«ويكيليكس».. ظاهرة «أمريكية» عابرة للثقافات

ويكيليكس :
ما يحتويه موقع «ويكليكس» ليس خبرا أو قصاصة يمكن إدراجها إعلاميا تحت مسمى السبق الصحافي للموقع، وإنما هو «بحر» من الوثائق الأصلية المنقولة عن مصادرها،
وعندما نقول الوثائق، فإنها تحوز درجة  كبيرة من المصداقية، بدليل أن همَّ أمريكا اليوم، أو لنقل الإدارة الأمريكية تحديدا، هو وقف النشر أو منع دخول الموقع بالنسبة إلى القارئ العادي، إذ ليس لها أي حظ في تكذيب ما ورد في الموقع. ما يحتويه «ويكليكس»، أيضا، لا يخص دولة أو شخصا أو هيئة، بل إن العالم كله يتملى في صورته كما يراها ويفهمها ويؤولها الدبلوماسي والاستخباراتي الأمريكي، فوراء مجاملات رسائل التهنئة والصداقة التي يتم تبادلها رسميا، هناك صورة أخرى، عمادها الحذر وتصيُّد الأخطاء وغير الأخطاء، من الأقوال وغير الأقوال، الشاردات والواردات، العلني، المنشور في الصحف المحلية، والسري، المصرح به في الدعوات الاحتفالية... هذا هو «ويكليكس»، إنه العالم الحقيقي في طبيعته الأولى، أو لنقل إنه الطبيعة البشرية في ذئبيتها.. لكنْ، كيف ينبغي قراءة التسريبات؟ هل هي نكسة للأجهزة الاستخباراتية الأمريكية أم هي من جنس أفعالها؟ لماذا علينا التريث كثيرا قبل تصديق الرواية الأمريكية، التي تتحدث عن جريمة؟ ما هي مختلف الفرضيات التي ينبغي فحصها، بروية، لاستخلاص نتائج موضوعية بصدد خلفيات هذا الموقع؟ هل يتعلق الأمر بترسيخ لثقافة حقوق الإنسان، كما يعلن أصحاب الموقع، أم إن الموقع هو نسخة جديدة من نظرية الفوضى الخلاقة؟ هل ينبغي النظر إلى «ويكليكس» على أنه نسخة من مسلسل التسريبات الفضائحية التي عرفها التاريخ الأمريكي أم إنه شيء آخر  مختلف؟...
إذا كان العالم، اليوم، مصدوما من حساسية وكم الوثائق المسربة في موقع «ويكيلكس»، ويتساءل من ومتى وكيف وأين تم تسريب هذه الوثائق، فإن المجتمع الأمريكي «يتسلى» بالمعلومات ذاتها، دون أن يطرح هذه الأسئلة، تماما كما لم يطرح الأسئلة ذاتها في حالات سابقة، كـ«ووتر غيت» و«إيران غيت» وكذا التسريبات الخطيرة التي وقعت بعد حرب فيتنام، فلا يهم المجتمعَ الأمريكي معرفةُ من سرّب علاقة جون كنيدي بمارلين مونرو أو من سرب قضية ثوار كونترا، بل يهمه أن بعض أعضاء إدارة ريغان هم وسطاء لبيع السلاح في السوق السوداء، إلى غير ذلك من الأمثلة، فالمناخ الثقافي والنفسي والسياسي الأمريكي مهيأ عبر التاريخ، ليس لتقبل الأسرار فقط بل والجري وراءها، بكل الوسائل، والانفعال بها، بكل الأشكال.. لذلك، يمكن الحديث عن وجود «بورصة» للمعلومات توظف في كل أنواع الحروب بين اللوبيات الاقتصادية والحزبية والدبلوماسية والاستخباراتية الداخلية، فبالأحرى الخارجية، وبالتالي يتوجب النظر إلى هذه التسريبات على أنها نسخة جديدة من هذا الهوس التاريخي للمجتمع الأمريكي بتجارة الفضائح والأسرار، مع إضافة نوعية يمثلها ما بات يسمى «ظاهرة ويكليكس»، وهي أن الثورة المعلوماتية المعاصرة ألقت الضوء على أحد أكبر عيوب هذا المجتمع، ثم رسخت بالفعل القيمة التشاركية والتبادلية للمعلومات، بشكل يصح معه الحديث اليوم عن سلطة المعلومة، كبديل حقيقي لباقي السلط التقليدية، وهذا هو الإطار الذي سيحدد مجال هذا القول... 

المجتمع الأمريكي.. المستهلك الأول للأسرار:
إن الذين يستغربون الطريقة التي حصل بها موقع «ويكليكس» على وثائق خطيرة، كالتي يطلع عليها العالم منذ شهر، لا يعرفون طبيعة المجتمع الأمريكي، ومنها طبيعة اللعبة السياسية الأمريكية، والتي تشبه إلى حد كبير جولة طويلة في لعبة شطرنج واحدة، حيث يتجدد اللاعبون وإستراتيجيات اللعب، لكن تبقى اللعبة نفسُها واحدةً وأبدية، والأهم هو أنها مفتوحة على كل النهايات، والمجتمع الأمريكي مهيأ من الناحية الثقافية والنفسية لتقبل كل الأسرار، حتى أشدِّها غرابة واستحالة بالنسبة إلينا، بل إن هذا المجتمع يبذل كل ما في وسعه ليطلع على هذه الأسرار، فلا يهم ما يقوله الرئيس أو هذا الحاكم أو ذاك السيناتور، بل الذي يهم هو ما لا يقولونه ويفعلونه خلف الأبواب، أو العكس.
فالمجتمع الأمريكي ألِف كلماتِ الأسف ودموعَ الندم، التي تصدر عن الشخصيات المشهورة، عندما تخرج أسرارهم إلى العلن، من رجال دين وفن وساسة وإداريين وصحافيين، لذلك فهو المجتمع الأول الذي يستهلك بالقراءة والفضول كتب السير الذاتية والمذكرات الشخصية، وأشهرها تلك التي يعترف فيها أصحابها بأسرارهم، وكان آخرها مذكرات المرشحة الجمهورية سارة بايلن والرئيس السابق جورج بوش -الابن..
في هذا المناخ، فأشهر البرامج الحوارية -أوبرا وينفري ودافييد ليترمان مثلا- والوثائقية -«06 دقيقة» كنموذج- هي برامج اكتسبت نجاحها الجماهيري من خلال كشف الأسرار.. أما المنابر الإعلامية الكبرى، سواء كانت مكتوبة أو مرئية، فتتعامل مع آلاف الأشخاص الذين يشتغلون كـ«مرتزقة للمعلومات»، والذين يبيعون معلوماتهم حسب أهمية الشخصية، وطبعا، فالأهمية هنا تحظى بها الشخصيات الأمريكية، المنتمية إلى مختلف المجالات، وهؤلاء على قدر كبير من التطور، حيث يستعملون أرقى تقنيات التجسس، للحصول على «المعلومة الغالية»... بل إن هذه المنابر تستعين، أيضا، بخبراء جدد لا نجد لهم نظيرا إلا في الولايات المتحدة الأمريكية، لتحليل سلوك هذه الشخصيات والنفاذ إلى أسرارها، فمثلا، سمع أغلب الأمريكيين بيل كلينتون ينفي، جازما، تورطه في الفضيحة الأخلاقية مع مونيكا لوينسكي، لكنهم لم يصدقوه وصدقوا «محلِّلة» لشخصيته حاولت أن تبرهن على كذبه عندما كان يتكلم، وهو يحك أنفه، لكون ذلك علامة على شعور بالذنب!.. كما سمعوا سارة بايلن في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهي تعد الأمريكيين بالمحافظة على نمط الحياة الأمريكي، لكنهم استمتعوا أكثر بأسرارها المتعلقة بابنتها الحامل من صديقها، كما اهتموا بماضيها كمرشحة لمسابقة ملكة الجمال في ولاية ألاسكا.. واهتموا كذلك بعينيها اللتين تسترقان النظر إلى ورقة تستظهر منها خطاباتها.. وقبل سارة بايلن، استمع الأمريكيون إلى جورج بوش عندما ألقى خطاب التنصيب، ولكنهم اهتموا أكثر بخاتمه الذهبي، الذي نُقِشت عليه عبارة لاتينية هي «سأحكمكم إلى الأبد»!...
هذا هو المجتمع الأمريكي المهووس بالأسرار، يهتم بنجاحات تايغر وودز ولكنه يهتم  أيضا بفضائحه الجنسية، واهتم أكثر بموقف زوجته السويدية من خيانته لها، فتناقلوا صورها وهي لا تضع خاتم الزواج.. يتذكر الأمريكيون، أيضا، جون كينيدي، في موقفه الحازم إبان أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا، ولكنهم يتذكرون، أيضا، علاقته السرية بالفاتنة مارلين مونرو.. وما يزالون ينتظرون الإفصاح عن قاتله السري، لأنهم يعرفون أن الأسرار هي الحقائق.

واشنطن.. العاصمة التي لا تحتفظ بأسرارها:
يعرف كل الأمريكيين أن عاصمتهم واشنطن، هي المدينة التي لا تحتفظ بأسرارها طويلا، فكل المقيمين فيها راحلون، منهم من يرحل معزَّزا، وكثير منهم يرغمون على ذلك، لا مكان للنوايا الحسنة، يقفون للرئيس أوباما عندما يدخل عليهم، لكنهم متشوقون لمعرفة ما إذا كان مسلما أو ما يزال يدخن.. أو من أين تشتري السيدة الأولى فساتينها الأنيقة، فكل معلومة في العاصمة قابلة للبيع لمن يدفع أكثر، وكل معلومة يمكن أن تتحول في لحظة من اللحظات إلى رصاصة ضد الخصوم أو ضد «الأصدقاء»، إن لزم الأمر، وهذه كانت تيمة رئيسية في قضايا كثيرة وموضوع أفلام ضخمة، عن عمليات تجسس قام بها أشخاص ينتمون إلى البيت الأبيض لصالح دول «صديقة»، كإسرائيل وإنجلترا أو عمليات تسريب معلوماتي قام بها أشخاص ينتمون إلى الكونغرس لصالح هذا اللوبي أو ذاك، فقد ساهمت عوامل كثيرة في ترسيخ هذه الخاصية للعاصمة، منها حرية الإعلام والتعبير، والتي ينص عليها الدستور الأمريكي صراحة، وتتكفل المحكمة العليا بالدفاع عن هذا الحق، ثم عامل الفصل الفعلي بين السلط، حيث يتعذر على السياسيين، مهما كانت سلطتهم، التدخل لنشر أي معلومة.
إذا كان التنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري يبدو لنا -نحن- مثاليا، فإن حقيقة هذا «التنافس» ليست بهذه الصورة المثالية.. وينطبق نفس الأمر على الإدارة الواحدة، فالضربات الممنوعة، والتي تعد خارج قواعد اللعب، هي أمر معتاد عبر تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.. لذلك، فأن يكون هناك شخص واحد يقف وراء التسريبات فهذا غير ممكن، نظرا إلى كون طبيعة المعلومات المسربة لا تعني إدارة واحدة بعينها، بل منها ما هو دبلوماسي متعلق بوزارة الخارجية، ومنها ما هو متعلق بالاستخبارات، وحتى الاستخبارات هناك 16 جهازا استخباراتيا أمريكيا، ومنها ما هو عسكري متعلق بـ«البنتاغون»، وبالتالي ففرضية شخص واحد غير ممكنة، فهذا التنوع في المجالات، التي تتطرق لها الوثائق، تشير آليا إلى تورط جهة نافذة لها القدرة على الوصول إلى هذه الوثائق، وهي التي تقف وراء تسريب هذه الوثائق لموقع «ويكليكس»، وبالتالي فأن تكون هذه الجهة قد تعمدت الإساءة إلى جهة أخرى نافذة في المجتمع الأمريكي، فهذا أيضا من بديهيات مجتمع سياسي يتعمد «كل الوسائل لتحقيق كل الغايات»!...

فرضيات المستفيد الأكبر:
إن كل الأفعال مجهولة المصدر غالبا ما يبدأ التحقيق فيها من سؤال: «من سيستفيد من هذا الفعل؟» فإن قائمة المستفيدين تضم عناصر كثيرة تستفيد، حتى الآن، من مضامين الوثائق، هناك أولا إسرائيل، فردود الأفعال الصادرة عن الكيان الإسرائيلي تراوحت بين الشماتة والتشفي ببعض «الأنظمة المعادية»، التي فضحها الموقع من جهة، والارتياح لكون الموقع لا يورد أي وثيقة تتناول إسرائيل من جهة ثانية، بل حتى إبان حرب لبنان 6002. جاءت في الموقع وثائق تتضمن مواقف وتصريحات لجيران إسرائيل عبروا عنها صراحة للدبلوماسيين الأمريكيين، وهؤلاء نقلوها حرفيا إلى إداراتهم، كتصريحات حسني مبارك عن ضرورة القضاء على «حزب الله»، وتصريحات ملك الأردن بضرورة «قطع رأس الأفعى لا ذيله» ويقصد إيران، إلى غير ذلك، إذن، هل أعضاء السلك الدبلوماسي الأمريكي في إسرائيل لا يشتغلون ولا يكتبون ولا يتجسسون على مضيفتهم؟
هذا غير ممكن، وبالتالي، فالجهة التي سربت الوثائق اطلعت عليها وصنفتها بطريقة لا تتضرر منها إسرائيل، فهل  يمكن أن يكون الأمر صفقة تمت بين المسربين وإسرائيل؟ هذا ممكن، بل وغير جديد، حتى إن هناك احتمالات تسندها مجموعة من المعطيات تؤكد علم إسرائيل بأحداث 11 شتنبر قبل وقوعها.. أما لماذا لم تخبر الأمريكيين على فرض أنهم يجهلون الأمر، فهذا ما يسميه المحافظون الجدد «الفوضى الخلاقة»، والتي هي نسخة عن نظرية الأرقام الكبيرة في رياضيات الاحتمالات، فمن خلف الجزئي، ينبغي استخلاص الكلي، وخلف العشوائي، هناك النسقي، وخلف الاعتباطي، هناك القصدي، وخلف الممكن، هناك الضروري.. باختصار، ما يجري على ضوء هذه الفرضية ريب خطير جدا، فهو من الشساعة حيث لا يمكننا إدراك مقاصده في جزئياته: جهة تسرب الوثائق لموقع «ويكيلكس»، وهذا الأخير يقوم بنشرها.. الأمريكيون يهددون.. باقي العالم، منهم من يستمتع ومنهم من يحتج.. صاحب الموقع يُتَّهم بالاغتصاب في السويد، ويُعتقَل في إنجلترا، أمريكا تطالب به، لاتهامه بالتجسس.. مواقع إلكترونية أخرى تدخل على الخط وتقرصن الموقع... إلى غير ذلك من التفاصيل المتلاحقة، فهل هي عشوائية فعلا، أم إن خلف هذه التفاصيل هناك قصد واحد؟!...
أما عن فرضية أن تكون إسرائيل مستفيدة، فهذا يسنده كون العلاقات الأمريكية -الإسرائيلية قد بلغت في عهد إدارة أوباما أسوأ المستويات، فلا تخلو جريدة إسرائيلية من نقد لاذع لأوباما، بل إن منها من لا تخفي الحديث عن عربية أوباما وإسلامه. وقد تزايدت حدة الخلافات بين الطرفين مع تزايد ضغط الإدارة الأمريكية على إسرائيل للقبول بوقف الاستيطان، فهل تلجأ إسرائيل إلى استعراض قوتها ونفوذ اللوبيات المساندة لها أمام الإدارة الأمريكية فهذا ممكن جدا، في أفق ضرب مصداقية الإدارة الأمريكية في العالم.
الاحتمال الآخر هو أن تكون الجهة التي قامت بالتسريبات هي الإدارة الديمقراطية، في أفق الانتقام من الإدارة الجمهورية السابقة، خاصة أن الوثائق المسربة لا تغطي فترة  إدارة أوباما، بل تقف عند حد 8002، أما لماذا الحاجة إلى هذه التسريبات؟ فلأن الحزب الجمهوري إبان انتخابات اتجديد نصف مجلس الشيوخ، لجأ، هو أيضا، إلى توجيه ضربات غير مشروعة، منها الأحاديث التي راجت حول ما بات يسمى «حزب الشاي»، عن كون أوباما اشتراكيا يقوض نمط الحياة الأمريكية، وهذا النوع من «الضرب تحت الحزام» هو جزء من «تاريخ» الإدارة الأمريكية...

هم إدارة واحدة ولكن قلوبهم شتى..
لقد كان منطق التسريبات عاملا مكونا للإدارة الأمريكية عبر التاريخ، والعامل المهم هو أن عناصر الإدارة غالبا ما تكون لهم ولاءات لا يفصحون عنها إلا عبر تسريب بعض الوثائق والمعلومات لصالح جهات، أهمها الاتحاد السوفياتي سابقا، أو إسرائيل الآن، فذكر مكتب التحقيقات الفيدرالي أن العميل لاري فرانكلين، الذي كان يعمل محللا للمعلومات الاستخباراتية والمتمتع بحظوة لدى رؤسائه، تمكن من اختراق البيت الأبيض وقام بتسريب معلومات سرية إلى الحكومة الإسرائيلية، عن طريق اثنين من منظمة «إيباك» الصهيونية حول مداولات داخلية جرت في البيت الأبيض· وفي هذا السياق، فإن فرانكلين متهم بأنه نقل إلى إسرائيل، عدة مرات، معلومات سرية تتعلق بإيران وكذلك معلومات حول القوات الأمريكية في العراق، إلى مسؤولين اثنين في لجنة العلاقات العامة الأمريكية/الإسرائيلية «إيباك» وإلى المستشار السياسي في السفارة الإسرائيلية في واشنطن. كما اتُّهم ذلك العميل بحيازة وثائق سرية بشكل غير شرعي في منزله.
لكل ذلك، فتاريخ إسرائيل مع هذا الضرب غير المشروع تاريخ قديم، إذ هناك تقارير تشير إلى كون إسرائيل هي التي أقنعت الرئيس ريغان بدعم إيران في حربها مع العراق، نظرا إلى كون انتصار هذا الأخير سيستفيد منه الاتحاد السوفياتي، وبالتالي يمكن دعم إيران بالسلاح عبر وسيط وتوظيف أموال هذه الصفقات في تمويل ما كان يعرف في ثمانينيات القرن الماضي بـ«ثوار كونترا» في نكارغوا، وهذه القضية هي التي ستصبح في ما بعد موضوع فضيحة أخرى تعرف بـ«إيران غيت».

فضيحة «ووتر  غيت».. مصدر  التسريبات كان استخباراتيا:
اندلعت فضيحة «ووتر غيت»، هي أيضا، بسبب تسريبات جاءت من قلب الإدارة الأمريكية، فقد وقعت هذه «الفضيحة» في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق، ريتشارد نيكسون، وتحديدا في الـ71 من شهر يونيو عام 2791، ونيكسون هو الرئيس السابع والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية. وأشاعت القضية صحيفة «واشنطن بوست» (صحيفة أمريكية تصدر من واشنطون العاصمة)، بواسطة الصحافيين كارل برنستن وبوب وود ورد، ففي لتاريخ المذكور أعلاه، لاحظ أحد حراس مبنى «ووتر غيت» وجود شريط لاصق يغطي أقفال عدة أبواب في المبني ليقوم بإزالته، لتتم إعادة وضعه على الأقفال من جديد... قام الحارس باستدعاء الشرطة، بعد أن ساوره الشك حول الشريط اللاصق... اقتحمت الشرطة المكان، لتلقي القبض على خمسة أشخاص كانوا يقومون بزرع أجهزة تنصت على المكالمات الهاتفية للجنة القومية للحزب الديمقراطي... وجَّهت هيئة المحلفين تُهَم التجسس والشروع في السرقة والاقتحام للأشخاص الخمسة، بالإضافة إلى رجلين آخرين على علاقة لهما بالقضية.
يتلقى الصحافيان كارل برنستين وبوب وود ورد من «واشنطن بوست» معلومات من شخص مجهول، اصطلح على تسميته في تلك الفترة «ديب ثروث»، تشير إلى أن هناك علاقة بين عملية السطو والتجسس ومحاولة التغطية عليها وبين جهات رسمية رفيعة، مثل وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الاستخبارات الأمريكية، وصولا إلى البيت الأبيض... يقوم الصحافيان بنشر «المعلومات»، لتتطور القضية حتى عشية الثامن من غشت 4791، حيث سيعلن الرئيس الأمريكي في خطاب تلفزيوني مباشر استقالته رسميا، ناهيك عن محاكمته أمام المحكمة العليا، بتهمة الكذب على «إف بي أي». وفي الثامن من شتنبر 4791، يتولى جيرالد فورد الرئاسة ويصدر عفوا رئاسيا عن الرئيس الأسبق نيكسون.. ولم تظهر حقيقة هذه التسريبات إلا في عام 5002، ليتم الكشف عمن كان يعرف بـ»ديب ثروث»، وهو نائب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي، «مارك وليام فلت»...
جعل كل هذا «التاريخ» جميع الإدارات الحكومية والأبناك والبورصات ومراكز البحث وكبريات الشركات تولي أولوية لجانب الأمن المعلوماتي، وهي في حرب مستعرة وبدون توقف مع الفضوليين ومرتزقة المعلومات وأيضا مع التنظيمات الإرهابية، فإدارات مثل البيت الأبيض والكونغرس والبنتاغون ووزارة الخارجية والمحكمة العليا ووزارة العدل هي «حصون رومانية» من جهة أمنها المعلوماتي، فهي إدارات تخوض حروبا يومية لحماية أسرارها وتدبير معلوماتها، لذلك مخطئ جدا من يعتقد أن أصحاب موقع «ويكليكس» هم من استطاعوا تجاوز الجدارات الأمنية المعقدة المحيطة بالوثائق المنشورة، لذلك نخلص إلى ما يلي: من جهة، فالمجتمع الأمريكي، بطبيعته، لديه استعداد ثقافي ونفسي للبحث عن الأسرار وتسريبها وترويجها، ومن جهة أخرى، كانت الإدارات المتعاقبة تلجأ، دائما، إلى تصفية الحسابات السياسية بين مكوناتها أو بينها وبين باقي الإدارات، بالإقدام على تسريب وثائق ومعلومات تؤدي إلى إلحاق الأذى بالأطراف الأخرى.. ثم إن العلاقات الملتبسة لأمريكا مع إسرائيل تسمح لهذه الأخيرة، عبر أذرعها القوية، على توظيف عنصر التسريب، للضغط أو للتجسس، وبالتالي، فليس مستبعَدا أن يكون «ويكليكس» كل هذا.
... تابع القراءة

إدريس البصري.. عراب أم الوزارات التي تحولت إلى ابنتها

تداول على المشاركة في الحكومات المغربية العديد من الوزراء، لكل منهم قصته الخاصة في كيفية الوصول إلى مقعده في الوزارة، من خلال مساهمة كل واحد في النشاط السياسي
للبلد سواء من داخل أحزاب الحركة الوطنية وامتداداتها في الساحة السياسية، أو من خلال الانتماء إلى عائلات مخزنية تاريخيا، أو عبر بوابة التكنوقراط الذين حفل بهم المشهد السياسي المغربي على طول تاريخه، في هذه الحلقات نحاول تتبع خيوط التاريخ السياسي للمغرب من خلال تاريخ بعض وزرائه الذين بصموا الحياة السياسية للبلد.
ينطبق مفهوم الحكم على وزير في مثل نفوذ إدريس البصري، أكثر مما ينطبق على أي شخص آخر. ربما لأنه كان امتدادا للمدرسة الأوفقيرية التي أدخل عليها إصلاحات ناعمة، وربما كان هو نفسه، يفعل ما تعلمه في ظل ظروف أهلته لاعتلاء الواجهة، مع أنه في الأصل لم يكن يحلم بأكثر من أن يكون مدرسا في الجامعة أو برلمانيا منتخبا. لكن مسار حياته المهنية جعله أقرب إلى بعض الشخصيات التي تأثر بها، مثل الجنرال أحمد الدليمي الذي عمل رئيسا لديوانه حين كان مديرا عاما للأمن الوطني. كذلك فإنه اشتغل إلى جانب الجنرال أوفقير، لكن بدرجة أقل من أن تجعله واحدا من رجالاته الأقوياء.
كان أوفقير يراهن على كاتب الدولة محمد بلعالم وعلى عبد الحفيظ بوطالب وأحمد بن بوشتى، وأحيانا على إدريس السلاوي الذين تمرسوا في البناية القديمة للإقامة العامة الفرنسية، غير أن صدفة ستدفعه إلى أن ينظر إلى إدريس البصري، عميد الشرطة، حين كان يقصده إلى بيته لتسليمه التقارير المختلفة.
في إحدى الروايات التي جمعت أوفقير إلى كل من عبد الهادي بوطالب والدكتور عبد الكريم الخطيب والمستشار أحمد رضا اكديرة. اغتاظ أحدهم حين أمر الجنرال ذلك العميد الشاب أن يجالسهم المقام. كانوا بصدد دراسة ملفات سياسية في منتصف ستينيات القرن الماضي، قبل إقرار حالة الاستثناء في تلك اللحظة رد أوفقير على جلسائه بالقول، إن ذلك العميد سيصبح في يوم ما أقوى وزير للداخلية في المغرب.
 هل هي الصدفة أن نبوءة أوفقير تحققت، أم أنها الأحداث سارت في الاتجاه. الذي كان يراهن عليه. وإن حدث ذلك بعد رحيله. غير أن واقعة مثيرة ستدفع الملك الراحل الحسن الثاني إلى الاهتمام بمسار ذلك العميد الشاب الذي انتقل من مركز الاستعلامات في الرباط. ليصبح رئيس ديوان مدير الأمن، ثم رئيسا لقسم الولاة. قبل أن يصبح كاتب دولة في الداخلية في أبريل 1974.
 في يوم تعيينه في حكومة الوزير الأول أحمد عصمان اصطف إلى جانبه في مناصب كتاب الدولة، كل من عبد الله غرنيط في الصناعة التقليدية، وعبد الكامل الرغاي في المالية، وعبد السلام زنيند في الشؤون العامة، ومحمد بلخياط في الشؤون الاقتصادية والطيب بن الشيخ في التخطيط وجلال السعيد في التعمير والسياحة. ولحسن الوقاش في الشؤون الإسلامية، ومحمد المحجوب في الإعلام، وموسى السعدي في المناجم والتجارة والصناعة العصرية.
 يكفي النظر إلى مسار كل هؤلاء المسؤولين لإدراك أن موقع البصري كان يمكن أن يكون عاديا مثل الآخرين، لولا أن طموحه كان أكبر وتجربته كانت أكثر نفاذا. فقد جاء اختياره إلى قسم الولاة في وزارة الداخلية، على إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة في الصخيرات في يوليوز 1971. تصور الدليمي، آنذاك، أنه سيكون رجله في الداخلية، في فترة اتسمت بصراع محتدم بينه وبين الجنرال أوفقير، غير أن الملك الحسن الثاني كان يرى أن إعداد الرجل لمنصب وزير داخلية قادم لا بد أن يمر عبر التمرس بكثير من الملفات الحرجة، فقد بدأ الحسن الثاني، وقتذاك، يراهن على أن تسليم قطاع الداخلية إلى شخصية مدنية تكون بمثابة تحصين للنظام، والحال أن الجنرال أوفقير حين اطلع على تقارير أمنية أعدها البصري على خلفية أحداث الصخيرات، بدا له أن الرجل أقرب لأن يكون أرنب سباق، خصوصا وقد انتزعه من مخالب غريمه الدليمي من إدارة الأمن. لكن المفاجأة ستأتي في عام 1973، يوم أقر الحسن الثاني إسناد رئاسة الاستخبارات الداخلية إلى إدريس البصري والاستخبارات الخارجية إلى أحمد الدليمي في يوم واحد. كان قد استخلص الدرس من حادث الهجمات التي حاولت إسقاط طائرته في السماء لدى عودته من زيارة خاصة إلى فرنسا في صيف 1972.
هي الصدفة التي ستقود الملك الراحل إلى بيت البصري يوما، فقد استبدل إقامته في حي صغير في الرباط إلى المقر السابق لمدير الأمن في حسان هناك سأل عن أغلى شيء يحتفظ به البصري، فتناهى إلى علمه أنه يضع في دولاب ثيابه بذلته البيضاء كعميد شرطة، كانت لا تزال ملطخة بالدماء التي سالت بفعل عربدة الرصاص في فناء قصر الصخيرات في العاشر من يوليوز 1971، تلك الواقعة أحد الأسباب التي جعلت الرجل ينفذ إلى قلب وعقل الملك الراحل.
 بعد مرور بضع سنوات على الحادث، طلب الملك الحسن الثاني إلى التلفزيون أن يحضر أكبر عدد من الكاميرات خلال حفل تقديم الولاء والبيعة، قال إنه سيوزع بعض الأوسمة على رعايا أوفياء، وكان حريصا على أن يوزع كاميرات التلفزيون على إيقاع خطواته. قال إنه سيخرج من الباب الأمامي للقصر وسينتقل إلى الجانب الأيمن ثم الأيسر وفق إيقاع دقيق.
 لم يفهم كثيرون لماذا حرص الحسن الثاني على أن تتبع الكاميرات كل خطواته، لكنه سرعان ما أشار إلى الجنرال الدليمي أن يحضر الأوسمة، التي لم تكن سوى أسلحة بنادق كلاشنكوف وزعها على مواطنين في الأقاليم الصحراوية شمال الساقية الحمراء، وكانوا يتعرضون لهجمات عدوانية.
 حين انتهت مراسيم الحفل، طلب إلى الوزير الأول المعطي بوعبيد حضور جلسة خاصة، وكانت تلك أول مرة أعلن فيها الحسن الثاني أنه سيعين إدريس البصري وزيرا للداخلية. كان الدليمي دفع به إلى الواجهة في رصد تطورات الوضع الأمني والسياسي في الأقاليم الجنوبية، وكان لا يستطيع أن يرد له طلبا، لولا أن تطورات غير متوقعة ستجعل الرجل يكون في مقدمة من انقلب على عرابه الكبير، ولعله فعل ذلك أو أشير إلى اسمه في هذه القضية الأكثر غموضا في الملفات السرية لصراعات الأجهزة في ثمانينيات القرن الماضي.
قبل ذلك فطن البصري، يوما، أثناء عرض نتائج انتخابات 1977، إلى أنه لا بد لإدارة الداخلية أن تتحمل كامل مسؤولياتها، كانت أحزاب المعارضة، خصوصا الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية، قد انتقدت تلك النتائج التي اتسمت بالتزوير وتزييف الإرادة الشعبية، لكن البصري آل على نفسه الجهر بأنها كانت انتخابات «نزيهة وشفافة»، وكان ذلك جواز السفر، الذي لم يتقادم نحو اعتلاء المقاعد الأمامية في صفوف السلطة «التي لا تخطئ».
لم يكن إدريس البصري يصنع السياسة، ولكنه كان ينفذها على طريقته التي لا تخلو من تدخل، وحين سئل الحسن الثاني عن حدود تدخل الأشخاص في تنفيذها رد مازحا: «من يعرض العسل لا بد أن يلحس مذاقه بأصابعه»، لولا أن طعم العسل كان يتحول أحيانا إلى مرارة.
هفوة بعد أخرى سيصبح البصري في واجهة المهام. وقد يكون أكبر خطأ ارتكبه أنه لم يستشعر يوما أن الديوان الملكي سيشتغل حين تؤول بعض المؤسسات إلى العطل. وروى أحدهم أن المستشار أحمد رضا اكديرة حين خالجه الاعتقاد بأن البصري في طريقه لأن يتجاوز حدوده المرسومة سلفا، أوعز لأهل القرار أن يقيدوه بالمزيد من المهام والمسؤوليات، فقد كان يؤمن بأن سياسة الرفع إلى أعلى تكشف العيوب.
حدث أن بعض العيوب طفت على السطح حين أسندت إليه مهام الداخلية والإعلام في آن واحد. كان الدكتور عبد اللطيف الفيلالي وزيرا للإعلام، وفاته الانتباه مرة إلى برنامج تلفزيوني اعتبر مسيئا لبعض التقاليد غير القابلة للجدل. برر الفيلالي ذلك بأنه لا يستطيع أن يكون رقيبا على كل ما يذيعه التلفزيون، فجاء اختيار الوزير البصري ليكون رقيبا، ومن هناك بدأت متاعبه التي لم يكن ينتبه إليها في غمرة زحمة الأحداث والانشغالات، خصوصا وقد بات الرجل لا يصغي إلا لنفسه. كان الحسن الثاني تمنى عليه أن يلعب الغولف، ليكون أحد مرافقيه في لعبته المفضلة، إلا أنه حول مسالكه إلى قاعات اجتماعات مفتوحة يقصدها الراغبون في تأمين صداقته.
من تلك الهفوات ستتوالد أخرى، ليس أقلها أنه أثار على نفسه غضب رجال الأعمال والرأسمال حين انخرط في حملات انتقائية عرفت بـ«حملات التطهير». كان يصور الأمر أنه امتداد لإجراءات هيكلية ذات أبعاد تقويمية، وكان يربط تلك الحملات بأخرى طالت الحرب على تجارة المخدرات، وقد فهمت الرسالة أنها ليست بعيدة عن ممارسة ضغوطات سياسية.
فيما كانت هذه الحملات تمضي قدما، مخلفة مظاهر استياء، كان البصري يلوح بورقة السلم الاجتماعي، وتحديدا من خلال جذب المركزيات النقابية والحكومة وأرباب العمل إلى إبرام اتفاق بمثابة ميثاق أخلاقي وسياسي. والظاهر أنه سعى إلى استبدال لغة المواجهات مع المركزيات النقابية، التي كانت تؤدي إلى قلاقل وانفجارات اجتماعية بهذا النوع من الالتزام الجديد، الذي لم يكن بعيدا عن إعداد الأجواء لقيام وفاق جديد، سيطلق عليه اسم مرحلة التناوب.
كان البصري يعلن، صراحة، أنه أقرب إلى طروحات الاتحاد الاشتراكي منها إلى سقف مطالب حزب الاستقلال. كان له أصدقاء داخل كل الهيئات السياسية، يمينها ووسطها ويسارها، بل إن الإسلاميين أنفسهم كانوا يحاورونه في أوقات الشدة.
جاء البصري يوما متأخرا عن موعد اجتماع عام مع المركزيات النقابية، وحين شرع في الاجتماع الذي انعقد في حضور الوزير الأول محمد كريم العمراني، اعتذر للحضور بدعوى أنه كان بصدد ترتيبات طالت تعرض إحدى مناطق المغرب إلى فيضانات. أعلن عن اسم تلك المنطقة، فقام كريم العمراني واقفا وتساءل: وما هو حجم الخسائر؟
رد البصري بأن الفيضانات جرفت ضيعات زراعية كبيرة. فأدرك العمراني أنه يقصد ضيعاته بالذات. إلا أنه طمأنه بأن الأمر لا يعدو أن يكون مزحة. فقد كان يمزج بين الطرائف والوقائع. لولا أن واقعة إقالته في ذكرى عيد ميلاده الواحد والستين أحدثت في نفسه أثرا لم يستطع الخلاص منه أبدا.
وجاء رحيله ليريحه ويريح الآخرين، في مثل الأقدار التي تضع نهايات لكل بدايات، لكن الكتابة عن عراب أم الوزارات لا تستقيم من دون الإحاطة بكثير من التطورات السياسية في مرحلة هامة من تاريخ البلاد. وذاك أمر متروك للمؤرخين هذه المرة.
... تابع القراءة

وثائق ويكيليكس: آلة المسح الضوئي التي عرت الامبراطور الأمريكي



حديث وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن الخطر الذي قد يهدد حياة عملاء الأمن القومي الأمريكي من جنود وجواسيس ودبلوماسيين بسبب تسريبات ويكيليكس حديث مبالغ فيه

لأنه لم تتأكد حتى الآن إصابة أي منهم حتى بالزكام منذ بداية التسريبات.
الأمر الأهم الذي يطمئن على سلامة مبعوثي واشنطن إلى العالم أن القصاصات التي بعثوها إلى واشنطن تسبب الحرج أكثر من الغضب –باستثناء الحالة التركية- وأن كل ما يفعله الدبلوماسيون الأمريكيون على ما يبدو هو دور «طيابات الحمام» حسب التعبير المتداول في المدن المغربية القديمة. لكن الكمية الضخمة من النميمة التي أنفقت عليها الإمبراطورية مليارات الدولارات في أكثر من مائتين وسبعين بعثة دبلوماسية عبر العالم ساهمت في اهتزاز صورتها والتأكيد على ضبابية أهدافها وعدم ثقتها في أحد، فضلا عن قدر زائد من الاستعلاء والغرور.
واستنادا إلى مقال في «فاينانشل تايمز» البريطانية، فإن قلق الوزيرة الأمريكية في غير محله لأن الخوف الحقيقي يكمن في ثقافة السرية في الحكومة الأمريكية التي خرجت عن السيطرة.
وحسب كاتب المقال، فإن النفاق الذي بدا واضحا في معظم الوثائق المسربة أمر مألوف في الدبلوماسية من حلفاء يغتابون بعضهم بعضا أو أعداء يتشحون بلباس الأصدقاء، وأن السر في الحفاظ على الأسرار هو تقليص عددها وتقليص عدد المسموح لهم بالاطلاع عليها.
«دير شبيغل» الألمانية، التي كانت من بين خمس مطبوعات دولية حصلت على نسخ من مائتين وخمسين ألف وثيقة للخارجية الأمريكية تعود إلى عام 1966، كتبت في تقديمها للوثائق «لم يحصل أبدا في التاريخ أن ضاع من قوة عظمى هذا العدد الهائل من المعلومات الحساسة، التي تفسر الأسس التي تقوم عليها الدبلوماسية الأمريكية».
الأمريكيون العاديون تعاملوا باستخفاف وربما بسخرية مع بعض المواقف التي صورتها الوثائق بشكل دقيق، لكنهم صدموا من طريقة عمل دبلوماسييهم وطريقة إنفاقهم وقتهم وأموال دافعي الضرائب. وقد صدموا أكثر من السرية المبالغ فيها، التي أصبحت المقياس والقاعدة في الأداء الحكومي.
الأمريكيون الذين صدقوا وعود المرشح باراك أوباما بحكومة شفافة وقوانين توضع على الأنترنت قبل المصادقة عليها تخلى عن كل وعوده ووضع آلات مسح ضوئية في المطارات لتصوير عوراتهم، في حين تتستر حكومته كسابقتها على صغيرة وكبيرة من روتينها اليومي قبل أن تظهر تلك الأسرار دون رغبته على الأنترنت.
برادلي مانينغ الجندي الأمريكي القابع حاليا في زنزانة انفرادية في قاعدة عسكرية في فرجينيا، والذي يعتقد أنه المسؤول عن أكبر تسريب للوثائق السرية في تاريخ الجمهورية، يبدو أنه هو الآخر فقد الثقة في أن بلاده «قوة خير في العالم» كما يحلو للساسة الأمريكيين تكراره بمناسبة أو بدونها.
في أفضل تحقيق كتب عن حياته حتى الآن نعرف أن هذا الشاب الذي كان يعاني من مشاكل شخصية مختلفة، بما في ذلك ميوله الجنسية الشاذة التي كانت موضوع تندر وسخرية من زملائه، كان يشعر أيضا ببعض الريبة من أهداف بلاده الحقيقية في كل من العراق وأفغانستان.
ويحكي مانينغ عبر الأنترنت لأحد أصدقائه على الشبكة العنكبوتية عن حادث سيغير رأيه بشكل جذري، وربما كان القشة التي دفعته لنشر غسيل أمريكا الدبلوماسي الوسخ.
حكى مانينغ الجالس أمام شاشة الكمبيوتر في قاعدة شرق بغداد لصديقه في الجزء الآخر من العالم في مدينة سان فرانسيسكو عن أمر تلقاه من قائده المباشر للتحقيق مع خمسة عشر معتقلا عراقيا كتبوا عريضة «معادية للعراق» وبعد انتهاء التحقيق توصل مانينغ أن الوثيقة لا تتعدى كونها احتجاجا على الفساد الضارب أطنابه في الحكومة العراقية. وحينما ذهب الرقيب الشاب إلى قائده العسكري المباشر بنتائج التحقيق، نهره قائده قائلا: «عليك بالتزام الصمت وحاول أن تساعدنا لإيجاد أفضل السبل لمساعدة جنودنا على إلقاء القبض على المزيد من المعتقلين».
بعد هذا الحديث مع قائده كتب مانينغ المصدوم إلى صديقه عبر الأنترنت «لم أعد أصدق نظرية الطيبين ضد الأشرار بعد اليوم. ليس هناك سوى مجموعة من الدول تتصرف على أساس المصلحة الذاتية».
بعد الحادث بأيام توصل صديق مانينغ بهذا البريد الالكتروني «دعني أسالك سؤالا افتراضيا.. إذا كانت لديك الحرية المطلقة للاطلاع على شبكة واسعة النطاق من المعلومات السرية تغطي من ثمانية إلى تسعة أشهر واطلعت من خلالها على أشياء سيئة ربما صادمة، وهي أمور يطلع عليها عدد كبير من الناس وليست مخبأة في قاعة مظلمة في واشنطن... ماذا عساك فاعل؟».
بالطبع نعرف الآن أو نعتقد ما فعله مانينغ بفضحه أشياء وأشخاصا ظهروا بالفعل بشكل قبيح وصادم.
وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ظهرت في الوثائق وهي تنتهك القانون بأدلة موقعة بخط يدها حينما طالبت جواسيسها – عفوا دبلوماسييها- بجمع معلومات شخصية عن أمين عام الأمم المتحدة وكبار موظفي وسفراء المنظمة الدولية. الوزيرة تريد معرفة كل شيء، بما في ذلك أرقام بطاقاتهم الائتمانية بل مواد الحمض النووي أيضا، مما دفع كاتبة يسارية تسخر من الوزيرة وتتساءل إذا ما كنت ترغب السيدة كلينتون في الحصول على فرشاة أسنان بان كي مون.
الزعماء العرب ظهروا في الفوج الأول من التسريبات وبشكل انتقائي كديكتاتوريين لن يصلح حال العباد قبل رحيلهم كما جاء في قصاصة من تونس العاصمة، أو كذابين على شعوبهم كما أخبرنا السفير الأمريكي في صنعاء، أو منافقين بشأن إيران كما أخبرتنا قصاصات الكثير من العواصم العربية.
لا نعرف طبعا ما كان يقوله دبلوماسيو فترة الحرب الباردة، لكن أغلب الظن أنهم كانوا أكثر مهنية من زملائهم اليوم لأن طبيعة الحرب سهلت عليهم المأمورية في التفريق بين الحلفاء والخصوم على أسس إيديولوجية واضحة، الأمر الذي افتقدته الإمبراطورية وافتقده أيضا الجيل الجديد من الدبلوماسيين فأصبح الجميع خصما إلى أن يثبت العكس.
مقارنة التسريبات بأحداث الحادي عشر من شتنبر، كما جاء على لسان وزير الخارجية الإيطالي، قد تكون ميلا للمبالغة والإثارة في بعض النواحي، لكن هناك بعض نقاط الشبه على الأقل في ردود فعل واشنطن.
عجز أمريكا عن حماية مقر وزارتها في الدفاع في قلب عاصمتها يوم الحادي عشر من شتنبر لا يضاهيه سوى عجزها عن الاحتفاظ وتأمين ملايين القصاصات السرية من مراهق استطاع أن يحملها على قرص مدمج وهو يمضغ العلك في صحراء العراق.
كما أن الدولة التي اخترعت الأنترنت لم تستطع، رغم كل الاستعدادات لحرب الإلكترونية مع الصين أو روسيا، أن توقف تدفق القصاصات رغم محاولاتها المتكررة، ورغم حملها موقع «أمازون» على إلغاء «استضافته» لموقع ويكيليكس الشرير.
وكما شنت الإمبراطورية حربا على أفغانستان بحثا عن أسامة بن دلان بدأت واشنطن في شن حرب أخرى على جوليان أسانج مؤسس الموقع، الذي اختفى عن الأنظار في إحدى مغارات أوروبا، كما اختفى سلفه أسامة بن لادن في مغارات أفغانستان وباكستان بعد أن سبقه إلى قائمة العدو رقم واحد للإمبراطورية.
نقطة التشابه الأكثر قتامة هي تركيز معظم وسائل الإعلام الأمريكية والمسؤولين الأمريكيين في تصريحاتهم العامة على الأقل على الشكل متجاهلين المضمون باستثناء موضوع إيران طبعا.
منذ الحادي عشر من شتنبر فضلت النخبة الأمريكية تجاهل الأسباب الحقيقية لمشاكل أمريكا في العالم الإسلامي، وفضلت التفسيرات السريعة والمريحة كعدائهم «لحريتنا وطريقة عيشنا وديموقراطيتنا» واعتبر كل من اقترب من السياسة الخارجية الأمريكية وكأنه يبرر الإرهاب.
في أول رد فعل علني لها على التسريبات، رفضت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون كباقي المسؤولين التعليق بشكل مباشر على مضامين الوثائق وأصرت على وصفها «بالوثائق المزعومة»، لكنها لم تجد حرجا في الحديث عن إيران وعن «الإجماع» الذي يتسم به الموقف الدولي إزاء الخطر الإيراني.
باقي التغطية الإعلامية الأمريكية ركزت على مؤسس الموقع وشيطنته إلى أبعد الحدود، كما ركز النقاش على كيفية الاقتصاص منه إما عن طريق السويد في تهم بالاغتصاب في حق سيدتين في تهم أعرب أحد كبار مراسلي «نويورك تايمز» عن شكه العميق في مصداقيتها، وربما علينا الانتظار لاحقا لقراءة ما كتبه السفير الأمريكي في السويد حاليا عن ترتيبات المتابعة القانونية.
لكن الخلاصة الصادمة، خاصة لدى الفئات اليسارية التي راهنت على باراك أوباما وصدقت كلامه الانتخابي حول الانفتاح على العالم وتصحيح صورة أمريكا في العالم الإسلامي والحديث إلى خصوم أمريكا من كوبا إلى كوريا الشمالية إلى إيران، هي أن باراك أوباما هو استمرارية مؤلمة لسياسات سلفه، سواء داخليا أو خارجيا، وإن استبدل الكلام العدواني بالكلام الشاعري.
الموجة الأولى من التسريبات- وهي بضع مئات من أكثر من ربع مليون وثيقة- ركزت على إيران وبدا واضحا لهذه الفئة من الأمريكيين التي بدأت تفقد الأمل في أوباما قبل التسريبات أن الحكومة الأمريكية تبحث عن مبررات لشن حرب على إيران.
وسائل الإعلام اليمينة، وفي مقدمتها محطة فوكس وزميلاتها في إسرائيل والحكومة الإسرائيلية نفسها، تلقفت جميعا موضوع إيران للتأكيد وإعادة التأكيد على أن العالم كله يدرك خطر البرنامج النووي الإيراني إن سرا أو علنا.
هذه الجماعات تتحرك بدافع واحد ينبع من تصديقها واحدة من أكبر أكاذيب القرن الجديد أطلقها الساسة الإسرائيليون وصدقوها وحاولوا إقناع بقية العالم بتصديقها، ومفادها أن إسرائيل - التي تملك مئات من الرؤوس النووية الجاهزة للإطلاق في أي لحظة- تواجه «خطرا وجوديا» من قنبلة إيرانية وهمية لم تصنع بعد.
الإسرائيليون نجحوا في تحويل هذه القضية إلى واحدة من أبرز القضايا الانتخابية الداخلية والموضوع الأول على أجندة محادثاتهم الخارجية مع جميع مخاطبيهم، وفي مقدمتهم طبعا الولايات المتحدة.
الرئيس جورج بوش وفي مذكراته المثيرة للجدل أعرب عن «الندم» لأنه ترك هذه المشكلة لخلفه «قبل أن يحلها»، في حين تلقفها خلفه وجعلها من أولوياته ونجح فيما لم ينجح سلفه حينما شدد العقوبات على طهران بعد رشوة كل من الصين وروسيا.
لكن المشكلة تبقى في الموقف العربي الذي يستعصي فهمه على العقل السليم اللهم إذا كان هؤلاء الزعماء يرون ما لا تراه شعوبهم أو يتلقون بدورهم قصاصات من سفرائهم الأكفاء إن وجدوا في العاصمة الإيرانية.
في شهر غشت الماضي فقط أجرى معهد بروكينغ للأبحاث السياسية، الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، استطلاعا للرأي العام في سبع من الدول العربية، بما فيها السعودية ومصر والإمارات، فوجد أن 88 في المائة ممن استطلعت آراؤهم يعتقدون أن إسرائيل تشكل الخطر الأعظم، وفي دول أخرى اختار 77 في المائة الولايات المتحدة نفسها كأعظم خطر يهددهم، في حين لم يختر إيران سوى 10 في المائة ممن استطلعت آراؤهم.
وفي الاستطلاع نفسه أعرب 57 في المائة من العرب عن اعتقادهم بأن إيران تطور بالفعل أسلحة نووية – على خلاف الادعاء الإيراني العلني- ومع ذلك أعرب 77 في المائة عن حق إيران في تطوير برنامج نووي، بل إن 57 في المائة ممن استطلعت آراؤهم أعربوا عن الاعتقاد بأن منطقة الشرق الأوسط ستكون أفضل حالا إذا امتلكت إيران بالفعل أسلحة نووية.
هذه الأرقام يدعمها المنطق والنظرة الاستراتيجية للمنطقة ومنطق توازن القوى حتى في جهود البحث عن السلام في الشرق الأوسط لأن الموقف التفاوضي الذي لاتدعمه قوة معنوية أو مادية يبقى موقفا ضعيفا تماما كما هو الشأن بالنسبة للموقف التفاوضي الفلسطيني والعربي عموما.
يوجد إجماع في الشرق والغرب على السواء أن رعب التوازن النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ووريثته روسيا كان السبب الرئيسي في عدم اندلاع حرب عالمية ثالثة، وهو الهدف الذي أخفقت فيه عصبة الأمم في فترة ما بعد الحربين على الرغم من «حسن النوايا».
لكن منطق الزعامات العربية، بالإضافة إلى تراجعه الأخلاقي في استعارته مبدأ التقية من المذهب الشيعي، يفتقر إلى منطق أصلا في حض الأمريكيين على استهداف إيران في وقت يتبادلون الزيارات وبرقيات التهنئة في الأعياد الدينية.
في «كيبل» من السفير الأمريكي في القاهرة إلى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون يحضرها فيه لأول لقاء لها مع نظيرها المصري أحمد أبو الغيط يصف السفير الأمريكي رئيس الدبلوماسية المصرية بالذكاء، ولكن بالثرثرة أيضا ومعارضته الدخول في أي نقاش يتعلق بإخفاقات مصر. كما نبه السفير الأمريكي رئيسته في واشنطن بأن الوزير المصري قد يحاول الاطلاع على نوايانا إزاء إيران. وأضاف السفير الأمريكي قائلا: «أن الرئيس مبارك أبلغ السيناتور ميتشل خلال زيارته الأخيرة للقاهرة بأنه لا يعارض حديثنا مع إيران مادمنا لن نصدق كلمة واحدة يقولونها».
الوثائق أظهرت أيضا أن العرب - أو معظم قادتهم على الأقل- كانوا خائفين من تقارب أمريكي إيراني بعيد فوز أوباما على ضوء تصريحاته الانتخابية لأن أي تقارب سيكون على حسابهم تماما كما كان الوضع أيام الشاه، مما يؤكد أن العرب كالأمريكيين هذه الأيام لا يعرفون من يعادون ومن يصادقون.
وباستثناء الموقف الإماراتي الذي قد يبرر بسبب النزاع حول الجزر الثلاث التي تحتلها إيران يبدو أن مواقف باقي الدول العربية مبني على أسباب موغلة في التخلف، أي العداء لإيران بسبب مذهبها المختلف- وكأن إيديولوجية الليكود الحاكم في إسرائيل أقرب إلى ميولنا من المذهب الشييعي- أو خوفا من «جيوب» الشيعة من مواطني العديد من الدول العربية المحيطة بإيران وفي لبنان.
غياب العراق كدولة محتلة ومدمرة وخارجة على المدى القريب والمتوسط من ميزان القوى بعد أن قدمها الأمريكيون «هدية لإيران على طبق من ذهب» كما نقلت إحدى الوثائق عن العاهل السعودي شجع قادما جديدا – قديما للمنطقة في شخص حزب العدالة والتنمية التركي، لكن قدومه يخيف أيضا بعض العرب ويخيف أكثر الولايات المتحدة، وهذا ما يفسر أن أكبر كمية من الوثائق الأمريكية خرجت من السفارة الأمريكية في أنقرة.
قضية القنابل العنقودية التي وردت في وثائق ويكيليكس وحظيت باهتمام إعلامي ضئيل للغاية أكبر دليل ليس على النفاق، بل على الإفلاس الأخلاقي للإمبراطورية، التي تعتبر نفسها «الدولة الضرورية» للمجتمع الإنساني.
الوثائق أظهرت أن الولايات المتحدة التي رفضت التوقيع على معاهدة دولية تحظر استعمالها حاولت الالتفاف على المنع فوق التراب البريطاني، بتواطؤ مع وزير الخارجية العمالي ديفيد ميليباند، للسماح لواشنطن بانتهاك معاهدة وقعت عليها بريطانيا ونشر الأسلحة المحظورة في القواعد البريطانية.
القنابل العنقودية من أخطر الأسلحة ضد المدنيين وتواصل قتلها حتى بعد انتهاء الحروب بسنوات طويلة كما هو الشأن في فيتنام وجنوب لبنان حيث تفتك بالأطفال الذين يلعبون بالقنابل الصغيرة التي لا تنفجر إلا بعد لمسها بعد مدة طويلة من إسقاطها.
الوثائق كشفت النقاب أيضا عن المشكلة التي واجهت الولايات المتحدة في أفغانستان بعد أن «تسرعت» الحكومة الأفغانية في التوقيع على المعاهدة في دجنبر من عام 2008 دون استشارة أولياء الأمر في واشنطن، على الرغم من «الضمانات» التي قدمها الرئيس حامد كارزاي بعدم التصديق على المعاهدة.
واشنطن قررت حسب وثائق ويكيليكس السعي «لإقناع» الحكومة الأفغانية بأن من الممكن قانونيا للقوات الأمريكية أن تقتل المواطنين الأفغان بالقنابل العنقودية فوق التراب الأفغاني دون أن تنتهك القوات الأمريكية القانون مادامت حكومة كارزاي لن تستخدم القنابل بنفسها!.
الدبلوماسيون الأمريكيون في كابل نصحوا باتخاذ مقاربة «هادئة» لمعالجة المشكلة وربما بموظفين أقل من مستوى الوزراء «بسبب الحساسية المحيطة بالموضوع في أفغانستان إزاء القنابل العنقودية والقصف الجوي بشكل عام».
في الجزء الذي كشفته صحيفة «الغارديان» البريطانية نطلع أيضا على «المواجهة» بين الحليفين التقليديين حول نشاط أمريكي مريب فوق الأراضي اللبنانية كانت الطائرات الأمريكية تتجسس خلاله على حزب الله لفائدة إسرائي، حسب اعتقاد الصحيفة البريطانية، لكن الوزراء في الحكومة البريطانية-على عكس نظرائهم الأمريكيين- كانوا يودون الاطلاع على نشاط الأمريكيين.
كان الرأي العام البريطاني يغلي بمعارضته للحرب في العراق ويشعر بالقلق من الرحلات الجوية السرية لوكالة الاستخبارات المركزية، التي كانت تستخدم بعض المطارات البريطانية في رحلات التعذيب والاختفاء.
وفي عام 2008 اتخذت المواجهة مرحلة من الحدة ـ لم يسمع بها أحد طبعا خلال تلك الأيام بسبب الابتسامات العلنية- ورفضت واشنطن قلق لندن بشأن التعذيب جملة وتفصيلا لدرجة حملت مسؤولا كبيرا في السفارة الأمريكية في لندن للقول «لا يمكننا في إطار محاربة الإرهاب وبسبب خشيتنا من احتمالات انتهاك حقوق الإنسان أن نترك الإرهاب ينتشر في لبنان».
طبعا، الوثائق تعري أيضا العديد من الساسة اللبنانيين المسيحيين الذين «ينصحون» بحصر الحرب في المناطق المسلمة والشيعية تحديدا حتى لايفقد الغرب تعاطف أصدقائه في لبنان.
الوثائق أظهرت أمريكا كمراهق غني يحتقر جميع زملائه في الفصل حتى من يدعي صداقاتهم، ولايستطيع مقاومة احتقارهم والنهش في أعراضهم، بمن فيهم جيرانه الأقربون أو «حلفاؤه» البعيدون.
فبعد أقل من شهر من طمأنة أوباما المراسلين بأن الترسانة النووية الباكستانية توجد بين أيد أمينة كتبت سفيرته في إسلام أبام عن «قلقها الشديد» من وجود كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب مخزنة بجانب مركز بحث نووي قديم كافية لصنع عشرات من «القنابل الوسخة».
نيكولا ساركوزي، الذي وصف قبل بضعة أيام فقط بأنه أقرب رئيس فرنسي للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية ظهر كشخصية ديكتاتورية صعبة المزاج في نظر الدبلوماسيين الأمريكيين لدرجة تحويل طائرته الرئاسية حتى لا يرى ألوان العلم التركي فوق برج إيفيل بسبب كراهيته العمياء لتركيا والأتراك. ساركوزي وصف التسريب بأنه «قمة اللامسؤولية»
روسيا ببساطة دولة تحكمها المافيا، التي تفرض إتاوات على رجال الأعمال، والتي تدفع نقدا وتحمل في الحقائب إلى الكرميلن.
وحسب الدبلوماسيين الأمريكيين في موسكو، فإن دفع تلك الأموال لا يعني بالضرورة الحماية الكاملة من الاعتقال، أما الذين لا يدفعون فإنهم يكتشفون بسرعة أن تجارتهم أغلقت لسبب آو لاخر.
الجارة كندا لم تسلم هي الأخرى من سلاطة لسان الجار القوي، بل لم تسلم برامجها التلفزيونية التي «تغذي الصور النمطية السلبية عنا لدى الشعب الكندي»، حسب تعبير السفير الأمريكي في أوتاوا.
الوثائق لم تخل أحيانا من بعض الصور الكاريكاتورية كبحث الأمريكيين عن نشطاء حماس وحزب الله في المثلث الحدودي الخالي بين البراغواي والبرازيل والأرجنتين أو قصة إعداد التأشيرة للزعيم الليبي معمر القذافي قبل توجهه إلى نيويورك للمشاركة في أشغال الجمعية العامة للامم المتحدة.
واستنادا إلى أحد الدبلوماسيين الأمريكيين في طرابلس، فقد طلب من أحدهم-حذف اسمه من الوثيقة- أن يوفر صورة للزعيم الليبي وفق المواصفات المطلوبة للحصول على التأشيرة. لكن صاحبنا تساءل مع مخاطبيه الأمريكيين إن كان التقاط الصورة ضروريا مادامت صور الزعيم توجد بالمئات في كل شوارع المدينة ويمكن تصوير إحداها وتصغيرها لتلبية الغرض المطلوب.
هذا جزء من فيض أول أقل من واحد في المائة من الوثائق التي سيطلع عليها العالم في الأيام القلية القادمة يظهر الأسلوب التي تدار به شؤون العالم من القوة الوحيدة في العالم، وما خفي قد يكون أعظم.
محمد العلمي 
... تابع القراءة

سيدا وعجز جنسي وإجهاض سري في شريط صادم للمنظمة الإفريقية لمحاربة السيدا

مشاهد من قصص إنسانية حزينة من المعيش اليومي لآلاف المغاربة وزجل يلامس هموم ومشاكل شخوصها ووجوه جمعت بينها المآسي، بسبب المخدرات والدعارة وقلة الخدمات الصحية،
اجتمعت كلها لتشكل مادة الأفلام القصيرة حول الصحة الإنجابية والجنسية والسيدا  التي أنتجتها المنظمة الإفريقية لمحاربة السيدا في المغرب وأخرجها محمد  عاطفي.
«شْفتك جْبتي الطبيبة اليوم أشْ طْرى؟» تساءلت تلك السيدة  التي كانت تمتطي الحمار. «وازْغرتي وقولي لْحمارتْك تْزغرد راهْ تزادو لي 2 ذكورا»... بهذه العبارات،
استقبل حمان، فرِحاً، حماته القادمة على ظهر حمارها لزيارة ابنتها الحامل. انفرجت أسارير وجه الأم في البداية، قبل أن تستشيط غضبا لمعرفتها أن الفلاح حمان يتحدث عن عملية وضع البقرة التي أشرفت عليها طبيبة بيطرية وليس عن عملية وضع ابنتها الذي دنا موعده. توفيت الزوجة التي ظلت تصارع أآلام المخاض في  البيت لساعات، قبل أن يسرقها الموت.

من  محاربة السيدا إلى القضاء على المشاكل  الصحية:
 «خلاّ مْرتو تموتْ وجابْ الطبيب للبقرة».. مقتطف من  زجل الفيلم القصير عن قصة حمان، الذي تضمنه شريط «حتى لا ننسى»، الذي أنتجته المنظمة الإفريقية لمكافحة السيدا (OPALS)، تزامنا مع تغيير إستراتيجية عملها من محاربة السيدا إلى تحسين مؤشرات الصحة في المغرب، على العموم، انسجاما مع الهدف السادس لأهداف التنمية الإنمائية، والذي يصبو إلى مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية والملاريا وغيرهما من الأمراض، وهو ما أكدته لنا الرئيسة التنفيذية للمنظمة بقولها: « أفرزت 20 سنة من عمل المنظمة على محاربة السيدا في المغرب قناعة لدى القائمين على العمل بها،  لأن محاربة  السيدا لا يمكن أن تتم وتكون ناجحة في ظل غياب الصحة الإنجابية وانعدام التربية الجنسية واستمرار مجموعة من  المشاكل  الصحية، أي تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية الإنمائية التي صادق عليها  المغرب».

وفاة ثلاث مغربيات يوميا أثناء الوضع:
تمثل زوجة الفلاح حمان قصةَ واحدةٍ من النساء اللواتي يقضين أثناء الوضع، فحسب الإحصائيات الرسمية، فإن نسبة الوفيات عند الولادة تبقى على رأس المؤشرات الأكثر فظاعة، فثلاث مغربيات يتوفين كل يوم أثناء الوضع، فتسجل بذلك 227 وفاة من أصل 100 ألف ولادة ناجحة سنويا. وفي العالم القروي، ترتفع لتبلغ 267 وفاة. قامت المنظمة، في إطار استراتيجيتها الجديدة، التي تعتمد على دعم الصحة الإنجابية والجنسية في المغرب وتحسين مؤشرات صحة  المرأة، بإنتاج فكرة  الدكتورة نادية بزاد حول شريط يضم أربعة أفلام قصيرة من 12 دقيقة تقريبا حول الصحة الجنسية والإنجابية والسيدا في المغرب، لتستعين بها المنظمة في حملاتها التحسيسية المستقبلية، خاصة في صفوف رواد حجرات المدارس والجامعات. علاقة غير شرعية فإجهاض فموت من قصة زوجة حمان، الذي قرر الزواج مباشرة بعد وفاة زوجته الحامل بقوله: «نْبيع  لْعجل ونتزوج امرأة أخرى»، يعالج الشريط مشكلة الإجهاض السري والعلاقات غير الشرعية، فمن وفاة زوجة حمان، ينتقل الشريط إلى وفاة أخرى هذه  المرة هي لفتاة مراهقة أثناء  قيامها بعملية إجهاض سري. حبيبة، شابة وجدت نفسها تحمل جنينا غير شرعي من صديقها المراهق، الذي أوصد في وجهها الأبواب فلم تجد غير «الحاج» لمساعدتها. قرر «الحاج» مساعدتها على الإجهاض، بعدما اشترط عليها أن تظل عشيقته لوحده. ترردت الفتاة في أن تجهض عند إحدى السيدات في منزلها، لكنها لم تجد حلا بديلا، فقبلت بالفكرة على مضض، يعتريها خوف شديد ظهر من خلال  ترددها  قبيل القيام  بعملية  الإجهاض.
دخلت الشابة المنزل وهي مترددة. استقبلتها المرأة التي  أخذت مبلغ  700 درهم لقاء قيامها بعملية الإجهاض، باستخدام  قضيب حديدي «سفّود»، فقضت الصغيرة وهي تقوم بعملية الإجهاض السري. «الحاج  بْغا يمتع النفس، لقى راسو في الحبْس».. بهذه الكلمات، يحكي  الراوي مصير «الحاج»، بعد ذيوع  قصة الإجهاض.

« كل يوم أعتقد أنه آخر  يوم أعيشه»..
كانت الرسائل التي يحاول القائمون على المنظمة إيصالها من خلال  الشريط واضحة حتى من خلال اختيار الشهادات الحية التي أُدرِجت  كتقديم  للفيلم، فحالة السيدة الأولى، التي قدمها الشريط،  وجدت نفسها تطرق باب الدعارة، بعدما هجرها الزوج المدمن على المخدرات وترك على عائقها مسؤولية إعالة الأبناء. لكنها، على الأقل، كانت حذرة في علاقتها، من خلال استخدامها العازل الطبي. أمٌّ  أخرى أورد الشريط شهادتها فكانت قصتها صادمة. فمن عائلة محافظة كانت تعيش حياة «عادية»، كأغلبية الأُسَر، تحولت حياة هذه الأسرة إلى «جحيم» لم  تعد الأم  تحتمله: «الناسْ ما رْحموناشْ».. تقول هذه السيدة، بحرقة وحنق، قبل أن تضيف أنها كانت تضطر إلى تغيير مكان السكن ومدرسة البنات في كل مرة: «عشتُ معاناة حقيقية مع طفلتي، ففي كل مرة كنا نغير المنزل  والمدرسة». وتابعت، وهي تبكي: «أصبت بانهيار عصبي، لم أستطع في البداية أن أبوح بالأمر، 3 مرضى في نفس المنزل وبدون أب»... سيكون بلوغ ابنتيها سنَّ المراهقة الحدَّ الفاصل بين صمود هذه السيدة وانهيارها.. لم تستطع بعد ذلك أن تخفي عن  ابنتيها مرضهما، فخاطبتهما قائلة: «كل يوم، أعتقد أنه آخر يوم سأعيشه»...

الأمل في التفهّم:
تغالب أم أخرى الدموع، وهي تحكي قصة إصابتها، رفقة ابنتيها، بالفيروس، والتي تعرضت نتيجتها للعزلة والوحدة، بعدما نُبِذت من طرف العائلة والأصدقاء. تحكي الشابة الثانية قصة إصابتها  بالمرض وكيفية علمها بالإصابة بفيروس السيدا، تتعايش مع هذا الفيروس منذ 10 سنوات، تحكي أنها لم تتقبل في البداية فكرة إصابتها بالمرض، فأعلمت أسرتها بالأمر، رغم أن الأطباء  نصحوها بعدم إخبار العائلة. لكنْ، لحسن حظ هذه الشابة، التي قوبلت بتفهم كبير من طرف أسرتها، على عكس أغلب المصابين بهذا الداء قصة تحاول المنظمة من خلالها أن تؤطر طريقة جديدة في التعامل مع المصابين، أساسها التفاهم  والاحتواء.

غياب  التربية الجنسية والصحية:
ومن  السيدا إلى الإجهاض السري، إلى محاربة السرطان، تعمل  المنظمة على محاربة  هذا الأخير، أيضا، فهناك 5250 حالة سرطان ثدي و2010 حالات سرطان رحِم، حسب سجل السرطانات في الدار البيضاء لسنة 2004.  سيكون سرطان الرحم  عنوان  أحد الأفلام  القصيرة، التي يضمها شريط «حتى لا ننسى»، ويحكي قصة سيدة أهملت صحتها حتى وجدت نفسها مصابة بالسرطان: «انتِ وحدة من شلا عيالاتْ  فرّطات حتى جات الفاسْ في الراسْ».. عن السرطان، الذي اختار الفنان محمد عاطفي، الذي قام بإخراج وكتابة حوار وزجل الشريط، أن يجسده في شخص امرأة تحاور المرأة المصابة. كانت «السيدة -السرطان» قاسية على المرأة المصابة، لأنها أهملت نفسها ولم تعد تقوم بمراقبة دورية لصحتها، بعد بلوغها سنَّ اليأس. تركت هذه السيدة، حسب الشريط، نفسها فريسة للمرض، لغياب تربية وثقافية صحية تشجع على المراقبة الدورية لمثل هذه الأمراض.
وقالت نادية بزاد، المديرة التنفيذية للمنظمة الإفريقية لمحاربة السيدا في المغرب لـ«المساء» إن «غياب التربية الصحية والجنسية  تترتب عنه مجموعة من  المشاكل»، وأردفت قائلة: «كفانا من  ثقافة الحْشومة والطابو، فالأبناء إن لم يتعلموا في المنزل  والمدرسة بطريقة جيدة سيتعلمون بطريقة اعتباطية في الأنترنت  والشارع وعبر التلفزة».

 لعبة «كرسي الاعتراف» والكشف عن «المستور»:
بعد الشهادات الحية، يعرض الشريط الذي اعتمد على الحالات الواردة على المنظمة، أول فيلم قصير يتضمنه الشريط وهو «كرسي الاعتراف». وبلغة بسيطة ورسالة واضحة، يحكي الفيلم  القصير قصة 3 شبان، مختار وزيد وعباس، كانوا يتسامرون حول كؤوس الخمر ويدخنون لفافات الحشيش، قبل أن يشرعوا في البوح  بأسرارهم وكشف «المستور».. فيحكي مختار معاناة أسرته الصغيرة مع مرض السيدا، إذ سرق منهم هذا المرض والدته، التي نقل لها الزوج الفيروس، بسبب علاقات زوجها غير الشرعية وغير المحمية، قبل أن يعلم مختار أنه مصاب -هو أيضا- بهذا المرض، بسبب ارتياده دُورَ الدعارة، التي كان يرتادها والده، أيضا... يبكي الشاب، بحرقة، وهو يجيب بعدم وثوقية عن سؤال صديقيه بخصوص إمكانية نقله الفيروس لأشخاص آخرين، نتيجة علاقاته غير المحمية. صديقه، هو الآخر، ومن شدة خوفه، بادر إلى سؤاله عن إمكانية انتقال العدوى إليه...

«تْبعتي الحْشيشْ حتى وليتي هْشيشْ»..
من خطر الإصابة بالسيدا، هذا المرض الفتاك، الذي يتعايش معه  حوالي 26 ألف مغربي، يتطرق الشريط لإشكالية العجز الجنسي وعلاقة الأخير بالمخدرات، فحالة الشاب مراد، التي أوردها الشريط، نموذج للشباب الذين يصابون بالعجز الجنسي نتيجة إدمانهم على المخدرات. مراد، ذلك الشاب المدلَّل، الذي وجد  نفسه شخصا عاجزا جنسيا، رغم  صغر سنة،  فتحول من «دونْ جْوانْ» زمانه ومعشوق الفتيات إلى شخص منبوذ من طرف صديقاته،  بعدما كشف لهن سرَّه: «تْبعتي الحْشيشْ حتى وْلّيتي هْشيشْ».. صاحت إحدى صديقاته في وجهه، فكانت كلماتها جارحة له كالسهام التي تعبر جسده.
تؤكد نادية بزاد أن الشريط، الذي لا يمثل سوى 10 في المائة من  الواقع، يأتي لكسر جدار الصمت، قبل أن تضيف، في تصريح خصت به  «المساء»: «نحن لا نشجع الفساد ولكن الواقع هو الذي  يحكم». وتابعت قائلة: «الواقع والحالات الواردة علينا أبشع بكثير من  القصص الواردة في الشريط»...
 
سناء الزوين 
... تابع القراءة

هل تصبح الحرب على الإرهاب آخر حروب أمريكا؟

تحلق الأمريكيون هذا الأسبوع على المائدة التقليدية لعيد الشكر أن استطاعوا لذلك سبيلا بعد أن حرمت البطالة المزمنة أكثر من أربعين مليون أمريكي
من القدرة على شراء الديك الرومي وتوابعه التي تؤثث مائدة عيد الشكر التقليدية.
وإذا كان جو الاكتئاب العام ليس كافيا جاءت إجراءات وزارة الأمن الداخلي في بعض المطارات وعشية أكثر أيام السنة ازدحاما بالمسافرين لتنغص حياتهم أكثر ولاستبعاد الساسة والسياسيين من قائمة الشكر، هذا العام على الأقل.
عبقرية القائمين على أمن المطارات أعادت الحياة لآلات المسح الضوئي التي جربت ورفضت في مطار هيثرو اللندني لنشرها في كبريات المطارات الأمريكية والتي تظهر جسم المسافر بكل تفاصيله الحميمية وغير الحميمية.
رفض المسافر لهذا الانتهاك الفاضح لخصوصيته أمام الغرباء من عملاء أمن المطارات يجد بديلا آخر لا يقل اهانة هذه المرة عن طريق تفتيش لا يقل حميمية بأيدي الموظف،  أو الموظفة التي تلامس جميع المناطق الحساسة وغير الحساسة من جسم المسافر.
الإجراءات الجديدة أدت إلى شبه انتفاضة بين المواطنين المسافرين إلى درجة تنظيم حملة مقاطعة واسعة النطاق، تحديا لما يعتبرونه انتهاكا غير مقبول لخصوصيتهم ومجالهم الخاص.
المفارقة أن هذه الإجراءات الجديدة جاءت من حكومة تنتمي لحزب ديمقراطي كثيرا ما عاب على الحكومة الجمهورية السابقة مبالغتها في ردود الفعل إزاء الإرهاب لدرجة توظيفه كأداة انتخابية فعالة وأداة لتبرير الكثير من القوانين التي قلمت حريات المواطنين الامريكيين.
المواطنون الأمريكيون الذين كانوا على استعداد لدفع جزء من ثمن حرياتهم وخصوصيتهم مقابل شعور بالأمن والاطمئنان خاصة بعد السنوات التي أعقبت الحادي عشر من شتنبر غيروا رأيهم نسبيا على ما يبدو بعد أن انفضحت أساليب حكومة جورج بوش المكيافيلية وأيضا لأن ذلك الخطر الداهم لم يتحقق بعد.
جهات أخرى أعربت عن غضبها الشديد لأن مايكل شيرتوف، وزير الأمن الداخلي السابق في حكومة جورج بوش، يعمل الآن مستشارا للشركة المصنعة للآلات الجديدة، مما يحمل على الاعتقاد بأن هناك تضاربا في المصالح وربما يدفع المواطنون العاديون ثمن صفقات يعقدها علية القوم على حسابهم.
وزيرة الأمن الداخلي الحالية تجادل بأن الآلات الجديدة ضرورية بعد المحاولة الفاشلة للنيجيري فاروق عبد المطلب الذي حاول تفجير طائرة أقلته من أمستردام إلى ديترويت قبل حوالي عام بعد أن نجح في إدخال المتفجرات للطائرة مخبأة في ملابسه الداخلية.
لكن الغريب أن الوزارة المعنية وحتى بعد نشرها آلات تسلط أشعتها على الأجهزة التناسلية للمسافرين من الذكور والإناث لا تستطيع التأكيد حتى الآن على أن وجود آلات شبيهة العام الماضي كانت ستحول دون امتطاء عبد المطلب طائرته في أمستردام.
وفي انقلاب مثير للأدوار تجند الجمهوريون للهجوم على الحكومة الديموقراطية بسبب إجراءاتها الجديدة على الرغم من دورهم المشين في مباركة ما هو أسوأ خلال ثمان سنوات كاملة من حكم زعيمهم جورج بوش.
الجمهوريون تخلوا ولو مؤقتا عن «استماتتهم» في حماية الوطن والمواطنين للدفاع عن خصوصية المواطنين تجاه إجراءات لا تفرق بين المشتبه فيهم والجدات المتوجهات للاحتفال بعيد الشكر مع أحفادهن.
الديمقراطيون من جهتهم تخلوا لأسباب سياسية، على ما يبدو عن استماتتهم المبدئية في الدفاع عن الحقوق المدنية للمواطنين، بما فيها خصوصيتهم، لأن الحكومة التي أقدمت على الخطوة المثيرة للجدل ديموقراطية.
القصة سيطرت بطريقة شبه كاملة على وسائل الإعلام خاصة القنوات «الإخبارية» التي لم تعر اهتماما كبيرا لإطلاق النار بين الكوريتين والذي كاد أن يعيد الحياة لحرب الأشقاء الأعداء يتوسطهم حوالي ثلاثين ألف جندي أمريكي في الحديقة الخلفية للصين.
وسائل الإعلام تجندت طبعا على أساس إيديولوجي حيث حاول المحسوب منها على اليمين تضخيم القضية إلى أبعد الحدود بما في ذلك اتهام أوباما بمحاباة العرب والمسلمين، لأن الحل سهل في نظر منظري اليمين ويقتضي بسهولة وقف وتفتيش العرب والمسلمين لوحدهم «لأننا نعرف ملامحهم بل من السهل التعرف عليهم لأنهم يشبهون بعضهم بعضا» حسب تعبير كبيرهم روش ليمبو الإذاعي اليميني المعروف.
أحد المعلقين الليبراليين رد على ذلك بالقول إن الموجة الجديدة من التفتيش بدأت بعد ضلوع عبد المطلب النيجيري في العملية الفاشلة مما يعني أنه يتعين علينا إيقاف كل إفريقي بالإضافة إلى كل من له ملامح شرق أوسطية، وبما أن بعض المشتبه فيهم من أصول أندونيسية فعلينا أن نوقف كل أسيوي مما يعني أنه سيتعين علينا أن نوقف أكثر من ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية.
وسائل الإعلام المحسوبة على اليسار وعلى الرغم من معاناتها من عدم التوازن في معركتها ضد مؤسسات اليمين كثيرة العدد إلا أنها حاولت التقليل من حدة المشكلة مستدلة ببعض استطلاعات الرأي التي أظهرت أن الأمريكيين منقسمون بشكل متساو تقريبا بين مؤيد ومعارض للإجراءات الجديدة.
الحادث أعطى بالفعل سمعة سيئة من جديد لصناعة استطلاعات الرأي العام التي استعادت بعضا من مصداقيتها خلال الانتخابات الأخيرة، لكنها أكدت أنها تعاني بالفعل من مشاكل بنيوية وربما حتى أيديولوجية في وقت تعتمد فيه فئة كبيرة من الجمهور على الهاتف النقال الذي حرم مستطلعي الرأي العام من أسماء وعناوين المستطلعة آراؤهم، إضافة إلى طبيعة صياغة سؤال الاستطلاع الذي قد يساعد في الوصول إلى أي نتيجة تريدها الجهة الممولة للاستطلاع.
وهكذا ظهر الأمريكيون شبه منقسمين مناصفة في حين أظهر استطلاع آخر أن نسبة الثلثين تؤيد الإجراءات الجديدة، في حين أظهر استطلاع ثالث أن أكثر من ستين في المائة تعارض الآلات الكاشفة للأجسام رفضها لأيدي المفتشين المتحسسة للأماكن والزوايا الحساسة من أجسام المسافرين.
الجهتان لم تعدما طبعا نماذج من الصور التي التقطتها كاميرات التلفزيون في مختلف المطارات المعنية والتي أظهرت عجزة يفتشون وطفلا عاريا يمرر موظف الأمن يديه على جسمه النحيف العاري.
أحد المواقع على يسار الحزب الديموقراطي وصفت حادث الطفل بالمخزي وذهبت إلى أنه لو كان معلم الطفل قد فعل ذلك لانتهى المعلم في السجن.
في أحد المطارات طلب من سيدة تلبس ثديا مستعارا خلعه أمام باقي المسافرين بعد ضياع ثديها الطبيعي بسبب السرطان، في حين أدى التفتيش اليدوي الدقيق إلى إحداث ثقب في كيس بول اصطناعي يحمله مريض آخر بالسرطان لا يستطيع التبول بطريقة طبيعية مما أشعره بخجل حتى كاد أن يموت، كما أبلغ إحدى المحطات التلفزيونية.
بعض المحللين ذهبوا إلى أن الحكومة الأمريكية الحالية كسابقاتها تخوض دائما الحروب القديمة دون السعي للتفكير بطريقة أذكى من خصومها مما يجعلها تهذر الكثير من المال والوقت فضلا عن أعصاب المسافرين في حركات مسرحية توحي بأنها توفر الأمن إلا أنها لا توفر في الحقيقة إلا انطباعا كاذبا.
ويرى هؤلاء أن وكالة أمن الطيران التي أحدثت على عجل بعد الحادي عشر من شتنبر وظفت رجالا ونساء بسوابق جنائية قد لا تسمح لهم بالعمل في باقي مصالح الحكومة الأخرى، كما أن أجورهم تضاهي أحيانا أجور موظفي مطاعم الوجبات السريعة، مما يجعل العملية برمتها مضيعة لوقت الحكومة والمسافرين وأموالهم.
ويجادل مناهضو الوكالة الأمنية الجديدة أن كل الإجراءات التي اتخذتها منذ إنشائها كانت ردود فعل متشنجة على المحاولات الفاشلة التي حاول القيام بها بعض الأفراد منذ الحادي عشر من شتنبر دون أن تنجح الوكالة نفسها في درئها.
تفتيش أو تصوير الأعضاء الداخلية للمسافرين جاء بعد محاولة عبد المطلب، لكن مسافرين عاديين هم الذين نجحوا في وقف محاولاته إشعال ملابسه الداخلية بعد أن اقتربت الطائرة من أجواء ديترويت.
المسافرون يتوجهون الآن في جميع المطارات الأمريكية حفاة عبر الحاجز الأمني بعد محاولة فاشلة أخرى لكريستوفر رييد المعروف بمقنبل الحذاء والذي حاول إشعال مواد متفجرة كانت مخبأة في حذائه الرياضي.
في مطارات أمريكا وفي كل مطارات العالم التي تتوجه منها رحلات إلى أمريكا يمنع على المسافرين عبور الحاجز الأمني بأي سائل باستثناء قدر ضئيل من الأدوية أو حليب الرضع بعد أن يوضع في وعاء بلاستيكي مستقل، جاء القرار طبعا بعد «اكتشاف» الشرطة البريطانية محاولة لتفجير الطائرات المتوجهة إلى أمريكا بمتفجرات سائلة.
أحد المعلقين ذهب إلى اتهام الوكالة بتعريض حياة المسافرين للخطر لأنها تجمعهم بأعداد كبيرة دون أحذية أو أحزمة أو أي شيء يدافعون به عن أنفسهم إذا ما قرر أحد الإرهابيين التوجه إلى المطار بحزام ناسف على متن سيارة أجرة وتفجير نفسه بين الركاب المنتظرين لأنه قد يقتل بتلك الطريقة أعدادا أكبر مما قد يفعله لو نجح في التسلل إلى أكبر الطائرات.
كما يخشى على المسافرين جوا بكثافة من تعرضهم لمختلف أنواع السرطان بسبب تعريض أجسادهم باستمرار للأشعة القوية في أجهزة المطارات هذا إذا لم يفضلوا طبعا طريقة اللمس البشري لأجسادهم لأن احتمالات الإصابة بالسرطان من تلك الأجهزة تبدو في نظر بعض الخبراء أقوى بكثير من الموت في عملية إرهابية.
بعض المنظمات الإرهابية أظهرت قدرة ملفتة على التأقلم والتفكير أسرع من بيروقراطيات المخابرات الأمريكية التي تنفق عشرات الملايير سنويا على عملياتها السرية قبل أن تنفق الحكومة مئات أخرى علنيا على إجراءات أمنية لم تفلح حتى الآن بعد انقضاء أكثر من تسع سنوات على الحادي عشر من شتنبر في الحيلولة دون وقوع عملية إرهابية واحدة.
قبل انتفاضة المسافرين الأمريكيين بسبب عملية عبد المطلب النيجيري كادت تجارة الشحن الجوي أن تتوقف نهائيا وكلفت تلك التجارة وميادين كثيرة مرتبطة بها مئات الملايير من الدولارات قبل عدة أسابيع وهنا مرة أخرى «نجحت» أجهزة الاستخبارات الأمريكية في درء المحظور بعد مكالمة من المخابرات السعودية التي أعطت نظيرتها الأمريكية حتى أرقام شحن الطرود المفخخة من اليمن.
نشطاء القاعدة في اليمن الذين يزعم أنهم وراء تلك الطرود نشروا، مؤخرا، بيانا يمعن في اهانة الحكومة الأمريكية يكشف النقاب عن شبه «فاتورة إرهابية» تبين بالأرقام أن عمليات الطرود كلفتهم 4200 دولار فقط، معربين عن استعدادهم لمواصلة حرب الاستنزاف حتى لو تم الكشف عن الطرود.
المصالح الأمنية الأمريكية لم تخف عجزها في تأمين سلامة الشحن الجوي منه أو البحري لأن تفتيش كل حاوية تأتي لأكبر سوق عالمية أمر مستحيل عمليا، لأنه لن يتطلب مئات الآلاف من العمال ومئات الملايير من الدولارات فقط بل لأنه سيصيب الحركة التجارية في مقتل.
الاتحاد الأمريكي للحقوق المدنية وهو من أعرق المنظمات الأمريكية المدافعة عن الحقوق المدنية سجل ارتفاع عدد المواطنين الأمريكيين الذين يحاولون الاستعانة بخدمات الإتحاد لرفع قضايا ضد الحكومة الفدرالية بتهم انتهاكها لحقوقهم المدنية بنسب غير مسبوقة في تاريخ الإتحاد العريق.
بعض الناشطين الحقوقيين رحبوا بحالة الغضب الجديدة، وأعربوا عن الأمل في أن يحاول الرأي العام معرفة ما تفعله الحكومة في غيابهم منذ الحادي عشر من شتنبر، نتيجة القوانين غير المسبوقة في انتهاكها لخصوصيتهم وأسرارهم وقبل بها المواطنون في أجواء الخوف من الإرهاب وتخويف السياسيين في حملات سيكولوجية ودعائية مدروسة.
حالة الغضب الشعبي ازدادت حدة بعد أن ظهر شريط فيديو على اليوتوب يظهر زعيم الأغلبية الجمهورية القادمة جون بينير يتسلل مع مرافقيه خلف الآلات وعمليات التفتيش اليدوي على الرغم من حالات الغضب الشديدة التي يظهرها رفاقه الإيديولوجيون على أمواج الأثير.
الشريط حمل وكالة أمن الطيران على الإقرار بأن الزعيم الجمهوري دخل بالفعل مطار واشنطن دون المرور كباقي المسافرين بالحاجز الأمني قبل أن تضيف بأنه ليس الوحيد في تلك الممارسة إذ يعفى من الإجراءات الأمنية زعماء الكونغرس ووزراء الحكومة.
وجود أعضاء من الكونغرس ضمن قائمة المعفيين من إجراءات التفتيش أجج حالة الغضب لأنهم على عكس الوزراء من المفترض أنهم من الشعب لأنهم يمثلونه بل أكثر من ذلك هم من وضعوا القوانين التي خلقت وكالة أمن الطيران وهم من يشرفون على عملها ويمولون نشاطها طبعا نيابة عن دافعي الضرائب.
أصدقاء إسرائيل لم يتركوا المناسبة تمر دون استغلالها إلى أقصى حد ممكن كما دأبوا على استغلال حرب أمريكا على الإرهاب بدعوى أن البلدين يواجهان عدوا واحدا وأن على الأمريكيين الاستفادة من «دروس» إسرائيل في هذا المجال بسبب خبرتها الطويلة.
المجملون لوجه إسرائيل القبيح في مجال حقوق الأقليات، وجميع المسافرين تقريبا عبر مطار بن غوريون من غير اليهود يريدون من السلطات الأمريكية الاستفادة من «المقاربة الإسرائيلية» في تأمين الملاحة الجوية.
افتتاحية في الواشنطن تايمز اليمينية أشادت بشركة العال الإسرائيلية لتبنيها «مقاربة ذكية» باستخدامها مادة استخباراتية متطورة تسمح لها بمعرفة قبلية لخطورة المسافرين من عدمها.
وبالنسبة لتجربتي شخصيا في ذلك المطار أكاد أجزم أن تطبيق جزء من  المقاربة الإسرائيلية» في المطارات الأمريكية سيتسبب في انتفاضة أسوأ بكثير مما شهدته أمريكا في الأيام القليلة الماضية.
في مطار بن غوريون عليك ان تحضر أربع ساعات قبل اقلاع طائرتك وإذا كنت تحمل اسما مشبوها كمحمد مثلا، كما حصل معي، فإنك تتعرض لاستجواب بوليسي دقيق وتفتيش لجميع الأمتعة مهما صغر حجمها وفحصها قطعة قطعة بطريقة كدت معها أن أضيع رحلتي إلى نيويورك على الرغم من أنني حضرت بخمس ساعات تقريبا قبل موعد الإقلاع.
النيويورك تايمز ذهبت إلى أن «المقاربة الإسرائيلية» ستواجه من يومها الأول حاجز الحقوق المدنية في الولايات المتحدة لاعتمادها على خطوات من بينها جمع معلومات دقيقة عن المسافر قبل وصوله إلى المطار بالإضافة إلى العراقيل العملية لأن إسرائيل لا تشرف على أكثر من مطارين اثنين في حين يطير ملايين الأمريكيين يوميا من 450 مطارا.
التركيبة السكانية للولايات المتحدة تجعل اعتماد المقاربة الإسرائيلية أمرا مستحيلا أيضا لأن الإسرائيليين يبحثون عن «الإرهابي» بتعريف مطاط في حين يبحث الأمريكيون عن الأسلحة والمتفجرات.
في فلسطين سمعت قصصا مروعة عن معاناة فلسطينيين يحمل بعضهم جوازت سفر إسرائيلية لكنهم يبقون عربا في نظر «حكومتهم» التي يبدو أنها تتعامل مع المسافرين على أسس دينية عنصرية أكثر منها أمنية.
أثناء تواجدي هناك تم استبعاد الكثير من الأوربيين بسبب خشية السلطات الإسرائيلية من نشاطهم السياسي المؤيد للفلسطينيين كما تصادف تواجدي هناك مع استبعادي المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي رغم يهوديته ورغم تقدمه في السن لكن أفكاره تشكل «خطرا» على الدولة اليهودية.
المدون الأمريكي ماثيو ايغليسياس أبلغ النيويورك تايمز أنه يفضل المرور عبر الآلات الفاضحة لجسمه على أن يمر عبر مطار بن غوريون الذي وصفه بأسوأ التجارب التي مر بها منذ مدة طويلة.
وأضاف السيد ايغليسياس الذي زار إسرائيل الشهر الماضي صحبة وفد من الصحفيين إن عمليات الاستجواب استغرقت ثلاث ساعات كاملة في حين كان
زملاؤه» المسافرون من الإسرائيليين يمرون بيسر وسهولة. كما أشار السيد ايغليسياس إلى العنت التي لاقته سيدة سوداء كانت ضمن الوفد والتي عوملت بطريقة سيئة في حين تم التعامل بطريقة جيدة للغاية مع مسافر يهودي في الوفد نفسه.
وفي الوقت الذي تبدو فيه استعارة المقاربة الإسرائيلية أمرا مستحيلا بالنسبة للأمريكيين بسبب الفرق المخيف في عدد المطارات والمسافرين والفرق الأكثر رعبا في مجال احترام حقوق المواطنين خاصة من الأقليات العرقية والدينية مازالت وكالة حماية الطيران تواجه مشكلة علاقات عامة واسعة النطاق بعد أن أصبحت عدو الشعب الأمريكي رقم واحد -حسب تعبير مشرع جمهوري.
الكثير من الدلائل تحمل على الاعتقاد بأن حكومة باراك أوباما ستحاول في المستقبل القريب إعادة النظر في الإجراءات الجديدة بعد ردة الفعل الشعبية غير المنتظرة وبعد أن حولها اليمين الجمهوري إلى قضية تتعلق بالحقوق المدنية للمواطنين.
الدليل على أن أوباما سيغير رأيه في نهاية المطاف يوجد في صلب هذه الإجراءات نفسها التي يبدو أن حكومته تبنتها بعد الانتقادات اللاذعة التي واجهتها حكومته في دجنبر الماضي بعد العملية الفاشلة في ديترويت وجاءت أيضا من الجمهوريين ولكن ساعتها كانوا يتهمونه بالفشل في حماية أمريكا والأمريكيين.
بالنسبة لأستاذ في القانون الدستوري ومنتقد قوي للانتهاكات الجسيمة التي أقدمت عليها حكومة جورج بوش الجمهورية في حق الأمريكيين يشعر الكثير من الناشطين الحقوقيين بالاستغراب من مباركة أوباما لمثل هذه الإجراءات في المقام الأول.
لكن البيت الابيض في ظل الرئيس الحالي عود أصدقاءه وخصومه على السواء على التراجع في وجه الضغط، خاصة من خصومه في الحزب الجمهوري أو من محطة فوكس اليمينية الناطقة بلسان الجمهوريين، سواء تعلق الأمر بقانون الرعاية الصحية أو قضايا الأمن القومي.
المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس وجد نفسه خلال أسبوع كامل يواجه سيلا لايرحم من الأسئلة حول أمن المطارات والمسافرين وضرورة الإجراءات الجديدة قبل أن يعلن أن «الحكومة تحاول بكل ما أوتيت إيجاد التوازن الضروري بين الأمن والخصوصية الشخصية».
لكن هناك من يخشى بأن حكومة باراك أوباما كسابقتها الجمهورية تحتكم للاعتبارات الانتخابية والسياسوية في وضعها للسياسة الأمنية بهدف الفوز بالانتخابات حتى لو كان ذلك على حساب راحة الأمريكيين أو حتى حقوقهم المدنية.
وإن لم تكن انتفاضة المطارات في أسبوع عيد الشكر كافية لفضح إفلاس الخيال الأمريكي في محاربة الإرهاب وهو الخيال الذي سحر العالم بمؤسسة هوليوود، طلعت النيويورك تايمز بقصة تبدو وكأنها مقتلعة من روايات التجسس.
الأمر يتعلق بالمفاوضات «السرية» بين الأمريكيين وبعض زعماء طالبان لا يجاد نهاية مشرفة للحرب التي بدأت للقضاء على مهد الإرهاب منذ أكثر من تسع سنوات دون أن تبدو حتى نهاية أو أمل في النصر.
من أبرز المشاركين في هذه المفاوضات أحد زعماء طالبان يدعى الملا أخطار محمد منصور كان مواظبا على الاجتماعات السرية بما فيها اجتماع مع الرئيس الافغاني حامد كارزاي.
النيويورك تايمز اكتشفت هذا الأسبوع أن «السي منصور» لم يكن السيد منصور الحقيقي وإنما كان محتالا أفغانيا أذكى من الحكومتين الأمريكية والأفغانية وحلف شمال الأطلسي الذي سهل «المفاوضات».
أحد الدبلوماسيين الغربيين قال للصحيفة الأمريكية متحسرا «أجل لم يكن الملا منصور.. واعطيناه الكثير من المال..»
قلة من الأمريكيين، لكن عددها بدأ يتزايد في المدة الأخيرة، تدعو إلى النظر في الأسباب الحقيقية لحرب أمريكا على الإرهاب وأن حلها قد يكون أقل تكلفة بكثير من نفقات حروب أمريكا الحالية.
الإحصاءات تؤكد أن احتمالات مقتل أمريكي في حادث سيارة أكثر بعشرات الآلاف من المرات من احتمال قتله في عملية إرهابية لكن حالة الهيستيريا التي تعيشها أمريكا لا تقلق راحة مواطنيها وزوارها فحسب، بل تهدد بإفلاسها ماليا وأخلاقيا.
بينجامين فرانكلين، أحد الآباء المؤسسين الكبار لأمريكا، كتب عام 1775 ناصحا واضعي الدستور الأمريكي قائلا «إن الذين يتنازلون عن جزء كبير من حريتهم مقابل الحصول على جزء ضئيل ومؤقت من الأمان، لا يستحقون حرية أو أمانا».
... تابع القراءة

التاريخ السري لتنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي


في 24 يناير 2007 أعلن عبد المالك دروكدال، الملقب بأبي مصعب عبد الودود، أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، عن تغيير تسمية جماعته
لكي تصبح «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي». وقد جاء تغيير تلك التسمية وإعلان الولاء لتنظيم بن لادن بعد أشهر من المفاوضات بين الجماعة السلفية وبين أبي مصعب الزرقاوي، الذي كان قد أنشأ «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» كفرع عن القاعدة الأم، وفي 11 سبتمبر 2006 بمناسبة ذكرى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر أعلن عبد الودود عن ولائه لأسامة بن لادن.
 في 29 نوفمبر 2009 تعرض ثلاثة ناشطين يعملون في منظمة إنسانية تنحدر من إقليم كاتالونيا الإسباني للاختطاف من قبل جماعة مسلحة في جنوب شرق موريتانيا، تاركين المساعدات الإنسانية التي كانوا يحملونها معهم في الخلاء. ولم تتأخر قوات الأمن الموريتانية في الوصول إلى مسرح الحادث، ما بين العاصمة السياسية موريتانيا والعاصمة الاقتصادية نواذيبو، وبدأت عمليات البحث التي شارك فيها الجيش الموريتاني، لكن نواكشوط رفضت المساعدات التي قدمتها مدريد، وأعلن رئيسها محمد ولد عبد العزيز أن بلاده تتوفر على جميع الإمكانيات لإيجاد المختطفين، غير أن الأيام التي تلت عملية الاختطاف أظهرت عجز الأجهزة الأمنية الموريتانية عن الوصول إلى نتائج محققة، كما لم يتم التعرف على هويات المختطفين المسلحين، وأعلن وزير الداخلية الإسباني آنذاك بيريز روبالكابا أن العملية تحمل بصمات الخلية التابعة لتنظيم أسامة بن لادن، وفي 8 دجنبر تأكد الخبر وتبين أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هو المسؤول عن العملية، وأعلن الناطق الرسمي للتنظيم المدعو صالح أبو محمد، عبر شريط فيديو بثته قناة عربية، أنه تم اختطاف أربعة أوروبيين، الإسبان الثلاثة وفرنسي واحد، وأن فرنسا وإسبانيا ستبلغان قريبا بمطالب التنظيم للإفراج عنهم. وبعد نحو أسبوع تم الإعلان عن اختطاف إيطاليين، رجل وزوجته المنحدرة من بوركينا فاصو، في جنوب شرق موريتانيا على بعد كيلومترات قليلة من الحدود مع مالي، ودخلت مدريد في مفاوضات مع نواكشوط ومالي من أجل التفاوض مع المختطفين حول الفدية المالية المطلوبة للإفراج عن المواطنين الإسبان الثلاثة، في نفس الوقت الذي أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية منع السفر إلى موريتانيا بسبب المخاطر الأمنية. ويقول مؤلف الكتاب، الصحافي والباحث الإسباني دافيد ألفارادو رواليس، إن تلك العملية فتحت أعين الحكومة والرأي العام في إسبانيا لأول مرة على التهديدات الإرهابية لتنظيم القاعدة في المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا.

القاعدة في الألفية الثالثة:
حتى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن أحد يركز على التهديدات الأمنية الناتجة عن التطرف الإسلامي في العالم، من خلال مكونه الأكثر بروزا على الساحة الدولية ممثلا في تنظيم القاعدة للسعودي أسامة بن لادن، المطلوب رقم واحد في مختلف بقاع العالم.
يعود دافيد ألفارادو إلى الأصول الأولى لتنظيم القاعدة قبل ظهوره في الساحة العالمية. في عام 1979 عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران التي رفع لواءها الشيعة وجدت المملكة العربية السعودية نفسها أمام الخطر الدائم، وفكرت في وضع استراتيجية دينية جديدة ترتكز على تقوية التيار السني في المنطقة، مقدمة نفسها على أساس أنها خادمة للحرمين الشريفين، مكة والمدينة، خصوصا أنها لم تكن تواجه فقط الثورة الدينية في إيران، بل أيضا ـ كما يقول المؤلف ـ مجموعة من البلدان العربية ذات الاتجاه العلماني مثل سوريا والعراق وتركيا وتونس والجزائر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولتحقيق هذا الهدف عملت السلطات السعودية، مدعومة بالثروة النفطية، على منح المساعدات المالية على الصعيد الدولي، لتسجيل حضور أكبر على الساحة العالمية والعربية الإسلامية. وفي نفس تلك السنة التي قامت فيها الثورة الإيرانية غزت القوات السوفياتية أفغانستان، وتقاطر الآلاف من المتطوعين من العالم العربي والإسلامي لقتال الجيش الأحمر، حيث تمكنوا طيلة عشر سنوات، من الغزو إلى خروج الروس عام 1989، من الحصول على تكوين عسكري في مجال استعمال الأسلحة والمتفجرات وحرب العصابات، وأيضا في التكوين الإيديولوجي السلفي، وكان بين هؤلاء أسامة بن لادن الذي استطاع، بفضل من الدعم المالي السخي للبلدان العربية والولايات المتحدة، إنشاء «مكتب الخدمات» المكلف بتجنيد المتطوعين وتدريبهم للقتال إلى جانب المجاهدين الإفغان، وهو المكتب الذي تحول إلى تنظيم «قاعدة الجهاد» التي سيصبح القاعدة فيما بعد. وعندما انتهت الحرب بعد خروج الجيش الروس عاد أولئك المتطوعون إلى بلدانهم، وكان بينهم بن لادن الذي رجع إلى السعودية عام 1990، وهي السنة التي شهدت غزو صدام حسين للكويت، مما شكل تهديدا صريحا للنظام السعودي. وأمام تلك التهديدات عرض بن لادن على الملك فهد بن عبد العزيز أن يسلمه المجاهدين الذين معه لمقاتلة الجيش العراقي، لكن الملك السعودي رفض العرض وسحب الجنسية من لادن الذي اضطر إلى مغادرة بلاده، حيث لجأ إلى السودان وفيما بعد إلى أفغانستان. وقد شكل نجاح طالبان عام 1994 في الوصول إلى الحكم في تكثيف المجندين المتطوعين للجهاد، وخلال الفترة ما بين 1995 و2001 حصل حوالي عشرون ألف مجند على التكوين العسكري والإيديولوجي في المعسكرات التابعة لتنظيم القاعدة في أفغانستان، وتفرق هؤلاء المجاهدون الجدد بين أفغانستان، حيث فضل البعض البقاء للقتال إلى جانب طالبان، وأوروبا حيث اختار البعض الرحيل.

 العراق: نهاية القاعدة؟
بالنسبة لمؤلف الكتاب فإن الضربات التي تلقاها تنظيم القاعدة لأسامة بن لادن في أفغانستان بعد غزو القوات الأمريكية إثر تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر قد ألحقت ضررا كبيرا بقوته وقضت على الكثير من قياداته العسكرية، لكن الغزو العسكري الأمريكي للعراق عام 2003 ضخ دماء جديدة في هذا التنظيم المسلح الذي استعاد عافيته ووجد مجالا أوسع للتحرك. ويرى المؤلف أن واحدة من علامات هذه العافية هي إنشاء تنظيم صغير تابع للتنظيم الرئيس هو جماعة التوحيد والجهاد التي كان على رأسها أبو مصعب الزرقاوي، وشكلت النجاحات العسكرية التي حققها هذا التنظيم في صفوف القوات الأمريكية نموذجا يحتذى بالنسبة للعديد من المجاهدين في مناطق أخرى. ويقول المؤلف إن تنظيم القاعدة انتقل من بنية هرمية ممركزة إلى مصدر إلهام لمجموعات كبيرة أو صغيرة في مختلف المناطق تقوم بعمليات جهادية باسم الإسلام، وإن غالبية هذه المجموعات تتصرف بعيدا عن القاعدة الأم لأسامة لادن.
غير أن العمليات العسكرية والاستخبارية ضد التنظيم حدت نسبيا من قدرتها على توجيه ضرباتها وأشاعت مناخا من الارتياح في الأوساط الغربية. وفي 30 ماي 2008 أعلن مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مايكل هايدن أن شبكة أسامة بن لادن فقدت المبادرة في العراق والعربية السعودية وأنها توجد في موقع الدفاع عن النفس في عدد من المناطق الأخرى، وبدأ الخبراء في الإرهاب في الغرب يتسابقون على شرح وتفسير أسباب تراجع التنظيم وأدائه الإرهابي، ومن ضمن تلك الأسباب التي يسوقها البعض أن تنظيم القاعدة يفتقد إلى القيادة المركزية، حيث إنه تحول إلى تنظيم مشتت يمكن لأي شخص أن ينسب نفسه إليه، وهو ما أطلقوا عليه تسمية «الجهاد دون زعامة». وعلاوة على هذا السبب هناك أيضا سبب آخر وهو غياب المشروع السياسي لدى التنظيم، الأمر الذي أفقد هذا الأخير أي قدرة على التجذر والانتشار في أوساط العالم الإسلامي، بل إن الراي العام في البلدان العربية والإسلامية بدأ يسجل نوعا من الابتعاد عن القاعدة، وتراجع الإعجاب الذي انتشر في البداية، خصوصا وأن ضحايا التنظيم أصبحوا من المسلمين أنفسهم وليس من الأجانب الذين يعتبرهم التنظيم كفارا يتوجب قتالهم.

القاعدة والتحول في المغرب الإسلامي:
في 24 يناير 2007 أعلن عبد المالك دروكدال، الملقب بأبي مصعب عبد الودود، أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، عن تغيير تسمية جماعته لكي تصبح «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وقد جاء تغيير تلك التسمية وإعلان الولاء لتنظيم بن لادن بعد أشهر من المفاوضات بين الجماعة السلفية وبين أبي مصعب الزرقاوي الذي كان قد أنشأ «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» كفرع عن القاعدة الأم، وفي 11 سبتمبر 2006 بمناسبة ذكرى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر أعلن عبد الودود عن ولائه لأسامة بن لادن.
ويرى المؤلف أن الأمر يتجاوز مجرد تغيير الاسم ويرتبط بتحولات سياسية وإيديولوجية وبنيوية بالنسبة للجماعة السلفية للدعوة والقتال، وكذا في طريقة أدائها العسكري. لقد بدأ هذا التنظيم يعلن بأن عملياته تتجاوز الحدود الجزائرية إلى المنطقة بكاملها، للجهاد ضد الأنظمة الموالية للكفار والمشركين المتعاونة مع الأنظمة الغربية، وهذا يعني أنه أخذ بعدا عالميا وأعطى لنفسه حضورا أوسع، وهو ما أتاح في نفس الوقت لأسامة بن لادن توسيع تأثيره بشكل أكبر في منطقة أخرى من العالم الإسلامي لم يكن من قبل حاضرا فيها، كما سمح ذلك للتنظيمات الجهادية في الجزائر وتونس والمغرب بالحصول على إشعاع أكبر ومنحها مساحة للظهور على الجبهة الدولية، وشكلت تفجيرات أبريل عام 2007 في الجزائر والدار البيضاء أول مظهر للارتباط بين تلك التنظيمات الإرهابية تحت قيادة دروكدال.

طبيعة  العلاقة بين القاعدة والبوليساريو:
ترجع البدايات الأولى للعلاقة بين شباب جبهة البوليساريو، التي تشكلت عام 1973 للقتال ضد الاحتلال الإسباني للصحراء ثم تحولت إلى الحرب ضد المغرب منذ 1975، وبين التطرف الديني إلى نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي. في تلك الفترة سافر الآلاف من الصحراويين المقيمين في مخيمات تيندوف إلى شمال الجزائر والعاصمة الجزائر ووهران للدراسة في جامعاتها، وهناك بدؤوا الاحتكاك بأتباع الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية التي بدأت خلال تلك الفترة في تأكيد حضورها في مختلف جامعات البلاد. وقد تشرب الصحراويون القادمون من تيندوف الأفكار السلفية المتطرفة، وعندما عادوا إلى المخيمات حملوا معهم قناعاتهم الجديدة التي أخذوا في نشرها. وزيادة على ذلك الاحتكاك، كان هناك تواصل مستمر بين مقاتلي جبهة البوليساريو ومقاتلي الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي خرج من معطف الجبهة الإسلامية للإنقاذ في بداية التسعينات من القرن الماضي بعد انقلاب الجيش الجزائري على نتائخ الانتخابات البلدية عام 1991، وقد شكل الموقع الجغرافي لمخيمات تيندوف حيث تعلن البوليساريو ما يسمى بـ«الجمهورية الصحراوية العربية الديمقراطية» نقطة مهمة سهلت الاتصال بين المتطرفين الجزائريين وبين البوليساريو، أولا عبر الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وفيما بعد عبر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
وتؤكد العديد من المعطيات والوقائع العلاقة المعقدة بين جبهة البوليساريو والتنظيمات الإرهابية المسلحة في الجزائر. ففي عام 1994 عندما كانت الحرب الأهلية الجزائرية في أوجها كشفت الأجهزة الأمنية الجزائرية لدى مقاتلي الجيش الإسلامي للإنقاذ عتادا عسكريا كان الجيش الجزائري قد منحه مساعدة لجبهة البوليساريو من قبل، وكان ذلك هو الخيط الذي كشف وجود علاقة تعاون وتنسيق بين الطرفين. وقبل ذلك في سبتمبر من عام 2003 اعتقلت السلطات الموريتانية عضوا في جبهة البوليساريو يدعى بابا ولد محمد باجيلي عندما كان يهم بسرقة عتاد عسكري من الشركة الموريتانية للصناعات المعدنية، وفي أبريل عام 2004 فككت أجهزة الأمن الموريتانية شبكة يرأسها شخص ينتمي إلى جبهة البوليساريو كان يعمل على نقل المتطوعين في الجماعة السلفية للدعوة والقتال للتدريب العسكري في جنوب مالي، وبين 2005 و2008 اعتقلت السلطات الموريتانية العديد من العناصر التابعة للبوليساريو بسبب بارتباطها بتنظيمات إرهابية أو شبكات تعمل على تجنيد المتطوعين للقتال في صفوف الجماعة السلفية، وفي 22 دجنبر 2005 اعتقلت السلطات المغربية قرب مدينة العيون صحراويا يحمل معه ثلاث بنادق، سبق له أن عاش طويلا في مخيمات تيندوف، وهو الأمر الذي أثار نقاشا في المغرب لأول مرة حول احتمال وجود ارتباطات بين جبهة البوليساريو والجماعة السلفية للدعوة والقتال.
إدريس الكنبوري 
... تابع القراءة

أمريكا.. من القوة العظمى إلى الرجل المريض

محمد العلمي
عاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما من رحلة آسيوية استغرقت عشرة أيام، أبعدته قليلا عن الأجواء المشحونة في العاصمة، دون أن تحقق الرحلة أيا من أهدافها
المعلنة، خاصة بشأن فتح أسواق جديدة أمام الصادرات الأمريكية لتحسين أداء الاقتصاد وتحسين فرص إعادة انتخابه بعد عامين.
في واشنطن بدأ الكونغرس جلسة «البطة العرجاء»، وهو تعبير يطلق على الكونغرس في أسابيعه الأخيرة قبل وصول الفائزين الجدد في يناير، كما يطلق على الرئيس في الأسابيع الأخيرة من حكمه  حينما يصبح بدون فاعلية. الواقع أن باراك أوباما وجد نفسه، ربما قبل أي رئيس آخر، بطة عرجاء في النصف الأول من ولايته الأولى وأمامه عامان كاملان لتعزيز فرصه الضئيلة حاليا للحصول على ولاية ثانية.
لكن صفة البطة العرجاء يمكن أن تطلق  على الناخب الأمريكي أكثر من مؤسساته لأنه أصبح كالمشتكي من الأرق يحاول الاستراحة على اليمين، ثم ما يبلث أن ينقلب على اليسار دون أن يجد الراحة المطلوبة التي قد تساعده على الخلود إلى النوم.
القضايا الخلافية بين اليمين واليسار كما أفرزتها الانتخابات الأخيرة والتي ستحدد واقع العمل السياسي في أمريكا خلال العامين القادمين تبدو بسيطة في ظاهرها، من جدل حول الميزانية وقلق بشأن الديون الخارجية وتخفيض أو رفع نسب الضرائب، لكنها تخفي أزمة أعمق تواجه أمريكا هذه الأيام كمشروع مجتمعي باهتمامات دولية ومسؤوليات إمبراطورية.
من أبرز القضايا التي تواجه الكونغرس هذه الأيام بتشكيلته القديمة، قبل أن يؤدي «ثوار» حركة الشاي القسم الدستورية مطلع العام القادم، هو ما يتعين فعله بشأن ما يعرف بضرائب جورج بوش وهي تخفيضات هائلة – ساهمت في الأزمة الحالية - سنها جورج بوش لفائدة قبيلته من الأغنياء، ومن المنتظر أن تنتهي صلاحيتها مع مطلع العام الجديد.
الديمقراطيون يجادلون بأن الأوضاع المالية للبلد لا تحتمل تمديد التخفيض خاصة للأغنياء وبالتالي يتعين تقليص صلاحيات التخفيض ليقتصر على الطبقة المتوسطة، في حين يجادل الجمهوريون بأن «رفع» الضرائب في وقت الأزمة الاقتصادية خطأ كبير سيعمق متاعب أمريكا خاصة المقاولات الصغيرة.
لكن الجمهوريين، وعلى يمينهم حركة الشاي التي رفعت شعار تخفيض الديون والعجز في الميزانية وتخفيض الضرائب وتقليص حجم الحكومة  كأفضل سبيل للخروج من النفق المظلم، لا يطرحون  بديلا عن مصدر تلك الأموال التي ستذهب إلى جيوب الأغنياء.
الخلاف السياسي المالي يخفي في الحقيقة صراعا طبقيا بدأت حدته تشتد في السنين الأخيرة، ومن المرجح أن يرتفع سعاره في السنين القادمة لأن مشاكل أمريكا مرشحة للاستمرار في المستقبل القريب على الأقل.
انتقال الاقتصاد الأمريكي من المرحلة الصناعية إلى الأفق المعلوماتي والخدماتي أوجد رابحين وخاسرين قبل فترة طويلة من انفجار  أزمة البيوت والقروض وارتفاع نسب البطالة.
- الدراسات تلو الأخرى أكدت أن النظام الاقتصادي والقانوني الأمريكي برمته صمم على مر السنين لفائدة نخبة متنفذة تفهم النظام جيدا  وتمتص رحيقه حتى آخر قطرة على حساب الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
في كتاب بمثابة الإدانة للنظام الطبقي الأمريكي ألفه أستاذان جامعيان من ييل وكاليفورنيا بعنوان «الكاسب يحصد كل شيء» تساءل الكاتبان:«كيف يعقل أن يدفع الرئيس المدير العام لشركة مالية في الوول ستريت، يربح الملايير من الدولارات، نسبة من الضرائب أقل مما تدفعه سكرتيرته؟»
قائمة الأربعمائة شخصية الأغنى في أمريكا لم تحو مؤخرا سوى ستة عشر اسما جديدا، على خلاف نسبة الستين أو السبعين في السنوات الأخيرة، مما يؤكد أن أقل من واحد  في المائة من الأمريكيين يملكون ربع ثروة البلاد تقريبا ويوصدون الباب تدريجيا أمام أي مزاحم.
الغريب أن هذا الوضع لم يؤد إلى «انتفاضات اجتماعية» وإن كان ذلك الاحتمال قائما،  لأن المواطن الأمريكي العادي صدق لسنين، خاصة أيام الرخاء، أنه الأفضل وأنه يعيش في أحسن بلد في العالم في ظل أفضل نظام سياسي في العالم.
الأمريكي يتعلم منذ نعومة أظافره، تقريبا، عدم التذمر من الفوارق الطبقية بسبب ما يسمى الحلم الأمريكي، أي أن أمريكا لا تكره أغنياءها، لكنها تساعد فقراءها والدليل على ذلك أن أي شخص مهما واجه من  عراقيل يستطيع في أمريكا أن يبدأ من الصفر ويمكن أن يحقق أي شيء.
هذا الاعتداد والثقة بالنفس وبالعدالة الكامنة في طيات النظام نفسه  خلق نوعا من الطمأنينة المزيفة لدى فقراء البلاد والذين يزداد عددهم يوميا، في حين ازداد الأغنياء جشعا واستغلالا للنظام السياسي المفتوح والدعاية المؤثرة على بيع الوهم للناخبين.
بالنسبة للجمهوريين الذين لا يجدون مشكلة في تبني مصالح ومواقف الأغنياء والشركات متعددة الجنسيات لا يجدون صعوبة في إقناع بعض الفقراء في التصويت عليهم والاستماتة في الدفاع عن مواقفهم وشعاراتهم  حتى وإن كانت في نهاية المطاف ضدا على مصالحهم الذاتية.
بالاضافة إلى القيم والأخلاق ومناهضة الإجهاض والمثلية الجنسية، تجد شعارات الجمهوريين صدى لدى الناخبين الفقراء الذين تغريهم مسألة خفض الضرائب وتقليص حجم الحكومة حتى «نبعدها عن ظهورنا» حتى وإن كان تقليص حجم الحكومة يعني في جملة ما يعنيه وقف المساعدات المقدمة للفقراء والأحياء المهمشة وأي قضية لها صلة مما نسميه في المغرب مثلا التنمية البشرية.
كنت في مدينة ديتوريت، مؤخرا، أعد بعض التقارير عن الأزمة الاقتصادية وأثرها على الانتخابات الأخيرة في مدينة كانت المحرك الفعلي للصناعة الأمريكية أيام جبروتها وأصبحت الآن لا تختلف كثيرا عن أي مدينة مملة من مدن العالم الثالث.
كنت أجري مقابلة مع أحد المواطنين الفقراء البيض، والذي كان عاطلا عن العمل وأصر خلال المقابلة كلها على كونه سيصوت على الجمهوريين ليعاقب الديموقراطيين على ما فعلوه أو لم يفعلوه، وحينما سألته عما ينتظر من الناحية العملية من الجمهوريين قال: «تمديد التخفيضات الضرائبية لجورج بوش»
أثارني ذلك الرد وتجاهلته لمرتين لكنني لم أستطع تجاهله للمرة الثالثة فسألته:  «هل لك أن تشرح لي كيف ستستفيد أنت شخصيا من زيادة عمر التخفيضات الضريبية إن كنت عاطلا عن العمل أصلا؟» فرد علي بعد أن فكر لبرهة ليست بالقصيرة وهو ينظر في عيني:«إنه سؤال جيد»
على اليسار لا تبدو الأمور أفضل حالا خاصة بعد الحملة الانتخابية الأخيرة حيث أدى تضافر مشاعر الإحباط وخيبة الأمل من عجز اليسار التقدمي –بالمقاييس الأمريكية طبعا- عن إحداث التغييرات الموعودة انتخابيا وبعد إنفاق ذلك اليسار عامين كاملين ورأس مال سياسي على قدر كبير من الأهمية في قضايا مساعدة البنوك  في الأزمة المالية والرضوخ لضغط شركات الأدوية  العملاقة في إعداد نظام الرعاية الصحية.
الناخبون اليساريون، المناهضون تقليديا للحروب والمؤيديون لدور فعال للحكومة في التخفيف من معاناة الفقراء ويفضلون توظيف جزء من ميزانية الدفاع المتضخمة لمحاربة الهشاشة وإصلاح نظام التعليم الآخذ في التدهور والاستثمار في البنيات التحتية المتآكلة، فقدوا حماسهم بعد انهيار صورة باراك أوباما المخلص.
كل هذه المعطيات ستجعل العامين القادمين جديرين بالتتبع لمظاهر التراجع السريع لما كان يسمى الحلم الأمريكي، مع تراجع مستوى الخطاب العام داخليا وتراجع دور أمريكا نفسها على الساحة الدولية.
على المستوى الدولي كان ذلك واضحا من جولة أوباما الأسيوية، حيث اقتصر «النجاح» على الأمور الرمزية والشكلية، كإغراء نيودلهي بوعد مقعد في مجلس الأمن الدولي - قد لايتحقق أبدا- مقابل استخدام ورقة هندية ضد خصم صيني متزايد القوة والنفوذ. لكن الزيارة أخفقت في تخفيض التوتر بين الهند وباكستان اللتين تتعامل معهما واشنطن كضرتين متخاصمتين إلى الأبد في شبه القارة، كما أن أوباما لم ينجح في عقد اتفاقية التبادل التجاري مع كوريا الجنوبية، وأخفق في حمل الصين على إعادة النظر في صرف عملتها.
وأثناء جولته نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين ناتانياهو في الإمعان في إهانة «زعيم العالم الحر» بالتردد في قبول رشوة ضخمة من الأسلحة والوعود الدبلوماسية الأمريكية، بما فيها عدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية إن أعلنت من جانب واحد  مقابل تجميد متواضع لثلاثة أشهر فقط في الضفة الغربية.
هذا الاخفاق بالجملة «تحقق» على الرغم من أن أمريكا مازالت تعتبر نفسها القوة الوحيدة والضرورية للعالم، وعلى الرغم من مشاعر الارتياح التي أثارها ومازال يثيرها وصول باراك أوباما إلى الحكم، إذ كان يكفيه على المسرح الدولي كونه ليس جورج بوش ولكن مع ذلك لايبدو أن ذلك أصبح كافيا.
أمريكا تعاني هذه الأيام من أعراض المرض نفسه الذي يصيب الإمبراطوريات مع بداية ترهلها حينما تبدأ في الإنفاق على مسؤوليات غير ضرورية أعطتها لنفسها على المستوى الدولي دون أن تكون آلتها الصناعية والجبائية في مستوى ذلك الإنفاق.
أمريكا تنفق حاليا على ميزانيتها الدفاعية أكثر من جميع دول العالم مجتمعة، لكنها ميزانية مقترضة بالكامل من الداخل أو الخارج- سندات وقروض مباشرة- وهي  وضعية كما يعرف رب كل أسرة «تخرج أكثر مما تدخل» يستحيل استمرارها دون إعادة النظر في الميزانية نفسها أو في الأدوار التي تنفق عليها تلك الأموال الباهظة.
الخطاب السياسي الداخلي جعل أي حديث عن تخفيض ميزانية الدفاع أقرب إلى الخيانة العظمى لأن الجمهوريين سوقوا ماركتهم التجارية على أنهم حماة البلد وأي تخفيض يعني تعريض «أمننا للخطر» في حين يخاف الديمقراطيون حتى درجة التبول في ملابسهم الداخلية من إثارة الموضوع  تجنبا لتهمة الرخاوة وعدم الحسم في مجال الأمن القومي.
لكن وراء شعارات الأمن القومي  يرقد عمالقة صناعة التسلح أو المركب الصناعي العسكري، حسب تعبير الرئيس الأمريكي الجمهوري دوايت ازينهاور بطل الحرب العالمية الثانية الذي دق ناقوس الخطر قبل أكثر من نصف قرن من هذا الأخطبوط القاتل.
وحينما يواجه الجمهوريون بعبث الإنفاق على أنظمة تسليحية من الخيال العلمي في وقت لا تواجه أمريكا سوى رجال ملثمين يسكنون الحفر والمغارات في العراق وأفغانستان، يبررون ذلك الانفاق بكونه يوفر مناصب الشغل في مقاطعاتهم المختلفة وتصبح بذلك الصناعات العسكرية جزءا من الضمان الاجتماعي.
لكن تلك الصناعات العسكرية، سواء استخدمت ضد أعداء حقيقيين أو محتملين لأمريكا أو قدمت لإسرائيل «كمساعدات» أو بيعت بعض خرذتها للدول العربية بعشرات الملايير من الدولارات، تبقى بالإضافة إلى صناعة الطائرات المدنية آخر قلاع الصناعة الأمريكية التي صنعت مجدها في المقام الأول.
في مدينة ديترويت، وأثناء إعداد تقارير الانتخابات، كنت أقيم في  واحد من أفخم فنادق المدينة لكنه كان فندقا  شبه فارغ تحكي ضخامته أيام عز قد ولت أو أوشكت على الانتهاء. في أحد مطاعم الفندق وأثناء وجبة الفطور تعطلت آلات تسخين الخبز، وقلت مازحا  لنادلة المطعم «كيف يحدث هذا في ديترويت المدينة –المحرك؟».
هكذا كانت تعرف ديترويت في معظم القرن العشرين، المدينة التي عرفت شوارعها تحرك أول سيارة في العالم، وبها خلق هنري فورد سيارته الشعبية التي أصبحت في متناول قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى، آنذاك، قبل أن تنتقل إلى معظم أنحاء العالم.
ديترويت لم تكن تصنع السيارات فحسب بل جميع  أنواع المعدات المنزلية من أجهزة تلفزيون وثلاجات وتحولت الآن إلى شبح ممسوخ من ماضيها العريق، حتى إن معظم العرب الذين جاؤوا إليها من اليمن وبلاد الشام والعراق للعمل في مصانعها المتعددة انتهى بهم المطاف  في محطات الوقود ودكاكين الحمص والفلافل.
في ديتوريت، أيضا، أعدمت قبل حوالي أسبوعين، رسميا، سيارة بونتياك بعد عمر ناهز أربعة وثمانين عاما، والتي كانت مفخرة جينيرال موتورز وكانت مضرب المثل في القوة والصلابة وخلدتها أفلام هولييود كرمز للقوة الأمريكية التي لا تقهر.
عام 2008 بيع في العالم مليار ومائتي تليفون محمول لم يصنع واحد منها في أمريكا، في حين خرج آخر جهاز تلفزيون من  المصانع الأمريكية عام 2004، وفي 1959 كانت أمريكا تصنع حوالي 28 في المائة من إنتاجها الاقتصادي في حين تراجع ذلك الرقم إلى 11 في المائة فقط عام 2008.
ولم يعد مستغربا أن تسمع في البيوت الأمريكية هذه الأيام أن الآلات والسيارات والبضائع لم تعد كما كانت أيام زمان، وأصبحت تتعطل قبل أن تكمل عامها الأول في ظاهرة تعودنا عليها في العالم الثالث، لكنها أصبحت الآن ظاهرة شبه مألوفة في الخطاب الأمريكي اليومي.
حتى الحروب لم تعد أمريكا تخوضها كما كانت تفعل في السابق، صحيح أنها مازالت تملك ترسانة مخيفة ويمكنها تدمير العالم عدة مرات لكنها تقف حائرة أمام أمثال أيمن الظواهري والملا عمر، بل انتهى أيضا حتى مفعول نظرية «الحرب جيدة للاقتصاد» لأن سبع سنين في الحرب ضد العراق وتسعا أخرى في أفغانستان لم تزد الاقتصاد الأمريكي إلا انكماشا وتراجعا.
حالة الإحباط العامة أعرب عنها أكثر من تسعة وسبعين في المائة من الأمريكيين الذين استطلعت آراؤهم عشية الانتخابات الأخيرة حينما أعربوا عن الاعتقاد بأن البلاد تسير في الاتجاه الخطأ الأمر الذي يفسر «انقلابهم» على الديمقراطيين وارتماءهم في أحضان الحزب الآخر على الرغم من إدراكهم أن الحزبين معا قد أفلسا على مستوى الأفكار والبدائل.
قد تكون أعمار الدول والإمبراطوريات  تختلف في قياسها عن أعمار الأفراد لكن عقدا واحدا من الزمن يبدو فارقا في حياة التجربة الأمريكية على الرغم من كونه لايعني الشيء الكثير في عمر الأمم والحضارات.
قبل أكثر من عقد بقليل كان المحافظون الجدد يبشرون، في بيانهم رقم واحد، بقرب استقبال العالم للقرن الأمريكي الجديد تسود فيه قيم أمريكا الاقتصادية والفكرية بالجزرة أو بقوة السلاح، لكن المفارقة الكبرى أنهم لم يدركوا أن الرصاصات الأولى التي ستطلق لنشر الرسالة الجديدة ستدميهم قبل خصومهم.
لكن نخب أمريكا تتصرف في العلن على الأقل وكأن شيئا لم يكن أو وكأن شيئا لا يستدعي إعادة نظر شاملة في طريقة تسيير البلاد وشؤونها ومركزها في العالم، بما في ذلك نخبة الإعلام التي تركز على التافه من أخبار المشاهير وزيجاتهم وطلاقهم على حساب المصالح القومية الكبرى.
في أوكلاهوما صوت الناخبون على منع  القضاة من استخدام الشريعة في قضايا الأحوال الشخصية – رغم أنهم لا يستعينون بها أصلا- وفي ولاية كاليفورنيا صوت الناخبون بأقلية ضئيلة ضد مشروع قانون كان سيسمح بالاستخدام الترفيهي للماريخوانا وكأن أمريكا لا تخوض حربين متزامنتين ولا تقترض ثلث ميزانيتها السنوية.
لكن بعض الساسة المخضرمين بدؤوا يشعرون بالقلق من الطريق الذي تسكله أمريكا داخليا وخارجيا، دفعت باثنين منهم مؤخرا  لتقديم نصيحة مكتوبة ومجانية لباراك أوباما  يقترحان عليه  الإعلان أنه لن يقدم نفسه لولاية ثانية، والتركيز بدلا عن ذلك على التصدي لمشاكل أمريكا الحقيقية دون انشغال بالاعتبارات الانتخابية والسياسوية.
المؤلفان، وهما دوغلاس شوين وباتريك كاديل من الناشطين الديمقراطيين، وعملا في حكومتي كارتر وكلينتون، جادلا في مقال في الواشنطن بوست مؤخرا بكون حساسية الظروف التي تعيشها أمريكا وعجزها التجاري ومتاعبها الخارجية ومشاعر الإحباط العامة تحتم اتخاذ قرارات حاسمة لا يمكن أن تتخذ في أجواء انتخابية ومزايدات سياسية.
الكاتبان خلصا إلى أن  الانتخابات الماضية كانت استفتاء على شعبية أوباما والديمقراطيين أسفرت عن تصويت بعدم الثقة فيهما معا، وأن أفضل ما يمكن أن يفعله أوباما حاليا هو أن يعلن أنه رئيس لولاية واحدة ويحاول استعادة بعض من الزخم الذي أوصله إلى السلطة قبل عامين.
الكاتبان ذكرا باراك اوباما بتصريح أدلى به  قبل حوالي عام لمحطة  اي بي سي قال فيه إنه يفضل أن يكون رئيسا من ولاية واحدة على أن يكون رئيسا ضعيفا بولايتين، مؤكدين على أن القرار ليس سهلا لكن انقسام الأمريكيين والتحديات الجسيمة التي يواجهها البلد تحتم زعامة تاريخية من شاكلة ما تعهد به في الانتخابات الرئاسية قبل عامين.
لكن أوباما، الحيوان السياسي الطموح، قد لا يسمع بتلك النصيحة مما يضمن حملة انتخابية رئاسية هي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة قد تبدأ مع مطلع العام القادم بين جمهوريين فرحين بغضب الشارع وديمقراطيين غاضبين على فقدان الشارع.
المؤشرات في واشنطن وقبل أن يصل المخلصون الجدد لا تبعث على الارتياح، إذ أشارت بعض المصادر إلى استعداد البيت الأبيض لتجنيد جيش من المحامين للدفاع عن الرئيس في «تحقيقات الفساد» التي يزعم أن حكومة باراك أوباما قد ارتكبتها  خلال العامين الماضيين، لكن زعامة الجمهوريين الجدد لم تستطع الإشارة إلى نموذج واحد لتلك الجرائم المزعومة، ويبدو أن أسمى هدف يريد الجمهوريون تحقيقه هو ما أعرب عنه زعيمهم في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، وهو «جعل الرئيس باراك اوباما رئيسا من ولاية واحدة»
وحسب استطلاع لـ«النيويورك تايمز» فإن نسبة كبيرة من الوجوه الجمهورية الجديدة لاتؤمن بظاهرة الاحتباس الحراري-لأن كبريات الشركات لايعجبها ذلك العلم المشاغب- كما أنها تريد تعديل الدستور لحرمان الأطفال المولودين  على التراب الأمريكي من الجنسية الأمريكية التلقائية.
أولويات الجمهوريين التي تتعارض مع أولويات الحزب الديمقراطي- وإن كان القاسم المشترك هو العودة إلى السلطة والبقاء فيها  أطول فترة ممكنة لمص رحيق الخزينة- سيعمق أرق الناخب الأمريكي العادي خاصة الفقير منه الذي يراقب  بلده يتحول أمام عينيه المجردتين وفي الزمن الطبيعي من قوة عظمى إلى رجل مريض.
... تابع القراءة

كل ما يجب أن تعرفه عن القرعة إلى أمريكا والحصول على الـ «غرين كارد»


تعد الولايات المتحدة بلد المهاجرين بامتياز. بفضل سواعد هؤلاء، تحولت إلى أقوى قوة اقتصادية في العالم، وبفضل تنوعهم واختلافهم، نجحت في سن واحد من أكثر الدساتير تسامحا
وإقرارا للحريات الفردية والجماعية في العالم. لكن أبواب الولايات المتحدة أُقفِلت في وجه المهاجرين، بعدما تم إقرار نظم جديدة لدخول البلاد والعيش فيها، خصوصا بعد هجمات الحادي عشر من شتنبر، التي اتخذتها بعض الجهات المحافظة في واشنطن ذريعة للمطالبة بإقفال الحدود ووقف تدفُّق المهاجرين. لكنْ، وعلى الرغم من ذلك، هناك طرق قانونية متعددة تُمكِّن المرء من دخول أمريكا والعيش فيها، قبل الحصول على جنسيتها واكتساب نفس الحقوق التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي وأي مواطن آخر، كما يقول موقع إدارة الهجرة الأمريكية، ومن هذه الطرق القانونية قرعة الـ«غرين كارد» أو تأشيرة التنوع.
أقر الكونغرس الأمريكي، سنة 1990، قانونا جديدا للهجرة تحت رقم (4978Stat 104)، تم بموجبه رفع عدد المهاجرين المسموح لهم بدخول الولايات المتحدة من نصف مليون مهاجر إلى 700 ألف مهاجر سنويا. وتم استحداث 40 ألف تأشيرة، تُمنَح للأشخاص الذين سيلتحقون للعمل في أمريكا لمدة طويلة تقودهم، في الأخير، إلى الاستقرار في البلاد، و64 ألف تأشيرة قصيرة الأمد، للعمال الذين سيقيمون بصفة مؤقتة فقط، قبل أن يعودوا إلى بلدانهم. كما تم استحداث نوع جديد من التأشيرات أطلق عليه تسم تأشيرة التنوع (Diversity Visa) خُصِّصت له 50 ألف تأشيرة يتم منحها عن طريق تنظيم قرعة سنوية يشارك فيها مواطنون من دول تتميز بوتيرة هجرة ضعيفة في اتجاه الولايات المتحدة. وبموجب القانون المذكور أعلاه، تم، أيضا، فرض امتحان اللغة الإنجليزية على المتقدمين لنيل الجنسية الأمريكية، بالإضافة إلى إلغاء شرط الإصابة بمرض الإيدز، كسبب للإقصاء من الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة.

حقائق عن قرعة الـ«غرين  كارد»:
«الغرين كارد» بطاقة تُخول لحاملها الإقامة الدائمة داخل الولايات المتحدة، وتعرف بـ«الغرين كارد» نسبة إلى لونها، الذي كان أخضر في البداية، لكن السلطات الأمريكية غيّرت لون البطاقة، أكثر من مرة، فأصبح ورديا، ثم أبيض، إلى أن عاد شريط صغير أخضر يتوسط خلفية البطاقة الإلكترونية التي يتم منحها للمهاجرين حاليا.
يعتقد الملايين من الناس أن إدارة الهجرة والجوازات الأمريكية هي المسؤولة عن برنامج قرعة الـ«غرين كارد»، لكن موقع وزارة الخارجية يؤكد أن الوزارة هي المسؤولة، قانونيا، عن البرنامج وليس دائرة الهجرة. وقد تم إحداثُه للتغلب على أعداد المهاجرين المرتفعة الذين تدفقوا على الولايات المتحدة من ثلاثة بلدان رئيسية، هي المكسيك والصين والفلبين. وتم استحداث البرنامج للحفاظ على التنوع العرقي الذي يتميز به المجتمع الأمريكي واستقطاب مهاجرين جُدد من إفريقيا وأوربا، بالأساس، وهما القارتان اللتان تحظيان بثمانين (80) في المائة من حصة تأشيرات التنوع في السنوات الأخيرة. ويقوم مركز قنصلي، تابع لوزارة الخارجية الأمريكية يقع في بلدة وليامسبورغ في ولاية كنتاكي، بالإشراف على عملية سحب الأسماء وتوجيه رسائل الإخطار إلى الفائزين. وكان مركز بورتسموث في ولاية فيرجينيا يقوم بهذا الدور، حتى سنة 2000، عندما تم نقله إلى ولاية كنتاكي.
يتم إخطار 100 ألف شخص بنجاحهم في الفوز بقرعة «غرين كارد»، تحسبا لعدم اكتمال ملفات البعض وعدم إتمام البعض الآخر المعاملات في الوقت المناسب، لكن في النهاية، يتم منح 50 ألف تأشيرة تنوع فقط من المائة ألف الذين تم إخطار المعنيين بها في البداية. وتشترط وزارة الخارجية الأمريكية أن يكون الفائز حائزا على درجة علمية تفوق شهادة الثانوية أو عاملا في مهنة ما أكثر من سنتين، مع قضائه سنتين سابقتين كفترة تدريب، مما يعني أربع سنوات من الخبرة في أحد المجالات.

البلدان الممنوعة من المشاركة في القرعة:
من المقرَّر أن يتم توزيع التأشيرات على ست مناطق جغرافية في العالم، مع تخصيص عدد أكبر لمناطق ذات أعداد مهاجرين منخفضة الى الولايات المتحدة. ويعتبر مواطنو البلدان التالية غيرَ مؤهَّلين للتسجيل في القرعة، لأن عدد  المهاجرين من تلك البلدان إلى أمريكا فاق 50 ألف مهاجر على مدى السنوات الخمس الماضية وهي: البرازيل، كندا، الصين، كولومبيا، جمهورية الدومينيك، إكوادور، السلفادور، غواتيمالا، هايتي، الهند، جامايكا، المكسيك، باكستان، بيرو، الفيليبين، بولندا، روسيا، كوريا الجنوبية، فيتنام والممكلة المتحدة، ما عدا إيرلندا الشمالية والأقاليم التابعة لها.
أما الأفراد الذين وُلدوا في منطقة هونغ كونغ الإدارية وماكاو، (التابعتين لجهورية الصين الشعبية) وتايوان فهم مؤهَّلون للتسجيل في القرعة.

عدد التأشيرات الممنوحة سنويا:
بلغ عدد تأشيرات الهجرة التي تم منحها لمهاجرين من مختلف بلدان العالم سنة 2000 أكثر من أربعمائة (400) ألف وأربعة عشر تأشيرة، لكنها انخفضت، بشكل كبير، عقب هجمات الحادي عشر من شتنبر ووصلت إلى ثلاثمئة وثمانين (380) ألفاً سنة 2003، ثم بدأ عدد التأشيرات في الارتفاع، ابتداء من سنة 2004 وبلغ نحو ثلاثمئة وثمانين ألف تأشيرة هجرة إلى أمريكا. أما بالنسبة إلى تأشيرات الزيارة لدخول أمريكا فكانت أكثر من سبعة ملايين ومئة ألف تأشيرة في العام 2000، وانخفضت إلى ما دون السبعة ملايين سنة 2001 وانخفضت إلى أربعة ملايين وسبعمئة ألف تأشيرة سنة 2003. وابتداء من سنة 2005، عاد العدد إلى الارتفاع وبلغ خمسة ملايين وتسعة وأربعين ألف تأشيرة. لكن الرقم لم يصل، إلى غاية الآن، إلى سبعة ملايين تأشيرة دخول، التي كانت تمنحها الولايات المتحدة قبل هجمات الحادي عشر من شتنبر. 

ما هي حظوظ المشاركين في القرعة؟
حسب دراسات علمية ورياضية توردها مواقع أمريكية مهتمة بقرعة الـ«غرين كارد»، فإن شخصا واحدا من بين 118 من المشاركين في القرعة السنوية ينجح في الحصول على تأشيرة التنوع ويتمكن من القدوم إلى الولايات المتحدة والاستقرار فيها. كما تشير تلك المواقع إلى أن نحو ثمانية وعشرين في المئة من الطلبات يتم استبعادهم من المشاركة، بسبب عدم استيفائهم الشروطَ التي تنص عليها وزارة الخارجية، إما بسبب حجم الصورة أو كيفية كتابة الطلب أو أشياء من هذا القبيل، مما يعني إلغاء ثلث الاستمارات التي يتوصل بها المركز القنصلي في ولاية كنتاكي. وقد بلغ عدد المهاجرين المقيمين داخل أمريكا، بفضل حصولهم على قرعة الـ«غرين كارد» 10 ملايين مهاجر سنة 2007، فيما بلغ عدد المشاركين في قرعة سنة 2008 ستة ملايين وأربعمئة ألف شخص خلال فترة الشهرين التي سُمِح فيها بالتسجيل.

شروط المشاركة في  القرعة: 
يمكن لأي شخص أن يشارك في القرعة، ما دام يقطن في أحد البلدان المخول لها المشاركة هذه السنة (تتغير لائحة البلدان المحرومة من المشاركة سنويا). ويجب أن يملأ الراغب في المشاركة استمارة إلكترونية (ألغت وزارة الخارجية الطلبات الورقية منذ سنة 2003). وحسب موقع وزارة الخارجية الأمريكية، فالاستمارة يجب أن تتوفر على الآتي :
-الاسم الكامل:  الاسم العائلي، الاسم الأول والاسم الأوسط.
-تاريخ الميلاد: اليوم والشهر والسنة
-الجنس: ذكر أم أنثى.
-مكان الولادة: سواء كان مدينة أو قرية، واسم الدولة مكان الازدياد.
-صورة رقمية للمتقدم تخضع لشروط معينة في ما يخص الطول والعرض ولون الخلفية وملامح الوجه التي يجب إبرازها ومستوى النظر عند التقاطها ويكون حجمها الأقصى 62500 بيت.
وهناك معلومات مفصَّلة على موقع
   vwww.dvlottery.state.gov
العنوان البريدي: على أن يتضمن اسم المدينة أو القرية أو المقاطعة أو البلد أو الإقليم أو الولاية والرقم البريدي واسم الدولة.
رقم الهاتف: اختياري
البريد الإلكتروني: اختياري
بالإضافة إلى ضرورة ذكر الوضع الأسري: أعزب أو متزوج أو مطلق أو أرمل أو منفصل قانونيا.
وكل من فاز في القرعة يكون أمامه 12 شهرا لإتمام عقد الزواج، إن كان خاطبا، ويمكنه ضم ملف الزوج أو الزوجة إلى طلبه الأصلي، وهكذا يسافر الزوجان معا. ويجب على المتقدمين ذكر عدد الأولاد غير المتزوجين والذين تقل أعمارهم عن 21 عاما، باستثناء الأولاد الذين يتمتعون بالإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة أو يحملون الجنسية الأمريكية. 

عملية انتقاء المتقدمين وإخطارهم:
يبلغ عدد المشاركين في القرعة أكثر من ستة ملايين ونصف مليون شخص. ويقوم جهاز كمبيوتر متطور بعملية اختيار عشوائية لملايين الطلبات الإلكترونية التي تنهال على المركز القنصلي في ولاية كنتاكي، ويتم إخطار الذين وقع عليهم الاختيار بواسطة البريد العادي، في الفترة الواقعة ما بين شهري ماي ويوليوز من كل عام، عبر رسائل عادية تزودهم بعدد من التعليمات ومعلومات عن الرسوم المتعلقة بالهجرة إلى الولايات المتحدة، والتي قد تصل في بعض الدول إلى ما يعادل ألف دولار. أما الأشخاص الذين فشلوا في القرعة فلا يتم إخطاهم بأي شيء ويتم إهمال ملفات طلبهم، بشكل آلي. وتعمل السفارات والقنصليات الأمريكية المنتشرة حول العالم على متابعة ملفات الفائزين، عبر دعوتهم إلى إجراء الفحوصات الطبية ودفع تكاليف إنجاز المعاملات وإجراء المقابلات الشخصية التي تعتبر آخر حاجز في عملية الاختيار، وعلى إثرها يقرر القنصل الأمريكي ما إذا كان المتقدم سيحصل على الـ«غرين كارد» أم لا. وهناك حالات تكون قد مرت بجميع المراحل السابقة بنجاح لكن المقابلة الشخصية مع القنصل في السفارة الأمريكية أو ما يعرف بـ Interview يكون بمثابة الحسم النهائي في مسألة الحصول على بطاقة الإقامة من عدمه. ويحق للأزواج أو الزوجات والأولاد غير المتزوجين دون سن الـ21 عاما لمن وقع عليهم الاختيار طلب الحصول على تأشيرات دخول لمرافقة أو اللحاق بالمتقدم الرئيسي الذي نجح في القرعة.

 عمليات نصب على الراغبين في تحقيق «الحلم الأمريكي»...
لا تفرض وزارة الخارجية الأمريكية أي رسوم على المشاركة في برنامج قرعة الـ«غرين كارد» السنوي، كما تنفي الوزارة أن يكون لدى الحكومة الأمريكية موظفون أو مستشارون أو مكاتب معتمَدة تقدم خدمات خاصة في الخارج، لتسهيل عملية التسجيل في هذا البرنامج ،وتؤكد أن أي وسطاء أو غيرهم ممن يقدمون المساعدة من أجل إعداد ملف طلب الحصول على تأشيرة الإقامة للمتقدمين للقرعة إنما يفعلون ذلك دون أي تخويل أو موافقة من الحكومة الأمريكية، وتحذر من عمليات النصب التي يتعرض لها الملايين حول العالم، سنويا، من قِبَل شركات وهمية تدعي أنها «مخولة» من قبل الحكومة الأمريكية لتلقي الطلبات أو إعدادها،  مقابل مبالغ تتراوح بين 10 و100 دولار.
 وقد قدرت دراسات مستقلة أن المبالغ التي يتم «استخلاصها» من مواطنين سُذَّج سقطوا في شراك شركات وهمية تدعي صلتها بوزارة الخارجية الأمريكية بأكثر من 16 مليون دولار سنة 2006. ولهذا، عمدت الإدارة الأمريكية إلى اعتماد موقع وزارة الخارجية الرسمي لاستقبال طلبات قرعة الـ«غرين كارد»، حتى تقطع الطريق على المحتالين الذين يستغلون حلم الملايين حول العالم بالعيش في أمريكا من أجل سلبهم أموالهم وبيعهم «وهْم» التمتع بحظوظ أفضل في الحصول على بطاقة الإقامة، إنهم استعانوا بـ«خدمات» تلك الشركات الوهمية.

قرعة أمريكا «أنقذتني» وأسرتي...
ما زلت أتذكر، جيدا، اليوم الذي وصل فيه المظروف الكبير عبر «الفاكتور». كان عنوان القنصلية الأمريكية مطبوعا بوضوح، مما أثار انتباه «الفاكتور»، الذي طالبني بـ«الحلاوة» أمام شباب الحي، مما تسبب لي في إحراج كبير، لأنهم دقوا باب منزلنا ليلا، خفية من أجل عرض الزواج بي واصطحابهم معي إلى أمريكا، مقابل خمسة
ملايين!... كان هناك أكثر من عرض، لكن والدتي رفضت.
أتذكر كيف تسولت والدتي ثمن المقابلة في القنصلية الأمريكية من عمي، الذي أجبرها على توقيع شيك مقابل المبلغ المالي الضخم.
أتذكر أن أمي بكت، بشدة، عندما خرجت من المقابلة في الدار البيضاء وأشرت لها من الباب بأنني نجحت في المقابلة. أتذكر كل الوصايا التي بدأت تسردها علي وتطلب مني التقيُّد بها في أمريكا. لن أنسى، أبدا، أنها أعلنت «حالة الطوارئ» في البيت وقامت بتعليمي فنون الطبخ السريع وكيفية إصلاح ملابسي من أي مشكل، كما طلبت من «الخرّازْ» في رأس الدرب أن يعلمني كيف أصلح أحذيتي...
كانت أمي تسهر على جميع التفاصيل الخاصة بهجرتي واكتشفتُ، عندما وصلت إلى أمريكا، أن كل ذلك غيرُ ذي جدوى. الأحذية هنا تبقى جديدة، لأن الشوارع نظيفة  وليس هناك لا غبار ولا «غيسْ». اكتشفت أن الملابس هنا «غير هيا» وأنك يمكن أن تشتري ما تريد من محلات «وُولـْمارت» مقابل مبالغ بسيطة... يمكن للفقير أن يعيش هنا ولا يشعر بفقره، أبدا، ولا بـ«الحكرة»، أبدا. أحتفظ، إلى اليوم، بالرسالة الطويلة التي تسلمتُها من إخوتي وأخواتي وفيها كتبوا طلباتهم الصغيرة التي كانت تعني لهم  الكثير...
أنقذت بطاقة الـ«غرين كارد» أسرتي من الفقر، لأنني وصلت إلى هذه البلاد وعملت «ثلاثة ديال الخدامي في النهار» وأرسلت المال إلى والدتي وشيدت بيتا صغيرا لإخوتي وأخواتي وخلّصتهم من مهانة الكراء وتحرُّش الجيران ومالكي البيت وأولادهم الذكور، الذين كانوا يشعرون بأنهم «يملكوننا»، كما يملكون الطابق الذي كنا نسكن فيه...
أعيش في فرجينيا، منعزلة في الشقة التي اشتريتها قبل سنتين، حصلت على الجنسية الأمريكية قبل ثلاث سنوات. ومباشرة بعد حصولي على شهادة الجنسية، قصدت إدارة الهجرة، كي أطلب التحاق أسرتي بي. تستغرق هذه المسألة ما بين خمس وثمان سنوات، لكن الوقت هنا «يطير» بسرعة، وعندما تحصل أمي على الإقامة وتأتي مع إخوتي للعيش معي، سأكون سعيدة وأطوي صفحة المغرب إلى الأبد، لأنه لم يمنحني أي شيء، وهذا البلد أعطاني كل شيء...
 «ف. ل.»


أشعر في أمريكا بأنني إنسان لديه كرامة !
لم أكن أتوقع، يوما، الوصول إلى الولايات المتحدة والعيش فيها، فمشاركتي في القرعة السنوية كانت مثل محاولاتي اليائسة للفوز بـ«التيرسي»... فكل الخيول التي كنت أراهن عليها لم تكن تصل إلا في المرتبة الأخيرة!
كنت في «كاركاس»، في فنزويلا، عندما أخبرني والدي في مكالمة هاتفية أن ظرفا بريديا وصلني من الولايات المتحدة وأن علي العودة سريعا إلى أرض الوطن. طبعا، لم يكن ذلك بوسعي، إذ كان يجب علي انتظار انتهاء أشغال المؤتمر الذي كنت أشارك فيه، رفقة ثلة من الشباب المغربي المناضل.
عند عودتي إلى المغرب، كنت يائسا، لكن أبي أصر على أن أبعث برسالة إلكترونية أشرح فيها سبب تأخري في القدوم إلى المقابلة في القنصلية. كان يقول لي ساعتها: «إنها أمريكا... أولائك الناس يتفهمون وفلسفتهم تقوم على مبدأ الفرصة الثانية». وفعلا، تلقيت إجابة سريعة من القنصلية تفيد موافقة المسؤولين على تحديد موعد جديد للمقابلة...
سألني الموظف في القنصلية سؤالا واحدا خلال المقابلة الرسمية: لماذا تريد المغادرة؟ يبدو أن لك آفاقا واعدة في المغرب؟
أجبته إجابة واحدة، وكانت ساخرة: أريد ولادة جديدة... ما أزال أتذكر ابتسامته الماكرة وقوله: «ستكون هناك عمليات قيصرية... أهنئك وحظا سعيدا».
استقلت من عملي. ودّعت أصدقائي في حفلة خاصة لن تزول من ذاكرتي ما حييت. ودّعت أهلي وفي دواخلي، كنت أشعر بأنني لن أرى وجوههم إلا بعد زمن بعيد وأن المجهول ينتظرني...
أتذكر عندما وصلتُ مطار نيويورك: كان في استقبالي كان قد صديق تقاسم معي غرفة تشبه الزنزانة في الحي الجامعي مولاي اسماعيل. عانقني بحرارة وقال ضاحكا: «زارتنا البركة»!... كانت نيويورك تبدو كئيبة وصدئة وسريعة... وصلنا إلى منطقة في حي بروكلين كان يعمُّها السكون وأحسست برغبة في البكاء، لكني تمالكت نفسي فالرجال لا يبكون، البكاء مهنة النساء، أو هكذا كنت أظن.
أذكر أنني اتصلت بعدد من الأشخاص الذين وعدوني بتوفير أسباب الراحة والعمل المهني، لكنني تلقيت وعودا تبخرت، وكان الدرس الأول الذي تعلمته هو أنه لا يوجد من يحميك في أمريكا غير جيبك وذراعك ولسانك. اشتغلت في المطابخ، في المطاعم، كنستُ المراحيض، نظفت قارعة الطريق من أكوام الثلج، رقدتُ في المستشفى وحيدا لم تؤنسني إلا زيارة صديقين اثنين... لكني سعيد... تعلمت ما لم يكن بوسعي أن أتعلمه خلال عشرين سنة في المغرب. تعلمت أن أكون رجلا... تعلمتُ أن الحياة لا معنى لها بدون السقوط ومعاودة النهوض، أكثر قوة وعنفوانا...
في أمريكا، لم يسألني أحد يوما «ابن من أنت؟» أو «ما هو وطنك؟» أو «ما هو دينك؟»... لم يطالبني شرطي، أبدا، ببطاقة تعريفي أو مورس علي التمييز في إدارة أو مصلحة ما... شعرتُ هنا، وأشعر أنني إنسان أتمتع بكرامة لا يجرؤ أحد على خدشها!..
المساء
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى