هسبرس القصة الكاملة

يبدو أن بعض مواقع الأنترنت تهدد المعيش اليومي لـ«المقدمين» و«الشيوخ». هؤلاء يحصون أنفاس الناس يوميا ويرفعون تقارير عنهم، ليتولى رؤساؤهم النظر في أمرها، أما بعض مواقع الأنترنت  
فقد صارت تتجاوز إحصاء «كليكاتهم» على شاشة حواسيبهم إلى استشراف آرائهم وتعمل على استخلاص التوجهات الكبرى للرأي العام منها. ويأتي موقع «هسبريس» على رأس قائمة مواقع الأنترنت المنتسبة إلى المغرب التي تتخذها بعض الجهات وسيلة لجس نبض الرأي العام، قبل اتخاذ قرار في شأن قضايا معينة.
وقد أكدت مصادر عليمة لـ«المساء» أن القائمين على «هسبريس» يعمدون، في زحمة المقالات التي يعج بها موقعهم، إلى إثارة بعض القضايا بقوة. وفي هذا الإطار، يتم نشر مقالات سرعان ما تحولها جداريات الموقع إلى «استفتاء»، لاختبار مدى تماسك الشخص أو الهيئة التي صوبت الجهات التي تقف وراء الموقع سهامها نحوه (ها)، وتنتظر فقط ما يشبه «الضوء الأخضر» للإجهاز عليه (ها). والضوء الأخضر في هذه الحالات يكون إما لا مبالاة تجاه الشخصية أو الهيئة أو تخليا كليا أو جزئيا.
وتضيف المصادر ذاتها أن القائمين على «هسبريس» والأيدي التي تحركهم أصيبوا، في أكثر من مناسبة، بخيبات أمل كبرى، لأن مقالاتهم في بعض الحالات لا تزيد خصومهم إلا قوة وتعاطفا، لأن مغزاها مكشوف، وإن حاول كتابها، أن يتواروا خلف أسماء مستعارة، أو يوقعوا باسم المدينة التي يدعون أنهم يرسلون منها «قصاصاتهم»...
يكون الوضع لدى «هسبريس» حينئذ أشبهَ بـ«انقلاب السحر على الساحر». فكيف يكون رد فعل من سقطوا في شراك مكائد «هسبريس»؟
تقول مصادر «المساء» إن القائمين على الموقع يوهمون قراءهم، من خلال المتابعة اليومية لمستجدات الأحداث، بأنهم يتقيدون بالموضوعية ويترقبون ما يعتقدون أنه «اللحظةَ المنافسة» لتوجيه طعنات لمن يعتبرونهم خصوما، علما أن أغلبية المقالات التي تُنشَر في الموقع مستقاة من الصحف المغربية والأجنبية، مستفيدة من «عروق» شبكة الأنترنت، التي تكفي معها بضع نقرات على شاشة الحاسوب لتسري المادة الخبرية في كل أرجاء المعمور، وليس في المغرب فقط، بينما الجريدة الورقية لم تصل سوى إلى فئة قليلة من قرائها، القاطنين في المراكز الحضرية الكبرى. 

توقيعات مستعارة
إذا كان هذا النوع الأخير من المقالات، أي المستقى من الجرائد، يتسم في معظمه بقسط من الموضوعية، فإن أغلبية المقالات التي تُكتَب باسم «هسبريس»، سواء أفصح كاتبها عن اسمه الحقيقي أو اختفى وراء كنية مستعارة أو توارى خلف توقيعات غامضة، مثل «هسبريس من الرباط»، شبيهة بتسريبات لاختبار «مناعة» الشخصيات والهيآت التي تتناولها. والأكيد أنها تخدم مصلحة «جهات ما» تقف وراء هذا الموقع الإلكتروني الخاص جدا. العينات كثيرة وتكفي زيارة قصيرة للموقع، في أي وقت، لتمييز المقالات الصحافية من المقالات -الاستفتاءات.
وعلى هذا الأساس، يتبين أن المقالات -الاستفتاءات لا تنشر عبثا، وإنما تحرص الجهات المحركة لـ«هسبريس» على اختيار توقيتها. وإذا خيبت تعليقات القراء آمال هذه الجهات، فإنها تسكين أياما ثم تعود لنشر «مغالطات» جديدة، في محولة للنيل ممن تعتبرهم خصومها.
وقد أثار أحد زوار «هسبريس» المنتظمين هذه الملاحظة وقال إن باستطاعته أن يتوقع مقالا ثانيا عن نفس الشخصية أو الهيئة بمجرد الاطلاع على التعليقات، فبالإضافة إلى افتقارها إلى الموضوعية ونزوعها نحو القذف والتجريح، فإن هذه المقالات تتطرق بوتيرة متسارعة إلى الشخصيات والهيآت ذاتها، حيث يغير أصحابها زواياها ويختلقون افتراءات جديدة تبعا لما يرِد عليهم من تعليقات، أملا في إقناع الرأي العام بأن هذا التنظيم «فاسد» وبأن هذه الشخصية «ليست كما تعتقدون»... «تكرار المقالات التي تتناول موضوعا معينا، بافتراءات جديدة، دليل على فشل الجهات التي تقف وراء «هسبريس» في تأليب زوار الموقع ضد خصومها»، يقول إعلامي عمل في هذا الموقع في سنته الأولى، مؤكدا أن كثيرا من كتاب هذه الاستفتاءات تعوزهم الكفاءة والحجج، ولذلك تنقلب عليهم حيلهم...
ويبدو أن أصحاب «هسبريس» يعرفون -أكثرَ من غيرهم- أن مقالاتهم تفتقر إلى الموضوعية التي تعتبر مفتاحَ التفاعل الجيد مع القراء. ولهذا السبب، قد لا يترددون في التدخل لـ«توجيه» تعليقات القراء على المقالات التي ينشرونها، لضرب «خصومهم».
وقد كشفت «هسبريس» نفسُها عن جانب من «الأسلوب» الذي تدبر به الجداريات المخصَّصة لتعليقات القراء على مواضيع القراء. وورد في حوار أجرته مع شخص أنه «معلق مشاغب يختفي وراء اسم الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري كشف عن أمرين أساسيين: أولهما أن الموقع يحدد هوية جميع زواره الذين يكتبون تعليقات على المقالات أو يردون على تعليقات لآخرين، تأييدا أو معارضة، وهو ما يثبت أن جميع الزوار مراقَبون ويتم تحديد هوياتهم بدقة، ليس فقط أسماءهم ومهنهم، بل يمكن الولوج أيضا إلى الملفات التي يُخزّنونها في القرص الصلب لحاسوبهم الخاص، اعتمادا على عنوان «IP»، الذي يعتبر بمثابة «بطاقة تعريف» مستخدمي الأنترنت!...
أما الثاني فهو الأخطر. ويتعلق بتوجيه نقاش الزوار حول القضية، ذلك أن «أبا ذر الغفاري»، كما يكني نفسه، والذي قال إنه صحافي يحبذ التعليق على المقالات أكثر من كتابتها، اعترف في الحوار الذي أجرته معه «هسبريس» نفسها بعمله على «توجيه» النقاش في الجداريات. 

تكنولوجيا التجسس
يُظهر تمكُّن الموقع من إجراء حوار مع معلق -رغم أنه استعمل اسما مستعارا- أن المشرفين على هذا الموقع يعرفون جيدا زوارهم ويتوفرون على جميع المعطيات عنهم، خصوصا أن تكنولوجيا التجسس عبر الشبكة العنكبوتية توصلت إلى برامج تقوم بهذه «العملية»، دون إثارة انتباه متصفح الأنترنت. ويعني هذا أن «هسبريس» بإمكانه أن يربط، من خلال ما يتوفر عليه من معلومات، الاتصالَ بأي شخص يدون تعليقا في جدارية مقال معين، ويمكن أن تمنح المعلومات لجهات، لتوظيفها وفق ما يخدم مصالحها.
وبخصوص توجيه النقاشات، ومن خلالها الرأي العام، فإنه يتم أولا حسب منطق «ما يجوز نشره»، و«ما ليس قابلا للتعميم»... ويستغرق نشر التعليقات على الجدارية وقتا في حالة نشره، وقد لا ينشر أبدا. كما تتم مراجعة كل التعليقات قبل نشرها.
الخطوة الثانية في «التوجيه» يتولاها هذا «المعلق» عن طريق التدخل لتغيير مسار النقاشات على النحو الذي يخدم مصالح الجهات الواقفة وراء «هسبريس». مرة، يتدخل لـ«دعم» أقوال معلق وتارة «ينهر» آخر، حسب المصلحة...
وقد طرح الصحافي عبد الله ساورة، الذي أجرى ذلك الحوار في يوليوز 2009، على مستجوبه السؤال التالي: «من أجل مزيد من التوضيح، أنت بطبيعة الحال لست طه الحمدوشي، مدير موقع «هسبريس»، ولست الصحافي مصطفى حيران؟»، وفي ذلك إشارة إلى الذين كانوا يعتقدون حينئذ أن «أبا ذر الغفاري» هو طه الحمدوشي، مدير «هسبريس» أو الصحافي مصطفى حيران، أو هما معا...   وقد جاء جواب المعلق كالتالي: «هذا السؤال يجب أن توجهه لطه الحمدوشي وحيران، فلستُ معنيا به إلا إذا كنت تريد تبرئة ذمتهما من حدة تعاليقي وخطاباتي النارية. فقد سبق أن قلت إن حيران ليس هو «أبو ذر الغفاري». صحيح أننا نلتقي في بعض المواقف والمواضيع ولكن لكل منا شخصيته المستقلة. وقد سبق لي أن انتقدته في عدة مواضيع، لذلك لا داعي إلى الرجوع دوما إلى هذا السؤال، فالكرة الآن في ملعب حيران، فهو الذي يجب عليه أن يبرئ نفسه مني, حتى يعيش في أمن وأمان»...

فكرة الموقع
بدأت الحكاية مع طه الحمدوشي، مدير الموقع الذي يعيش في كندا، عندما أحس بالرغبة في متابعة الأحداث التي يعيشها المغرب. لم يتردد في الاتصال بمصمم الموقع، وهي شركة «egyxp»، التي يملكها المصري محمد فتح الله. صممت هذه الشركة المعروفة مواقع «هداية نت»، للصحافية السعودية هداية درويش، وجريدة «السياسي»، الإلكترونية، وموقع «المقطف الإعلامي»  وكذلك موقع «جريدة حزب شباب مصر» وجريدة «عرب بريس». ويؤكد الحمدوشي أن هذا الاختيار كان ماديا أيضا، لأن هذه الشركة تعرض أسعارا منخفضة جدا لا تتجاوز مئات من الدولارات، ولأن «أغلبية الشركات المغربية المتخصصة في إنشاء المواقع تتقن أكثر التعامل مع تصميم المواقع بلغات أجنبية، وبعضها طلب منا مبالغ خيالية»، يقول الحمدوشي، في حديثه إلى «المساء».
وحسب مدير الموقع، تعني كلمة «هسبريس» الأطلال والحدائق الأسطورية، وأشار إلى أنها كانت تقع في شواطئ المغرب، وبالضبط على المحيط الأطلسي: «لقد وقع الاختيار على هذا الاسم لأنه سهل وغامض ويتعلق بالمغرب ويتيح ربطه بالفضاء الإلكتروني لعالم الصحافة».
تمت برمجة موقع «هسبريس» بشكل خاص لإدارة محتواه كجريدة إلكترونية، وتتيح الولوج إلى بياناته عن طريق رقم سري، من أجل توضيب المقالات ومراقبة التعليقات من أي مكان في العالم، وهي إمكانيات متاحة حاليا في عدد كبير من المواقع الإلكترونية.
لا يستثني «هسبريس» أي مادة إخبارية كيفما كان موضوعها، ويعرضها مسؤولو الموقع بشكل آني، يجعل الموقع أشبهَ بوكالة أخبار إلكترونية: مواضيع عن الملكية والأمراء، حرية الصحافة، أحداث سيدي افني، أخبار الجالية المغربية في الخارج، أعمدة لصحافيين وكتاب مغاربة، مقاطع فيديو «يوتوب»...
وقد جعل «تفاعل» المبحرين المغاربة مع ما يقدمه الموقع عدد التعليقات، التي يتسم أغلبها بجرأة التعبير، يتجاوز المليون منذ إطلاق الموقع، دون أن يتعرض لأي تهديد صريح، وهو ما يعتبره المشرفون عليه «أمرا غريبا يجب أن يفخر به الإعلام المغربي»، بينما يرى المحامي إبراهيم راشدي أن المسطرة الجنائية تُطبَّق على كل من تسبب في أضرار معنوية للأشخاص عبر النشر الالكتروني، مثلما هو عليه الحال مع الصحافة المكتوبة، مما يجعل الموقع، في نظره، خاضعا لنفس القانون...

فريق عمل افتراضي
رغم أنه الموقع الإخباري الأول في المغرب، فهو لا يتوفر على مقر رئيسي، بل تتم إدارته من مكتب مديره والمشرفين التقنيين عليه. ولا يدرك متصفحو الموقع أن أغلبية الذين يشتغلون في «هسبريس» أو يتعاملون معه ليسوا متفرغين له، فهم ليسوا سوى أشخاص لهم حياتهم الخاصة وانشغالاتهم المهنية، كما أن بعضهم مقيمون خارج المغرب.
منذ إنشاء «هسبريس»، حرص صاحبه على ألا يضع شروطا محددة من الناحية التحريرية، وينشر أغلبية المقالات التي تصله، ليتجاوز عدد زوار موقع «هسبريس» يوميا عدد النسخ المطبوعة يوميا (وليس المبيعة) لجميع الصحف المغربية!... وقد صرح أحد المتعاونين مع الموقع لـ«المساء» قائلا إن بعض كتاب الأعمدة والصحافيين يحصلون، دون أن يحدد القيمة، على مبالغ مادية مقابل العمل بالقطعة بشكل أسبوعي، يتوصلون بها عبر البريد أو وكالات «وفا كاش». ولا يعتمد العاملون في «هسبريس» على هيئة للتحرير ويفضلون تسمية العمل الجماعي الذي يوحدهم بـ«فريق العمل»، وتنقسم مهام أعضائه بين التحرير ومراقبة التعليقات والمداومة على تصفح بريد الموقع والتواصل عبر برامج المحادثة الفورية وعبر البريد الإلكتروني، وأحيانا، عبر الهاتف، كما يطمح الموقع إلى تخصيص اجتماعات يومية للتحرير، عبر برنامج «سكايب» الشهير للمحادثة.
لا يطلب «هسبريس» من الصحافيين والمراسلين نهج سيرهم أو بطائقهم الصحافية أو أرقام هواتفهم الشخصية، فهم يكتبون ويراسلون الموقع «على سجيتهم». بعضهم يشتغلون في منابر معروفة ويكتبون في «هسبريس» بأسماء مستعارة. كما يتوفر الموقع على مراسلين متعاونين من خارج المغرب، يراسلون الموقع بانتظام ويكتبون إليه من فرنسا وهولندا والبرازيل وألمانيا وأمريكا وكندا والبرازيل وأستراليا وكوريا الجنوبية وماليزيا وجنوب إفريقيا...
وقد تلقى مسؤولو «هسبريس» مقترَحا من مغربي لتزويده بنسخ مصورة من الجرائد الوطنية، اتصل بهم وعرض عليهم فتح موقع ملحق به. تتمثل الفكرة في نشر ملفات مصورة من الجرائد المغربية وتحويلها إلى ملفات «بي دي إف»، ليتم وضعها بعد ذلك على شبكة الأنترنت في الليل» يكشف «هسبريس» لـ«المساء»، لكن أصحاب الموقع اكتفوا بفكرة تلخيص أهم الأخبار التي تصدر في الصحافة المغربية عشية صدورها ونشرها في الموقع، قبل أن تنزل الجرائد إلى الأكشاك بحوالي عشر ساعات... وهو ما يفوت على هذه الجرائد نشر أخبار طازجة ويعطي الانطباع بأن «هيسبريس» يسبق دائما إلى نشر الأخبار، فيما هو -في الواقع- «يقرصنها» من الجرائد بعد صدورها من المطابع...  في وقت سابق من العام الماضي، تعرض «هسبريس» للقرصنة، بعد اختراق لوحة التحكم في الموقع، وهي ثاني عملية اختراق بعد الأولى التي وقعت في شتنبر 2007، أي قبل بضعة أيام من الانتخابات التشريعية. وبعد التعرف على «القرصان» المغربي، تحول هذا الأخير إلى صديق لـ«هسبريس»، حسب المشرفين عليه، ومازالوا يحتفظون بعلاقة طيبة معه...
لم يُخف أحد المداومين على تصفح «هسبريس» أن الموقع يحافظ على إيقاع متذبذب في الأخبار التي ينشرها، ويقول: «حصلوا على «السبق» في عدد من الأخبار، لكنهم وقعوا في أخطاء، بتقديمهم أخبارا ثبت في ما بعدُ أنها لم تكن صحيحة». في ماي من السنة الماضية، سقط «هسبريس» في فخ مقال تحدث عن تعديل حكومي وشيك، فقام الموقع بنشر لائحة «وهمية» للوزراء، لكنه «تدارك» الأمر في الغد، بعد أن اتصل بالموقع، حسب الحمدوشي، أحد «الوزراء المفترضين» في اللائحة ونفى علمه بالموضوع.
وقد تعرف المغاربة على «قناص تارغيست» في «هسبريس»، الذي عرض أول شريط له ليشاهده المغاربة، ثم تلته باقي الأشرطة التي حصل عليها الموقع فور توصله براوبطها، وتمت مشاهدة أحد المقاطع عن طريق «هسبريس» أكثر من 70 ألف مرة... يعترف مسير الموقع بأنهم نشروا خبرا عاريا من الصحة عن أحد الوزراء، لكنهم قاموا بحذفه، بعد أن تبيَّن للمشرفين على الموقع عدم صحته، واعتذر الموقع -في الكواليس- لأحد المقربين من الوزير. 

أيها المعلقون.. المخابرات تراقبكم
يظن مستخدمو الأنترنت أن الأعين لا يمكنها أن ترصد إلا ما يكتبونه بأسمائهم الحقيقية ويبثونه من صور مصحوبة بتعليقات. كثير منهم يعتقدون كذلك أن باستطاعتهم الانفلات من هذه «الأعين» الخفية المنتشرة في المواقع التي توصف بـ«المشبوهة» باللجوء إلى أسماء مستعارة وعنوانين بريدية بتسميات صعبة على التحليل.
غير أن مدير أحد المواقع كذّب كل هذه الاعتقادات وكشف عن خصائص جهاز حاسوب أحد متصفحي موقعه، وطلب منه أن يوافيه برأيه في الموقع في نظام «لينوكس»، إذ كتب على جدار تعلقيات موقع آخر: «تفيدني مصادري أن شخصا يستخدم نظام التشغيل «Linux» قد زار موقعي، قادما من موقعكم، وأنا أتمنى أن أعرف كيف يبدو موقع عربي على نظام «Linux»، لأنني لم أجرب هذا النظام». لقد قطع المدير الشك باليقين من أن كل ما يقوم به متصفحو الأنترنت «مرصود».
على الأقل، اعترف هذا المدير لزوار موقعه بأنه يراقبهم، وفي ذلك إنذار لهم ليتوخوا الحذر، أما الأغلبية فتقوم بهذه العملية دون أن تعلن عن ذلك، بل وتحرص على أن تدفع عن نسفها «تهمة» التجسس وتحاول، جاهدة، أن تبدو «مهنية» و«موضوعية».  يميل مدراء هذه المواقع إلى حياة الظل، فيها يراقبون حركات وسكنات مرتادي مواقعهم ويرصدون كل صغيرة وكبيرة عن سلوكاتهم واستعمالاتهم لشبكة الأنترنت، وبالتالي تصبح جداريات التعليق أماكن لاستشراف التوجهات الكبرى للرأي العام، بالإضافة إلى جس نبضه في أكثر  القضايا إثارة للجدل.
ويستطيع مدراء المواقع الحصول على كم كبير من المعلومات عنك بشكل طبيعي، اعتمادا على ما ترسله أنت لهم من معلومات، أي ما يرسله متصفحك عند اتصاله بالموقع للحصول على الصفحة التي تطلبها. وهم لا يحتاجون إلى أي أدوات معقدة ولا إلى إرسال برامج خاصة تعمل على حاسبك وتبث إليهم معلومات. وأنت لا تستطيع فعل شيء في المقابل، إلا إذا قررت عدم زيارة الموقع نهائيا...
الأنترنت مصممة أساسا بشكل لا يستطيع معه أحد «الاختفاء» فيها، وكل من يستخدم الأنترنت يُعرَف برقم خاص يميزه، يسمى «رقم IP». وقد كان تصميم الأنترنت بهذا الشكل ضروريا حتى لا تختلط الإشارات التي تنقل المعلومات في زحام الشبكة، ولذلك، فعندما تطلب صفحة من موقع على الأنترنت، يقوم البرنامج الذي تستخدمه للتصفح بتزويد الموقع برقم التعريف الخاص بك على الشبكة، أي رقم IP، لكي يستطيع الموقع أن يرسل المعلومات التي طلبتَها إليك أنت بالذات. تتم هذه العملية كلها بدون علمك، وأنت توافق عليها عندما تشترك في الأنترنت. باختصار، هكذا تعمل الشبكة ولا يمكن تغيير هذا الوضع. تكشف هذه المعلومة موقعك الجغرافي، إذ يستطيع «المخدم»، انطلاقا منها، أن يحدد مزود خدمة الأنترنت الذي تتصل عبره. بشكل أساسي، يقدم المتصفح للمخدم مجموعة من المعلومات التي يمكن أن تعتبر ضرورية لعمل الشبكة، أهمها التعرف عن المتصفح نفسه، أي نوع المتصفح ورقم إصداره ودقة الشاشة التي يعمل عليها، والعمق اللوني المستخدَم عليها. وقد اعتُبِرت هذه المعلومة ضرورية للسماح لمصممي مواقع الأنترنت بتصميم صفحات مخصصة تبدو أفضل على كل متصفح في كل وضع. ولكن هذه المعلومة تكشف، ببساطة، نظام التشغيل الذي يعمل عليه المتصفح، بدون الحاجة إلى التجسس أصلا!  تقدم بعض المتصفحات، أيضا، اللغات التي تستطيع قراءتها على الحاسب، ليتمكن المستخدِم من إرسال الصفحة المناسبة للغتك. وقد صُمِّمت هذه التقنية لتسهيل عملية التصفح، ولكنها تساعد، أيضا، مدراء المواقع على تضمين الإعلانات المناسبة لك ضمن الصفحة التي يرسلونها إليك. وهنا أيضا لا يحتاجون إلى التجسس، فمتصفحك هو من يرسل إليهم المعلومات، تلقائيا.
ترسل بعض المتصفحات الحديثة عنوان الصفحة السابقة إلى المستخدم، وهذه عملية تجسس حقيقية، لأن هذه الميزة الجديدة أضيفت إلى الأجيال الجديدة من المتصفحات بناء على طلب مدراء المواقع، لتسمح بمراقبة حركة الزوار بين المواقع على الشبكة. ولا تفيد هذه المعلومة أبدا في عرض الصفحات، ولا أعرف كيف يمكن استخدامها لفائدة المستثمر...

معلومات تقنية
ليس من الغريب أن يكون موقع «هسبريس» أول موقع في المغرب، فعدد زوار هذا الموقع يناهز مليونا و600 ألف شهريا، وهو رقم يعتبره المتخصصون في المعلوميات وتصميم المواقع عددا يمكن له أن يرفع من ثمن الإشهار الذي يعمل عن طريقة الضغط، أي أن كل مرة يضغط فيها الزائر على إشهار يحسب ثمنه لصاحب الموقع. لكن موقع «هسبريس» في نفس الأسبوع عرف تراجعا بالمقارنة مع الأسابيع الماضية، لكن بالنسبة إلى الإحصائيات الشهرية ليناير، فقد استطاع الموقع أن يحقق نسبة تطور.
كما أن «هسبريس» يعتبر من بين المواقع التي تعتبر «مرجعا عالميا»، والتي يبلغ عددها 31 ألف موقع إلكتروني عالمي، لأنه يجدد محتوياته بمعدل كل ساعتين، وهو معطى يعتبره خبراء الأنترنت سريعا على مستوى تجديد المضمون، بنسبة 2 في المائة مقارنة مع المواقع العالمية الأخرى. كما يستعمل «هسبريس» نظام «UTF-8» وهو اختصار للجملة «8-bit Unicode Transformation Format»، وهي «صيغة تحويل نظام الحروف الدولي الموحد بقوة 8 بت». كما أن صاحب الموقع فضل أن يقتني عنوان «com» من بريطانيا وبالتحديد من شركة تدعى «Zen Network Technologies»، وهي الشركة التي اختارها صاحب الموقع منذ تأسيسه سنة 2007، وسينتهي العقد بين الموقع والشركة سنة 2012، تاريخ علق عليه أحد المقربين من صاحب الموقع بأنه يمثل سنة «نهاية العالم»، التي يروج لها في الإعلام الغربي. لكن طه الحمدوشي، صاحب الموقع، اختار فضاء الاستضافة في كندا، لأن ثمن استضافة المواقع هناك تعتبر الأرخصَ عالميا.

أخطاء وورطات متعددة
بعد «غياب» أحد مواطني مدينة الحسيمة لمدة شهر تقريبا، ولدى استفساره من صديقه عن سر غيابه، أجاب هذا المواطن بأنه كان معتقَلا من طرف المخابرات المغربية، التي كانت تستجوبه كل ذلك الوقت... لقد اتضح أنهم اعتقلوه بعد أن كان يكتب ردودا على موقع «هسبريس»، فقد قال له أحد المستجوبين بالضبط: «كل من لديه آراء ضد المخزن أو آراء لا تتجاوب مع السياسة المخزنية، فطاقم «هسبريس» يرسل أرقام «إي بي IP» الخاصة بحاسوبهم إليهم ويتم أخبارهم حول طبيعة الرد المكتوب على موقعهم... إن موقع «هسبريس»، إذن، «يصطاد» المغاربة، بكل وقاحة، تحت مظلة حرية الرأي. نعم هذه هي الحقيقة الغائبة عن جل زوار هذا الموقع المخابراتي.
مغربي مسؤول عن مراقبة التعليقات يهرب إلى أمريكا ويعوضه مصري. يفضل المغربي نشرَ التعليقات النابية عن تلك التي تحمل نقدا لاذعا للنظام والمخزن. زيادة على هذا، لوحظ أن الموقع صار «بوقا» مخزنيا بامتياز، من خلال خطه التحريري ورفضه نشر الرأي الآخر. وقد قاطعه العديد من زواره، لأن تعليقاتهم تُحذَف ولأن الموقع نفسَه أصبح «مختطفا» بواسطة المعلقين من أزلام المخزن، وهم رجال بوليس يعملون في مفوضية خاصة في وزارة الداخلية...


كيف تحول الموقع إلى وسيلة لجمع الأموال و«تهريبها» إلى كندا
تقول «كريمة»، وهي من المشاركات في موقع «هسبريس» منذ انطلاقه وساهمت في التعريف به: «أصبحت الردود مخزنية في موقع «هسبريس» وأتفق معكم على أن هناك إنزالا شبهَ مخزني في الموقع، وأضيف أن صاحب الموقع نصّاب هدفه فقط جني المال وتحويله إلى حسابه في كندا، على حساب الزوار» وتتابع «كريمة»: «لقد رحل المشرف على التعليقات إلى أمريكا منذ مدة، أما الحمدوشي فيدير الموقع من كندا، التي تقيم فيها أسرته، ومن المغرب ويتناوب معه في التحرير «فتح الله»، وهو -بالمناسبة- مصري، لذلك لم يسبق للموقع أن انتقد مصر، مثلما ينتقد المصريون المغرب، بينما المشرف على التعليقات مغربي من مكناس، وهو «حصان طروادة»، في نظري، «مدسوس» داخل الموقع سبق لي الحديث إليه في «اليمسانجر»، وهو إنسان جد متعجرف، بينما البقية فهم يساهمون فقط بالكتابة في الموقع، أما الحمدوشي فهو لن يرد عليكم، لأنه متكبر وأناني ولا يهمه سوى الربح من الإعلانات التي تدر عليه لوحدها آلاف الدولارات التي يحولها مباشرة إلى حسابه في كندا ولم يسبق له أن دفع درهما واحدا للمتعاونين معه في الموقع الذي يكسب كثيرا على حساب المغفَّلين الذين يزورنه».. .
واستطردت «كريمة» قائلة: «أنصحكم بعدم زيارة الموقع مرة ثانية، حتى لا تسمحوا له بالانتشار وللقائمين عليه بكسب المال، «ولو كانْ في صاحب الموقع الخير كونْ غير خلّص صاحبو جمال اللي سهرْ معاه وساعدو حتى ولّى الموقع معروف»... قبل أن تواصل: «لعلمكم فقط ، كانت جريدة «المشعل» تدفع 8 آلاف درهم كل شهر من أجل إشهار أعدادها في الموقع، لكن الحمدوشي اختلف مع «ولد القابلة»، وهو صحافي في «المشعل»، قبل أشهر، لأنه أراد أن تدفع له المشعل 5000 درهم عن كل غلاف يضعه في «هسبريس»، فتوقف إشهار «المشعل»، لكنهم اتفقوا مؤخرا، بعد أن عاد غلاف «المشعل» للظهور في الموقع.. يعني، وحسْبو نتوما كيضرب «جوجْ كيلو» باردة غير مع «المشعل»... وحسب مصدر موثوق، فإن «المشعل» كانت تبيع 6000 نسخة ولكنْ بعد أن أصبح الموقع يضع لها إشهارا وينشر بعضا من مقالاتها، أصبحت الأسبوعيةَ الأولى في المغرب وتبيع أكثر من 15 ألف نسخة، وهي الأسبوعية الوحيدة التي حاورت الحمدوشي، رغم أن المعني بالأمر شخص لا يستطيع تكوين جملة مفيدة»...
وأضافت المتحدثة ذاتها أن «الإشهارات التي تُنشَر في الموقع  يكسب منها الأخيرُ آلاف الدولارات. كما أنه يبيع بريدكم الإلكتروني لشركات دولية، فلماذا لا «يبيعكم» لمخابرات بلدكم، التي تسمح له بالدخول إلى المغرب والسفر إلى كندا، كأي محتال، ثم اسألوا «أبو عقيل» في أمريكا كم يدفع له من أجل نشر المقالات المتملقة وكم حول له من الأموال إلى حسابه البنكي في كندا، مقابل نشر دعايته التي تهاجم المجلس الأعلى للجالية، فقط لأن أبو عقيل وعدوه بمنصب في المجلس وأخلفوا وعدهم»...
وتتمثل آخر أخبار الموقع في أن عددا كبيرا من زوار «هسبريس» تفاجؤوا بوجود صفحة سرية لـمكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي، المعروف اختصارا بـ«إف بي آي»... وقد تم هذا «الاكتشاف» على أيدي بعض الزوار الذين عمموا هذه المعلومة على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا «فيس بوك» و«تويتر»، إذ يكفي حذف الرقم التسلسلي للخبر الذي ينشر على «هسبريس» لتحويل صفحة هذا الأخير إلى الموقع الاستخباراتي الأمريكي!... وقد عبَّر زوار الموقع في صفحاتهم على «فيس بوك» عن استيائهم الشديد من هذا السلوك، المتمثل في إخفاء رابط سري لمكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي خلف الصفحات الإلكترونية الأصلية لـ«هسبريس»، والتي يتم من خلالها نشر مختلف الأخبار المتعلقة بالمغرب ومختلف المستجدات التي يعرفها العالم...
... تابع القراءة

كيف خطط الأمير الأحمر لاختراق الصحافة المغربية

توقع الأمير مولاي هشام أن تشهد الأنظمة الاستدادية في العالم العربي ثورات شعبية على شاكلة ما وقع في تونس ومصر، معتبرا في حوار مع الجريدة الإسبانية «الباييس»
«أن المغرب ربما لن يشكل الاستثناء».
 ودعا الأمير المسؤولين المغاربة إلى ضرورة «انفتاح سياسي قبل اندلاع الاحتجاجات وليس بعد اندلاعها» مضيفا أن «ديناميكية الانفتاح السياسي التي بدأت في أواخر التسعينيات قد تم استنفادها».
وحذر الأمير مما أسماه «تعدد أشكال الفساد التي تهدد استمرارية الدولة»، مشيرا إلى أن «غالبية الفاعلين الاجتماعيين تعترف بالملكية ولكنها غير راضية عن تركيز السلطات في الجهاز التنفيذي».
وتزامن هذا الخروج الإعلامي للأمير مع حملة إعلامية قادتها عدة منابر إعلامية، سواء في فرنسا كـ«لونوفيل أوبسيرفاتور» أو إسبانيا كقناة «كنال 24»  كالت فيها العديد من الاتهامات ضد المغرب.
إذا كان الانتماء إلى الأسرة الملكية يحتم على أفرادها الالتزام بواجب التحفظ، حتى لا تتم الإساءة إلى سمعتها، فإن الأمير مولاي هشام لا ينصاع إلى هذه الضوابط. وبعد سنوات عديدة من ابتعاده عن الساحة المغربية، حاول الأمير مولاي هشام الرجوع إليها، من خلال الصحافة، وتبقى محاولة جمعه بين العمل السياسي والصحافي أكبرَ تعبير عن ذلك.

تحت المجهر
   المكان: المملكة العربية السعودية في قرية الجنادرية. الزمان: 20 يناير 2010. يستقبل خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، الأمير مولاي هشام. في أول اجتماع رسمي من نوعه، أقدم البروتوكول السعودي على منح الأمير مولاي هشام لقب «صاحب السمو الملكي»، مع العلم أنه في المغرب لا يُمنح هذا اللقب إلا لأفراد العائلة الملكية، الذين لهم صلة قرابة مباشرة مع الملك (أي ابنه أو ابنته) أو عن طريق ظهير شريف خاص.
وبما أن والد الأمير مولاي هشام ليس ملكا، فإن لقبه هو «الأمير مولاي هشام» وليس «صاحب السمو الملكي مولاي هشام». لكن البروتوكول السعودي سوف يذهب أبعد من ذلك لتحديد القرابة المباشرة لمولاي هشام بجده الملك محمد الخامس، وبهذا يكون لقب الأمير مولاي هشام هو سمو الأمير الملكي مولاي هشام. ولم يفت المراقبين لهذا الشأن توضيح هذا الأمر الذي تجاوزته السعودية، ليس عن طريق الخطأ، بل لأسباب مدروسة. فنظرا إلى أن الأمير مولاي هشام تربطه قرابة عائلية وثيقة بالعائلة الملكية في السعودية، عن طريق ابن خالته، الملياردير الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز، فقد عرف حفل منحه هذا اللقب حضور أكثر من 11 أميرا سعوديا.

شبكة شرق أوسطية
بعد هذا الاجتماع الرسمي, الذي اعتبرته الدبلوماسية الأمريكية في الرياض خطوة إستراتيجيه، بدأ يتردد صدى دخول رأسمال شركة «روتانا»، التي يملكلها الملياردير السعودي الوليد بن طلال في القطب الإعلامي العالمي لروبير ميردوخ، عن طريق شركته العملاقة «نيوز كوربوريشن». ويرى المحللون السياسيون والاقتصاديون في هذا الاستثمار اختراقا إستراتيجيا للإعلام في الشرق الأوسط من طرف مجموعات الضغط الصهيونية، خاصة أن روبير ميردوخ لا يخفي ولاءه ودعمه غير المشروطين لسياسة الوزير الأول الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومن هنا، نفهم التوسع الجيو سياسي لهذا الاختراق الإعلامي، الذي نجح  فيه ميردوخ، بفضل مساندة  ابن خالة الأمير مولاي هشام.
ولنذكّر بأن الأمير الوليد بن طلال، الذي يملك حصصا مالية كبيرة في عدة شركات سعودية ضخمة وفي عدة شركات متعددة الجنسية  في حاجة ماسة إلى شبكة الأمير مولاي هشام، لكي يحافظ على مكانته القوية في عدة قطاعات، حيث لا يُرحَّب بالعرب والمسلمين، فالتاريخ سجل احتكار وهيمنة لوبيات الضغط الصهيونية واليهودية على مجموعة من القطاعات، لكننا، اليوم، نشهد هذا التعاون بين قطبين إعلاميين عالميين، والذي يجسد خليطا عجيبا بين ما هو سياسي واقتصادي وثقافي، فالوليد بن طلال يتحدر من وسط محافظ، في حين أن روبير ميردوخ معروف بمساندته للإسرائيليين ومناهضته للمسلمين،  ولكنْ، يبدو أن المصالح المالية غطت على كل هذه الاعتبارات والفوارق الثقافية.
وبما أن الأمير مولاي هشام متأثر بخصوصياته الأنجلو سكسونية، فهو لا  يرى حدودا فاصلة بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي وما هو إعلامي، ولهذا حاول مولاي هشام، ربما بتشجيع من ابن خالته الأمير الوليد، أن يخترق الصحافة المغربية منذ بضع سنوات وأن يتحكم في خطها التحريري. بعد تخرجه من الجامعة الأمريكية المرموقة «برينستون»، يقوم الأمير مولاي هشام، بفضل أموال ابن خالته، بإنشاء مركز للأبحاث حول العالم العربي. وسيقوم هذا المركز بمحاولة رصد أعمال النخبة العربية التي تعيش على قطيعة مع أنظمتها العربية. وبصفته رئيسا لهذا المركز، سوف يثبت امتلاكه صفات المثقفين الكبار والخطباء الجيدين، إلا أن كفاءته هذه كانت في حاجة إلى منابر إعلامية خارجية لكي تبرز.  وتبقى أهم «خرجة» إعلامية لمولاي هشام في الصحافة هي المقال الذي نشره في يوليوز 1995 في جريدة «لوموند دبلوماتيك»، حيث أدان فيه جميع الأنظمة العربية وضمَّنه، أيضا، ورقة عن المغرب، حيث انتقد المملكة وأدان «الظلم الاجتماعي والفساد الذي ينخر المجتمع». ومع توالي اللقاءات الصحافية، سواء في «إلباييس» أو «تيفي 5» أو «إل سي إي» أو في القنوات العربية، تقرب مولاي هشام من عالم الصحافة, بشكل تدريجي, ونسج شبكة من العلاقات المهمة، دون أن ننسى مقاله الخطير الذي نشره في الصحيفة اليومية الفرنسية «لوموند»، والذي عنونه بـ«الانتظارية القاتلة في المغرب»، الشيء الذي يؤكد مزاوجة مولاي هشام بين السياسي والإعلامي.
ربما كان هذا شيئا عاديا في حياة أحد العامة من الشعب، إلا أنه يبقى شيئا يطرح عدة تساؤلات، عندما يتعلق الأمر بأحد أفراد الأسرة الملكية. وفي التاريخ والأعراف، فلا يحق لأي فرد من العائلة الملكية أن يتجاوز واجب التحفظ إلا بإذن صريح من الملك.

سوء التفاهم الكبير
بعد هذا الخروج الإعلامي المدوي، الذي أبقاه بعيدا عن المغرب لفترة طويلة، قرر مولاي هشام تغيير «إستراتيجيته»، عن طريق الاستثمار بشكل مباشر في الصحافة الوطنية، عن طريق بعض أصدقائه المقربين في الساحة الإعلامية، إذ كان على علاقة وثيقة مع بعض الأقلام الصحافية، نذكر منها مؤسس المجلة الأسبوعية «لوجورنال «، علي عمار، وقد لعب هذا الأخير دورا هاما في توسيع الخلاف بعد إصداره كتاب «محمد السادس: سوء التفاهم الكبير». وتبقى الحلقة الأكثر «تشويقا» في هذا «المسلسل» هي الانفجار الداخلي الذي شهدته أسبوعية «لوجورنال»، والذي كان أهمَّ أهدافه إخراج «الصحيفة» (النسخة العربية) من تحت إدارة الأسبوعية. وقد حدث هذا في الوقت الذي كانت علاقة أبو بكر الجامعي ومولاي هشام تعرف اضطرابات حقيقية، بسبب موقف هذا الأخير من الملكية،  والذي لم يكن يتماشى مع موقف أسبوعية «لوجورنال»، الذي كان يعتبر الملكية «محافظة». وفي مقابل ذلك، تلقى صحافيون، كتوفيق بوعشرين وحسين المجدوبي، مساعدات مالية مباشرة من الأمير مولاي هشام، بغية إنشاء منابر إعلامية في الساحة الوطنية.
ولا أحد يحدد لنا، بالضبط، حجم هذه المساعدات المالية ولا لأي غاية تم توظيفها. وبالإضافة إلى ذلك، تم تقديم مساعدات من نوع آخر، كتذاكر للسفر، تارة،  أو حجوزات في الفنادق، تارة أخرى،  والكل طبعا لنسج شبكة موالية تدافع عن «أجندة» الأمير مولاي هشام داخل المغرب.
وبما أن هذه «المحاولة» لم تنجح، وبعد استنزافه جميعَ الحلول، حول الأمير مولاي هشام اهتمامه نحو وسائل الإعلام العربي والاسباني، بالخصوص، لإيصال صوته. وقد طال ذلك حتى وسائل الإعلام الفرنسية، حيث نشرت أسبوعية «جون أفريك» الفرنسية نبذة عن حياة أمير الخليج الذي يقاطعه أفراد عائلته الملكية، وهذا
صحيح جزئيا، لكن ما هو خاطئ كليا هو أن هذا البورتري المنمَّق
 ينفي أي علاقة للأمير مولاي هشام بالأمريكيين و السعوديين.
وكانت واشنطن والرياض تساندانه في كل محاولاته لاختراق الإعلام، من خلال السفيرة الأمريكية السابقة في الرباط، مارغريت تيتويلر، القريبة من أبو بكر الجامعي، الذي كانت تحميه
 و«ترعاه»، عن طريق الأمير مولاي هشام، كما كان مسانَدا في الرياض من الأمير الوليد والأمير بندر بن سلطان.

«لوبيات» الضغط
لا ننسى أنه في الوقت الذي كانت العلاقات الدبلوماسية بين الرياض والرباط تعاني من توتر، كان ذلك يؤثر إيجابا على علاقات الرياض بمولاي هشام. وفضلا على حبه لوسائل الإعلام، فإن مولاي هشام خدم السعوديين في عدة ملفات حساسة، ونذكر من أبرزها ملف الحوتيين في اليمن. وبفضل تجربته الدولية، نجح في مهامه  الأممية بالمناطق المضطربة وفي اتخاذ عدة قرارات سياسية، سواء في كوسوفو أو في نيجيريا أو في فلسطين.
لقد لجأ ملك السعودية إلى مولاي هشام لكي يلعب دورا هاما في الوساطة مع الحركة الشيعية المتمردة لعبد المالك الحوتي. ويزعم أنه، بفضل علاقات مولاي هشام الجيدة مع الأطراف اللبنانية، خاصة «حركة أمل» لنبيه بري، وعن طريقه مع «حزب الله»، ساهم في خفض حدة التوتر بين المتمردين الزيديين والقوات السعودية، كما أنه كان وراء الاتفاق الضمني لضبط النفس، والذي احترمه الطرفان منذ ذاك الوقت، ومن هنا، يفسر حضور العديد من الشخصيات العسكرية السعودية عالية الرتبة في حفل الجنادرية، الذي منحه فيه الملك السعودي لقب «سمو الأمير الملكي».
والآن, وفي الوقت الذي ينشغل بـ«تقاعده» في أمريكا، حيث يهتم بالعلاقات الدولية  والنزاعات العالمية، ينبغي على مولاي هشام إغلاق ملف معارفه داخل معاقل الصحافة المغربية، والذين لا يقومون بشيء سوى الإساءة إليه... وينبغي، أيضا، أن يوضح للرأي العام من هم الصحافيون والأطراف التي استفادت من المساعدات المالية التي قدمها، وما قدرها...
ولا شك أن الجميع سمع ما قاله الصحافيون بهذا الخصوص، بعضهم أنكروا بشكل قاطع أي علاقة لهم بالأمير وبعضهم اعترفوا بتلقيهم بعض المساعدات. وسيكون جيدا لو وضح مولاي هشام نفسه من هم المستفيدون من هذه العلاقات ومن هم «المشرفون» عليها. ووفقا لما يقوله علي عمار، فإن مولاي هشام كان يزور بيته كثيرا وكانت علاقتهما جد وطيدة إلى درجة أن عمار كان يصفها بـ«الأخوية»، فقد كانا يتناقشان كل المواضيع، بما فيها «الطابوهات»...
ويزعم ضمنيا أن مولاي هشام، بعد فشله في إيجاد مكان له في الدائرة الضيقة للسلطة، أراد أن يمول منابر إعلامية، تخريبية بامتياز، لإدارتها بعد ذلك وتوظيفها كقوة مضادة للسلطة القائمة، وذلك بمفهوم ديمقراطي وليس رجعي,. هكذا، وبعد الأزمتين المتتاليتين اللتين مرت بهما أسبوعية «لوجورنال» خلال سنة 2000، عرض مولاي هشام مساعدته على الأسبوعية، باقتراحه أن يكون مساهما أساسيا فيها. وقد اتفق كل الشركاء على عملية البيع، إذ كان هذا هو الحل الوحيد لإنقاذ الأسبوعية واستمرارها في الصدور.
لم يتم الإفصاح عن رقم هذه العملية، إلا أن قيمتها تُقدَّر بعشرات ملايين الدراهم. وقد رغب مولاي هشام في أن تتم العملية في الخفاء، في حين أن الصحافيين أرادوا أن تتم في العلن. وفجأة، «انقلبت» الأوضاع، فمولاي هشام، ولأسباب مجهولة، لم يعد متحمسا لإتمام عملية الشراء، لكنه مستعد لتقديم المساعدة عن بعد. وبهذا فشلت العملية وألغيت هذه الصفقة. وهناك من المراقبين من لا يتوانى في مقارنة مولاي هشام برجل الأعمال الجزائري عبد المومن رفيق خليفة، الذي اغتنى عن طريق الإعلام، بشكل متسارع، لكن سقوطه كان سريعا أيضا.
ولتفادي السقوط في صدام مباشر مع السلطة، فضّل مولاي هشام الانسحاب بشكل كلي من هذه «العملية»، التي كانت ستضعه في موقف حرج...

المؤسسة
في الوقت الذي ظن الجميع أن الأمير مولاي هشام تفرغ لمؤسسة «مولاي هشام لأبحاث العلوم الاجتماعية حول شمال إفريقيا والشرق الأوسط»، حيث كان ينظم ويعطي محاضرات في الجامعات العالمية الراقية، تبيَّن أن مقالات الأمير, وحتى تلك التي لا تمت بصلة إلى المغرب، ما زالت تحدث عدة زوابع، ففي الصيف الماضي، نشر مولاي هشام عمودا في «لوموند دبلوماتيك» عن المفكرين العرب. وقد كان ذلك التأخير في التوزيع كافيا لكي تتحرك الرقابة للتدخل، علما أنْ لا مولاي هشام ولا الجهة الناشرة تقدمتا بملاحظة بهذا الخصوص. واليوم، يبقى الحل الوحيد أمام مولاي هشام لاستعادة حبه للصحافة هي أموال الأمير الوليد واستثمارها في تطوير أعمال مؤسسته الجديدة المتخصصة في الأبحاث الاجتماعية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. هذه الدراسات، حسب صاحبها سوف تهتم بالتطورات الاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمعات في هذه المنطقة الإستراتجية. وزيادة على عقد الندوات والمنتديات والملتقيات المتخصصة، ستقوم المؤسسة بإنتاج الأفلام الوثائقية وطبع ملحقات موضوعاتية حول الحكامة الجيدة، سوف تساعد على تغيير جذري في عقليات المسلمين والعرب. وكل هذا يتطلب إمكانيات مادية هائلة، وبما أن الوليد استطاع استثمار أمواله في قطب ميردوخ الإعلامي، فهو لن يتوانى عن مساعدة قريبه. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سنشهد، بعد ذلك، تعاونا بين ميردوخ ومولاي هشام?!
لا يجب أن نتسرع في تقييم الأمور، لأن مثل هذه القرارات الإستراتيجية لها بعض التداعيات السياسية الكبيرة، ودخول ميردوخ إلى الوسط الإعلامي الشرق الأوسطي يشجع، بشكل مباشر، عملية التطبيع مع إسرائيل، ولهذا، سيكون من باب الحكمة بالنسبة إلى «الأمير الأحمر» أن ينتبه، وبشدة، إلى مصادر تمويله لهذه المشاريع الثقافية والإعلامية الكبرى التي ينوي إطلاقها عبر مؤسسته، وهو يعرف, أكثر من غيره, أن «القليل يفسد الكثير»...
 
 
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى