلها رسميا، هناك صورة أخرى، عمادها الحذر وتصيُّد الأخطاء وغير الأخطاء، من الأقوال وغير الأقوال، الشاردات والواردات، العلني، المنشور في الصحف المحلية، والسري، المصرح به في الدعوات الاحتفالية... هذا هو «ويكليكس»، إنه العالم الحقيقي في طبيعته الأولى، أو لنقل إنه الطبيعة البشرية في ذئبيتها.. لكنْ، كيف ينبغي قراءة التسريبات؟ هل هي نكسة للأجهزة الاستخباراتية الأمريكية أم هي من جنس أفعالها؟ لماذا علينا التريث كثيرا قبل تصديق الرواية الأمريكية، التي تتحدث عن جريمة؟ ما هي مختلف الفرضيات التي ينبغي فحصها، بروية، لاستخلاص نتائج موضوعية بصدد خلفيات هذا الموقع؟ هل يتعلق الأمر بترسيخ لثقافة حقوق الإنسان، كما يعلن أصحاب الموقع، أم إن الموقع هو نسخة جديدة من نظرية الفوضى الخلاقة؟ هل ينبغي النظر إلى «ويكليكس» على أنه نسخة من مسلسل التسريبات الفضائحية التي عرفها التاريخ الأمريكي أم إنه شيء آخر  مختلف؟...
إذا كان العالم، اليوم، مصدوما من حساسية وكم الوثائق المسربة في موقع «ويكيلكس»، ويتساءل من ومتى وكيف وأين تم تسريب هذه الوثائق، فإن المجتمع الأمريكي «يتسلى» بالمعلومات ذاتها، دون أن يطرح هذه الأسئلة، تماما كما لم يطرح الأسئلة ذاتها في حالات سابقة، كـ«ووتر غيت» و«إيران غيت» وكذا التسريبات الخطيرة التي وقعت بعد حرب فيتنام، فلا يهم المجتمعَ الأمريكي معرفةُ من سرّب علاقة جون كنيدي بمارلين مونرو أو من سرب قضية ثوار كونترا، بل يهمه أن بعض أعضاء إدارة ريغان هم وسطاء لبيع السلاح في السوق السوداء، إلى غير ذلك من الأمثلة، فالمناخ الثقافي والنفسي والسياسي الأمريكي مهيأ عبر التاريخ، ليس لتقبل الأسرار فقط بل والجري وراءها، بكل الوسائل، والانفعال بها، بكل الأشكال.. لذلك، يمكن الحديث عن وجود «بورصة» للمعلومات توظف في كل أنواع الحروب بين اللوبيات الاقتصادية والحزبية والدبلوماسية والاستخباراتية الداخلية، فبالأحرى الخارجية، وبالتالي يتوجب النظر إلى هذه التسريبات على أنها نسخة جديدة من هذا الهوس التاريخي للمجتمع الأمريكي بتجارة الفضائح والأسرار، مع إضافة نوعية يمثلها ما بات يسمى «ظاهرة ويكليكس»، وهي أن الثورة المعلوماتية المعاصرة ألقت الضوء على أحد أكبر عيوب هذا المجتمع، ثم رسخت بالفعل القيمة التشاركية والتبادلية للمعلومات، بشكل يصح معه الحديث اليوم عن سلطة المعلومة، كبديل حقيقي لباقي السلط التقليدية، وهذا هو الإطار الذي سيحدد مجال هذا القول... 

المجتمع الأمريكي.. المستهلك الأول للأسرار:
إن الذين يستغربون الطريقة التي حصل بها موقع «ويكليكس» على وثائق خطيرة، كالتي يطلع عليها العالم منذ شهر، لا يعرفون طبيعة المجتمع الأمريكي، ومنها طبيعة اللعبة السياسية الأمريكية، والتي تشبه إلى حد كبير جولة طويلة في لعبة شطرنج واحدة، حيث يتجدد اللاعبون وإستراتيجيات اللعب، لكن تبقى اللعبة نفسُها واحدةً وأبدية، والأهم هو أنها مفتوحة على كل النهايات، والمجتمع الأمريكي مهيأ من الناحية الثقافية والنفسية لتقبل كل الأسرار، حتى أشدِّها غرابة واستحالة بالنسبة إلينا، بل إن هذا المجتمع يبذل كل ما في وسعه ليطلع على هذه الأسرار، فلا يهم ما يقوله الرئيس أو هذا الحاكم أو ذاك السيناتور، بل الذي يهم هو ما لا يقولونه ويفعلونه خلف الأبواب، أو العكس.
فالمجتمع الأمريكي ألِف كلماتِ الأسف ودموعَ الندم، التي تصدر عن الشخصيات المشهورة، عندما تخرج أسرارهم إلى العلن، من رجال دين وفن وساسة وإداريين وصحافيين، لذلك فهو المجتمع الأول الذي يستهلك بالقراءة والفضول كتب السير الذاتية والمذكرات الشخصية، وأشهرها تلك التي يعترف فيها أصحابها بأسرارهم، وكان آخرها مذكرات المرشحة الجمهورية سارة بايلن والرئيس السابق جورج بوش -الابن..
في هذا المناخ، فأشهر البرامج الحوارية -أوبرا وينفري ودافييد ليترمان مثلا- والوثائقية -«06 دقيقة» كنموذج- هي برامج اكتسبت نجاحها الجماهيري من خلال كشف الأسرار.. أما المنابر الإعلامية الكبرى، سواء كانت مكتوبة أو مرئية، فتتعامل مع آلاف الأشخاص الذين يشتغلون كـ«مرتزقة للمعلومات»، والذين يبيعون معلوماتهم حسب أهمية الشخصية، وطبعا، فالأهمية هنا تحظى بها الشخصيات الأمريكية، المنتمية إلى مختلف المجالات، وهؤلاء على قدر كبير من التطور، حيث يستعملون أرقى تقنيات التجسس، للحصول على «المعلومة الغالية»... بل إن هذه المنابر تستعين، أيضا، بخبراء جدد لا نجد لهم نظيرا إلا في الولايات المتحدة الأمريكية، لتحليل سلوك هذه الشخصيات والنفاذ إلى أسرارها، فمثلا، سمع أغلب الأمريكيين بيل كلينتون ينفي، جازما، تورطه في الفضيحة الأخلاقية مع مونيكا لوينسكي، لكنهم لم يصدقوه وصدقوا «محلِّلة» لشخصيته حاولت أن تبرهن على كذبه عندما كان يتكلم، وهو يحك أنفه، لكون ذلك علامة على شعور بالذنب!.. كما سمعوا سارة بايلن في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهي تعد الأمريكيين بالمحافظة على نمط الحياة الأمريكي، لكنهم استمتعوا أكثر بأسرارها المتعلقة بابنتها الحامل من صديقها، كما اهتموا بماضيها كمرشحة لمسابقة ملكة الجمال في ولاية ألاسكا.. واهتموا كذلك بعينيها اللتين تسترقان النظر إلى ورقة تستظهر منها خطاباتها.. وقبل سارة بايلن، استمع الأمريكيون إلى جورج بوش عندما ألقى خطاب التنصيب، ولكنهم اهتموا أكثر بخاتمه الذهبي، الذي نُقِشت عليه عبارة لاتينية هي «سأحكمكم إلى الأبد»!...
هذا هو المجتمع الأمريكي المهووس بالأسرار، يهتم بنجاحات تايغر وودز ولكنه يهتم  أيضا بفضائحه الجنسية، واهتم أكثر بموقف زوجته السويدية من خيانته لها، فتناقلوا صورها وهي لا تضع خاتم الزواج.. يتذكر الأمريكيون، أيضا، جون كينيدي، في موقفه الحازم إبان أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا، ولكنهم يتذكرون، أيضا، علاقته السرية بالفاتنة مارلين مونرو.. وما يزالون ينتظرون الإفصاح عن قاتله السري، لأنهم يعرفون أن الأسرار هي الحقائق.

واشنطن.. العاصمة التي لا تحتفظ بأسرارها:
يعرف كل الأمريكيين أن عاصمتهم واشنطن، هي المدينة التي لا تحتفظ بأسرارها طويلا، فكل المقيمين فيها راحلون، منهم من يرحل معزَّزا، وكثير منهم يرغمون على ذلك، لا مكان للنوايا الحسنة، يقفون للرئيس أوباما عندما يدخل عليهم، لكنهم متشوقون لمعرفة ما إذا كان مسلما أو ما يزال يدخن.. أو من أين تشتري السيدة الأولى فساتينها الأنيقة، فكل معلومة في العاصمة قابلة للبيع لمن يدفع أكثر، وكل معلومة يمكن أن تتحول في لحظة من اللحظات إلى رصاصة ضد الخصوم أو ضد «الأصدقاء»، إن لزم الأمر، وهذه كانت تيمة رئيسية في قضايا كثيرة وموضوع أفلام ضخمة، عن عمليات تجسس قام بها أشخاص ينتمون إلى البيت الأبيض لصالح دول «صديقة»، كإسرائيل وإنجلترا أو عمليات تسريب معلوماتي قام بها أشخاص ينتمون إلى الكونغرس لصالح هذا اللوبي أو ذاك، فقد ساهمت عوامل كثيرة في ترسيخ هذه الخاصية للعاصمة، منها حرية الإعلام والتعبير، والتي ينص عليها الدستور الأمريكي صراحة، وتتكفل المحكمة العليا بالدفاع عن هذا الحق، ثم عامل الفصل الفعلي بين السلط، حيث يتعذر على السياسيين، مهما كانت سلطتهم، التدخل لنشر أي معلومة.
إذا كان التنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري يبدو لنا -نحن- مثاليا، فإن حقيقة هذا «التنافس» ليست بهذه الصورة المثالية.. وينطبق نفس الأمر على الإدارة الواحدة، فالضربات الممنوعة، والتي تعد خارج قواعد اللعب، هي أمر معتاد عبر تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.. لذلك، فأن يكون هناك شخص واحد يقف وراء التسريبات فهذا غير ممكن، نظرا إلى كون طبيعة المعلومات المسربة لا تعني إدارة واحدة بعينها، بل منها ما هو دبلوماسي متعلق بوزارة الخارجية، ومنها ما هو متعلق بالاستخبارات، وحتى الاستخبارات هناك 16 جهازا استخباراتيا أمريكيا، ومنها ما هو عسكري متعلق بـ«البنتاغون»، وبالتالي ففرضية شخص واحد غير ممكنة، فهذا التنوع في المجالات، التي تتطرق لها الوثائق، تشير آليا إلى تورط جهة نافذة لها القدرة على الوصول إلى هذه الوثائق، وهي التي تقف وراء تسريب هذه الوثائق لموقع «ويكليكس»، وبالتالي فأن تكون هذه الجهة قد تعمدت الإساءة إلى جهة أخرى نافذة في المجتمع الأمريكي، فهذا أيضا من بديهيات مجتمع سياسي يتعمد «كل الوسائل لتحقيق كل الغايات»!...

فرضيات المستفيد الأكبر:
إن كل الأفعال مجهولة المصدر غالبا ما يبدأ التحقيق فيها من سؤال: «من سيستفيد من هذا الفعل؟» فإن قائمة المستفيدين تضم عناصر كثيرة تستفيد، حتى الآن، من مضامين الوثائق، هناك أولا إسرائيل، فردود الأفعال الصادرة عن الكيان الإسرائيلي تراوحت بين الشماتة والتشفي ببعض «الأنظمة المعادية»، التي فضحها الموقع من جهة، والارتياح لكون الموقع لا يورد أي وثيقة تتناول إسرائيل من جهة ثانية، بل حتى إبان حرب لبنان 6002. جاءت في الموقع وثائق تتضمن مواقف وتصريحات لجيران إسرائيل عبروا عنها صراحة للدبلوماسيين الأمريكيين، وهؤلاء نقلوها حرفيا إلى إداراتهم، كتصريحات حسني مبارك عن ضرورة القضاء على «حزب الله»، وتصريحات ملك الأردن بضرورة «قطع رأس الأفعى لا ذيله» ويقصد إيران، إلى غير ذلك، إذن، هل أعضاء السلك الدبلوماسي الأمريكي في إسرائيل لا يشتغلون ولا يكتبون ولا يتجسسون على مضيفتهم؟
هذا غير ممكن، وبالتالي، فالجهة التي سربت الوثائق اطلعت عليها وصنفتها بطريقة لا تتضرر منها إسرائيل، فهل  يمكن أن يكون الأمر صفقة تمت بين المسربين وإسرائيل؟ هذا ممكن، بل وغير جديد، حتى إن هناك احتمالات تسندها مجموعة من المعطيات تؤكد علم إسرائيل بأحداث 11 شتنبر قبل وقوعها.. أما لماذا لم تخبر الأمريكيين على فرض أنهم يجهلون الأمر، فهذا ما يسميه المحافظون الجدد «الفوضى الخلاقة»، والتي هي نسخة عن نظرية الأرقام الكبيرة في رياضيات الاحتمالات، فمن خلف الجزئي، ينبغي استخلاص الكلي، وخلف العشوائي، هناك النسقي، وخلف الاعتباطي، هناك القصدي، وخلف الممكن، هناك الضروري.. باختصار، ما يجري على ضوء هذه الفرضية ريب خطير جدا، فهو من الشساعة حيث لا يمكننا إدراك مقاصده في جزئياته: جهة تسرب الوثائق لموقع «ويكيلكس»، وهذا الأخير يقوم بنشرها.. الأمريكيون يهددون.. باقي العالم، منهم من يستمتع ومنهم من يحتج.. صاحب الموقع يُتَّهم بالاغتصاب في السويد، ويُعتقَل في إنجلترا، أمريكا تطالب به، لاتهامه بالتجسس.. مواقع إلكترونية أخرى تدخل على الخط وتقرصن الموقع... إلى غير ذلك من التفاصيل المتلاحقة، فهل هي عشوائية فعلا، أم إن خلف هذه التفاصيل هناك قصد واحد؟!...
أما عن فرضية أن تكون إسرائيل مستفيدة، فهذا يسنده كون العلاقات الأمريكية -الإسرائيلية قد بلغت في عهد إدارة أوباما أسوأ المستويات، فلا تخلو جريدة إسرائيلية من نقد لاذع لأوباما، بل إن منها من لا تخفي الحديث عن عربية أوباما وإسلامه. وقد تزايدت حدة الخلافات بين الطرفين مع تزايد ضغط الإدارة الأمريكية على إسرائيل للقبول بوقف الاستيطان، فهل تلجأ إسرائيل إلى استعراض قوتها ونفوذ اللوبيات المساندة لها أمام الإدارة الأمريكية فهذا ممكن جدا، في أفق ضرب مصداقية الإدارة الأمريكية في العالم.
الاحتمال الآخر هو أن تكون الجهة التي قامت بالتسريبات هي الإدارة الديمقراطية، في أفق الانتقام من الإدارة الجمهورية السابقة، خاصة أن الوثائق المسربة لا تغطي فترة  إدارة أوباما، بل تقف عند حد 8002، أما لماذا الحاجة إلى هذه التسريبات؟ فلأن الحزب الجمهوري إبان انتخابات اتجديد نصف مجلس الشيوخ، لجأ، هو أيضا، إلى توجيه ضربات غير مشروعة، منها الأحاديث التي راجت حول ما بات يسمى «حزب الشاي»، عن كون أوباما اشتراكيا يقوض نمط الحياة الأمريكية، وهذا النوع من «الضرب تحت الحزام» هو جزء من «تاريخ» الإدارة الأمريكية...

هم إدارة واحدة ولكن قلوبهم شتى..
لقد كان منطق التسريبات عاملا مكونا للإدارة الأمريكية عبر التاريخ، والعامل المهم هو أن عناصر الإدارة غالبا ما تكون لهم ولاءات لا يفصحون عنها إلا عبر تسريب بعض الوثائق والمعلومات لصالح جهات، أهمها الاتحاد السوفياتي سابقا، أو إسرائيل الآن، فذكر مكتب التحقيقات الفيدرالي أن العميل لاري فرانكلين، الذي كان يعمل محللا للمعلومات الاستخباراتية والمتمتع بحظوة لدى رؤسائه، تمكن من اختراق البيت الأبيض وقام بتسريب معلومات سرية إلى الحكومة الإسرائيلية، عن طريق اثنين من منظمة «إيباك» الصهيونية حول مداولات داخلية جرت في البيت الأبيض· وفي هذا السياق، فإن فرانكلين متهم بأنه نقل إلى إسرائيل، عدة مرات، معلومات سرية تتعلق بإيران وكذلك معلومات حول القوات الأمريكية في العراق، إلى مسؤولين اثنين في لجنة العلاقات العامة الأمريكية/الإسرائيلية «إيباك» وإلى المستشار السياسي في السفارة الإسرائيلية في واشنطن. كما اتُّهم ذلك العميل بحيازة وثائق سرية بشكل غير شرعي في منزله.
لكل ذلك، فتاريخ إسرائيل مع هذا الضرب غير المشروع تاريخ قديم، إذ هناك تقارير تشير إلى كون إسرائيل هي التي أقنعت الرئيس ريغان بدعم إيران في حربها مع العراق، نظرا إلى كون انتصار هذا الأخير سيستفيد منه الاتحاد السوفياتي، وبالتالي يمكن دعم إيران بالسلاح عبر وسيط وتوظيف أموال هذه الصفقات في تمويل ما كان يعرف في ثمانينيات القرن الماضي بـ«ثوار كونترا» في نكارغوا، وهذه القضية هي التي ستصبح في ما بعد موضوع فضيحة أخرى تعرف بـ«إيران غيت».

فضيحة «ووتر  غيت».. مصدر  التسريبات كان استخباراتيا:
اندلعت فضيحة «ووتر غيت»، هي أيضا، بسبب تسريبات جاءت من قلب الإدارة الأمريكية، فقد وقعت هذه «الفضيحة» في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق، ريتشارد نيكسون، وتحديدا في الـ71 من شهر يونيو عام 2791، ونيكسون هو الرئيس السابع والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية. وأشاعت القضية صحيفة «واشنطن بوست» (صحيفة أمريكية تصدر من واشنطون العاصمة)، بواسطة الصحافيين كارل برنستن وبوب وود ورد، ففي لتاريخ المذكور أعلاه، لاحظ أحد حراس مبنى «ووتر غيت» وجود شريط لاصق يغطي أقفال عدة أبواب في المبني ليقوم بإزالته، لتتم إعادة وضعه على الأقفال من جديد... قام الحارس باستدعاء الشرطة، بعد أن ساوره الشك حول الشريط اللاصق... اقتحمت الشرطة المكان، لتلقي القبض على خمسة أشخاص كانوا يقومون بزرع أجهزة تنصت على المكالمات الهاتفية للجنة القومية للحزب الديمقراطي... وجَّهت هيئة المحلفين تُهَم التجسس والشروع في السرقة والاقتحام للأشخاص الخمسة، بالإضافة إلى رجلين آخرين على علاقة لهما بالقضية.
يتلقى الصحافيان كارل برنستين وبوب وود ورد من «واشنطن بوست» معلومات من شخص مجهول، اصطلح على تسميته في تلك الفترة «ديب ثروث»، تشير إلى أن هناك علاقة بين عملية السطو والتجسس ومحاولة التغطية عليها وبين جهات رسمية رفيعة، مثل وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الاستخبارات الأمريكية، وصولا إلى البيت الأبيض... يقوم الصحافيان بنشر «المعلومات»، لتتطور القضية حتى عشية الثامن من غشت 4791، حيث سيعلن الرئيس الأمريكي في خطاب تلفزيوني مباشر استقالته رسميا، ناهيك عن محاكمته أمام المحكمة العليا، بتهمة الكذب على «إف بي أي». وفي الثامن من شتنبر 4791، يتولى جيرالد فورد الرئاسة ويصدر عفوا رئاسيا عن الرئيس الأسبق نيكسون.. ولم تظهر حقيقة هذه التسريبات إلا في عام 5002، ليتم الكشف عمن كان يعرف بـ»ديب ثروث»، وهو نائب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي، «مارك وليام فلت»...
جعل كل هذا «التاريخ» جميع الإدارات الحكومية والأبناك والبورصات ومراكز البحث وكبريات الشركات تولي أولوية لجانب الأمن المعلوماتي، وهي في حرب مستعرة وبدون توقف مع الفضوليين ومرتزقة المعلومات وأيضا مع التنظيمات الإرهابية، فإدارات مثل البيت الأبيض والكونغرس والبنتاغون ووزارة الخارجية والمحكمة العليا ووزارة العدل هي «حصون رومانية» من جهة أمنها المعلوماتي، فهي إدارات تخوض حروبا يومية لحماية أسرارها وتدبير معلوماتها، لذلك مخطئ جدا من يعتقد أن أصحاب موقع «ويكليكس» هم من استطاعوا تجاوز الجدارات الأمنية المعقدة المحيطة بالوثائق المنشورة، لذلك نخلص إلى ما يلي: من جهة، فالمجتمع الأمريكي، بطبيعته، لديه استعداد ثقافي ونفسي للبحث عن الأسرار وتسريبها وترويجها، ومن جهة أخرى، كانت الإدارات المتعاقبة تلجأ، دائما، إلى تصفية الحسابات السياسية بين مكوناتها أو بينها وبين باقي الإدارات، بالإقدام على تسريب وثائق ومعلومات تؤدي إلى إلحاق الأذى بالأطراف الأخرى.. ثم إن العلاقات الملتبسة لأمريكا مع إسرائيل تسمح لهذه الأخيرة، عبر أذرعها القوية، على توظيف عنصر التسريب، للضغط أو للتجسس، وبالتالي، فليس مستبعَدا أن يكون «ويكليكس» كل هذا.
... تابع القراءة

إدريس البصري.. عراب أم الوزارات التي تحولت إلى ابنتها

تداول على المشاركة في الحكومات المغربية العديد من الوزراء، لكل منهم قصته الخاصة في كيفية الوصول إلى مقعده في الوزارة، من خلال مساهمة كل واحد في النشاط السياسي
للبلد سواء من داخل أحزاب الحركة الوطنية وامتداداتها في الساحة السياسية، أو من خلال الانتماء إلى عائلات مخزنية تاريخيا، أو عبر بوابة التكنوقراط الذين حفل بهم المشهد السياسي المغربي على طول تاريخه، في هذه الحلقات نحاول تتبع خيوط التاريخ السياسي للمغرب من خلال تاريخ بعض وزرائه الذين بصموا الحياة السياسية للبلد.
ينطبق مفهوم الحكم على وزير في مثل نفوذ إدريس البصري، أكثر مما ينطبق على أي شخص آخر. ربما لأنه كان امتدادا للمدرسة الأوفقيرية التي أدخل عليها إصلاحات ناعمة، وربما كان هو نفسه، يفعل ما تعلمه في ظل ظروف أهلته لاعتلاء الواجهة، مع أنه في الأصل لم يكن يحلم بأكثر من أن يكون مدرسا في الجامعة أو برلمانيا منتخبا. لكن مسار حياته المهنية جعله أقرب إلى بعض الشخصيات التي تأثر بها، مثل الجنرال أحمد الدليمي الذي عمل رئيسا لديوانه حين كان مديرا عاما للأمن الوطني. كذلك فإنه اشتغل إلى جانب الجنرال أوفقير، لكن بدرجة أقل من أن تجعله واحدا من رجالاته الأقوياء.
كان أوفقير يراهن على كاتب الدولة محمد بلعالم وعلى عبد الحفيظ بوطالب وأحمد بن بوشتى، وأحيانا على إدريس السلاوي الذين تمرسوا في البناية القديمة للإقامة العامة الفرنسية، غير أن صدفة ستدفعه إلى أن ينظر إلى إدريس البصري، عميد الشرطة، حين كان يقصده إلى بيته لتسليمه التقارير المختلفة.
في إحدى الروايات التي جمعت أوفقير إلى كل من عبد الهادي بوطالب والدكتور عبد الكريم الخطيب والمستشار أحمد رضا اكديرة. اغتاظ أحدهم حين أمر الجنرال ذلك العميد الشاب أن يجالسهم المقام. كانوا بصدد دراسة ملفات سياسية في منتصف ستينيات القرن الماضي، قبل إقرار حالة الاستثناء في تلك اللحظة رد أوفقير على جلسائه بالقول، إن ذلك العميد سيصبح في يوم ما أقوى وزير للداخلية في المغرب.
 هل هي الصدفة أن نبوءة أوفقير تحققت، أم أنها الأحداث سارت في الاتجاه. الذي كان يراهن عليه. وإن حدث ذلك بعد رحيله. غير أن واقعة مثيرة ستدفع الملك الراحل الحسن الثاني إلى الاهتمام بمسار ذلك العميد الشاب الذي انتقل من مركز الاستعلامات في الرباط. ليصبح رئيس ديوان مدير الأمن، ثم رئيسا لقسم الولاة. قبل أن يصبح كاتب دولة في الداخلية في أبريل 1974.
 في يوم تعيينه في حكومة الوزير الأول أحمد عصمان اصطف إلى جانبه في مناصب كتاب الدولة، كل من عبد الله غرنيط في الصناعة التقليدية، وعبد الكامل الرغاي في المالية، وعبد السلام زنيند في الشؤون العامة، ومحمد بلخياط في الشؤون الاقتصادية والطيب بن الشيخ في التخطيط وجلال السعيد في التعمير والسياحة. ولحسن الوقاش في الشؤون الإسلامية، ومحمد المحجوب في الإعلام، وموسى السعدي في المناجم والتجارة والصناعة العصرية.
 يكفي النظر إلى مسار كل هؤلاء المسؤولين لإدراك أن موقع البصري كان يمكن أن يكون عاديا مثل الآخرين، لولا أن طموحه كان أكبر وتجربته كانت أكثر نفاذا. فقد جاء اختياره إلى قسم الولاة في وزارة الداخلية، على إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة في الصخيرات في يوليوز 1971. تصور الدليمي، آنذاك، أنه سيكون رجله في الداخلية، في فترة اتسمت بصراع محتدم بينه وبين الجنرال أوفقير، غير أن الملك الحسن الثاني كان يرى أن إعداد الرجل لمنصب وزير داخلية قادم لا بد أن يمر عبر التمرس بكثير من الملفات الحرجة، فقد بدأ الحسن الثاني، وقتذاك، يراهن على أن تسليم قطاع الداخلية إلى شخصية مدنية تكون بمثابة تحصين للنظام، والحال أن الجنرال أوفقير حين اطلع على تقارير أمنية أعدها البصري على خلفية أحداث الصخيرات، بدا له أن الرجل أقرب لأن يكون أرنب سباق، خصوصا وقد انتزعه من مخالب غريمه الدليمي من إدارة الأمن. لكن المفاجأة ستأتي في عام 1973، يوم أقر الحسن الثاني إسناد رئاسة الاستخبارات الداخلية إلى إدريس البصري والاستخبارات الخارجية إلى أحمد الدليمي في يوم واحد. كان قد استخلص الدرس من حادث الهجمات التي حاولت إسقاط طائرته في السماء لدى عودته من زيارة خاصة إلى فرنسا في صيف 1972.
هي الصدفة التي ستقود الملك الراحل إلى بيت البصري يوما، فقد استبدل إقامته في حي صغير في الرباط إلى المقر السابق لمدير الأمن في حسان هناك سأل عن أغلى شيء يحتفظ به البصري، فتناهى إلى علمه أنه يضع في دولاب ثيابه بذلته البيضاء كعميد شرطة، كانت لا تزال ملطخة بالدماء التي سالت بفعل عربدة الرصاص في فناء قصر الصخيرات في العاشر من يوليوز 1971، تلك الواقعة أحد الأسباب التي جعلت الرجل ينفذ إلى قلب وعقل الملك الراحل.
 بعد مرور بضع سنوات على الحادث، طلب الملك الحسن الثاني إلى التلفزيون أن يحضر أكبر عدد من الكاميرات خلال حفل تقديم الولاء والبيعة، قال إنه سيوزع بعض الأوسمة على رعايا أوفياء، وكان حريصا على أن يوزع كاميرات التلفزيون على إيقاع خطواته. قال إنه سيخرج من الباب الأمامي للقصر وسينتقل إلى الجانب الأيمن ثم الأيسر وفق إيقاع دقيق.
 لم يفهم كثيرون لماذا حرص الحسن الثاني على أن تتبع الكاميرات كل خطواته، لكنه سرعان ما أشار إلى الجنرال الدليمي أن يحضر الأوسمة، التي لم تكن سوى أسلحة بنادق كلاشنكوف وزعها على مواطنين في الأقاليم الصحراوية شمال الساقية الحمراء، وكانوا يتعرضون لهجمات عدوانية.
 حين انتهت مراسيم الحفل، طلب إلى الوزير الأول المعطي بوعبيد حضور جلسة خاصة، وكانت تلك أول مرة أعلن فيها الحسن الثاني أنه سيعين إدريس البصري وزيرا للداخلية. كان الدليمي دفع به إلى الواجهة في رصد تطورات الوضع الأمني والسياسي في الأقاليم الجنوبية، وكان لا يستطيع أن يرد له طلبا، لولا أن تطورات غير متوقعة ستجعل الرجل يكون في مقدمة من انقلب على عرابه الكبير، ولعله فعل ذلك أو أشير إلى اسمه في هذه القضية الأكثر غموضا في الملفات السرية لصراعات الأجهزة في ثمانينيات القرن الماضي.
قبل ذلك فطن البصري، يوما، أثناء عرض نتائج انتخابات 1977، إلى أنه لا بد لإدارة الداخلية أن تتحمل كامل مسؤولياتها، كانت أحزاب المعارضة، خصوصا الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية، قد انتقدت تلك النتائج التي اتسمت بالتزوير وتزييف الإرادة الشعبية، لكن البصري آل على نفسه الجهر بأنها كانت انتخابات «نزيهة وشفافة»، وكان ذلك جواز السفر، الذي لم يتقادم نحو اعتلاء المقاعد الأمامية في صفوف السلطة «التي لا تخطئ».
لم يكن إدريس البصري يصنع السياسة، ولكنه كان ينفذها على طريقته التي لا تخلو من تدخل، وحين سئل الحسن الثاني عن حدود تدخل الأشخاص في تنفيذها رد مازحا: «من يعرض العسل لا بد أن يلحس مذاقه بأصابعه»، لولا أن طعم العسل كان يتحول أحيانا إلى مرارة.
هفوة بعد أخرى سيصبح البصري في واجهة المهام. وقد يكون أكبر خطأ ارتكبه أنه لم يستشعر يوما أن الديوان الملكي سيشتغل حين تؤول بعض المؤسسات إلى العطل. وروى أحدهم أن المستشار أحمد رضا اكديرة حين خالجه الاعتقاد بأن البصري في طريقه لأن يتجاوز حدوده المرسومة سلفا، أوعز لأهل القرار أن يقيدوه بالمزيد من المهام والمسؤوليات، فقد كان يؤمن بأن سياسة الرفع إلى أعلى تكشف العيوب.
حدث أن بعض العيوب طفت على السطح حين أسندت إليه مهام الداخلية والإعلام في آن واحد. كان الدكتور عبد اللطيف الفيلالي وزيرا للإعلام، وفاته الانتباه مرة إلى برنامج تلفزيوني اعتبر مسيئا لبعض التقاليد غير القابلة للجدل. برر الفيلالي ذلك بأنه لا يستطيع أن يكون رقيبا على كل ما يذيعه التلفزيون، فجاء اختيار الوزير البصري ليكون رقيبا، ومن هناك بدأت متاعبه التي لم يكن ينتبه إليها في غمرة زحمة الأحداث والانشغالات، خصوصا وقد بات الرجل لا يصغي إلا لنفسه. كان الحسن الثاني تمنى عليه أن يلعب الغولف، ليكون أحد مرافقيه في لعبته المفضلة، إلا أنه حول مسالكه إلى قاعات اجتماعات مفتوحة يقصدها الراغبون في تأمين صداقته.
من تلك الهفوات ستتوالد أخرى، ليس أقلها أنه أثار على نفسه غضب رجال الأعمال والرأسمال حين انخرط في حملات انتقائية عرفت بـ«حملات التطهير». كان يصور الأمر أنه امتداد لإجراءات هيكلية ذات أبعاد تقويمية، وكان يربط تلك الحملات بأخرى طالت الحرب على تجارة المخدرات، وقد فهمت الرسالة أنها ليست بعيدة عن ممارسة ضغوطات سياسية.
فيما كانت هذه الحملات تمضي قدما، مخلفة مظاهر استياء، كان البصري يلوح بورقة السلم الاجتماعي، وتحديدا من خلال جذب المركزيات النقابية والحكومة وأرباب العمل إلى إبرام اتفاق بمثابة ميثاق أخلاقي وسياسي. والظاهر أنه سعى إلى استبدال لغة المواجهات مع المركزيات النقابية، التي كانت تؤدي إلى قلاقل وانفجارات اجتماعية بهذا النوع من الالتزام الجديد، الذي لم يكن بعيدا عن إعداد الأجواء لقيام وفاق جديد، سيطلق عليه اسم مرحلة التناوب.
كان البصري يعلن، صراحة، أنه أقرب إلى طروحات الاتحاد الاشتراكي منها إلى سقف مطالب حزب الاستقلال. كان له أصدقاء داخل كل الهيئات السياسية، يمينها ووسطها ويسارها، بل إن الإسلاميين أنفسهم كانوا يحاورونه في أوقات الشدة.
جاء البصري يوما متأخرا عن موعد اجتماع عام مع المركزيات النقابية، وحين شرع في الاجتماع الذي انعقد في حضور الوزير الأول محمد كريم العمراني، اعتذر للحضور بدعوى أنه كان بصدد ترتيبات طالت تعرض إحدى مناطق المغرب إلى فيضانات. أعلن عن اسم تلك المنطقة، فقام كريم العمراني واقفا وتساءل: وما هو حجم الخسائر؟
رد البصري بأن الفيضانات جرفت ضيعات زراعية كبيرة. فأدرك العمراني أنه يقصد ضيعاته بالذات. إلا أنه طمأنه بأن الأمر لا يعدو أن يكون مزحة. فقد كان يمزج بين الطرائف والوقائع. لولا أن واقعة إقالته في ذكرى عيد ميلاده الواحد والستين أحدثت في نفسه أثرا لم يستطع الخلاص منه أبدا.
وجاء رحيله ليريحه ويريح الآخرين، في مثل الأقدار التي تضع نهايات لكل بدايات، لكن الكتابة عن عراب أم الوزارات لا تستقيم من دون الإحاطة بكثير من التطورات السياسية في مرحلة هامة من تاريخ البلاد. وذاك أمر متروك للمؤرخين هذه المرة.
... تابع القراءة

وثائق ويكيليكس: آلة المسح الضوئي التي عرت الامبراطور الأمريكي



حديث وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن الخطر الذي قد يهدد حياة عملاء الأمن القومي الأمريكي من جنود وجواسيس ودبلوماسيين بسبب تسريبات ويكيليكس حديث مبالغ فيه

لأنه لم تتأكد حتى الآن إصابة أي منهم حتى بالزكام منذ بداية التسريبات.
الأمر الأهم الذي يطمئن على سلامة مبعوثي واشنطن إلى العالم أن القصاصات التي بعثوها إلى واشنطن تسبب الحرج أكثر من الغضب –باستثناء الحالة التركية- وأن كل ما يفعله الدبلوماسيون الأمريكيون على ما يبدو هو دور «طيابات الحمام» حسب التعبير المتداول في المدن المغربية القديمة. لكن الكمية الضخمة من النميمة التي أنفقت عليها الإمبراطورية مليارات الدولارات في أكثر من مائتين وسبعين بعثة دبلوماسية عبر العالم ساهمت في اهتزاز صورتها والتأكيد على ضبابية أهدافها وعدم ثقتها في أحد، فضلا عن قدر زائد من الاستعلاء والغرور.
واستنادا إلى مقال في «فاينانشل تايمز» البريطانية، فإن قلق الوزيرة الأمريكية في غير محله لأن الخوف الحقيقي يكمن في ثقافة السرية في الحكومة الأمريكية التي خرجت عن السيطرة.
وحسب كاتب المقال، فإن النفاق الذي بدا واضحا في معظم الوثائق المسربة أمر مألوف في الدبلوماسية من حلفاء يغتابون بعضهم بعضا أو أعداء يتشحون بلباس الأصدقاء، وأن السر في الحفاظ على الأسرار هو تقليص عددها وتقليص عدد المسموح لهم بالاطلاع عليها.
«دير شبيغل» الألمانية، التي كانت من بين خمس مطبوعات دولية حصلت على نسخ من مائتين وخمسين ألف وثيقة للخارجية الأمريكية تعود إلى عام 1966، كتبت في تقديمها للوثائق «لم يحصل أبدا في التاريخ أن ضاع من قوة عظمى هذا العدد الهائل من المعلومات الحساسة، التي تفسر الأسس التي تقوم عليها الدبلوماسية الأمريكية».
الأمريكيون العاديون تعاملوا باستخفاف وربما بسخرية مع بعض المواقف التي صورتها الوثائق بشكل دقيق، لكنهم صدموا من طريقة عمل دبلوماسييهم وطريقة إنفاقهم وقتهم وأموال دافعي الضرائب. وقد صدموا أكثر من السرية المبالغ فيها، التي أصبحت المقياس والقاعدة في الأداء الحكومي.
الأمريكيون الذين صدقوا وعود المرشح باراك أوباما بحكومة شفافة وقوانين توضع على الأنترنت قبل المصادقة عليها تخلى عن كل وعوده ووضع آلات مسح ضوئية في المطارات لتصوير عوراتهم، في حين تتستر حكومته كسابقتها على صغيرة وكبيرة من روتينها اليومي قبل أن تظهر تلك الأسرار دون رغبته على الأنترنت.
برادلي مانينغ الجندي الأمريكي القابع حاليا في زنزانة انفرادية في قاعدة عسكرية في فرجينيا، والذي يعتقد أنه المسؤول عن أكبر تسريب للوثائق السرية في تاريخ الجمهورية، يبدو أنه هو الآخر فقد الثقة في أن بلاده «قوة خير في العالم» كما يحلو للساسة الأمريكيين تكراره بمناسبة أو بدونها.
في أفضل تحقيق كتب عن حياته حتى الآن نعرف أن هذا الشاب الذي كان يعاني من مشاكل شخصية مختلفة، بما في ذلك ميوله الجنسية الشاذة التي كانت موضوع تندر وسخرية من زملائه، كان يشعر أيضا ببعض الريبة من أهداف بلاده الحقيقية في كل من العراق وأفغانستان.
ويحكي مانينغ عبر الأنترنت لأحد أصدقائه على الشبكة العنكبوتية عن حادث سيغير رأيه بشكل جذري، وربما كان القشة التي دفعته لنشر غسيل أمريكا الدبلوماسي الوسخ.
حكى مانينغ الجالس أمام شاشة الكمبيوتر في قاعدة شرق بغداد لصديقه في الجزء الآخر من العالم في مدينة سان فرانسيسكو عن أمر تلقاه من قائده المباشر للتحقيق مع خمسة عشر معتقلا عراقيا كتبوا عريضة «معادية للعراق» وبعد انتهاء التحقيق توصل مانينغ أن الوثيقة لا تتعدى كونها احتجاجا على الفساد الضارب أطنابه في الحكومة العراقية. وحينما ذهب الرقيب الشاب إلى قائده العسكري المباشر بنتائج التحقيق، نهره قائده قائلا: «عليك بالتزام الصمت وحاول أن تساعدنا لإيجاد أفضل السبل لمساعدة جنودنا على إلقاء القبض على المزيد من المعتقلين».
بعد هذا الحديث مع قائده كتب مانينغ المصدوم إلى صديقه عبر الأنترنت «لم أعد أصدق نظرية الطيبين ضد الأشرار بعد اليوم. ليس هناك سوى مجموعة من الدول تتصرف على أساس المصلحة الذاتية».
بعد الحادث بأيام توصل صديق مانينغ بهذا البريد الالكتروني «دعني أسالك سؤالا افتراضيا.. إذا كانت لديك الحرية المطلقة للاطلاع على شبكة واسعة النطاق من المعلومات السرية تغطي من ثمانية إلى تسعة أشهر واطلعت من خلالها على أشياء سيئة ربما صادمة، وهي أمور يطلع عليها عدد كبير من الناس وليست مخبأة في قاعة مظلمة في واشنطن... ماذا عساك فاعل؟».
بالطبع نعرف الآن أو نعتقد ما فعله مانينغ بفضحه أشياء وأشخاصا ظهروا بالفعل بشكل قبيح وصادم.
وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ظهرت في الوثائق وهي تنتهك القانون بأدلة موقعة بخط يدها حينما طالبت جواسيسها – عفوا دبلوماسييها- بجمع معلومات شخصية عن أمين عام الأمم المتحدة وكبار موظفي وسفراء المنظمة الدولية. الوزيرة تريد معرفة كل شيء، بما في ذلك أرقام بطاقاتهم الائتمانية بل مواد الحمض النووي أيضا، مما دفع كاتبة يسارية تسخر من الوزيرة وتتساءل إذا ما كنت ترغب السيدة كلينتون في الحصول على فرشاة أسنان بان كي مون.
الزعماء العرب ظهروا في الفوج الأول من التسريبات وبشكل انتقائي كديكتاتوريين لن يصلح حال العباد قبل رحيلهم كما جاء في قصاصة من تونس العاصمة، أو كذابين على شعوبهم كما أخبرنا السفير الأمريكي في صنعاء، أو منافقين بشأن إيران كما أخبرتنا قصاصات الكثير من العواصم العربية.
لا نعرف طبعا ما كان يقوله دبلوماسيو فترة الحرب الباردة، لكن أغلب الظن أنهم كانوا أكثر مهنية من زملائهم اليوم لأن طبيعة الحرب سهلت عليهم المأمورية في التفريق بين الحلفاء والخصوم على أسس إيديولوجية واضحة، الأمر الذي افتقدته الإمبراطورية وافتقده أيضا الجيل الجديد من الدبلوماسيين فأصبح الجميع خصما إلى أن يثبت العكس.
مقارنة التسريبات بأحداث الحادي عشر من شتنبر، كما جاء على لسان وزير الخارجية الإيطالي، قد تكون ميلا للمبالغة والإثارة في بعض النواحي، لكن هناك بعض نقاط الشبه على الأقل في ردود فعل واشنطن.
عجز أمريكا عن حماية مقر وزارتها في الدفاع في قلب عاصمتها يوم الحادي عشر من شتنبر لا يضاهيه سوى عجزها عن الاحتفاظ وتأمين ملايين القصاصات السرية من مراهق استطاع أن يحملها على قرص مدمج وهو يمضغ العلك في صحراء العراق.
كما أن الدولة التي اخترعت الأنترنت لم تستطع، رغم كل الاستعدادات لحرب الإلكترونية مع الصين أو روسيا، أن توقف تدفق القصاصات رغم محاولاتها المتكررة، ورغم حملها موقع «أمازون» على إلغاء «استضافته» لموقع ويكيليكس الشرير.
وكما شنت الإمبراطورية حربا على أفغانستان بحثا عن أسامة بن دلان بدأت واشنطن في شن حرب أخرى على جوليان أسانج مؤسس الموقع، الذي اختفى عن الأنظار في إحدى مغارات أوروبا، كما اختفى سلفه أسامة بن لادن في مغارات أفغانستان وباكستان بعد أن سبقه إلى قائمة العدو رقم واحد للإمبراطورية.
نقطة التشابه الأكثر قتامة هي تركيز معظم وسائل الإعلام الأمريكية والمسؤولين الأمريكيين في تصريحاتهم العامة على الأقل على الشكل متجاهلين المضمون باستثناء موضوع إيران طبعا.
منذ الحادي عشر من شتنبر فضلت النخبة الأمريكية تجاهل الأسباب الحقيقية لمشاكل أمريكا في العالم الإسلامي، وفضلت التفسيرات السريعة والمريحة كعدائهم «لحريتنا وطريقة عيشنا وديموقراطيتنا» واعتبر كل من اقترب من السياسة الخارجية الأمريكية وكأنه يبرر الإرهاب.
في أول رد فعل علني لها على التسريبات، رفضت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون كباقي المسؤولين التعليق بشكل مباشر على مضامين الوثائق وأصرت على وصفها «بالوثائق المزعومة»، لكنها لم تجد حرجا في الحديث عن إيران وعن «الإجماع» الذي يتسم به الموقف الدولي إزاء الخطر الإيراني.
باقي التغطية الإعلامية الأمريكية ركزت على مؤسس الموقع وشيطنته إلى أبعد الحدود، كما ركز النقاش على كيفية الاقتصاص منه إما عن طريق السويد في تهم بالاغتصاب في حق سيدتين في تهم أعرب أحد كبار مراسلي «نويورك تايمز» عن شكه العميق في مصداقيتها، وربما علينا الانتظار لاحقا لقراءة ما كتبه السفير الأمريكي في السويد حاليا عن ترتيبات المتابعة القانونية.
لكن الخلاصة الصادمة، خاصة لدى الفئات اليسارية التي راهنت على باراك أوباما وصدقت كلامه الانتخابي حول الانفتاح على العالم وتصحيح صورة أمريكا في العالم الإسلامي والحديث إلى خصوم أمريكا من كوبا إلى كوريا الشمالية إلى إيران، هي أن باراك أوباما هو استمرارية مؤلمة لسياسات سلفه، سواء داخليا أو خارجيا، وإن استبدل الكلام العدواني بالكلام الشاعري.
الموجة الأولى من التسريبات- وهي بضع مئات من أكثر من ربع مليون وثيقة- ركزت على إيران وبدا واضحا لهذه الفئة من الأمريكيين التي بدأت تفقد الأمل في أوباما قبل التسريبات أن الحكومة الأمريكية تبحث عن مبررات لشن حرب على إيران.
وسائل الإعلام اليمينة، وفي مقدمتها محطة فوكس وزميلاتها في إسرائيل والحكومة الإسرائيلية نفسها، تلقفت جميعا موضوع إيران للتأكيد وإعادة التأكيد على أن العالم كله يدرك خطر البرنامج النووي الإيراني إن سرا أو علنا.
هذه الجماعات تتحرك بدافع واحد ينبع من تصديقها واحدة من أكبر أكاذيب القرن الجديد أطلقها الساسة الإسرائيليون وصدقوها وحاولوا إقناع بقية العالم بتصديقها، ومفادها أن إسرائيل - التي تملك مئات من الرؤوس النووية الجاهزة للإطلاق في أي لحظة- تواجه «خطرا وجوديا» من قنبلة إيرانية وهمية لم تصنع بعد.
الإسرائيليون نجحوا في تحويل هذه القضية إلى واحدة من أبرز القضايا الانتخابية الداخلية والموضوع الأول على أجندة محادثاتهم الخارجية مع جميع مخاطبيهم، وفي مقدمتهم طبعا الولايات المتحدة.
الرئيس جورج بوش وفي مذكراته المثيرة للجدل أعرب عن «الندم» لأنه ترك هذه المشكلة لخلفه «قبل أن يحلها»، في حين تلقفها خلفه وجعلها من أولوياته ونجح فيما لم ينجح سلفه حينما شدد العقوبات على طهران بعد رشوة كل من الصين وروسيا.
لكن المشكلة تبقى في الموقف العربي الذي يستعصي فهمه على العقل السليم اللهم إذا كان هؤلاء الزعماء يرون ما لا تراه شعوبهم أو يتلقون بدورهم قصاصات من سفرائهم الأكفاء إن وجدوا في العاصمة الإيرانية.
في شهر غشت الماضي فقط أجرى معهد بروكينغ للأبحاث السياسية، الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، استطلاعا للرأي العام في سبع من الدول العربية، بما فيها السعودية ومصر والإمارات، فوجد أن 88 في المائة ممن استطلعت آراؤهم يعتقدون أن إسرائيل تشكل الخطر الأعظم، وفي دول أخرى اختار 77 في المائة الولايات المتحدة نفسها كأعظم خطر يهددهم، في حين لم يختر إيران سوى 10 في المائة ممن استطلعت آراؤهم.
وفي الاستطلاع نفسه أعرب 57 في المائة من العرب عن اعتقادهم بأن إيران تطور بالفعل أسلحة نووية – على خلاف الادعاء الإيراني العلني- ومع ذلك أعرب 77 في المائة عن حق إيران في تطوير برنامج نووي، بل إن 57 في المائة ممن استطلعت آراؤهم أعربوا عن الاعتقاد بأن منطقة الشرق الأوسط ستكون أفضل حالا إذا امتلكت إيران بالفعل أسلحة نووية.
هذه الأرقام يدعمها المنطق والنظرة الاستراتيجية للمنطقة ومنطق توازن القوى حتى في جهود البحث عن السلام في الشرق الأوسط لأن الموقف التفاوضي الذي لاتدعمه قوة معنوية أو مادية يبقى موقفا ضعيفا تماما كما هو الشأن بالنسبة للموقف التفاوضي الفلسطيني والعربي عموما.
يوجد إجماع في الشرق والغرب على السواء أن رعب التوازن النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ووريثته روسيا كان السبب الرئيسي في عدم اندلاع حرب عالمية ثالثة، وهو الهدف الذي أخفقت فيه عصبة الأمم في فترة ما بعد الحربين على الرغم من «حسن النوايا».
لكن منطق الزعامات العربية، بالإضافة إلى تراجعه الأخلاقي في استعارته مبدأ التقية من المذهب الشيعي، يفتقر إلى منطق أصلا في حض الأمريكيين على استهداف إيران في وقت يتبادلون الزيارات وبرقيات التهنئة في الأعياد الدينية.
في «كيبل» من السفير الأمريكي في القاهرة إلى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون يحضرها فيه لأول لقاء لها مع نظيرها المصري أحمد أبو الغيط يصف السفير الأمريكي رئيس الدبلوماسية المصرية بالذكاء، ولكن بالثرثرة أيضا ومعارضته الدخول في أي نقاش يتعلق بإخفاقات مصر. كما نبه السفير الأمريكي رئيسته في واشنطن بأن الوزير المصري قد يحاول الاطلاع على نوايانا إزاء إيران. وأضاف السفير الأمريكي قائلا: «أن الرئيس مبارك أبلغ السيناتور ميتشل خلال زيارته الأخيرة للقاهرة بأنه لا يعارض حديثنا مع إيران مادمنا لن نصدق كلمة واحدة يقولونها».
الوثائق أظهرت أيضا أن العرب - أو معظم قادتهم على الأقل- كانوا خائفين من تقارب أمريكي إيراني بعيد فوز أوباما على ضوء تصريحاته الانتخابية لأن أي تقارب سيكون على حسابهم تماما كما كان الوضع أيام الشاه، مما يؤكد أن العرب كالأمريكيين هذه الأيام لا يعرفون من يعادون ومن يصادقون.
وباستثناء الموقف الإماراتي الذي قد يبرر بسبب النزاع حول الجزر الثلاث التي تحتلها إيران يبدو أن مواقف باقي الدول العربية مبني على أسباب موغلة في التخلف، أي العداء لإيران بسبب مذهبها المختلف- وكأن إيديولوجية الليكود الحاكم في إسرائيل أقرب إلى ميولنا من المذهب الشييعي- أو خوفا من «جيوب» الشيعة من مواطني العديد من الدول العربية المحيطة بإيران وفي لبنان.
غياب العراق كدولة محتلة ومدمرة وخارجة على المدى القريب والمتوسط من ميزان القوى بعد أن قدمها الأمريكيون «هدية لإيران على طبق من ذهب» كما نقلت إحدى الوثائق عن العاهل السعودي شجع قادما جديدا – قديما للمنطقة في شخص حزب العدالة والتنمية التركي، لكن قدومه يخيف أيضا بعض العرب ويخيف أكثر الولايات المتحدة، وهذا ما يفسر أن أكبر كمية من الوثائق الأمريكية خرجت من السفارة الأمريكية في أنقرة.
قضية القنابل العنقودية التي وردت في وثائق ويكيليكس وحظيت باهتمام إعلامي ضئيل للغاية أكبر دليل ليس على النفاق، بل على الإفلاس الأخلاقي للإمبراطورية، التي تعتبر نفسها «الدولة الضرورية» للمجتمع الإنساني.
الوثائق أظهرت أن الولايات المتحدة التي رفضت التوقيع على معاهدة دولية تحظر استعمالها حاولت الالتفاف على المنع فوق التراب البريطاني، بتواطؤ مع وزير الخارجية العمالي ديفيد ميليباند، للسماح لواشنطن بانتهاك معاهدة وقعت عليها بريطانيا ونشر الأسلحة المحظورة في القواعد البريطانية.
القنابل العنقودية من أخطر الأسلحة ضد المدنيين وتواصل قتلها حتى بعد انتهاء الحروب بسنوات طويلة كما هو الشأن في فيتنام وجنوب لبنان حيث تفتك بالأطفال الذين يلعبون بالقنابل الصغيرة التي لا تنفجر إلا بعد لمسها بعد مدة طويلة من إسقاطها.
الوثائق كشفت النقاب أيضا عن المشكلة التي واجهت الولايات المتحدة في أفغانستان بعد أن «تسرعت» الحكومة الأفغانية في التوقيع على المعاهدة في دجنبر من عام 2008 دون استشارة أولياء الأمر في واشنطن، على الرغم من «الضمانات» التي قدمها الرئيس حامد كارزاي بعدم التصديق على المعاهدة.
واشنطن قررت حسب وثائق ويكيليكس السعي «لإقناع» الحكومة الأفغانية بأن من الممكن قانونيا للقوات الأمريكية أن تقتل المواطنين الأفغان بالقنابل العنقودية فوق التراب الأفغاني دون أن تنتهك القوات الأمريكية القانون مادامت حكومة كارزاي لن تستخدم القنابل بنفسها!.
الدبلوماسيون الأمريكيون في كابل نصحوا باتخاذ مقاربة «هادئة» لمعالجة المشكلة وربما بموظفين أقل من مستوى الوزراء «بسبب الحساسية المحيطة بالموضوع في أفغانستان إزاء القنابل العنقودية والقصف الجوي بشكل عام».
في الجزء الذي كشفته صحيفة «الغارديان» البريطانية نطلع أيضا على «المواجهة» بين الحليفين التقليديين حول نشاط أمريكي مريب فوق الأراضي اللبنانية كانت الطائرات الأمريكية تتجسس خلاله على حزب الله لفائدة إسرائي، حسب اعتقاد الصحيفة البريطانية، لكن الوزراء في الحكومة البريطانية-على عكس نظرائهم الأمريكيين- كانوا يودون الاطلاع على نشاط الأمريكيين.
كان الرأي العام البريطاني يغلي بمعارضته للحرب في العراق ويشعر بالقلق من الرحلات الجوية السرية لوكالة الاستخبارات المركزية، التي كانت تستخدم بعض المطارات البريطانية في رحلات التعذيب والاختفاء.
وفي عام 2008 اتخذت المواجهة مرحلة من الحدة ـ لم يسمع بها أحد طبعا خلال تلك الأيام بسبب الابتسامات العلنية- ورفضت واشنطن قلق لندن بشأن التعذيب جملة وتفصيلا لدرجة حملت مسؤولا كبيرا في السفارة الأمريكية في لندن للقول «لا يمكننا في إطار محاربة الإرهاب وبسبب خشيتنا من احتمالات انتهاك حقوق الإنسان أن نترك الإرهاب ينتشر في لبنان».
طبعا، الوثائق تعري أيضا العديد من الساسة اللبنانيين المسيحيين الذين «ينصحون» بحصر الحرب في المناطق المسلمة والشيعية تحديدا حتى لايفقد الغرب تعاطف أصدقائه في لبنان.
الوثائق أظهرت أمريكا كمراهق غني يحتقر جميع زملائه في الفصل حتى من يدعي صداقاتهم، ولايستطيع مقاومة احتقارهم والنهش في أعراضهم، بمن فيهم جيرانه الأقربون أو «حلفاؤه» البعيدون.
فبعد أقل من شهر من طمأنة أوباما المراسلين بأن الترسانة النووية الباكستانية توجد بين أيد أمينة كتبت سفيرته في إسلام أبام عن «قلقها الشديد» من وجود كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب مخزنة بجانب مركز بحث نووي قديم كافية لصنع عشرات من «القنابل الوسخة».
نيكولا ساركوزي، الذي وصف قبل بضعة أيام فقط بأنه أقرب رئيس فرنسي للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية ظهر كشخصية ديكتاتورية صعبة المزاج في نظر الدبلوماسيين الأمريكيين لدرجة تحويل طائرته الرئاسية حتى لا يرى ألوان العلم التركي فوق برج إيفيل بسبب كراهيته العمياء لتركيا والأتراك. ساركوزي وصف التسريب بأنه «قمة اللامسؤولية»
روسيا ببساطة دولة تحكمها المافيا، التي تفرض إتاوات على رجال الأعمال، والتي تدفع نقدا وتحمل في الحقائب إلى الكرميلن.
وحسب الدبلوماسيين الأمريكيين في موسكو، فإن دفع تلك الأموال لا يعني بالضرورة الحماية الكاملة من الاعتقال، أما الذين لا يدفعون فإنهم يكتشفون بسرعة أن تجارتهم أغلقت لسبب آو لاخر.
الجارة كندا لم تسلم هي الأخرى من سلاطة لسان الجار القوي، بل لم تسلم برامجها التلفزيونية التي «تغذي الصور النمطية السلبية عنا لدى الشعب الكندي»، حسب تعبير السفير الأمريكي في أوتاوا.
الوثائق لم تخل أحيانا من بعض الصور الكاريكاتورية كبحث الأمريكيين عن نشطاء حماس وحزب الله في المثلث الحدودي الخالي بين البراغواي والبرازيل والأرجنتين أو قصة إعداد التأشيرة للزعيم الليبي معمر القذافي قبل توجهه إلى نيويورك للمشاركة في أشغال الجمعية العامة للامم المتحدة.
واستنادا إلى أحد الدبلوماسيين الأمريكيين في طرابلس، فقد طلب من أحدهم-حذف اسمه من الوثيقة- أن يوفر صورة للزعيم الليبي وفق المواصفات المطلوبة للحصول على التأشيرة. لكن صاحبنا تساءل مع مخاطبيه الأمريكيين إن كان التقاط الصورة ضروريا مادامت صور الزعيم توجد بالمئات في كل شوارع المدينة ويمكن تصوير إحداها وتصغيرها لتلبية الغرض المطلوب.
هذا جزء من فيض أول أقل من واحد في المائة من الوثائق التي سيطلع عليها العالم في الأيام القلية القادمة يظهر الأسلوب التي تدار به شؤون العالم من القوة الوحيدة في العالم، وما خفي قد يكون أعظم.
محمد العلمي 
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى