يا رشيد... ألم يحن الوقت لنقول لهم «ارحلوا»؟

أود، بداية، أن أعبر لكم عن تقديري ومساندتي لكم في هذه المحنة التي تمرون بها بسبب وضعكم رهن الاعتقال لمجرد الجهر برأيكم في مواضيع عديدة تهم جميع المغاربة وتصب في الدفاع
عن مغرب حر ديمقراطي وتسعى إلى إرساء أسس الدولة الحديثة المزدهرة والتي كان يحلم بها رجالات المغرب منذ أن كتبوا وثيقة المطالبة بالاستقلال في الأربعينيات من القرن الماضي وضمنوها أهم ما راودهم من أفكار للسعي إلى إرساء أسس مغرب جديد متحرر من ربقة الاستعمار.
أنقل إليكم أيضا أني لست الوحيد الذي يساندكم ويتعاطف معكم، بل جميع المغاربة بدون استثناء يستنكرون وضعكم وراء القضبان لمجرد الجهر بالكلمة الصادقة والهادفة. وقد استغربت صوتا نشازا أعلن عن سروره وفرحته لاعتقالكم، ولكن هذا الصوت، دون شك، هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.
إن الأمر بوضعكم رهن الاعتقال كان القشة التي قصمت ظهر البعير، فبسببه تضمن التقرير السنوي، الذي تصدره مؤسسة «فريدوم هاوس» والصادر في نفس الأسبوع الذي تم فيه اعتقالكم، أن وضعية الصحافة في المغرب اليوم هي أسوأ وضعية وجدت عليها منذ عشرات السنين.
إن عمود «شوف تشوف»، الذي تسهرون على كتابته كل يوم، يتضمن، في أغلبه، أفكارا تعبر عما تفكر فيه جميع فئات المجتمع المغربي، وتعبر أيضا عن الرأي الصادق الذي يخالجها (الفئات الاجتماعية) وترى فيه نبراسا وتوجيها لمكامن النقص والانحراف، وتسعى بخطى حثيثة إلى بناء مغرب جديد، وبذلك تجهرون بما عجز عن قوله والجهر به غيركم.
 إن عمودكم يذكرنا بسنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي عندما كنا نقف مساء كل يوم مع ثلة من المناضلين بمحطة «الستيام» وسط المدينة ننتظر وصول الأعداد الأولى من جريدة «التحرير» ثم «المحرر» وأخيرا «الرأي العام» والتي كانت أعدادها، في بعض الأحيان، لا تصل إلينا بسبب قرار منعها وحجزها من باب المطبعة في الدار البيضاء.
فأنتم من طينة المناضلين والسياسيين الذين كانوا يتناوبون على كتابة الأعمدة في الجرائد المذكورة والتي كانت تشكل المتنفس الوحيد للتعبير عما يخالج مجموع المواطنين في وضعية سياسية حرجة يعلمها الجميع، وكان ذلك يؤدي، في غالب الأحيان، إلى وضع من حررها خلف القضبان  مثلما يحدث لكم اليوم. كنا نعتقد أنه تم القطع النهائي مع هذا السلوك الذي يسعى من يأمر به في هذه الظروف إلى إطالة عمر سلوكهم المشين، فهم يقفون ضد تقدم المغرب ويسعون إلى الحفاظ على مكاسبهم الشخصية.
إن كسوة موضع عمودكم  بجريدة «المساء» بالسواد عوض الكلمة الحرة التي كان يفيض بها حيوية ونقدا بناء، تذكرني بسنوات الخمسينيات عندما كانت جريدة «العلم» تتضمن حيزا أبيض فارغا كتب عليه «حذفته الرقابة»، وبذلك أراد من أمر بمنعكم من الكلمة إرجاع عجلة التاريخ إلى عهد غابر انتهى ورحل إلى غير رجعة.
 إنه رغم تعويض الكلمة في عمودكم بمداد أسود، فكن متقينا  بأن كل قارئ لجريدة «المساء» يردد في خلده ما سبق لكم أن جهرتم به من  كلمة حق  يسعى إليها كل وطنيّ غيور تواق إلى مغرب حر وجديد.
أتساءل عن سبب تشابه اليوم والأمس، في بعض المجالات، فلا أجد سببا ظاهرا سوى استمرار نفس الممارسات والعقليات لرجال ساهموا، بشكل مباشر، في إدارة شؤون البلاد بالطريقة التي يعرفها الجميع والتي جبلهم عليها وزراء الداخلية السابقون ابتداء من أوفقير وانتهاء بالبصري، وهم لا زالوا بين ظهرانينا يمارسون أعمالهم بنفس العقلية والسلوك.. ستبقى دار لقمان على حالها إذا استمر وجودهم، أفلم يحن الوقت لنقول لهم «اِرحلوا»، ماديا ومعنويا، عن مغربنا الجديد وأفسحوا المجال لشبابه ليساهم في إرساء أسس بناء حديث لمغرب حر وديمقراطي؟
النقيب عبد الرحيم بن بركة

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى