المغرب‮ ‬الذي‮ ‬نريد

أحد‮ ‬أهم‮ ‬الفصول‮ ‬في‮ ‬كتاب‮ ‬عالم‮ ‬السياسة‮ ‬الإيطالي‮ ‬الكبير‮ «‬ميكيافيلي‮»‬،‮ ‬يدور‮ ‬حول‮ ‬حاشية‮ ‬الأمير‮. ‬
ونصيحة‮ «‬ميكيافيلي‮» ‬للأمير،‮ ‬لكي‮ ‬يظل‮ ‬في‮ ‬مأمن‮ ‬من‮ ‬كمائن‮ ‬حاشيته‮ ‬ومكرها‮ ‬وشرورها،‮ ‬هي‮ ‬أن‮ ‬يفعل‮ ‬ما‮ ‬بوسعه‮ ‬لكي‮ ‬يظل‮ ‬أفراد‮ ‬هذه‮ ‬الحاشية‮ ‬متخاصمين،‮ ‬لأن‮ ‬اتحادهم‮ ‬وصفاء‮ ‬الأجواء‮ ‬بينهم‮ ‬قد‮ ‬يجعلهم‮ ‬يتحدون‮ ‬ضده‮ ‬ويتواطؤون‮ ‬على‮ ‬الإطاحة‮ ‬به‮. ‬
لذلك،‮ ‬ففي‮ ‬كل‮ ‬البلاطات‮ ‬التي‮ ‬يسود‮ ‬ملوكها‮ ‬ويحكمون‮ ‬هناك‮ ‬خنادق‮ ‬يحفرها‮ ‬أفراد‮ ‬هذه‮ ‬الحاشية‮ ‬يختبئون‮ ‬داخلها‮ ‬ويشنون‮ ‬انطلاقا‮ ‬منها‮ ‬غاراتهم‮ ‬ضد‮ ‬زملائهم‮ ‬في‮ ‬الحاشية،‮ ‬لإضعافهم‮ ‬أمام‮ ‬الملك‮ ‬وجلب‮ ‬غضبه‮ ‬عليهم‮. ‬
المشكل‮ ‬هو‮ ‬عندما‮ ‬تتحول‮ ‬هذه‮ ‬الحروب‮ ‬إلى‮ ‬رياضة‮ ‬وطنية‮ ‬لدى‮ ‬أفراد‮ ‬الحاشية،‮ ‬وتصبح‮ ‬مؤسسات‮ ‬الدولة‮ ‬ووزاراتها‮ ‬وقودا‮ ‬لهذه‮ ‬الحرب‮. ‬هذا‮ ‬بالضبط‮ ‬ما‮ ‬يحدث‮ ‬في‮ ‬المغرب‮.‬
منذ‮ ‬تولي‮ ‬الملك‮ ‬محمد‮ ‬السادس‮ ‬مقاليد‮ ‬الحكم،‮ ‬أحاط‮ ‬نفسه‮ ‬بزملائه‮ ‬في‮ ‬الدراسة‮. ‬وبحكم‮ ‬وظيفة‮ ‬كل‮ ‬واحد‮ ‬منهم‮ ‬داخل‮ ‬المربع‮ ‬الذهبي،‮ ‬كان‮ ‬بعضهم‮ ‬أقرب‮ ‬إلى‮ ‬الملك‮ ‬من‮ ‬البعض‮ ‬الآخر‮. ‬
لكن‮ ‬أحدهم،‮ ‬وبحكم‮ ‬قربه‮ ‬من‮ ‬الملك،‮ ‬استطاع‮ ‬أن‮ ‬يستغل‮ ‬هذا‮ ‬القرب‮ ‬لإعادة‮ ‬صناعة‮ ‬صدر‮ ‬أعظم‮ ‬جديد‮ ‬للمملكة،‮ ‬يتجاوز‮ ‬نفوذه‮ ‬وسلطته‮ ‬وجبروته‮ ‬وتسلطه‮ ‬حدود‮ ‬ما‮ ‬كانت‮ ‬عليه‮ ‬سلطات‮ ‬ونفوذ‮ ‬وتسلط‮ ‬إدريس‮ ‬البصري،‮ ‬وزير‮ ‬الداخلية‮ ‬القوي‮ ‬في‮ ‬عهد‮ ‬الحسن‮ ‬الثاني‮. ‬
ومثلما‮ ‬استعمل‮ ‬فؤاد‮ ‬عالي‮ ‬الهمة‮ ‬قربه‮ ‬من‮ ‬الملك‮ ‬لإشاعة‮ ‬جو‮ ‬من‮ ‬الرعب‮ ‬في‮ ‬عالم‮ ‬السياسة‮ ‬والمال‮ ‬والأعمال،‮ ‬استطاع‮ ‬أيضا‮ ‬أن‮ ‬يشيع‮ ‬الرعب‮ ‬داخل‮ ‬رجالات‮ ‬البلاط‮. ‬وحربه‮ ‬المفتوحة‮ ‬مع‮ ‬الكاتب‮ ‬الخاص‮ ‬للملك،‮ ‬محمد‮ ‬منير‮ ‬الماجدي،‮ ‬وحرب‮ ‬هذا‮ ‬الأخير‮ ‬معه،‮ ‬والتي‮ ‬وصلت‮ ‬أصداؤها‮ ‬إلى‮ ‬صفحات‮ ‬الجرائد‮ ‬والمجلات‮ ‬في‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬مناسبة،‮ ‬تعتبر‮ ‬التجسيد‮ ‬الحي‮ ‬للحرب‮ ‬الشرسة‮ ‬داخل‮ ‬المحيط‮ ‬الملكي‮ ‬بين‮ ‬رجال‮ ‬الحاشية‮ ‬الأقوياء‮. ‬
فعندما‮ ‬تجرأ‮ ‬الباكوري،‮ ‬الرئيس‮ ‬العام‮ ‬السابق‮ ‬لصندوق‮ ‬الإيداع‮ ‬والتدبير،‮ ‬وحضر‮ ‬إلى‮ ‬مقر‮ ‬حزب‮ ‬الهمة‮ ‬عشية‮ ‬اكتساح‮ ‬الحزب‮ ‬للانتخابات،‮ ‬رأى‮ ‬الماجدي‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬التقارب‮ ‬بين‮ ‬الباكروي‮ ‬والهمة‮ ‬تفسيرا‮ ‬منطقيا‮ ‬لما‮ ‬كان‮ ‬يروج‮ ‬من‮ ‬كون‮ ‬الهمة‮ ‬يريد‮ ‬تحويل‮ ‬صندوق‮ ‬الإيداع‮ ‬والتدبير‮ ‬إلى‮ ‬جراب‮ ‬يمول‮ ‬منه‮ ‬مشروعه‮ ‬السياسي‮. ‬فتوصل‮ ‬الباكوري‮ ‬برسالة‮ ‬نصية‮ ‬قصيرة‮ ‬عبر‮ ‬هاتفه‮ ‬النقال‮ ‬تخبره‮ ‬بإقالته‮ ‬من‮ ‬منصبه‮. ‬
وبعد‮ ‬استيعابه‮ ‬جيدا‮ ‬الدرس،‮ ‬تمت‮ ‬المناداة‮ ‬عليه‮ ‬لترؤس‮ ‬وكالة‮ ‬الطاقة‮ ‬الشمسية‮ ‬التي‮ ‬ستعبد‮ ‬الطريق‮ ‬أمام‮ ‬شركة‮ «‬ناريفا‮» ‬التابعة‮ ‬لمجموعة‮ «‬أونا‮» ‬للحصول‮ ‬على‮ ‬مشاريع‮ ‬الطاقة‮ ‬الشمسية‮ ‬والريحية‮.  ‬
هكذا،‮ ‬أصبحت‮ ‬مؤسسات‮ ‬المغرب‮ ‬الاقتصادية‮ ‬والمالية‮ ‬والسياسية‮ ‬والإعلامية‮ ‬مقسمة‮ ‬بين‮ ‬نفوذ‮ ‬الرجلين‮ ‬القويين،‮ ‬وكل‮ ‬من‮ ‬يغامر‮ ‬بالاقتراب‮ ‬من‮ ‬المياه‮ ‬الإقليمية‮ ‬للآخر‮ ‬يرى‮ ‬كيف‮ ‬يتعرض‮ «‬رجاله‮» ‬للتنحية‮ ‬السريعة،‮ ‬إلى‮ ‬درجة‮ ‬أن‮ ‬البلاد‮ ‬أصبحت‮ ‬مقسمة‮ ‬إلى‮ ‬قسمين،‮ ‬تتعارك‮ ‬داخلهما‮ ‬المصالح‮ ‬والامتيازات‮ ‬وتتحول‮ ‬فيهما‮ ‬المؤسسات‮ ‬العمومية‮ ‬إلى‮ ‬رقعة‮ ‬شطرنج‮ ‬والمدراء‮ ‬إلى‮ ‬لاعبين‮ ‬يتم‮ ‬تحريكهم‮ ‬وإسقاطهم‮ ‬حسب‮ ‬ما‮ ‬تقتضيه‮ ‬أمزجة‮ ‬اللاعبين‮ ‬الكبار‮.  ‬
وإذا‮ ‬كان‮ ‬الماجدي،‮ ‬بحكم‮ ‬مسؤوليته‮ ‬عن‮ ‬ثروة‮ ‬الملك‮ ‬وشؤونه‮ ‬الخاصة،‮ ‬استطاع‮ ‬أن‮ ‬يمد‮ ‬أذرعه‮ ‬باتجاه‮ ‬قطاع‮ ‬المال‮ ‬والأعمال،‮ ‬فإن‮ ‬الهمة‮ ‬استطاع‮ ‬أن‮ ‬يمد‮ ‬أذرعه‮ ‬باتجاه‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬والسياسة‮ ‬والقضاء‮.‬
هكذا،‮ ‬وطيلة‮ ‬العشر‮ ‬سنوات‮ ‬الأخيرة،‮ ‬لم‮ ‬يعد‮ ‬نفوذ‮ ‬الرجلين‮ ‬مقتصرا‮ ‬على‮ ‬إدارة‮ ‬شؤون‮ ‬الملك‮ ‬المالية‮ ‬والسياسية،‮ ‬وإنما‮ ‬أصبحت‮ ‬للرجلين‮ ‬مصالح‮ ‬خاصة‮ ‬خارج‮ ‬أسوار‮ ‬البلاط‮ ‬يدافعان‮ ‬عنها‮ ‬ويبحثان‮ ‬لتنميتها‮ ‬وتطويرها‮. ‬
وهذا‮ ‬ليس‮ ‬جديدا،‮ ‬فعندما‮ ‬نتابع‮ ‬قضية‮ ‬ورثة‮ ‬رضى‮ ‬كديرة،‮ ‬مستشار‮ ‬الحسن‮ ‬الثاني،‮ ‬التي‮ ‬تروج‮ ‬اليوم‮ ‬أمام‮ ‬القضاء‮ ‬ضد‮ ‬شريكه‮ ‬اليهودي‮ ‬مارسيانو،‮ ‬نكتشف‮ ‬أن‮ ‬ورثة‮ ‬كديرة‮ ‬يطالبون‮ ‬بأراض‮ ‬وعقارات‮ ‬وأموال‮ ‬كانت‮ ‬باسم‮ ‬والدهم‮ ‬ويتهمون‮ ‬مارسيانو‮ ‬بالسطو‮ ‬عليها‮. ‬
السؤال‮ ‬هو‮: ‬من‮ ‬أين‮ ‬جاء‮ ‬كديرة‮ ‬بكل‮ ‬هذه‮ ‬العقارات‮ ‬والأراضي‮ ‬والأموال،‮ ‬إذا‮ ‬كان‮ ‬منصبه‮ ‬كمستشار‮ ‬لا‮ ‬يمنحه‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬راتبه‮ ‬الشهري‮ ‬الذي‮ ‬لن‮ ‬يتجاوز‮ ‬عشرة‮ ‬ملايين‮ ‬سنتيم‮ ‬في‮ ‬أحسن‮ ‬الأحوال؟‮ ‬
الجواب‮ ‬بسيط‮ ‬للغاية،‮ ‬فالمستشارون‮ ‬والمكلفون‮ ‬بمهمة‮ ‬داخل‮ ‬الديوان‮ ‬الملكي‮ ‬يستفيد‮ ‬أغلبهم‮ ‬من‮ ‬هذه‮ ‬الوظيفة‮ ‬لكي‮ ‬يحصلوا‮ ‬على‮ ‬امتيازات‮ ‬لشركاتهم‮ ‬وشركات‮ ‬عائلاتهم‮. ‬وأكبر‮ ‬مثال‮ ‬على‮ ‬هؤلاء‮ ‬فاضل‮ ‬بنيعيش،‮ ‬المكلف‮ ‬بمهمة،‮ ‬والذي‮ ‬استطاع‮ ‬أن‮ ‬يحصل،‮ ‬هو‮ ‬وأخته‮ ‬السفيرة‮ ‬في‮ ‬البرتغال،‮ ‬على‮ ‬حق‮ ‬استغلال‮ ‬اسم‮ ‬شركة‮ ‬مطاعم‮ «‬لونوطر‮»‬،‮ ‬وعلى‮ ‬صفقات‮ ‬مع‮ ‬مؤسسات‮ ‬عمومية‮ ‬لتزويدها‮ ‬بالمأكولات‮ ‬وحلويات‮ ‬ومشروبات‮ ‬الحفلات‮. ‬
هذا‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬نتحدث‮ ‬عن‮ ‬ابن‮ ‬المستشار‮ ‬الراحل‮ ‬مزيان‮ ‬بلفقيه‮ ‬الذي‮ ‬ظل‮ ‬يستعمل‮ ‬اسم‮ ‬والده‮ ‬لاحتكار‮ ‬صفقات‮ ‬شركة‮ ‬الطرق‮ ‬السيارة‮ ‬التي‮ ‬يسيرها‮ ‬عثمان‮ ‬الفاسي‮ ‬الفهري،‮ ‬الذي‮ ‬يدين‮ ‬ببقائه‮ ‬طيلة‮ ‬كل‮ ‬هذه‮ ‬السنوات‮ ‬في‮ ‬منصبه‮ ‬لتوصيات‮ ‬بلفقيه،‮ ‬أو‮ ‬عن‮ ‬ابنته‮ ‬الموثقة‮ ‬التي‮ ‬منحها‮ ‬حصار،‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬مشرفا‮ ‬على‮ ‬مشروع‮ ‬سلا‮ ‬الجديدة،‮ ‬صفقة‮ ‬تحفيظ‮ ‬جميع‮ ‬شقق‮ ‬المدينة،‮ ‬أو‮ ‬حتى‮ ‬عن‮ «‬ورثته‮» ‬في‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للتعليم‮ ‬كالسيد‮ ‬عبد‮ ‬اللطيف‮ ‬المودني،‮ ‬السكرتير‮ ‬العام‮ ‬للمجلس،‮ ‬الذي‮ ‬يعتبر‮ ‬نفسه‮ ‬وريث‮ ‬بلفقيه‮ ‬كمكلف‮ ‬بمهمة‮ ‬في‮ ‬الديوان‮ ‬الملكي،‮ ‬والذي‮ ‬يستغل‮ ‬وضعية‮ ‬المجلس‮ ‬الحالية‮ ‬للاستفادة‮ ‬من‮ ‬أربع‮ ‬سيارات‮ ‬ومساعدين،‮ ‬يوجدون‮ ‬تحت‮ ‬إشارته‮ ‬على‮ ‬مدار‮ ‬اليوم‮ ‬والليلة،‮ ‬ومعاملة‮ ‬موظفي‮ ‬المجلس‮ ‬بطريقة‮ ‬دكتاتورية‮ ‬حتى‮ ‬إنه‮ ‬تجرأ‮ ‬على‮ ‬إغلاق‮ ‬الأبواب‮ ‬الثلاثة‮ ‬للمجلس‮ ‬والإبقاء‮ ‬على‮ ‬باب‮ ‬واحد‮ ‬فقط،‮ ‬ضدا‮ ‬على‮ ‬قوانين‮ ‬السلامة‮.   ‬
عندما‮ ‬يجمع‮ ‬المستشارون‮ ‬والمكلفون‮ ‬بمهمة‮ ‬والمسؤولون‮ ‬عن‮ ‬الكتابة‮ ‬الخاصة‮ ‬للملك‮ ‬وأصدقاؤه‮ ‬المقربون‮ ‬بين‮ ‬وجودهم‮ ‬في‮ ‬خدمة‮ ‬الملك‮ ‬وبين‮ ‬إشرافهم‮ ‬على‮ ‬مشاريعهم‮ ‬الاقتصادية‮ ‬الخاصة،‮ ‬فإن‮ ‬هذا‮ ‬الخلط‮ ‬لا‮ ‬يسلم‮ ‬من‮ ‬استغلال‮ ‬النفوذ‮. ‬
ولذلك،‮ ‬فالوضع‮ ‬الذي‮ ‬يعيشه‮ ‬المغرب‮ ‬اليوم‮ ‬والذي‮ ‬يفرض‮ ‬علينا‮ ‬جميعا‮ ‬أن‮ ‬نقول‮ ‬الحقيقة‮ ‬للملك،‮ ‬يدفعنا‮ ‬إلى‮ ‬القول‮ ‬إن‮ ‬الجمع‮ ‬بين‮ ‬الوجود‮ ‬داخل‮ ‬المحيط‮ ‬الملكي‮ ‬وبين‮ ‬الوجود‮ ‬داخل‮ ‬محيط‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬ليس‮ ‬في‮ ‬صالح‮ ‬الملك،‮ ‬لأن‮ ‬تجاوزات‮ ‬هؤلاء‮ ‬المحيطين‮ ‬بالملك‮ ‬تنعكس‮ ‬مباشرة‮ ‬على‮ ‬هذا‮ ‬الأخير،‮ ‬ولأنه‮ ‬من‮ ‬الصعب‮ ‬أن‮ ‬يلجم‮ ‬الإنسان‮ ‬شططه‮ ‬وهو‮ ‬يرى‮ ‬أن‮ ‬الجميع‮ ‬يخاف‮ ‬منه‮ ‬بحكم‮ ‬قربه‮ ‬من‮ ‬الملك،‮ ‬فإن‮ ‬احتمالات‮ ‬الوقوع‮ ‬في‮ ‬التجاوز‮ ‬تبقى‮ ‬كبيرة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فالأنسب‮ ‬لكل‮ ‬من‮ ‬يختار‮ ‬الاشتغال‮ ‬إلى‮ ‬جانب‮ ‬الملك‮ ‬أن‮ ‬يغادر‮ ‬عالم‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬ويتفرغ‮ ‬لخدمة‮ ‬الملك،‮ ‬لا‮ ‬أن‮ ‬يستغل‮ ‬خدمته‮ ‬للملك‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬خدمة‮ ‬مصالحه‮ ‬الخاصة‮ ‬وتنمية‮ ‬شركاته‮ ‬ورؤوس‮ ‬أمواله‮. ‬
عندما‮ ‬نشرنا‮ ‬الوثائق‮ ‬التي‮ ‬تثبت‮ ‬أن‮ ‬شركة‮ ‬فؤاد‮ ‬عالي‮ ‬الهمة‮ ‬استفادت،‮ ‬بطريقة‮ ‬غير‮ ‬قانونية،‮ ‬من‮ ‬صفقة‮ ‬منحها‮ ‬إياها‮ ‬علي‮ ‬الفاسي‮ ‬الفهري‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تمرير‮ ‬مشروع‮ ‬إدماج‮ ‬مكتبي‮ ‬الماء‮ ‬والكهرباء‮ ‬في‮ ‬مكتب‮ ‬واحد،‮ ‬وقلنا‮ ‬إن‮ ‬هذه‮ ‬الشركة‮ ‬تستفيد‮ ‬من‮ ‬مليار‮ ‬ومائتي‮ ‬مليون‮ ‬سنويا‮ ‬لمصاحبة‮ ‬مفاوضات‮ ‬المغرب‮ ‬والبوليساريو،‮ ‬بدون‮ ‬المرور‮ ‬عبر‮ ‬طلبات‮ ‬عروض‮ ‬كما‮ ‬تنص‮ ‬على‮ ‬ذلك‮ ‬مذكرة‮ ‬الوزير‮ ‬الأول،‮ ‬فإننا‮ ‬كنا‮ ‬نقدم‮ ‬الدليل‮ ‬الواضح‮ ‬على‮ ‬استغلال‮ ‬القرب‮ ‬من‮ ‬الملك‮ ‬وصداقته‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تحقيق‮ ‬مكاسب‮ ‬مادية‮ ‬شخصية‮. ‬
عوض‮ ‬أن‮ ‬يجيب‮ ‬الهمة‮ ‬الرأي‮ ‬العام‮ ‬ودافعي‮ ‬الضرائب‮ ‬عن‮ ‬هذه‮ ‬الاتهامات‮ ‬الخطيرة،‮ ‬فضل‮ ‬أن‮ ‬يجند‮ «‬مخابراته‮» ‬بحثا‮ ‬عن‮ ‬طريقة‮ ‬يرد‮ ‬بها‮ ‬الصاع‮ ‬صاعين‮ ‬لمن‮ ‬يعتبرهم‮ ‬محركي‮ ‬الحرب‮ ‬الإعلامية‮ ‬ضده‮. ‬
وبالنسبة‮ ‬إلى‮ ‬الهمة‮ ‬الذي‮ ‬تعود‮ ‬أن‮ ‬يغازله‮ ‬الجميع‮ ‬ويفرشوا‮ ‬له‮ ‬الورود‮ ‬أينما‮ ‬حل‮ ‬خوفا‮ ‬أو‮ ‬تزلفا،‮ ‬فإن‮ ‬من‮ ‬يتجرأ‮ ‬على‮ ‬انتقاده‮ ‬لا‮ ‬بد‮ ‬وأن‮ ‬يكون‮ ‬مدفوعا‮ ‬من‮ ‬طرف‮ ‬خصومه‮ ‬داخل‮ ‬البلاط‮ ‬الملكي‮. ‬
وهو‮ ‬رد‮ ‬الفعل‮ ‬نفسه‮ ‬الذي‮ ‬أبداه‮ ‬مؤرخ‮ ‬المملكة‮ ‬السابق،‮ ‬حسن‮ ‬أوريد،‮ ‬الذي‮ ‬ربط‮ ‬مباشرة‮ ‬ما‮ ‬كتبناه‮ ‬حول‮ ‬تجاوزاته‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬واليا‮ ‬على‮ ‬مكناس‮ ‬بمؤامرة‮ ‬نسج‮ ‬خيوطها‮ ‬الهمة‮ ‬وأجهزة‮ ‬مخابراته‮ ‬لمعاقبته‮ ‬على‮ ‬بصقه‮ ‬في‮ ‬طنجرة‮ ‬المخزن‮ ‬التي‮ ‬أكل‮ ‬منها‮. ‬
صحيح‮ ‬أن‮ ‬الهمة‮ ‬كان‮ ‬وراء‮ ‬طرد‮ ‬أوريد‮ ‬من‮ ‬المربع‮ ‬الذهبي،‮ ‬لكن‮ ‬الهمة‮ ‬ليس‮ ‬هو‮ ‬من‮ ‬علم‮ ‬أوريد‮ ‬كيف‮ ‬يتحول،‮ ‬في‮ ‬ظرف‮ ‬خمس‮ ‬سنوات،‮ ‬من‮ ‬موظف‮ ‬بسيط‮ ‬إلى‮ ‬ملياردير‮ ‬هو‮ ‬وأخوه‮ ‬الذي‮ ‬افتتح‮ ‬قبل‮ ‬يومين،‮ ‬وأمام‮ ‬خمارته،‮ ‬فندقا‮ ‬فخما‮ ‬في‮ ‬عمارة‮ ‬كانت‮ ‬تابعة‮ ‬لمقر‮ «‬الديستي‮» ‬في‮ ‬شارع‮ ‬النصر‮ ‬بالرباط‮.‬
وإذا‮ ‬كان‮ ‬المحيط‮ ‬الملكي‮ ‬قد‮ ‬تخلص‮ ‬من‮ ‬أوريد‮ ‬الذي‮ ‬أبلى،‮ ‬باسم‮ ‬القصر،‮ ‬البلاء‮ ‬الحسن‮ ‬في‮ ‬ممتلكات‮ ‬الدولة‮ ‬وأراضيها،‮ ‬فإن‮ ‬المطلوب‮ ‬اليوم‮ ‬هو‮ ‬تخليص‮ ‬هذا‮ ‬المحيط‮ ‬من‮ ‬مصاصي‮ ‬دماء‮ ‬آخرين‮ ‬يختفون‮ ‬وراء‮ ‬الملك‮ ‬لكي‮ ‬ينهبوا‮ ‬أراضي‮ ‬الناس‮ ‬ويجردوهم‮ ‬من‮ ‬ممتلكاتهم‮ ‬باستعمال‮ ‬القضاة‮ ‬الفاسدين‮ ‬الذين‮ ‬ترتعد‮ ‬فرائصهم‮ ‬بمجرد‮ ‬سماعهم‮ ‬صوت‮ ‬أحذية‮ ‬رجال‮ ‬القصر‮ ‬وهم‮ ‬يقتربون‮ ‬من‮ ‬مكاتبهم‮. ‬
إن‮ ‬السؤال‮ ‬اليوم‮ ‬ليس‮ ‬هو‮ ‬من‮ ‬يحرك‮ ‬الحملة‮ ‬ضد‮ ‬الهمة‮ ‬أو‮ ‬الماجدي‮ ‬أو‮ ‬غيرهما‮ ‬في‮ ‬الشوارع‮ ‬خلال‮ ‬المسيرات‮ ‬الاحتجاجية،‮ ‬وإنما‮ ‬السؤال‮ ‬هو‮ ‬متى‮ ‬سيغادران‮ ‬عالم‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬والسياسة‮ ‬ويتفرغان‮ ‬لخدمة‮ ‬الملك؟‮ ‬
إن‮ ‬مغادرة‮ ‬أقرب‮ ‬المقربين‮ ‬إلى‮ ‬الملك‮ ‬للساحة‮ ‬السياسية‮ ‬والمالية‮ ‬سيفتح‮ ‬باب‮ ‬المغادرة‮ ‬أمام‮ ‬العشرات‮ ‬من‮ ‬المحيطين‮ ‬بالملك‮ ‬والذين‮ ‬ظلوا‮ ‬يستغلون‮ ‬هذا‮ ‬القرب‮ ‬لترويع‮ ‬أوساط‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬والحصول‮ ‬على‮ ‬صفقات‮ ‬بشروط‮ ‬تفضيلية‮ ‬وبدون‮ ‬أدنى‮ ‬منافسة‮.. ‬
هؤلاء‮ ‬المحظوظون‮ ‬الذين‮ ‬ما‮ ‬إن‮ ‬يشهروا‮ ‬بطاقات‮ ‬زياراتهم‮ ‬التي‮ ‬يظهر‮ ‬عليها‮ ‬التاج‮ ‬حتى‮ ‬تنفتح‮ ‬أمامهم‮ ‬الأبواب‮ ‬ويهجرهم‮ ‬مفتشو‮ ‬الضرائب‮ ‬إلى‮ ‬الأبد‮. ‬
إن‮ ‬كثيرا‮ ‬من‮ ‬ملفات‮ ‬الفساد‮ ‬الإداري‮ ‬والمالي‮ ‬تذهب‮ ‬مباشرة‮ ‬إلى‮ ‬الحفظ‮ ‬بسبب‮ ‬وجود‮ ‬أسماء‮ ‬بعض‮ ‬هؤلاء‮ ‬السادة‮ ‬ضمن‮ ‬لائحة‮ ‬المتورطين‮. ‬
بعد‮ ‬الخطاب‮ ‬الملكي‮ ‬الأخير‮ ‬الذي‮ ‬تحدث‮ ‬عن‮ ‬المراقبة‮ ‬والمحاسبة،‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يفهم‮ ‬القضاء‮ ‬أن‮ ‬حصانة‮ ‬هؤلاء‮ ‬الناس‮ ‬قد‮ ‬سقطت،‮ ‬وأن‮ ‬من‮ ‬يخرق‮ ‬القانون‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬ينتهي‮ ‬أمام‮ ‬المحكمة،‮ «‬يكون‮ ‬شكون‮ ‬ما‮ ‬بغا‮ ‬يكون‮». ‬
هذا‮ ‬هو‮ ‬المغرب‮ ‬الذي‮ ‬نريد‮.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى