الواكل العام للملك

ليس مفاجئا أن تكون أغلب الشعارات، التي يرفعها المتظاهرون في شوارع المدن المغربية، تطالب بمحاربة الفساد. فقد أصبح هناك وعي جماعي في المغرب بأن عدو الشعب الأول هو الفساد.
لكن من سيحارب هذا الفساد إذا كان القضاء في المغرب هو العش الذي يتربى فيه الفساد ويبيض.
إن حال من يريدون إصلاح أحوال المغرب دون البدء بإصلاح أحوال القضاء كمن يريدون بناء سقف بيت دون وضع الأساسات. إذا كان من الممكن بناء سقف بيت بدون دعامات، ففي هذه الحالة يمكن إصلاح أحوال المغرب بدون إصلاح قضائه، وهذا طبعا من رابع المستحيلات.
ومادام وكلاء الملك العامون الذين وصلوا سن التقاعد ملتصقين بكراسيهم، فإن مشروع إصلاح القضاء سيظل مؤجلا، لأن الفساد القضائي المتفشي في محاكم المملكة سببه استبداد هؤلاء الوكلاء العامين للملك وبقاؤهم في مناصبهم، إلى درجة أنهم أطلقوا جذورهم في كل مؤسسات المدن التي «خيموا» بها عشرات السنين.
والله ثم والله لن تقوم لهذه البلاد قائمة مادام وكلاء الملك العامون الذين وصلوا سن التقاعد لاصقين  بكراسيهم. والله ثم والله لن يصلح أمر القضاء في هذه البلاد مادام الثلاثي «بشر» المفتش العام لوزارة العدل، و«لديدي» الكاتب العام لوزارة العدل، و«عبد النبوي» مدير الشؤون الجنائية والعفو، خالدين في مناصبهم.
إنه لمن العار أن يظل قاض كالمستاري وكيلا عاما للملك على مراكش منذ ثلاثين سنة، بينما زوجته القاضية رئيسة للمحكمة التجارية. «شي يكوي وشي يبخ». ومن العار أن يشارف الوكيل العام للملك بأكادير، السيد «الحبيب دحمان»، على الثمانين سنة ويقضي بأكادير 23 سنة كاملة دون أي تغيير.
كما أنه من المخجل أن يظل الوكيل العام للملك «البوزياني» لاصقا ثماني عشرة سنة بمنصبه في فاس. كما أنه من المثير للدهشة والاستغراب أن يتم الاحتفاظ بالوكيلين العامين للملك، البلغيثي في الدار البيضاء، والعوفي في الرباط، والتمديد لهما رغم وصولهما سن التقاعد.
لقد قدم هذان الوكيلان العامان للملك خدمات «جليلة» للدولة عندما حكما بقرون من السنوات في حق آلاف المعتقلين في ملف الإرهاب، وأرسلا إلى السجن المئات من المظلومين، الذين يعرفان أكثر من غيرهما أن اعترافاتهم تم انتزاعها تحت التعذيب. مثلما انتزع الوكيل العام للملك بمراكش، بأمر من عبد العزيز إيزو، الاعترافات من مستخدمي  القصر الملكي بمراكش تحت التعذيب، مما تسبب في موت أحدهم. واليوم آن الأوان لكي يرحل هؤلاء الوكلاء العامون للملك جميعا، لأن الدولة لم تعد بحاجة إلى خدماتهم «الجليلة».
لقد أعطت الدولة إشارات قوية عن رغبة أعلى سلطة بالبلاد في تطهير المؤسسات ومحاسبة كل من يتحمل مسؤولية عمومية. لكن بقاء هؤلاء الوكلاء العامين للملك يعيق هذه الثورة القضائية، ويضع العصي في عجلاتها، والسبب هو أن هؤلاء الوكلاء العامين للملك مستأمنون على مصالح وملفات ضخمة جدا، تختلط فيها رائحة تراب الأراضي برائحة «أعشابها».
وعوض أن يحرك السيد الوكيل العام للملك بالرباط مذكرات البحث في حق أباطرة المخدرات، الذين يتجولون في الرباط على متن سياراتهم الفارهة، التي تحمل شارة البرلمان وما هم ببرلمانيين، يفضل أن يتدخل لابنته صونيا العوفي لإخراجها مثل الشعرة من العجين من ملف النصب والاحتيال الذي تورطت فيه مؤخرا، مثلما تعود أن يصنع دائما مع ابنته الموثقة المدللة، التي تأتيها «الخدمة» حتى باب مكتبها من كل مدن المغرب، خصوصا الريف والشمال الذي يروج فيه العوفي نفسه كحاكم بأمره في الرباط.
ولماذا لا يصنع ذلك مادام سعادة الوكيل العام للملك هو من يشرف على لجان امتحان الموثقين كل سنة ويحدد من سينجح ومن سيسقط. ولذلك ليس مستغربا أن تكون ابنته على رأس لائحة الناجحين والمعينين في الرباط، المدينة التي لا يحلم أي موثق أن يتعين فيها.
إن خطورة ترك هذا القاضي في منصب الوكيل العام للملك بالرباط كل هذه السنوات، بعدما بدأ مشواره معلما بالمدارس الابتدائية، تتجلى في كونه استطاع أن ينسج شبكة علاقات قوية امتدت من الرباط إلى الريف. وكل من يبحث عن تدخل لتحريك ملفه في الرباط ما عليه سوى أن يتصل بإلياس العماري، ابن بلدته، أو بأحد سماسرة العوفي أو ابنته لكي «يفك جرته».
إن من يرعى الفساد القضائي في محاكم المملكة ويمنحه الحماية هم أمثال هؤلاء الوكلاء العامين للملك، الذين حولوا الأحكام القضائية إلى سياط يجلدون بها عباد الله ويرهبونهم بتحريكها أمامهم للرضوخ للابتزاز.
لقد كتبنا أكثر من مرة حول ابن الجنرال العراقي، الذي نصب على ثلاثة بنوك دفعة واحدة بتوقيعات مزورة لمؤسسة الجيش. ورغم أننا نشرنا تفاصيل هذه الجريمة، التي تم فيها استعمال هيبة مؤسسة كالجيش، للنصب على ثلاثة بنوك دفعة واحدة، وأعطينا اسم المتهم ونسبه، فإن مفاجأتنا كانت كبيرة عندما اكتشفنا بأن ابن الكولونيل المدلل يتحرك بحرية ويسافر دون أن تكون هناك مذكرة إقفال الحدود في وجهه. وكل ما وجده البلغيثي، الوكيل العام للملك بالدار البيضاء، لكي يقوله لنا هو أن المسطرة جارية وسيتم إعمال القانون.
أين هو القانون يا سيادة الوكيل العام في هذا الملف؟ لماذا لم تجرؤ أنت ولا وكيل الملك بمحكمة القطب الجنحي بعين السبع، رشيد بناني، على اعتقال ابن الكولونيل العراقي بتهمة تزوير وثائق وأختام باسم الجيش؟ هل يكفي أن يكون ابن الكولونيل العراقي قد عوض البنوك الثلاثة عن الأموال التي سرقها منهم لكي يتم إغلاق الملف؟ وأين هي هيبة مؤسسة الجيش التي لطخها هذا الولد المدلل؟.
لم يجرؤ أحد على عرض هذا الولد المدلل على المحكمة لأنه ليس في واقع الأمر سوى رجل القش، الذي يستخدمه كولونيلات وجنرالات يوجدون في الظل لسرقة أموال الدولة بواسطة صفقات وهمية. والذين تسلموا «الشناطي» المنتفخة بمئات ملايين السنتيمات في هذا الملف يعرفون جيدا من يكون هؤلاء الذين يشتغل الفتى المدلل لحسابهم.
إن التحدي الكبير المطروح اليوم أمام امتحان الإصلاح الذي أعلن المغرب انخراطه فيه هو: هل يستطيع القضاء، كسلطة مستقلة، أن يجعل أمثال هؤلاء الناس يمثلون أمامه لمحاكمتهم؟.
شخصيا لن أصدق أن المغرب تغير ما دمت لم أر بعد الوزراء والجنرالات وكبار المسؤولين وأبناءهم يمثلون أمام القضاء كما يمثل أمامه أبناء عامة الشعب.
ومادام لدينا وكلاء عامون للملك من عيار المستاري والعوفي والبلغيثي، فإن المغاربة لن يروا هذا اليوم الموعود أبدا،  لأن أحرص الناس على مصالح وامتيازات هؤلاء السادة الذين يوجدون فوق القانون هم هؤلاء الوكلاء العامون للملك بالضبط، فكأنما نوصي الذئب خيرا بالغنم.
فهل سيحكم المستاري ضد الملياردير برادة صاحب مشاريع «لابالموري»، الذي يشتري أراضي مزورة التحفيظ ويلجأ إلى القضاء لتبييض سجلاته العقارية كما يفعل في مراكش؟ أم تراه سيحكم ضده العوفي الذي فعل كل ما بوسعه في المجلس الأعلى للقضاء لتغيير وكيل الملك بتطوان بوكيل آخر بعدما رفض هذا الأخير قبول 200 مليون عدّا ونقدا مقابل تحفيظ أرض سلالية مساحتها 1165 هكتارا في ساحل واد لو خارج الأجل لصالح الملياردير برادة.
وبمجرد ما «طار» وكيل الملك النظيف وحل محله وكيل ملك آخر حتى حصل برادة، بقدرة قادر، على وثيقة التحفيظ خارج الأجل التي كان يحتاجها لأجل إطلاق مشروعه الاستثماري.
هل سيحكم البلغيثي، الوكيل العام للملك بالدار البيضاء، ضد ابن الكولونيل العراقي الذي نصب على ثلاثة بنوك باسم الجيش؟ وهل سيجرؤ القاضي، الذي حل محل رشيد بناني على رئاسة القطب الجنحي، على فتح هذا الملف عطن الرائحة لكي يطلع العدالة على من أكل وشرب في الدار البيضاء والرباط بفضل هذه «الهمزة»؟.
بعبارة أخرى، هل ستكون للقضاء الجرأة الكافية لتطبيق القانون على الجميع وبالتساوي بغض النظر عن الأسماء العائلية والمراتب الاجتماعية والألقاب التي تنتمي لعصر بائد كفلان «من جهة الشرفا» أو فلانة «بنت عائلة» أو فرتلان «عندو ضلعة فالعسكر»؟.
إن التوجه الدستوري نحو فصل السلطة القضائية عن باقي السلطات، وإعطائها جميع ضمانات الاستقلالية يعني أن الدستور المقبل، إذا وافق عليه المغاربة، سيعطي للقضاة سلطات واسعة. المشكل هو أن هؤلاء القضاة سيجدون أنفسهم خاضعين لوكلاء ملك عامين تعودوا طيلة حياتهم على الاشتغال بمنطق التعليمات والأوامر الفوقية، مما يعني أن الإصلاح المنشود للقضاء سيجد نفسه أمام جدار سميك يستحيل عليه اختراقه. إن ما يعيشه المغرب من محن بسبب مشروع إصلاح القضاء المعطل يمكن أن نلخصه في صورة حافلة تعطلت في الطريق بسبب عطب في المحرك، وعوض أن يتم تعويض المحرك بمحرك آخر جديد، يتم تغيير الركاب. وعندما يرفض محرك الحافلة الدوران يتم تغيير السائق.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: لماذا لا يجلس مالك الحافلة ويفكر قليلا ويتخذ قرار تغيير المحرك الذي هو أصل المشكل؟.
بالعربية «تاعرابت»، والله لن تتحرك حافلة القضاء في هذه البلاد مادام «مسامر الميدة» هؤلاء مزروعين في طريقها. «وها وجهي ها وجهكم».
... تابع القراءة

الاستثناء المغربي

بعد نجاحهم بشكل باهر في تمييع الحياة الحزبية وتحويلها إلى رصيف لممارسة الدعارة السياسية، ها نحن نرى كيف يحاول بعض السياسيين تمييع تظاهرات شباب 20 فبراير بعدما ميعوا الحكومة والبرلمان.
ومنذ أن عبر الاتحاد الاشتراكي عن موقفه الداعم لحركة 20 فبراير وتظاهراتها خلال مجلسه الوطني الأخير، الذي عاد إليه الثلاثي الغاضب بعد انتهاء فترة الحداد على الديمقراطية الداخلية، لم يعد هذا الحزب يعرف أي موقف يثبت عليه.
ولعل قمة التناقض في المواقف السياسية للاتحاد الاشتراكي ظهرت خلال مسيرات 20 مارس الأخيرة عندما خرج برلمانيون وقياديون في الحزب للمشاركة إلى جانب المتظاهرين الذين يطالبون بحل الحكومة والبرلمان.
كان هذا الموقف من جانب الاتحاديين الذين خرجوا في المسيرة سيصير مشرفا وباعثا على الاطمئنان على حال الحياة الحزبية المغربية لولا أن الحكومة، التي يطالب المتظاهرون بإسقاطها بسبب فسادها، يتوفر فيها حزب الاتحاد الاشتراكي على وزراء. كما أن البرلمان الذي يطالبون بحله بسبب لا ديمقراطيته يوجد لدى الحزب داخله فريق نيابي.
كيف إذن يستقيم أن يخرج برلمانيون وقياديون في الاتحاد الاشتراكي للمطالبة بإسقاط حكومة وبرلمان يشاركون فيهما ويتقاضون أجورا شهرية نظير هذه المشاركة.
والمصيبة أن الاشتراكيين لم يكونوا وحدهم من حاول الركوب على موجة تظاهرات 20 فبراير و20 مارس، بل نزلت معهم إطارات من حزب التقدم والاشتراكية المشارك في الحكومة هو الآخر. أما العدالة والتنمية فقد نزل ثلاثة من برلمانييه ليشاركوا في مسيرة المطالبة بحل البرلمان وإسقاط الحكومة.
أعترف أنني لم أعد أفهم شيئا. من يطالب بحل الحكومة والبرلمان عليه أن يعطي المثال بنفسه أولا، أي على البرلماني، ببساطة، أن يقدم استقالته من البرلمان قبل أن ينزل إلى الشارع لكي يشارك في تظاهرات للمطالبة بحل البرلمان، وعلى القيادي الحزبي أن يطالب وزراءه بتقديم استقالتهم من الحكومة قبل أن ينزل إلى الشارع للمطالبة بحل الحكومة.
هذه أبسط أبجديات العمل السياسي كما هو متعارف عليه عالميا. لكن يبدو أننا في المغرب ميعنا كل شيء، إلى درجة أن المؤسسات والهيئات فقدت هيبتها وأصبحت مجرد إطارات فارغة من كل معنى.
اليوم من شدة «التلفة» التي أصابت الجميع أصبح البعض عاجزا عن التمييز بين وضعه الحكومي والنضالي. والدليل الأكبر على هذه الدوخة نعثر عليه في القصاصة، التي بثتها وكالة «بوزردة» للأنباء، الذي يقضي معظم وقته منذ ستة أشهر في تحطيم سيارات الخدمة «فنصاصات» الليل بالعاصمة لتعويض «طرده» من العمل، وهي تزف إلينا خبر مشاركة سفيرة المغرب في كندا، الاتحادية نزهة الشقروني، في أشغال الأممية العالمية الاشتراكية بأثينا بوصفها نائبة الرئيس.
هل هناك سفير في العالم يترك مهامه الدبلوماسية جانبا لكي يتفرغ لممارسة مهامه الحزبية ؟
إننا فعلا في المغرب نشكل استثناء في العالم. وهناك أدلة كثيرة على هذا الاستثناء المغربي الباهر الذي يميزنا عن جميع بلدان المعمور.فنحن البلد الوحيد الذي لديه قناة عمومية كالقناة الثانية تترأس مديرية أخبارها سيدة اسمها سميرة سيطايل لا تستطيع أن تفك كلمة واحدة في اللغة العربية، اللغة الرسمية للمملكة. كما أننا البلد الوحيد في العالم الذي يرسل سفيرا إلى بروكسيل دون زوجته، لأن السيدة المصون تدير غرفة الأخبار في القناة الثانية بطريقة غبية جعلت سيارات القناة مجبرة على إخفاء علامة القناة حتى لا يرميها الناس بالحجارة في الشوارع بسبب تزييفها الحقائق وتشويهها الأخبار.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي تعتبر فيه الجريدة الأولى من حيث المبيعات والتأثير في صناعة الرأي والقرار ممنوعة من المرور في برامج القناة الثانية وأخبارها، بأمر من سعادة المديرة زوجة سعادة السفير.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي لديه مجلس أعلى للسمعي البصري يوجد به «حكيم» اسمه إلياس العماري يفصل بين القنوات ويقرر في تراخيص الإذاعات، رغم أن مستواه الدراسي هو الباكالوريا ناقص ثلاثة. وهذا لم يمنعه من حمل ظهيرين ملكيين، واحد لتنصيبه في الهيئة، والثاني لتنصيبه في المجلس الملكي للأمازيغية.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يوجد فيه وزير للشباب والرياضة يفتتح الملاعب الرياضية ويملك شركة خاصة ستتكلف بتوزيع التبغ المستورد على جميع مدن المغرب. وزير مشغول بالحديث عن استعداد المغرب لإنفاق 250 مليون دولار لاستضافة أولمبياد 2024 و2028 الصيفي، بينما مستشار الوزير الأول يقول للشباب المعطل الذي يجوب شوارع المدن مطالبا بالشغل إن ميزانية الدولة لا تسمح بتشغيل الجميع.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يدفع فيه المواطنون عند شرائهم الأدوية الضريبة على القيمة المضافة. حتى الدول العربية المتخلفة تعفي حكوماتها مواطنيها من دفع هذه الضريبة.
ونحن البلد الوحيد الذي استطاعت فيه أقلية بمجلس المستشارين أن تنصب الشيخ بيد الله رئيسا للمجلس، وأن يصبح حزب كالأصالة والمعاصرة صاحب أكبر أغلبية في مجلس النواب دون أن يكلف نفسه عناء المشاركة في الانتخابات، وأن يستقبل هذا الحزب «المعارض» في حركته وزراء من حزب الأحرار الذي يوجد في الأغلبية الحكومية ويتحالف معهم بدون عقد.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يؤدي فيه المسؤولون الثمن غاليا عندما يريدون القيام بواجبهم. فنحن نعتقل عميد الأمن جلماد لأنه حجز ثمانية أطنان من المخدرات في الناظور، بينما نمتع أباطرة المخدرات بالسراح وإغماض العين عن المبحوث عنهم. ونحن نعتقل جامع المعتصم الذي ليس لديه في رصيده البنكي غير راتبه، بينما نحمي السنتيسي الذي تحول من حامل حقائب بفندق «هيلتون» إلى ملياردير يبحث اليوم لكي يبيع ممتلكاته خوفا من نتائج لجنة التحقيق التي تعكف على ملفاته.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يعين على رأس لجنة تقصي الحقائق في مخيم العيون برلمانيا كرشيد الطالبي العلمي، الذي يملك مصنعا يشتغل خارج القانون بتطوان.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يذهب وزير ماليته إلى بنوك العالم لكي يغرق الأجيال القادمة ويستدين مليار أورو، لكي نكتشف في الأخير أن نصف هذا القرض ستأخذه شركة فيفاندي الفرنسية كأرباح سنوية، فيما النصف الآخر لن يكفي لتوزيعه كأرباح بين «لديك» و«ريضال» و«أمانديس» وبقية الشركات الفرنسية التي تجفف سنويا بنك المغرب من العملة الصعبة.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يجد المال الكافي لدفع تعويضات بمئات الملايين المستخلصة من صناديق المؤسسات العمومية لنجوم الغناء العالميين كل سنة، لكنه بالمقابل لا يجد المال الكافي لإنقاذ أبناء قرى الأطلس والريف والجنوب من الجوع والبرد والجراثيم، التي انقرضت من الكرة الأرضية قبل عشرات السنين.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يمكن أن تعثر في المجلس الحكومي الواحد على الرجل وأصهاره وأبناء عمومته وأخواله جالسين جنبا إلى جنب، كما لو أن الأمر يتعلق بجلسة عائلية وليس بمجلس حكومي.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي تصدر فيه تقارير المجلس الأعلى للحسابات وعوض أن يرتجف بسببها المسؤولون نرى كيف يسخر منها وزير المالية ويقول إنها ليست قرآنا منزلا، ويتهم العمدة شباط قضاة المجلس ويصفهم بالإرهابيين. 
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي تضحك فيه وزيرة الصحة ملء شدقيها في البرلمان بسبب اسم داء جلدي حوّل حياة سكان الرشيدية وتافيلالت إلى جحيم.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي ترفض فيه وزيرة الصحة تنفيذ أحكام نهائية صدرت ضدها باسم الملك لصالح طبيبات حطمت الوزيرة حياتهن الأسرية ومنعت عنهن رواتبهم بدون وجه حق.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي أصبح فيه تعاطي الإخراج السينمائي أقرب طريق للثراء. وهكذا بمجرد ما يخط ممثل من الدرجة الثالثة قصة سخيفة فيها جنس وخمر وشذوذ يحصل على مئات الملايين من صندوق الدعم لتصوير خلاعته السينمائية، التي يحولها كتاب الدرجة الرابعة إلى تحف فنية تدخل بالمغرب إلى عهد الحداثة والتنوير والتقدمية.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يدعم شركة كوكاكولا بالسكر، على الرغم من أن هذه الشركة تحقق أرباحا خيالية كل سنة.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يتكلف فيه ابن وزير الخارجية بالدفاع عن وزارة والده بواسطة مؤسسته التي تجمع ملايير الدعم من المؤسسات العمومية.
ونحن البلد الوحيد الذي يستعمل فيه أبناء وزوجة وزير الخارجية سيارات وزارة الخارجية وسائقيها، ضدا على قرار الوزير الأول حول ترشيد نفقات المؤسسات العمومية.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يكتري رئيس جامعته الكروية طائرة خاصة لكي يتابع مباراة خاسرة لمنتخبه.
ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يصرف راتبا شهريا يكفي لتشغيل آلاف العاطلين لمدرب فرنسي فاشل يجمع الهزائم أينما ذهب بمنتخبه.
بعد كل هذا هل هناك من لازال يشك في الاستثناء المغربي؟.

... تابع القراءة

صفحة يجب أن تطوى

التمرد الذي تعيشه هذه الأيام سجون حفيظ بنهاشم، أحد بقايا جلادي سنوات الرصاص، بسبب انتفاضة سجناء ما يسمى بالسلفية الجهادية، يطرح علينا جميعا سؤالا أخلاقا وإنسانيا قبل أن يكون قانونيا.
إذا كان الملك شخصيا قد قال في حواره الصحافي مع جريدة «الباييس» الإسبانية إن محاكمات المتهمين في ملفات الإرهاب شابتها تجاوزات، فلماذا بعد مرور ثمان سنوات على اعتقال كل هؤلاء السجناء لم يراجع القضاء ملفات هؤلاء الآلاف من السجناء الذين ملأ بهم الجنرال العنيكري وزبانيته سجون المملكة.
نحن هنا لا نتحدث عن المعتقلين الذين تورطوا في جرائم دم، بل عن مئات المعتقلين الآخرين الذين جرفتهم الحملة في طريقها، ووجدوا أنفسهم متابعين بقانون الإرهاب الذي لا أحد اليوم يعرف سبب بقائه.
فهناك معتقلون يقضون عقوبات بالإعدام يطالبون اليوم إما بمراجعة ملفاتهم أو تنفيذ حكم الإعدام فيهم. وهناك آخرون محكومون بالمؤبد أو بمدد تتراوح ما بين عشرين وثلاثين سنة يرتمي بعضهم من سطوح السجن، وآخرون يضرمون النار في أنفسهم. فماذا تنتظر وزارة العدل لكي تفتح هذا الملف وتصحح تجاوزاته وتغلقه إلى الأبد؟.
إن أول شيء كان يجب أن يحدث بعد خطاب الملك يوم 9 مارس هو إسقاط هذا القانون، الذي يطلق يد الأجهزة الأمنية والقضائية بحرية كاملة لاعتقال المشتبه فيهم والاحتفاظ بهم رهن الاعتقال خارج الضوابط القانونية.
ومثلما سقط قانون الطوارئ في مصر والجزائر، كان يجب أن يسقط قانون الإرهاب في المغرب، لأن الجميع يعرف الظروف التي تم فيها تمرير هذا القانون في البرلمان والتصويت عليه بالموافقة تحت ضغط الحملة الإعلامية، التي نظمها الجنرال العنيكري وساهمت فيها جريدة «الأحداث المغربية» والقناة الثانية على عهد نور الدين الصايل ومجلة «تيل كيل» على عهد مديرها بنشمسي بشكل واسع. فقد كانت أمريكا بحاجة إلى تفويض تعذيب واستنطاق معتقليها خارج الأراضي الأمريكية لبلدان أخرى حتى لا تتناقض مع قوانينها الفيدرالية التي تحرم انتزاع الاعترافات تحت التعذيب. ومن هنا جاءت فكرة صياغة قانون للإرهاب يعطي الدول التي ستستقبل معتقلي أمريكا الحق في إطلاق يد أجهزتها السرية لتعقب واختطاف وتعذيب المشتبه فيهم بحرية تامة، واستعمال هذا القانون لاستقبال معتقلين أجانب في أقبية المعتقلات السرية، وأبرزها معتقل تمارة السري الذي يشرف عليه عبد اللطيف الحموشي، «الخبير» في انتزاع الاعترافات تحت التعذيب من معتقلي الحركات الإسلامية.
وطيلة وجود رجل أمريكا في المغرب، الجنرال العنيكري، على رأس أجهزة الأمن والمخابرات، ظل معتقل تمارة السري يستقبل بانتظام رحلات جوية لطائرات أمريكية تحمل على متنها سجناء من جنسيات مختلفة ينزلون في عهدة الحموشي ورجاله الذين تلقوا تكوينا أمريكيا عاليا لتعلم أكثر الطرق فعالية لانتزاع أشد الاعترافات جنونا وخطورة.
وإذا كان أغلب الحقوقيين والسياسيين وشباب حركة 20 فبراير متفقين على ضرورة الشروع في إعادة محاكمة المعتقلين السياسيين وسجناء ما أطلق عليهم العنيكري وآلته الدعائية تسمية «السفلية الجهادية»، فإن كثيرا منهم لا يريد أن يصارح الرأي العام حول ظروف «صناعة» هذا الملف وهويات مهندسيه وأهدافهم المبطنة من وراء شن كل تلك الحملة الواسعة لاعتقال كل تلك الآلاف من المتهمين وتعريضهم لشتى أصناف التعذيب والزج بهم في السجون والمعتقلات.
إن الجواب عن هذا السؤال المحير يمر بالضرورة عبر تقديم الأجوبة الواضحة والكاملة للغز أحداث 16 ماي الإرهابية التي لم تصدر بشأنها الداخلية أي تقرير نهائي إلى حدود اليوم.
هذه الأحداث الأليمة، التي خلفت كل هذا الكم من العائلات المحطمة، تطرح أسئلة كبيرة على فؤاد عالي الهمة، الذي كان حين وقوعها وزيرا منتدبا في الداخلية، والجنرال العنيكري الذي كان حينها مديرا عاما للإدارة العامة للأمن الوطني.
نعم لقد كان المغرب يعيش مثل كثير من الدول تهديدات إرهابية، حيث شارك مغاربة في حروب خارج حدود بلادهم اعتبرها الغرب إرهابا، لكن هذا الخطر تم تضخيمه بشكل غير عادي وتم استغلاله لتصفية الحسابات بين الأجهزة، وللتحكم في الخريطة السياسية.
واليوم أكثر من أي وقت مضى، يبدو من الملح تحديد المسؤوليات في هذا الملف، الذي يعترف الجميع بوقوع تجاوزات قضائية فيه. وهي مسؤوليات تتوزع بين «أبطال» هذا الملف، الذين استغلوا الظرفية التي كان يمر منها العالم بعد 11 سبتمبر لتصفية حساباتهم السياسية وإشاعة جو من الرعب بقانون الإرهاب الذي يعطي الدولة الحق في اعتقال كل من تشك في صلته بالخلايا الإرهابية التي أصبحت، خلال فترة من الزمن، تتناسل في المغرب مثل الفطر.
ولعل الشخصين اللذين يجب أن يمثلا أمام لجنة لتقصي الحقائق لكي يجيبا عن أسئلة المحققين في هذا الملف هما فؤاد عالي الهمة والجنرال العنيكري، الذي هندس الحملة من أولها إلى آخرها وحشد لها الدعم الإعلامي بفضل «المجهود» الجبار الذي قامت به القناة الثانية وجريدة «الأحداث المغربية» ومجلة «تيل كيل»، التي لم يتورع مديرها عن كتابة افتتاحية أفتى فيها بجواز تعذيب معتقلي السلفية الجهادية إذا كان ذلك سيفيد الأمن في الحصول على اعترافات.
لقد شهدت موائد فندق «روايال منصور» جلسات مطولة جمع حولها العنيكري «خلية» إعلامه من أجل «بيع» بضاعته الجديدة في وسائل الإعلام وإقناع الرأي العام بأن المغرب يغرق في الإرهاب حتى الأذنين. وإلى اليوم لازال الجميع يتساءل كيف استطاع فريق الأخبار بالقناة الثانية استباق الأحداث والحضور إلى فندق فرح دقائق قليلة بعد حدوث التفجيرات، حيث كانت قناة نور الدين الصايل الوحيدة التي تمتلك الصور التي بيعت حقوق بثها إلى كل قنوات العالم.
والواقع أن العنيكري والصايل كانا ينسقان إعلاميا بشكل يومي من أجل مواكبة ملف التفجيرات، و كذا الاعتقالات التي تلته، والمحاكمات الخاطفة التي أرسلت المتهمين إلى السجون التي أفرغها الراحل بوزوبع لكي تستقبل الآلاف منهم، قبل أن يتسابق للدفاع عنهم محامون معروفون بقربهم من أجهزة المخابرات، لعبوا دور «المغرق» عوض أن يلعبوا دور المحامي، كزهراش ومحمد زيان الذي طالبت عائلات بعض المعتقلين بإلغاء إنابته بعد اكتشافها الجهة الحقيقية التي يدافع عن ملفها.
وعندما نرى كيف انتهى عبد الفتاح زهراش «مناضلا» في حزب الهمة، بعدما طرده رفاقه من حزب الطليعة، نفهم أكثر طبيعة الأيادي التي كانت تشرف على الدفاع عن ملف المعتقلين الإسلاميين.
وجزاء له على تعاونه، منح الجنرال العنيكري بطاقة COUPE-FILE التي تسمح لسيارة حاملها باختراق جميع الحواجز، حتى لو تعلق الأمر بحاجز يهم الموكب الملكي.
ولكي يوهم العنيكري رجال كتيبته الإعلامية وحاملي مسدسه بأن أسماءهم موجودة على قائمة المطلوبين من طرف الإرهابيين، عمد إلى ترويج لائحة بأسماء صحافيين ومسؤولين ومستشارين ووزراء معرضين لخطر التصفية الجسدية من طرف الجماعات الإرهابية.وذهب الأمر بالعنيكري، المهووس بهواجس الإرهاب، إلى حد تخصيص حارسين شخصيين مسلحين لمدير القناة الثانية نور الدين الصايل، لا يفارقان ظله أينما حل وارتحل. كما صرف العنيكري على الفيلا التي يقيم بها أكثر من خمسين مليون سنتيم فقط على كاميرات وأجهزة المراقبة الإلكترونية المتطورة.
أما جريدة «الأحداث المغربية» فقد لفق لها طردا مخففا لإيهام الرأي العام بخطورة الوضع وطمعا في استرجاع مصداقيتها، خصوصا بعدما تعرضت سمعتها لضربة قاسية وتراجعت مبيعاتها بشكل مهول.
لقد ساهمت هذه «الحملة» في تقليم أظافر حزب العدالة والتنمية، وجعلت قيادته تقبل بتقليص مشاركتها في الانتخابات، كما أجبرت الحزب الإسلامي على الانحناء أمام العاصفة الهوجاء التي كادت تقتلع جذوره، خصوصا بعدما دخل بعض زعماء الأحزاب السياسية على الخط وأصبحوا يطالبون صراحة بحل حزب العدالة والتنمية، وأبرزهم محمد اليازغي الذي لم يتورع عن المطالبة بذلك صراحة. لكن الحزب استطاع أن يصمد، رغم السعار الذي أصاب العنيكري والهمة وخلاياهما الإعلامية التي انتظمت في ما سمي آنذاك بـ«جبهة الاستئصال»، التي كان هدفها المعلن هو اجتثاث العدالة والتنمية.
وهو المشروع الذي استمر مع تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة وعبر عن برنامجه إلياس العماري في آخر حوار معه عندما قال إن معركتهم هي محاربة «أسلمة» المجتمع المغربي، متناسين أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة المغربية، وأنهم عندما يدعون إلى محاربة ما يسمونه «أسلمة» المجتمع المغربي فإنهم يهاجمون إحدى الركائز الأساسية التي تنهض عليها بنية الدولة المغربية.
اليوم هناك حاجة ضرورية وعاجلة لإعادة فتح ملف هؤلاء المئات من المعتقلين، الذين يعيشون اليوم ظروفا نفسية وصحية وعائلية صعبة للغاية. من حق هؤلاء السجناء أن يحظوا بمحاكمة عادلة لإنصاف المظلومين منهم وتعويضهم عن سنوات الظلم التي عاشوها وراء القضبان من أجل تسهيل اندماجهم في الحياة العادية خارج أسوار السجن.
إن من يربط بين إطلاق سراح معتقلي ما يسمى بـ«السفلية» المظلومين، وبين احتمال تعريض الأمن العام للخطر، يجهل أن تطبيق القانون بشكل عادل ومستقل هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على الأمن العام. أما الظلم والاحتجاز والإقصاء فهي التوابل الضرورية للإرهاب، بل هو الإرهاب بعينه.

... تابع القراءة

حتى يزيد وسميه سعيد

كنا ننتظر أن يهب وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري لنجدة تسعين ألف مغربي عالقين في ليبيا بين قصف قوات التحالف وبنادق العقيد معمر القذافي وأتباعه. لكن المفاجأة هي أن سعادة الوزير أشاح بوجهه عن ليبيا وجمع حقائبه وذهب إلى واشنطن لكي يلتقي هيلاري كلينتون وصقريها «ويليام بورنز» و«جفري فيلتمان»، ويعطي حوارات للقنوات التلفزيونية الأمريكية يشرح فيها المشروع المغربي الإصلاحي للدستور.
وبينما تكفل الطيب الفاسي الفهري ببيع جلد الدب للأمريكيين حتى قبل اصطياده، رأينا كيف ذهب أربعة وزراء مغاربة آخرين إلى باريس لكي يبيعوا السمك في البحر لنيكولا ساركوزي.
إنها لمهزلة حقيقية أن يسارع كل هؤلاء الوزراء إلى «بيع» مشروع الدستور المقبل للأوربيين والأمريكيين حتى قبل أن يتوصل رئيس اللجنة باقتراحات الأحزاب السياسية حول الإصلاحات الدستورية المنتظرة، وحتى قبل أن تشرع اللجنة في التشاور مع ممثلي الشعب وقواه الحية، أي المعنيين الأصليين بهذا الدستور الجديد. «حتى يزيد وسميه سعيد».
هذا التسرع من جانب المغرب الرسمي لتسويق بضاعة لم تظهر في السوق بعد، يعكس في الواقع استفحال عقدة الأجنبي لدى من يحكمونا، وعدم استيعابهم بعد للمتغيرات التي تحدث حولهم في العالم العربي.
وإذا كان هناك من درس يجب استخلاصه مما حدث في تونس ومصر، ومما يحدث في ليبيا والأردن وسوريا واليمن، فهو أن أول وآخر من يجب الاحتكام إلى رأيه والتشاور معه حول الدستور الذي يجب أن يكون لديه هو الشعب وقواه الحية، وليس باريس أو واشنطن أو أي عاصمة أوربية أو غربية أخرى.
فقد رأينا كيف تنكرت هذه العواصم للقادة والزعماء العرب، الذين ظلوا يستقبلون فيها استقبال الأبطال، لكن بمجرد ما خرجت شعوبهم تطالب برؤوسهم وعروشهم حتى تنكر لهم «أصدقاؤهم» الأوربيون والغربيون، وعوض أن يساندوهم رأينا كيف ضم هؤلاء الزعماء الأوربيون والغربيون أصواتهم إلى أصوات الشعوب العربية وأصبحوا يطالبون «أصدقاءهم» الزعماء العرب باحترام الإرادة الشعبية.
ولم يكتفوا فقط بإسداء النصح، بل رأينا في حالة العقيد معمر القذافي، الذي كان بعضهم يقبل يديه الملطختين بدماء الليبيين المعارضين، كيف اجتمعوا ضده في مجلس الأمن واستصدروا قرارا يقضي بالإغارة عليه بالطائرات المقاتلة لإسقاطه.
يمكن أن نفهم ترحيب العواصم الأوربية والاتحاد الأوربي وواشنطن ومجلس الأمن بالمبادرة الملكية، لكن أن تصل الأمور بوزرائنا إلى حد الطيران إلى هذه العواصم من أجل شرح مضامين المبادرة والحديث عن مزاياها لوسائل الإعلام الغربية والأوربية، في وقت لم يفتح وزير واحد من هؤلاء فمه لشرح مضامينها للشعب المغربي، فهذا ما يدعو إلى الاستهجان والاستنكار.
عندما عاد محمد الخامس رحمه الله من المنفى سنة 1955 ألقى خطابه التاريخي إلى الشعب، والذي قال فيه جملته الشهيرة: «لقد انتهى عهد الحجر والحماية وبزغ فجر الحرية والاستقلال». فقد كان محمد الخامس يريد أن يعلن عبر هذه الجملة عن مغرب جديد متحرر من قيود الاستعمار وأذنابه.
لكن سنة واحدة بعد ذلك، تحركت الوصاية الاستعمارية الفرنسية لكي تكبل المغرب ببنود اتفاقية «إكس ليبان» سنة 1956، وهي الاتفاقية التي لا تزيدها السنوات إلا رسوخا وسريانا إلى اليوم.
واليوم بعد ستة عقود، يلقي حفيده محمد السادس خطابا تاريخيا يعيد من خلاله السلطة إلى الشعب من خلال استفتائه حول الدستور الذي يريد، فنرى كيف يسارع «وليدات» فرنسا نحو باريس وواشنطن لعرض حيثيات مشروع الإصلاح الدستوري، حتى قبل أن يعرضوها على الشعب المغربي، المعني الأول والأخير بهذا الدستور.
إن هؤلاء الوزراء الذين ذهبوا مهرولين نحن واشنطن وباريس من أجل عرض حيثيات مشروع الإصلاح الدستوري، يجهلون أن المغاربة أولى بعرض هذه الحيثيات عليهم لأنهم هم من سيصوت على هذا الدستور، وإذا قبلوه فليس لأن هذه العواصم أعجبها هذا الدستور، وإذا رفضوه فلن تستطيع واشنطن ولا باريس أن تفرضه عليهم بالقوة.
لقد كنا أول من حيا تضمين الاتحاد الأوربي للخطاب الملكي ضمن الوثائق الرسمية لمجلس الأمن، لأن هذه المبادرة جاءت من طرف الاتحاد الأوربي ولم يسع إليها المغرب، الذي تؤدي وزارة خارجيته من جيوب دافعي الضرائب أتعاب مصاصي الدماء الذين يدعون الدفاع عن مصالحنا في أوربا وأمريكا دون نتائج تذكر. لكننا اليوم سنكون ربما أول من يعبر عن امتعاضه بسبب هذا اللهاث الرسمي وراء شهادات حسن السيرة والسلوك التي يمنحها الأوربيون والأمريكيون لمن يطلبها.
عندما تقرر فرنسا تغيير دستورها أو قوانينها الداخلية أو اتخاذ قرار سيادي فهي لا تأتي إلى الرباط لكي تتشاور معنا حول ما ستقوم به. لذلك فعبارات غزل «ألان جوبي» وزير الخارجية الفرنسي حول مشروع الإصلاح الدستوري بالمغرب، وكون هذه الخطوة ستكون «نموذجا للتطور الإيجابي في المنطقة»، لا يجب أن تعطينا الانطباع بأننا «قطعنا الواد ونشفو رجلينا»، لأن هؤلاء الوزراء والرؤساء الأوربيين المنافقين مستعدون لتغيير كلمات الغزل في تصريحاتهم بعبارات القدح والذم والهجاء بسرعة قياسية.
ثم إن الإصلاح الدستوري في المغرب لم يأت لأن «ألان جوبي» أو «هيلاري كلينتون» طالبا به، بل لأن الشعب المغربي وقواه الحية طالبا به. ولذلك فهذا الإصلاح الدستوري لا يحتاج إلى تشاور ورضا العواصم الأوربية، بل إلى تشاور ورضا الشعب المغربي.
إن المغاربة عندما يعبرون اليوم في الشوارع عن تذمرهم من استحواذ عائلة الفاسي الفهري على مناصب الدولة الحساسة، يعون تماما لمصلحة من يقومون بذلك، فهؤلاء الذين يسيرون الماء والكهرباء والطرق السيارة والتجهيز والقطاعات الصناعية والاستثمارية يعتبرون من طرف الأم فرنسا الأوصياء الأمينين على مصالحها في المغرب.
ولذلك فأول شيء يقوم به «وليدات فرانسا» عندما يفكر المغرب في تغيير دستوره هو الطيران بسرعة نحو الأم فرنسا لإطلاعها على ما يعتزم المغرب القيام به، حتى لا تصاب بالذعر على المصالح الاقتصادية والمالية لأكثر من 600 شركة لديها داخل المغرب.
وهذا طبيعي مادامت مصالح فرنسا الاقتصادية في المغرب أكثر من مصالحنا نحن المغاربة فيه. وهذا ما يفسر «السخانة» التي أصابت ساكن «الإليزي» بمجرد ما بدأت الحركات الاحتجاجية بالمغرب في الفوران أسوة بما يحدث في الشارع العربي. فأكثر الفروع البنكية الفرنسية الموجودة بالخارج هي تلك التي لديها في المغرب، وأكثر فروع الشركات الفرنسية تحقيقا للأرباح السنوية هي تلك الموجودة في المغرب. ولذلك فأي تغيير للدستور والقوانين المغربية يعني فرنسا مباشرة بالضرورة، مما يعني أننا، بعد ستين عاما من الاستقلال، لازلنا خاضعين للحماية الفرنسية بمقتضى بنود اتفاقية «إكس ليبان».
كثيرا ما يذكرني وضع المغرب وفرنسا بحكاية أب لديه ابنان، واحد عاق والآخر بار. وكلما أثار الابن العاق أعصاب الأب يهدد هذا الأخير بتمزيق ورقته من الحالة المدنية. وعندما يبلغ الأب ذروة من الغضب تجعله يخرج دفتر الحالة المدنية لتمزيق الورقة يرتمي الابن البار على قدميه ويشرع في تقبيلهما طالبا الصفح لأخيه.
وذات يوم والابن البار يتوسل إلى والده لكي لا يمزق ورقة أخيه من الحالة المدنية، سأله الأب مستغربا كيف يتوسل إليه أن لا يمزق ورقة أخيه العاق، بينما هذا الأخير غير مهتم وكأن الأمر لا يعنيه. فقال له الابن البار متحسرا:
-«راني مقيد معاه فاللور ديال الورقة آ الواليد».
إن أكثر الناس حرصا على الاستقرار في المغرب هم الفرنسيون، لأن أي اضطراب في الوضع السياسي سيؤدي إلى اضطرابات في الوضع الاقتصادي، وبالتالي ستتضرر مصالحهم بشكل كبير، أي أنهم ببساطة «مقيدين معانا فاللور ديال الورقة اللي فالحالة المدنية».
والحل الوحيد لكي تصبح للمغاربة حالتهم المدنية المنفصلة عن فرنسا هو أن يفهم من يحكمونهم أن المغرب يجب أن يتحرر من هيمنة فرنسا ووصايتها على اقتصاده وقراره السياسي.
ولذلك عوض أن يذهب كل هؤلاء الوزراء إلى فرنسا لكي يشرحوا حيثيات الإصلاح الدستوري المنتظر، كان عليهم أن يذهبوا إلى ساركوزي ويشرحوا له حيثيات الكارثة الأمنية المنتظرة التي يعيشها تسعون ألف مغربي في ليبيا التي تقصفها طائراته المقاتلة. ولعلم هؤلاء الوزراء، فقد مات إلى حدود اليوم نتيجة هذا القصف ثلاثة مغاربة.
ولو كان الأمر يتعلق بمواطنين فرنسيين لقامت القيامة في فرنسا، لكن بما أن الأمر يتعلق بـ«المروك كحل الراس» فلا مشكلة في أن يموتوا في القصف أو على يد العقيد القذافي.
وبالنسبة لوزارة الخارجية فهي تعتقد أن تشكيل لجنة من ثلاثة موظفين تابعين لوزارة الهجرة يأتون إلى مقر الخارجية على الساعة الحادية عشرة ويغادرون على الساعة الواحدة كاف لكي تقنع نفسها بأنها قامت بواجبها إزاء هؤلاء المهاجرين المنكوبين.
هذه هي مشكلتنا نحن المغاربة، نعطي الأسبقية والأولوية «للبراني» ونحتقر بعضنا البعض.
وفي اليوم الذي سنقلع فيه عن هذه العادة المغربية الخالصة سنكون قد تغيرنا بالفعل.
... تابع القراءة

لمن‮ ‬تعاود‮ ‬زابورك‮ ‬أداود‮ ‬

عندما‮ ‬يحكم‮ ‬ضدنا‮ ‬القاضي‮ ‬العلوي،‮ ‬قبل‮ ‬أسبوعين‮ ‬في‮ ‬الرباط،‮ ‬بستة‮ ‬عشر‮ ‬مليون‮ ‬سنتيم‮ ‬لصالح‮ ‬نور‮ ‬الدين‮ ‬الصايل،‮ ‬لمجرد‮ ‬أننا‮ ‬أعدنا‮ ‬نشر‮ ‬تقارير‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬التي‮ ‬أنجزها‮ ‬زملاؤه‮ ‬القضاة‮ ‬حول‮ ‬المركز‮ ‬السينمائي،‮ ‬فإن‮ ‬حكم‮ ‬الإدانة،‮ ‬في‮ ‬الحقيقة،‮ ‬ليس‮ ‬موجها‮ ‬إلينا،‮ ‬بل‮ ‬إلى‮ ‬قضاة‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬المحلفين‮ ‬الذين‮ ‬أنجزوا‮ ‬تقاريرهم‮ ‬حول‮ ‬هذه‮ ‬المؤسسة‮.‬
وعندما‮ ‬يحكم‮ ‬ضدنا‮ ‬قاض‮ ‬آخر‮ ‬في‮ ‬الدار‮ ‬البيضاء،‮ ‬الأسبوع‮ ‬الماضي،‮ ‬بثمانية‮ ‬ملايين‮ ‬سنتيم‮ ‬لمجرد‮ ‬أننا‮ ‬كتبنا‮ ‬أن‮ ‬المخرج‮ ‬نور‮ ‬الدين‮ ‬الخماري‮ ‬صرف‮ ‬ملايين‮ ‬الدعم‮ ‬التي‮ ‬منحها‮ ‬إياه‮ ‬والي‮ ‬آسفي‮ ‬السابق‮ ‬من‮ ‬جيوب‮ ‬دافعي‮ ‬الضرائب‮ ‬على‮ ‬سهرات‮ ‬مهرجانه‮ ‬السنوي‮ ‬ومشروباته‮ ‬الروحية،‮ ‬فإن‮ ‬حكم‮ ‬الإدانة‮ ‬ليس‮ ‬موجها‮ ‬ضدنا‮ ‬وإنما‮ ‬ضد‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬يطالب‮ ‬بمحاسبة‮ ‬المستفيدين‮ ‬من‮ ‬المال‮ ‬العام‮ ‬وأوجه‮ ‬صرفهم‮ ‬لهذا‮ ‬المال‮. ‬
فكأنما‮ ‬هناك‮ ‬جهة‮ ‬في‮ ‬القضاء‮ ‬تريد‮ ‬أن‮ ‬تسفه‮ ‬تقارير‮ ‬قضاة‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬وتبعث‮ ‬رسالة‮ ‬مطمئنة‮ ‬إلى‮ ‬مدراء‮ ‬المؤسسات‮ ‬العمومية‮ ‬والمنتخبة‮ ‬تشجعهم‮ ‬على‮ ‬أن‮ ‬يزيدوا‮ ‬في‮ ‬نهبهم،‮ ‬فالقضاء‮ ‬لا‮ ‬يغمض‮ ‬فقط‮ ‬عينه‮ ‬عنهم‮ ‬بل‮ ‬إنه‮ ‬مجند‮ ‬لسحق‮ ‬كل‮ ‬قلم‮ ‬يطالب‮ ‬بتفعيل‮ ‬قرارات‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬واسترجاع‮ ‬أموال‮ ‬دافعي‮ ‬الضرائب‮ ‬المنهوبة‮.‬
وإننا،‮ ‬والله،‮ ‬لنقف‮ ‬مندهشين‮ ‬ونحن‮ ‬نرى‮ ‬سرعة‮ ‬القضاء‮ ‬في‮ ‬إدانتنا‮ ‬بالغرامات‮ ‬المتتالية،‮ ‬فقط‮ ‬لأننا‮ ‬نعلق‮ ‬على‮ ‬ما‮ ‬نشره‮ ‬قضاة‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬من‮ ‬تجاوزات‮ ‬واختلاسات‮. ‬وبالقدر‮ ‬ذاته،‮ ‬نندهش‮ ‬من‮ ‬تكاسل‮ ‬هذا‮ ‬القضاء‮ ‬وتخاذله‮ ‬وجبنه‮ ‬عن‮ ‬تقديم‮ ‬ملفات‮ ‬كل‮ ‬هؤلاء‮ ‬المسؤولين‮ ‬الذين‮ ‬أحصى‮ ‬قضاة‮ ‬المجلس‮ ‬تجاوزاتهم‮ ‬الخطيرة‮ ‬أمام‮ ‬القضاء‮ ‬لكي‮ ‬يقول‮ ‬كلمته‮ ‬فيهم‮.‬
لقد‮ ‬فهم‮ ‬الساهرون‮ ‬على‮ ‬القضاء‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬البلاد‮ ‬رسالة‮ ‬الشباب‮ ‬الذي‮ ‬خرج‮ ‬يتظاهر‮ ‬في‮ ‬شوارع‮ ‬المملكة‮ ‬مقلوبة،‮ ‬فعوض‮ ‬أن‮ ‬يقدموا‮ ‬المفسدين‮ ‬إلى‮ ‬القضاء،‮ ‬قدموا‮ ‬الذين‮ ‬ينددون‮ ‬بالمفسدين‮. ‬ومادمت‮ ‬في‮ ‬المغرب‮ ‬فلا‮ ‬تستغرب،‮ ‬فالأمور‮ ‬تسير‮ ‬رأسا‮ ‬على‮ ‬عقب‮. ‬عندما‮ ‬تفضح‮ ‬مفسدا‮ ‬يلجأ‮ ‬ضدك‮ ‬إلى‮ ‬القضاء‮ ‬لأنه‮ ‬يعرف‮ ‬أن‮ ‬القضاء‮ ‬الفاسد‮ ‬سينصفه‮.‬
وعندما‮ ‬تشير‮ ‬بأصبعك‮ ‬نحو‮ ‬لص‮ ‬من‮ ‬لصوص‮ ‬المال‮ ‬العام،‮ ‬يرفضون‮ ‬رؤية‮ ‬اللص‮ ‬ويركزون‮ ‬أنظارهم‮ ‬على‮ ‬أصبعك،‮ ‬فيبدؤون‮ ‬في‮ ‬تأليف‮ ‬أسئلة‮ ‬غريبة‮ ‬ومحيرة‮ ‬حول‮ ‬شكله‮ ‬ولماذا‮ ‬ظفره‮ ‬غير‮ ‬مقلم‮ ‬ولماذا‮ ‬هو‮ ‬أطول‮ ‬من‮ ‬اللازم‮ ‬وأشياء‮ ‬أخرى‮ ‬لا‮ ‬علاقة‮ ‬لها‮ ‬بالموضوع‮ ‬الرئيسي‮ ‬الذي‮ ‬أشرت‮ ‬إليه‮.‬
وبمجرد‮ ‬ما‮ ‬تسبق‮ ‬إلى‮ ‬كشف‮ ‬تفاصيل‮ ‬ملف‮ ‬شائك‮ ‬يدين‮ ‬أسماء‮ ‬كبيرة‮ ‬في‮ ‬عالم‮ ‬السياسة‮ ‬أو‮ ‬المال‮ ‬والأعمال،‮ ‬وتنشر‮ ‬الوثائق‮ ‬والأسماء‮ ‬والأرقام،‮ ‬يسارعون‮ ‬إلى‮ ‬طرح‮ ‬أسئلة‮ ‬حول‮ ‬الجهة‮ ‬التي‮ ‬سربت‮ ‬الملف،‮ ‬مع‮ ‬أن‮ ‬السؤال‮ ‬الحقيقي‮ ‬هو‮: ‬هل‮ ‬ما‮ ‬يوجد‮ ‬في‮ ‬الملف‮ ‬من‮ ‬معلومات‮ ‬ووثائق‮ ‬واتهامات‮ ‬صحيح‮ ‬أم‮ ‬غير‮ ‬صحيح؟‮ ‬أما‮ ‬من‮ ‬أين‮ ‬أتى‮ ‬الملف‮ ‬فليس‮ ‬مهما،‮ ‬مادامت‮ ‬المعلومات‮ ‬التي‮ ‬يتضمنها‮ ‬صحيحة‮. ‬
هذه‮ ‬الطريقة‮ ‬تسمى‮ ‬في‮ ‬علم‮ ‬السياسة‮ «‬التعويم‮»‬،‮ ‬أي‮ ‬إبعاد‮ ‬النقاش‮ ‬عن‮ ‬لب‮ ‬المشكلة‮ ‬وصرفه‮ ‬نحو‮ ‬هوامش‮ ‬بعيدة‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تبديد‮ ‬انتباه‮ ‬الرأي‮ ‬العام‮.‬
وقد‮ ‬رأينا‮ ‬مثالا‮ ‬واضحا‮ ‬على‮ ‬هذه‮ ‬النظرية‮ ‬عندما‮ ‬نشرنا‮ ‬لائحة‮ ‬مفصلة‮ ‬حول‮ ‬الكوارث‮ ‬والجرائم‮ ‬العمرانية‮ ‬التي‮ ‬ارتكبها‮ ‬حسن‮ ‬أوريد‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬واليا‮ ‬على‮ ‬جهة‮ ‬مكناس‮ ‬تافيلالت،‮ ‬وكيف‮ ‬اغتنى‮ ‬في‮ ‬ظرف‮ ‬خمس‮ ‬سنوات‮ ‬هو‮ ‬وأفراد‮ ‬عائلته‮ ‬بفضل‮ ‬استغلاله‮ ‬لنفوذه‮. ‬وعوض‮ ‬أن‮ ‬يجيبنا‮ ‬حسن‮ ‬أوريد‮ ‬ببيان‮ ‬حقيقة‮ ‬مفصل‮ ‬ينفي‮ ‬أو‮ ‬يؤكد‮ ‬فيه‮ ‬حقيقة‮ ‬ممتلكاته،‮ ‬أجابنا‮ ‬بقصيدة‮ ‬سخيفة‮ ‬في‮ ‬الهجاء،‮ ‬أي‮ ‬أنه‮ ‬توسل‮ ‬بالخيال‮ ‬المجنح‮ ‬للإفلات‮ ‬من‮ ‬الواقع‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يرتفع‮. ‬
والواقع‮ ‬أن‮ ‬هناك‮ ‬اليوم‮ ‬ثلاثة‮ ‬أشخاص،‮ ‬واحد‮ ‬منهم‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يقف‮ ‬أمام‮ ‬القضاء،‮ ‬إما‮ ‬أن‮ ‬يرفع‮ ‬حسن‮ ‬أوريد،‮ ‬والولاة‮ ‬الحاليون‮ ‬والسابقون‮ ‬الذين‮ ‬كتبنا‮ ‬عن‮ ‬تجاوزاتهم،‮ ‬دعوى‮ ‬قضائية‮ ‬ضدنا‮ ‬لكي‮ ‬نمثل‮ ‬أمام‮ ‬القضاء‮ ‬ونقدم‮ ‬أمامه‮ ‬أدلتنا‮ ‬على‮ ‬صحة‮ ‬ما‮ ‬كتبناه‮ ‬حولهم‮ ‬وحول‮ ‬ممتلكاتهم‮ ‬وتجاوزاتهم،‮ ‬وإما‮ ‬أن‮ ‬يلتزم‮ ‬حسن‮ ‬أوريد،‮ ‬وأشبابه،‮ ‬الصمت‮ ‬مفضلا‮ ‬قرض‮ ‬الشعر‮ ‬على‮ ‬تدبيج‮ ‬بيانات‮ ‬الحقيقة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تصبح‮ ‬النيابة‮ ‬العامة‮ ‬مجبرة‮ ‬على‮ ‬فتح‮ ‬تحقيق‮ ‬حول‮ ‬صمتهم‮ ‬واستدعائهم‮ ‬لكي‮ ‬تستمع‮ ‬إلى‮ ‬إفادتهم‮. ‬
أما‮ ‬إذا‮ ‬لم‮ ‬نمثل‮ ‬لا‮ ‬نحن‮ ‬ولا‮ ‬هم‮ ‬أمام‮ ‬القضاء،‮ ‬ففي‮ ‬هذه‮ ‬الحالة‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يمثل‮ ‬أمامه‮ ‬العربي‮ ‬مريد،‮ ‬مفتش‮ ‬الإدارة‮ ‬الترابية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬بتهمة‮ ‬التواطؤ‮ ‬والتستر،‮ ‬وذلك‮ ‬لامتناعه‮ ‬عن‮ ‬الذهاب‮ ‬إلى‮ ‬مكناس‮ ‬وفاس‮ ‬لفتح‮ ‬تحقيق‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬الاتهامات‮ ‬والمخالفات‮ ‬التي‮ ‬كتبنا‮ ‬حولها‮ ‬طيلة‮ ‬هذه‮ ‬المدة‮. ‬
فالعربي‮ ‬مريد،‮ ‬وطبقا‮ ‬للقانون‮ ‬المنظم‮ ‬لعمل‮ ‬المفتشية‮ ‬الترابية‮ ‬التي‮ ‬يترأسها،‮ ‬يصبح‮ ‬مجبرا‮ ‬في‮ ‬مثل‮ ‬هذه‮ ‬الحالات‮ ‬على‮ ‬التنقل‮ ‬إلى‮ ‬عين‮ ‬المكان‮ ‬وإعداد‮ ‬تقرير‮ ‬يحيله‮ ‬على‮ ‬أنظار‮ ‬وزير‮ ‬الداخلية‮ ‬لكي‮ ‬يتخذ‮ ‬فيه‮ ‬القرار‮ ‬المناسب،‮ ‬فلهذا‮ ‬الهدف‮ ‬بالضبط‮ ‬خلقت‮ ‬مفتشية‮ ‬الإدارة‮ ‬الترابية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮. ‬
نحن‮ ‬نعرف‮ ‬أن‮ ‬العربي‮ ‬مريد‮ ‬لن‮ ‬يحرك‮ ‬ساكنا‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬الملف،‮ ‬مثلما‮ ‬لم‮ ‬يحرك‮ ‬ساكنا‮ ‬في‮ ‬ملفات‮ ‬ولاة‮ ‬آخرين‮ ‬جف‮ ‬ريقنا‮ ‬ونحن‮ ‬نحصي‮ ‬تجاوزاتهم‮ ‬الإدارية‮ ‬وجرائمهم‮ ‬العمرانية،‮ ‬وأشهرهم‮ ‬أوريد‮ ‬والي‮ ‬مكناس‮ ‬السابق،‮ ‬والغرابي‮ ‬والي‮ ‬فاس‮ ‬الحالي‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يستطع‮ ‬نفي‮ ‬اتهام‮ ‬واحد‮ ‬من‮ ‬لائحة‮ ‬المخالفات‮ ‬التي‮ ‬نشرناها‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬العمود‮ ‬والتي‮ ‬ورطه‮ ‬فيها‮ ‬العمدة‮ ‬شباط‮ ‬والشخصيات‮ ‬العسكرية‮ ‬والقضائية‮ ‬النافذة‮ ‬التي‮ ‬يسدي‮ ‬إليها‮ ‬الخدمات‮.‬
ببساطة،‮ ‬لأن‮ ‬السيد‮ ‬العربي‮ ‬مريد،‮ ‬لم‮ ‬يجلبه‮ ‬ولي‮ ‬نعمته‮ ‬الطيب‮ ‬الشرقاوي‮ ‬من‮ ‬مديرية‮ ‬الشؤون‮ ‬الجنائية‮ ‬والعفو‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬مراقبة‮ ‬تجاوزات‮ ‬الولاة‮ ‬والعمال‮ ‬ومعاقبتهم‮ ‬على‮ ‬ذلك،‮ ‬فهو‮ ‬لا‮ ‬يملك‮ ‬المؤهلات‮ ‬العلمية‮ ‬والمهنية‮ ‬لتسيير‮ ‬مؤسسة‮ ‬للمراقبة‮ ‬كهذه،‮ ‬وإنما‮ ‬جلبه‮ ‬ورقاه‮ ‬حتى‮ ‬أصبح‮ ‬واليا‮ ‬مفتشا‮ ‬عاما‮ ‬لغاية‮ ‬واحدة‮ ‬هي‮ ‬الإشراف،‮ ‬بالتنسيق‮ ‬مع‮ ‬العمال،‮ ‬على‮ ‬البحث‮ ‬عن‮ ‬الأراضي‮ ‬في‮ ‬الأقاليم‮ ‬التي‮ ‬يتولون‮ ‬تسييرها‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬ضمها‮ ‬إلى‮ ‬الإمبراطوريات‮ ‬العقارية‮ ‬الواسعة‮ ‬للمقربين‮ ‬وكبار‮ ‬موظفي‮ ‬الدولة‮.‬
ولهذا‮ ‬السبب،‮ ‬فمكتب‮ ‬سعادة‮ ‬المفتش‮ ‬الوالي‮ ‬المكلف‮ ‬بالإدارة‮ ‬الترابية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬أصبح‮ ‬مزارا‮ ‬لخبراء‮ ‬التنقيب‮ ‬عن‮ ‬الأراضي‮ ‬والضيعات،‮ ‬مثلما‮ ‬أصبح‮ ‬مزارا‮ ‬يوميا‮ ‬لتوفيق‮ ‬الشرقاوي،‮ ‬المحافظ‮ ‬العام‮ ‬للمملكة‮.‬
إن‮ ‬مهمة‮ ‬العربي‮ ‬مريد،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يستطيع‮ ‬هو‮ ‬نفسه‮ ‬التعرف‮ ‬على‮ ‬كل‮ ‬الأراضي‮ ‬التي‮ ‬اشتراها‮ ‬وسجلها‮ ‬في‮ ‬اسمه‮ ‬وأسماء‮ ‬أفراد‮ ‬عائلته،‮ ‬ليست‮ ‬هي‮ ‬مراقبة‮ ‬ممتلكات‮ ‬الدولة،‮ ‬وإنما‮ ‬هي‮ ‬التنسيق‮ ‬مع‮ ‬العمال‮ ‬المعنيين‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تعيين‮ ‬الأراضي‮ ‬واقتنائها‮ ‬وتصفيتها‮ ‬من‮ ‬الناحية‮ ‬القانونية‮ ‬لحساب‮ ‬من‮ ‬يهمهم‮ ‬الأمر‮ ‬من‮ ‬المحيطين‮ ‬بدوائر‮ ‬القرار‮.  ‬
ولهذا‮ ‬السبب،‮ ‬فهو‮ ‬لا‮ ‬يجد‮ ‬الوقت‮ ‬لمراقبة‮ ‬ممتلكات‮ ‬الدولة‮ ‬والسهر‮ ‬على‮ ‬مراقبة‮ ‬عمل‮ ‬الولاة‮ ‬والعمال،‮ ‬فهو،‮ ‬إلى‮ ‬جانب‮ «‬بوفوس‮» ‬المدير‮ ‬العام‮ ‬للشؤون‮ ‬الداخلية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬حولا‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬إلى‮ ‬آلة‮ ‬معطلة‮ ‬صدئت‮ ‬مفاصلها‮ ‬وأصبحت‮ ‬غير‮ ‬قادرة‮ ‬على‮ ‬مواكبة‮ ‬متغيرات‮ ‬العهد‮ ‬الجديد‮ ‬الذي‮ ‬يستعد‮ ‬المغرب‮ ‬لدخوله‮.‬
ففي‮ ‬غياب‮ ‬رجال‮ ‬الدولة‮ ‬الأقوياء‮ ‬داخل‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬تمكن‮ «‬بوفوس‮» ‬من‮ ‬بسط‮ ‬سيطرته‮ ‬على‮ ‬دواليب‮ ‬الوزارة،‮ ‬بحكم‮ ‬تتلمذه‮ ‬على‮ ‬يد‮ ‬إدريس‮ ‬البصري‮ ‬في‮ ‬فنون‮ ‬التزوير‮ ‬الانتخابي،‮ ‬فغيب‮ ‬كاتب‮ ‬الدولة‮ ‬والكاتب‮ ‬العام‮ ‬والمدير‮ ‬العام‮ ‬للجماعات‮ ‬المحلية‮ ‬وكافة‮ ‬المسؤولين‮.‬
التحكم‮ ‬ظهر‮ ‬في‮ ‬الأيام‮ ‬الأخيرة‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬الترقيات‮ ‬التي‮ ‬استفادت‮ ‬منها‮ ‬مؤخرا‮ ‬مجموعة‮ ‬من‮ ‬رجال‮ ‬السلطة‮ ‬والأطر‮ ‬الإدارية‮ ‬العاملة‮ ‬في‮ ‬مديرية‮ ‬الشؤون‮ ‬الداخلية‮.‬
فقد‮ ‬حول‮ «‬بوفوس‮» ‬جميع‮ ‬المناصب‮ ‬المتعلقة‮ ‬بهذه‮ ‬الترقيات‮ ‬إلى‮ ‬الأشخاص‮ ‬العاملين‮ ‬تحت‮ ‬وصايته‮ ‬في‮ ‬المديرية‮ ‬العامة‮ ‬للشؤون‮ ‬الداخلية،‮ ‬وخاصة‮ ‬الذين‮ ‬يعبرون‮ ‬عن‮ ‬ولائهم‮ ‬وإخلاصهم‮ ‬بشكل‮ ‬مريب‮ ‬لهذا‮ ‬الشخص‮. ‬
فالنظام‮ ‬الأساسي‮ ‬الجديد‮ ‬لرجال‮ ‬السلطة‮ ‬يعتبر‮ ‬ملكا‮ ‬لجميع‮ ‬الشرائح‮ ‬الوطنية،‮ ‬بحيث‮ ‬أبقى‮ ‬الباب‮ ‬مفتوحا‮ ‬لجميع‮ ‬الأطر،‮ ‬أكانت‮ ‬في‮ ‬الوزارة‮ ‬أم‮ ‬خارجها،‮ ‬للتعيين‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬الإطار‮. ‬إلا‮ ‬أن‮ ‬السيد‮ ‬المدير‮ ‬العام‮ ‬أبى‮ ‬إلا‮ ‬أن‮ ‬يعين‮ ‬الموظفين‮ ‬الموالين‮ ‬له‮ ‬والمنبطحين‮ ‬له،‮ ‬متجاهلا‮ ‬الأطر‮ ‬التي‮ ‬تستحق‮ ‬هاته‮ ‬الترقيات‮ ‬والمنتمية‮ ‬إلى‮ ‬المديريات‮ ‬العديدة‮ ‬المكونة‮ ‬للوزارة،‮ ‬مما‮ ‬ولد‮ ‬مظاهر‮ ‬اليأس‮ ‬والتساؤل‮ ‬وانسداد‮ ‬الآفاق‮ ‬لمجموعة‮ ‬من‮ ‬الأطر‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬تتوق‮ ‬إلى‮ ‬مثل‮ ‬هاته‮ ‬الترقيات‮ ‬وتستحقها‮ ‬عن‮ ‬جدارة‮.‬
والغريب‮ ‬في‮ ‬الأمر‮ ‬أن‮ ‬كل‮ ‬هاته‮ ‬الترقيات‮ ‬مرت‮ ‬في‮ ‬صمت‮ ‬وبطريقة‮ ‬سرية‮ ‬لم‮ ‬يخبر‮ ‬بها‮ ‬حتى‮ ‬المسؤولون‮ ‬الكبار‮ ‬في‮ ‬الوزارة،‮ ‬وكأن‮ ‬الأمر‮ ‬يتعلق‮ ‬بأسرار‮ ‬الدولة‮.‬
هكذا،‮ ‬أصبحت‮ ‬مديريات‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬شبيهة‮ ‬بمماليك‮ ‬ملوك‮ ‬الطوائف،‮ ‬كل‮ ‬مدير‮ ‬يتصرف‮ ‬في‮ ‬مديريته‮ ‬كما‮ ‬لو‮ ‬كانت‮ ‬ضيعة‮ ‬خاصة‮ ‬يصنع‮ ‬فيها‮ ‬ما‮ ‬يشاء‮.‬
إن‮ ‬المغرب‮ ‬الذي‮ ‬يطمح‮ ‬إليه‮ ‬المواطنون‮ ‬اليوم‮ ‬لا‮ ‬يمكن‮ ‬أن‮ ‬يرى‮ ‬النور‮ ‬بوجود‮ ‬رجال‮ ‬ينتمون‮ ‬إلى‮ ‬العهود‮ ‬المظلمة‮ ‬لسنوات‮ ‬الرصاص‮ ‬داخل‮ ‬واحدة‮ ‬من‮ ‬أهم‮ ‬الوزارات،‮ ‬بل‮ ‬برجال‮ ‬أكفاء‮ ‬ونزيهين‮ ‬وشباب‮ ‬ينتمون‮ ‬إلى‮ ‬هذا‮ ‬العصر،‮ ‬لا‮ ‬إلى‮ ‬عصر‮ ‬تازمامارت‮ ‬ودرب‮ ‬مولاي‮ ‬الشريف‮.‬
عندما‮ ‬يقف‮ ‬المسؤولون‮ ‬عن‮ ‬المحاسبة‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬عاجزين‮ ‬عن‮ ‬القيام‮ ‬بواجبهم‮ ‬الذي‮ ‬من‮ ‬أجله‮ ‬يتقاضون‮ ‬رواتبهم،‮ ‬فإن‮ ‬السؤال‮ ‬الكبير‮ ‬الذي‮ ‬يطرح‮ ‬نفسه‮ ‬هو‮: ‬لمصلحة‮ ‬من‮ ‬يشتغل‮ ‬هؤلاء،‮ ‬ولماذا‮ ‬يتسترون‮ ‬على‮ ‬المفسدين‮ ‬ويحمونهم‮ ‬من‮ ‬المحاسبة‮ ‬التي‮ ‬أعلن‮ ‬عنها‮ ‬الملك‮ ‬في‮ ‬خطابه‮. ‬ما‮ ‬هو‮ ‬مقابل‮ ‬هذا‮ ‬التواطؤ‮ ‬المشبوه،‮ ‬وما‮ ‬هي‮ ‬الرسالة‮ ‬التي‮ ‬يريدون‮ ‬إيصالها‮ ‬إلى‮ ‬المسؤولين‮ ‬الآخرين؟
نخشى‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬الرسالة‮ ‬التي‮ ‬يريد‮ ‬هؤلاء‮ ‬المسؤولون‮ ‬تعميمها‮ ‬على‮ ‬من‮ ‬يتولون‮ ‬تسيير‮ ‬أمورنا‮ ‬هي‮ «‬خليهم‮ ‬هوما‮ ‬يكتبو‮ ‬اللي‮ ‬بغاو‮ ‬وخلينا‮ ‬حنا‮ ‬نديرو‮ ‬اللي‮ ‬بغينا‮»‬،‮  ‬
أي‮ ‬بالعربية‮ «‬تاعرابت‮»‬،‮ ‬فهم‮ ‬يقولون‮ ‬لكل‮ ‬دعاة‮ ‬الإصلاح‮ ‬والتغيير‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬البلد‮ «‬لمن‮ ‬تعاود‮ ‬زابورك‮ ‬أداود‮».‬


... تابع القراءة

المغرب‮ ‬الذي‮ ‬نريد

أحد‮ ‬أهم‮ ‬الفصول‮ ‬في‮ ‬كتاب‮ ‬عالم‮ ‬السياسة‮ ‬الإيطالي‮ ‬الكبير‮ «‬ميكيافيلي‮»‬،‮ ‬يدور‮ ‬حول‮ ‬حاشية‮ ‬الأمير‮. ‬
ونصيحة‮ «‬ميكيافيلي‮» ‬للأمير،‮ ‬لكي‮ ‬يظل‮ ‬في‮ ‬مأمن‮ ‬من‮ ‬كمائن‮ ‬حاشيته‮ ‬ومكرها‮ ‬وشرورها،‮ ‬هي‮ ‬أن‮ ‬يفعل‮ ‬ما‮ ‬بوسعه‮ ‬لكي‮ ‬يظل‮ ‬أفراد‮ ‬هذه‮ ‬الحاشية‮ ‬متخاصمين،‮ ‬لأن‮ ‬اتحادهم‮ ‬وصفاء‮ ‬الأجواء‮ ‬بينهم‮ ‬قد‮ ‬يجعلهم‮ ‬يتحدون‮ ‬ضده‮ ‬ويتواطؤون‮ ‬على‮ ‬الإطاحة‮ ‬به‮. ‬
لذلك،‮ ‬ففي‮ ‬كل‮ ‬البلاطات‮ ‬التي‮ ‬يسود‮ ‬ملوكها‮ ‬ويحكمون‮ ‬هناك‮ ‬خنادق‮ ‬يحفرها‮ ‬أفراد‮ ‬هذه‮ ‬الحاشية‮ ‬يختبئون‮ ‬داخلها‮ ‬ويشنون‮ ‬انطلاقا‮ ‬منها‮ ‬غاراتهم‮ ‬ضد‮ ‬زملائهم‮ ‬في‮ ‬الحاشية،‮ ‬لإضعافهم‮ ‬أمام‮ ‬الملك‮ ‬وجلب‮ ‬غضبه‮ ‬عليهم‮. ‬
المشكل‮ ‬هو‮ ‬عندما‮ ‬تتحول‮ ‬هذه‮ ‬الحروب‮ ‬إلى‮ ‬رياضة‮ ‬وطنية‮ ‬لدى‮ ‬أفراد‮ ‬الحاشية،‮ ‬وتصبح‮ ‬مؤسسات‮ ‬الدولة‮ ‬ووزاراتها‮ ‬وقودا‮ ‬لهذه‮ ‬الحرب‮. ‬هذا‮ ‬بالضبط‮ ‬ما‮ ‬يحدث‮ ‬في‮ ‬المغرب‮.‬
منذ‮ ‬تولي‮ ‬الملك‮ ‬محمد‮ ‬السادس‮ ‬مقاليد‮ ‬الحكم،‮ ‬أحاط‮ ‬نفسه‮ ‬بزملائه‮ ‬في‮ ‬الدراسة‮. ‬وبحكم‮ ‬وظيفة‮ ‬كل‮ ‬واحد‮ ‬منهم‮ ‬داخل‮ ‬المربع‮ ‬الذهبي،‮ ‬كان‮ ‬بعضهم‮ ‬أقرب‮ ‬إلى‮ ‬الملك‮ ‬من‮ ‬البعض‮ ‬الآخر‮. ‬
لكن‮ ‬أحدهم،‮ ‬وبحكم‮ ‬قربه‮ ‬من‮ ‬الملك،‮ ‬استطاع‮ ‬أن‮ ‬يستغل‮ ‬هذا‮ ‬القرب‮ ‬لإعادة‮ ‬صناعة‮ ‬صدر‮ ‬أعظم‮ ‬جديد‮ ‬للمملكة،‮ ‬يتجاوز‮ ‬نفوذه‮ ‬وسلطته‮ ‬وجبروته‮ ‬وتسلطه‮ ‬حدود‮ ‬ما‮ ‬كانت‮ ‬عليه‮ ‬سلطات‮ ‬ونفوذ‮ ‬وتسلط‮ ‬إدريس‮ ‬البصري،‮ ‬وزير‮ ‬الداخلية‮ ‬القوي‮ ‬في‮ ‬عهد‮ ‬الحسن‮ ‬الثاني‮. ‬
ومثلما‮ ‬استعمل‮ ‬فؤاد‮ ‬عالي‮ ‬الهمة‮ ‬قربه‮ ‬من‮ ‬الملك‮ ‬لإشاعة‮ ‬جو‮ ‬من‮ ‬الرعب‮ ‬في‮ ‬عالم‮ ‬السياسة‮ ‬والمال‮ ‬والأعمال،‮ ‬استطاع‮ ‬أيضا‮ ‬أن‮ ‬يشيع‮ ‬الرعب‮ ‬داخل‮ ‬رجالات‮ ‬البلاط‮. ‬وحربه‮ ‬المفتوحة‮ ‬مع‮ ‬الكاتب‮ ‬الخاص‮ ‬للملك،‮ ‬محمد‮ ‬منير‮ ‬الماجدي،‮ ‬وحرب‮ ‬هذا‮ ‬الأخير‮ ‬معه،‮ ‬والتي‮ ‬وصلت‮ ‬أصداؤها‮ ‬إلى‮ ‬صفحات‮ ‬الجرائد‮ ‬والمجلات‮ ‬في‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬مناسبة،‮ ‬تعتبر‮ ‬التجسيد‮ ‬الحي‮ ‬للحرب‮ ‬الشرسة‮ ‬داخل‮ ‬المحيط‮ ‬الملكي‮ ‬بين‮ ‬رجال‮ ‬الحاشية‮ ‬الأقوياء‮. ‬
فعندما‮ ‬تجرأ‮ ‬الباكوري،‮ ‬الرئيس‮ ‬العام‮ ‬السابق‮ ‬لصندوق‮ ‬الإيداع‮ ‬والتدبير،‮ ‬وحضر‮ ‬إلى‮ ‬مقر‮ ‬حزب‮ ‬الهمة‮ ‬عشية‮ ‬اكتساح‮ ‬الحزب‮ ‬للانتخابات،‮ ‬رأى‮ ‬الماجدي‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬التقارب‮ ‬بين‮ ‬الباكروي‮ ‬والهمة‮ ‬تفسيرا‮ ‬منطقيا‮ ‬لما‮ ‬كان‮ ‬يروج‮ ‬من‮ ‬كون‮ ‬الهمة‮ ‬يريد‮ ‬تحويل‮ ‬صندوق‮ ‬الإيداع‮ ‬والتدبير‮ ‬إلى‮ ‬جراب‮ ‬يمول‮ ‬منه‮ ‬مشروعه‮ ‬السياسي‮. ‬فتوصل‮ ‬الباكوري‮ ‬برسالة‮ ‬نصية‮ ‬قصيرة‮ ‬عبر‮ ‬هاتفه‮ ‬النقال‮ ‬تخبره‮ ‬بإقالته‮ ‬من‮ ‬منصبه‮. ‬
وبعد‮ ‬استيعابه‮ ‬جيدا‮ ‬الدرس،‮ ‬تمت‮ ‬المناداة‮ ‬عليه‮ ‬لترؤس‮ ‬وكالة‮ ‬الطاقة‮ ‬الشمسية‮ ‬التي‮ ‬ستعبد‮ ‬الطريق‮ ‬أمام‮ ‬شركة‮ «‬ناريفا‮» ‬التابعة‮ ‬لمجموعة‮ «‬أونا‮» ‬للحصول‮ ‬على‮ ‬مشاريع‮ ‬الطاقة‮ ‬الشمسية‮ ‬والريحية‮.  ‬
هكذا،‮ ‬أصبحت‮ ‬مؤسسات‮ ‬المغرب‮ ‬الاقتصادية‮ ‬والمالية‮ ‬والسياسية‮ ‬والإعلامية‮ ‬مقسمة‮ ‬بين‮ ‬نفوذ‮ ‬الرجلين‮ ‬القويين،‮ ‬وكل‮ ‬من‮ ‬يغامر‮ ‬بالاقتراب‮ ‬من‮ ‬المياه‮ ‬الإقليمية‮ ‬للآخر‮ ‬يرى‮ ‬كيف‮ ‬يتعرض‮ «‬رجاله‮» ‬للتنحية‮ ‬السريعة،‮ ‬إلى‮ ‬درجة‮ ‬أن‮ ‬البلاد‮ ‬أصبحت‮ ‬مقسمة‮ ‬إلى‮ ‬قسمين،‮ ‬تتعارك‮ ‬داخلهما‮ ‬المصالح‮ ‬والامتيازات‮ ‬وتتحول‮ ‬فيهما‮ ‬المؤسسات‮ ‬العمومية‮ ‬إلى‮ ‬رقعة‮ ‬شطرنج‮ ‬والمدراء‮ ‬إلى‮ ‬لاعبين‮ ‬يتم‮ ‬تحريكهم‮ ‬وإسقاطهم‮ ‬حسب‮ ‬ما‮ ‬تقتضيه‮ ‬أمزجة‮ ‬اللاعبين‮ ‬الكبار‮.  ‬
وإذا‮ ‬كان‮ ‬الماجدي،‮ ‬بحكم‮ ‬مسؤوليته‮ ‬عن‮ ‬ثروة‮ ‬الملك‮ ‬وشؤونه‮ ‬الخاصة،‮ ‬استطاع‮ ‬أن‮ ‬يمد‮ ‬أذرعه‮ ‬باتجاه‮ ‬قطاع‮ ‬المال‮ ‬والأعمال،‮ ‬فإن‮ ‬الهمة‮ ‬استطاع‮ ‬أن‮ ‬يمد‮ ‬أذرعه‮ ‬باتجاه‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬والسياسة‮ ‬والقضاء‮.‬
هكذا،‮ ‬وطيلة‮ ‬العشر‮ ‬سنوات‮ ‬الأخيرة،‮ ‬لم‮ ‬يعد‮ ‬نفوذ‮ ‬الرجلين‮ ‬مقتصرا‮ ‬على‮ ‬إدارة‮ ‬شؤون‮ ‬الملك‮ ‬المالية‮ ‬والسياسية،‮ ‬وإنما‮ ‬أصبحت‮ ‬للرجلين‮ ‬مصالح‮ ‬خاصة‮ ‬خارج‮ ‬أسوار‮ ‬البلاط‮ ‬يدافعان‮ ‬عنها‮ ‬ويبحثان‮ ‬لتنميتها‮ ‬وتطويرها‮. ‬
وهذا‮ ‬ليس‮ ‬جديدا،‮ ‬فعندما‮ ‬نتابع‮ ‬قضية‮ ‬ورثة‮ ‬رضى‮ ‬كديرة،‮ ‬مستشار‮ ‬الحسن‮ ‬الثاني،‮ ‬التي‮ ‬تروج‮ ‬اليوم‮ ‬أمام‮ ‬القضاء‮ ‬ضد‮ ‬شريكه‮ ‬اليهودي‮ ‬مارسيانو،‮ ‬نكتشف‮ ‬أن‮ ‬ورثة‮ ‬كديرة‮ ‬يطالبون‮ ‬بأراض‮ ‬وعقارات‮ ‬وأموال‮ ‬كانت‮ ‬باسم‮ ‬والدهم‮ ‬ويتهمون‮ ‬مارسيانو‮ ‬بالسطو‮ ‬عليها‮. ‬
السؤال‮ ‬هو‮: ‬من‮ ‬أين‮ ‬جاء‮ ‬كديرة‮ ‬بكل‮ ‬هذه‮ ‬العقارات‮ ‬والأراضي‮ ‬والأموال،‮ ‬إذا‮ ‬كان‮ ‬منصبه‮ ‬كمستشار‮ ‬لا‮ ‬يمنحه‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬راتبه‮ ‬الشهري‮ ‬الذي‮ ‬لن‮ ‬يتجاوز‮ ‬عشرة‮ ‬ملايين‮ ‬سنتيم‮ ‬في‮ ‬أحسن‮ ‬الأحوال؟‮ ‬
الجواب‮ ‬بسيط‮ ‬للغاية،‮ ‬فالمستشارون‮ ‬والمكلفون‮ ‬بمهمة‮ ‬داخل‮ ‬الديوان‮ ‬الملكي‮ ‬يستفيد‮ ‬أغلبهم‮ ‬من‮ ‬هذه‮ ‬الوظيفة‮ ‬لكي‮ ‬يحصلوا‮ ‬على‮ ‬امتيازات‮ ‬لشركاتهم‮ ‬وشركات‮ ‬عائلاتهم‮. ‬وأكبر‮ ‬مثال‮ ‬على‮ ‬هؤلاء‮ ‬فاضل‮ ‬بنيعيش،‮ ‬المكلف‮ ‬بمهمة،‮ ‬والذي‮ ‬استطاع‮ ‬أن‮ ‬يحصل،‮ ‬هو‮ ‬وأخته‮ ‬السفيرة‮ ‬في‮ ‬البرتغال،‮ ‬على‮ ‬حق‮ ‬استغلال‮ ‬اسم‮ ‬شركة‮ ‬مطاعم‮ «‬لونوطر‮»‬،‮ ‬وعلى‮ ‬صفقات‮ ‬مع‮ ‬مؤسسات‮ ‬عمومية‮ ‬لتزويدها‮ ‬بالمأكولات‮ ‬وحلويات‮ ‬ومشروبات‮ ‬الحفلات‮. ‬
هذا‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬نتحدث‮ ‬عن‮ ‬ابن‮ ‬المستشار‮ ‬الراحل‮ ‬مزيان‮ ‬بلفقيه‮ ‬الذي‮ ‬ظل‮ ‬يستعمل‮ ‬اسم‮ ‬والده‮ ‬لاحتكار‮ ‬صفقات‮ ‬شركة‮ ‬الطرق‮ ‬السيارة‮ ‬التي‮ ‬يسيرها‮ ‬عثمان‮ ‬الفاسي‮ ‬الفهري،‮ ‬الذي‮ ‬يدين‮ ‬ببقائه‮ ‬طيلة‮ ‬كل‮ ‬هذه‮ ‬السنوات‮ ‬في‮ ‬منصبه‮ ‬لتوصيات‮ ‬بلفقيه،‮ ‬أو‮ ‬عن‮ ‬ابنته‮ ‬الموثقة‮ ‬التي‮ ‬منحها‮ ‬حصار،‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬مشرفا‮ ‬على‮ ‬مشروع‮ ‬سلا‮ ‬الجديدة،‮ ‬صفقة‮ ‬تحفيظ‮ ‬جميع‮ ‬شقق‮ ‬المدينة،‮ ‬أو‮ ‬حتى‮ ‬عن‮ «‬ورثته‮» ‬في‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للتعليم‮ ‬كالسيد‮ ‬عبد‮ ‬اللطيف‮ ‬المودني،‮ ‬السكرتير‮ ‬العام‮ ‬للمجلس،‮ ‬الذي‮ ‬يعتبر‮ ‬نفسه‮ ‬وريث‮ ‬بلفقيه‮ ‬كمكلف‮ ‬بمهمة‮ ‬في‮ ‬الديوان‮ ‬الملكي،‮ ‬والذي‮ ‬يستغل‮ ‬وضعية‮ ‬المجلس‮ ‬الحالية‮ ‬للاستفادة‮ ‬من‮ ‬أربع‮ ‬سيارات‮ ‬ومساعدين،‮ ‬يوجدون‮ ‬تحت‮ ‬إشارته‮ ‬على‮ ‬مدار‮ ‬اليوم‮ ‬والليلة،‮ ‬ومعاملة‮ ‬موظفي‮ ‬المجلس‮ ‬بطريقة‮ ‬دكتاتورية‮ ‬حتى‮ ‬إنه‮ ‬تجرأ‮ ‬على‮ ‬إغلاق‮ ‬الأبواب‮ ‬الثلاثة‮ ‬للمجلس‮ ‬والإبقاء‮ ‬على‮ ‬باب‮ ‬واحد‮ ‬فقط،‮ ‬ضدا‮ ‬على‮ ‬قوانين‮ ‬السلامة‮.   ‬
عندما‮ ‬يجمع‮ ‬المستشارون‮ ‬والمكلفون‮ ‬بمهمة‮ ‬والمسؤولون‮ ‬عن‮ ‬الكتابة‮ ‬الخاصة‮ ‬للملك‮ ‬وأصدقاؤه‮ ‬المقربون‮ ‬بين‮ ‬وجودهم‮ ‬في‮ ‬خدمة‮ ‬الملك‮ ‬وبين‮ ‬إشرافهم‮ ‬على‮ ‬مشاريعهم‮ ‬الاقتصادية‮ ‬الخاصة،‮ ‬فإن‮ ‬هذا‮ ‬الخلط‮ ‬لا‮ ‬يسلم‮ ‬من‮ ‬استغلال‮ ‬النفوذ‮. ‬
ولذلك،‮ ‬فالوضع‮ ‬الذي‮ ‬يعيشه‮ ‬المغرب‮ ‬اليوم‮ ‬والذي‮ ‬يفرض‮ ‬علينا‮ ‬جميعا‮ ‬أن‮ ‬نقول‮ ‬الحقيقة‮ ‬للملك،‮ ‬يدفعنا‮ ‬إلى‮ ‬القول‮ ‬إن‮ ‬الجمع‮ ‬بين‮ ‬الوجود‮ ‬داخل‮ ‬المحيط‮ ‬الملكي‮ ‬وبين‮ ‬الوجود‮ ‬داخل‮ ‬محيط‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬ليس‮ ‬في‮ ‬صالح‮ ‬الملك،‮ ‬لأن‮ ‬تجاوزات‮ ‬هؤلاء‮ ‬المحيطين‮ ‬بالملك‮ ‬تنعكس‮ ‬مباشرة‮ ‬على‮ ‬هذا‮ ‬الأخير،‮ ‬ولأنه‮ ‬من‮ ‬الصعب‮ ‬أن‮ ‬يلجم‮ ‬الإنسان‮ ‬شططه‮ ‬وهو‮ ‬يرى‮ ‬أن‮ ‬الجميع‮ ‬يخاف‮ ‬منه‮ ‬بحكم‮ ‬قربه‮ ‬من‮ ‬الملك،‮ ‬فإن‮ ‬احتمالات‮ ‬الوقوع‮ ‬في‮ ‬التجاوز‮ ‬تبقى‮ ‬كبيرة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فالأنسب‮ ‬لكل‮ ‬من‮ ‬يختار‮ ‬الاشتغال‮ ‬إلى‮ ‬جانب‮ ‬الملك‮ ‬أن‮ ‬يغادر‮ ‬عالم‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬ويتفرغ‮ ‬لخدمة‮ ‬الملك،‮ ‬لا‮ ‬أن‮ ‬يستغل‮ ‬خدمته‮ ‬للملك‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬خدمة‮ ‬مصالحه‮ ‬الخاصة‮ ‬وتنمية‮ ‬شركاته‮ ‬ورؤوس‮ ‬أمواله‮. ‬
عندما‮ ‬نشرنا‮ ‬الوثائق‮ ‬التي‮ ‬تثبت‮ ‬أن‮ ‬شركة‮ ‬فؤاد‮ ‬عالي‮ ‬الهمة‮ ‬استفادت،‮ ‬بطريقة‮ ‬غير‮ ‬قانونية،‮ ‬من‮ ‬صفقة‮ ‬منحها‮ ‬إياها‮ ‬علي‮ ‬الفاسي‮ ‬الفهري‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تمرير‮ ‬مشروع‮ ‬إدماج‮ ‬مكتبي‮ ‬الماء‮ ‬والكهرباء‮ ‬في‮ ‬مكتب‮ ‬واحد،‮ ‬وقلنا‮ ‬إن‮ ‬هذه‮ ‬الشركة‮ ‬تستفيد‮ ‬من‮ ‬مليار‮ ‬ومائتي‮ ‬مليون‮ ‬سنويا‮ ‬لمصاحبة‮ ‬مفاوضات‮ ‬المغرب‮ ‬والبوليساريو،‮ ‬بدون‮ ‬المرور‮ ‬عبر‮ ‬طلبات‮ ‬عروض‮ ‬كما‮ ‬تنص‮ ‬على‮ ‬ذلك‮ ‬مذكرة‮ ‬الوزير‮ ‬الأول،‮ ‬فإننا‮ ‬كنا‮ ‬نقدم‮ ‬الدليل‮ ‬الواضح‮ ‬على‮ ‬استغلال‮ ‬القرب‮ ‬من‮ ‬الملك‮ ‬وصداقته‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تحقيق‮ ‬مكاسب‮ ‬مادية‮ ‬شخصية‮. ‬
عوض‮ ‬أن‮ ‬يجيب‮ ‬الهمة‮ ‬الرأي‮ ‬العام‮ ‬ودافعي‮ ‬الضرائب‮ ‬عن‮ ‬هذه‮ ‬الاتهامات‮ ‬الخطيرة،‮ ‬فضل‮ ‬أن‮ ‬يجند‮ «‬مخابراته‮» ‬بحثا‮ ‬عن‮ ‬طريقة‮ ‬يرد‮ ‬بها‮ ‬الصاع‮ ‬صاعين‮ ‬لمن‮ ‬يعتبرهم‮ ‬محركي‮ ‬الحرب‮ ‬الإعلامية‮ ‬ضده‮. ‬
وبالنسبة‮ ‬إلى‮ ‬الهمة‮ ‬الذي‮ ‬تعود‮ ‬أن‮ ‬يغازله‮ ‬الجميع‮ ‬ويفرشوا‮ ‬له‮ ‬الورود‮ ‬أينما‮ ‬حل‮ ‬خوفا‮ ‬أو‮ ‬تزلفا،‮ ‬فإن‮ ‬من‮ ‬يتجرأ‮ ‬على‮ ‬انتقاده‮ ‬لا‮ ‬بد‮ ‬وأن‮ ‬يكون‮ ‬مدفوعا‮ ‬من‮ ‬طرف‮ ‬خصومه‮ ‬داخل‮ ‬البلاط‮ ‬الملكي‮. ‬
وهو‮ ‬رد‮ ‬الفعل‮ ‬نفسه‮ ‬الذي‮ ‬أبداه‮ ‬مؤرخ‮ ‬المملكة‮ ‬السابق،‮ ‬حسن‮ ‬أوريد،‮ ‬الذي‮ ‬ربط‮ ‬مباشرة‮ ‬ما‮ ‬كتبناه‮ ‬حول‮ ‬تجاوزاته‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬واليا‮ ‬على‮ ‬مكناس‮ ‬بمؤامرة‮ ‬نسج‮ ‬خيوطها‮ ‬الهمة‮ ‬وأجهزة‮ ‬مخابراته‮ ‬لمعاقبته‮ ‬على‮ ‬بصقه‮ ‬في‮ ‬طنجرة‮ ‬المخزن‮ ‬التي‮ ‬أكل‮ ‬منها‮. ‬
صحيح‮ ‬أن‮ ‬الهمة‮ ‬كان‮ ‬وراء‮ ‬طرد‮ ‬أوريد‮ ‬من‮ ‬المربع‮ ‬الذهبي،‮ ‬لكن‮ ‬الهمة‮ ‬ليس‮ ‬هو‮ ‬من‮ ‬علم‮ ‬أوريد‮ ‬كيف‮ ‬يتحول،‮ ‬في‮ ‬ظرف‮ ‬خمس‮ ‬سنوات،‮ ‬من‮ ‬موظف‮ ‬بسيط‮ ‬إلى‮ ‬ملياردير‮ ‬هو‮ ‬وأخوه‮ ‬الذي‮ ‬افتتح‮ ‬قبل‮ ‬يومين،‮ ‬وأمام‮ ‬خمارته،‮ ‬فندقا‮ ‬فخما‮ ‬في‮ ‬عمارة‮ ‬كانت‮ ‬تابعة‮ ‬لمقر‮ «‬الديستي‮» ‬في‮ ‬شارع‮ ‬النصر‮ ‬بالرباط‮.‬
وإذا‮ ‬كان‮ ‬المحيط‮ ‬الملكي‮ ‬قد‮ ‬تخلص‮ ‬من‮ ‬أوريد‮ ‬الذي‮ ‬أبلى،‮ ‬باسم‮ ‬القصر،‮ ‬البلاء‮ ‬الحسن‮ ‬في‮ ‬ممتلكات‮ ‬الدولة‮ ‬وأراضيها،‮ ‬فإن‮ ‬المطلوب‮ ‬اليوم‮ ‬هو‮ ‬تخليص‮ ‬هذا‮ ‬المحيط‮ ‬من‮ ‬مصاصي‮ ‬دماء‮ ‬آخرين‮ ‬يختفون‮ ‬وراء‮ ‬الملك‮ ‬لكي‮ ‬ينهبوا‮ ‬أراضي‮ ‬الناس‮ ‬ويجردوهم‮ ‬من‮ ‬ممتلكاتهم‮ ‬باستعمال‮ ‬القضاة‮ ‬الفاسدين‮ ‬الذين‮ ‬ترتعد‮ ‬فرائصهم‮ ‬بمجرد‮ ‬سماعهم‮ ‬صوت‮ ‬أحذية‮ ‬رجال‮ ‬القصر‮ ‬وهم‮ ‬يقتربون‮ ‬من‮ ‬مكاتبهم‮. ‬
إن‮ ‬السؤال‮ ‬اليوم‮ ‬ليس‮ ‬هو‮ ‬من‮ ‬يحرك‮ ‬الحملة‮ ‬ضد‮ ‬الهمة‮ ‬أو‮ ‬الماجدي‮ ‬أو‮ ‬غيرهما‮ ‬في‮ ‬الشوارع‮ ‬خلال‮ ‬المسيرات‮ ‬الاحتجاجية،‮ ‬وإنما‮ ‬السؤال‮ ‬هو‮ ‬متى‮ ‬سيغادران‮ ‬عالم‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬والسياسة‮ ‬ويتفرغان‮ ‬لخدمة‮ ‬الملك؟‮ ‬
إن‮ ‬مغادرة‮ ‬أقرب‮ ‬المقربين‮ ‬إلى‮ ‬الملك‮ ‬للساحة‮ ‬السياسية‮ ‬والمالية‮ ‬سيفتح‮ ‬باب‮ ‬المغادرة‮ ‬أمام‮ ‬العشرات‮ ‬من‮ ‬المحيطين‮ ‬بالملك‮ ‬والذين‮ ‬ظلوا‮ ‬يستغلون‮ ‬هذا‮ ‬القرب‮ ‬لترويع‮ ‬أوساط‮ ‬المال‮ ‬والأعمال‮ ‬والحصول‮ ‬على‮ ‬صفقات‮ ‬بشروط‮ ‬تفضيلية‮ ‬وبدون‮ ‬أدنى‮ ‬منافسة‮.. ‬
هؤلاء‮ ‬المحظوظون‮ ‬الذين‮ ‬ما‮ ‬إن‮ ‬يشهروا‮ ‬بطاقات‮ ‬زياراتهم‮ ‬التي‮ ‬يظهر‮ ‬عليها‮ ‬التاج‮ ‬حتى‮ ‬تنفتح‮ ‬أمامهم‮ ‬الأبواب‮ ‬ويهجرهم‮ ‬مفتشو‮ ‬الضرائب‮ ‬إلى‮ ‬الأبد‮. ‬
إن‮ ‬كثيرا‮ ‬من‮ ‬ملفات‮ ‬الفساد‮ ‬الإداري‮ ‬والمالي‮ ‬تذهب‮ ‬مباشرة‮ ‬إلى‮ ‬الحفظ‮ ‬بسبب‮ ‬وجود‮ ‬أسماء‮ ‬بعض‮ ‬هؤلاء‮ ‬السادة‮ ‬ضمن‮ ‬لائحة‮ ‬المتورطين‮. ‬
بعد‮ ‬الخطاب‮ ‬الملكي‮ ‬الأخير‮ ‬الذي‮ ‬تحدث‮ ‬عن‮ ‬المراقبة‮ ‬والمحاسبة،‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يفهم‮ ‬القضاء‮ ‬أن‮ ‬حصانة‮ ‬هؤلاء‮ ‬الناس‮ ‬قد‮ ‬سقطت،‮ ‬وأن‮ ‬من‮ ‬يخرق‮ ‬القانون‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬ينتهي‮ ‬أمام‮ ‬المحكمة،‮ «‬يكون‮ ‬شكون‮ ‬ما‮ ‬بغا‮ ‬يكون‮». ‬
هذا‮ ‬هو‮ ‬المغرب‮ ‬الذي‮ ‬نريد‮.
... تابع القراءة

مرحبا‮ ‬بكم‮ ‬في‮ ‬النادي‮ ‬

لا‮ ‬يسع‮ ‬المرء‮ ‬سوى‮ ‬أن‮ ‬يشعر‮ ‬بالسعادة‮ ‬وهو‮ ‬يرى‮ ‬أن‮ ‬الغالبية‮ ‬الساحقة‮ ‬من‮ ‬الشعارات‮ ‬والمطالب،‮ ‬التي‮ ‬رفعها‮ ‬المتظاهرون‮ ‬في‮ ‬شتى‮ ‬ربوع‮ ‬المملكة‮ ‬يوم‮ ‬20‮ ‬مارس‮ ‬الأخير،‮ ‬كنا‮ ‬سباقين‮ ‬إلى‮ ‬المناداة‮ ‬بها‮ ‬والمطالبة‮ ‬بتحقيقها‮.‬
وعوض‮ ‬أن‮ ‬نظل‮ ‬لوحدنا‮ ‬نصرخ‮ ‬كل‮ ‬يوم‮ ‬في‮ ‬أعمدتنا،‮ ‬أصبحنا‮ ‬مدعومين‮ ‬بعشرات‮ ‬الآلاف‮ ‬من‮ ‬كتاب‮ ‬الأعمدة‮ ‬الذين‮ ‬يحررون‮ ‬شعاراتهم‮ ‬ومطالبهم‮ ‬وآراءهم‮ ‬وتحاليلهم‮ ‬المركزة‮ ‬والذكية‮ ‬للوضع‮ ‬فوق‮ ‬لافتاتهم‮ ‬ويافطاتهم‮ ‬وقمصانهم،‮ ‬ثم‮ ‬ينزلون‮ ‬بها‮ ‬إلى‮ ‬الشوارع‮ ‬والساحات‮ ‬لكي‮ ‬يبلغوها‮ ‬إلى‮ ‬من‮ ‬يهمهم‮ ‬الأمر‮.‬
مرحبا‮ ‬بكم‮ ‬جميعا‮ ‬في‮ ‬النادي،‮ ‬فقد‮ ‬أدمنا‮ ‬الصراخ‮ ‬لسنوات‮ ‬طويلة‮ ‬كل‮ ‬يوم‮ ‬منددين‮ ‬بلصوص‮ ‬المال‮ ‬العام‮ ‬ومفسدي‮ ‬الحياة‮ ‬الاقتصادية‮ ‬والسياسية‮ ‬والأخلاقية،‮ ‬لكن‮ ‬لا‮ ‬أحد‮ ‬أراد‮ ‬الاستماع‮ ‬إلى‮ ‬صراخنا،‮ ‬وها‮ ‬أنتم‮ ‬تضمون‮ ‬مسيراتكم‮ ‬الصاخبة‮ ‬إلى‮ ‬صراخنا‮ ‬اليومي،‮ ‬لعل‮ ‬هؤلاء‮ ‬المصابين‮ ‬بالصمم‮ ‬في‮ ‬أبراجهم‮ ‬العاجية‮ ‬يفتحون‮ ‬آذانهم‮ ‬قليلا‮ ‬لسماع‮ ‬صوت‮ ‬الشعب‮ ‬القادم‮ ‬من‮ ‬الأزقة‮ ‬والساحات‮.‬
ولا‮ ‬بد‮ ‬أن‮ ‬أولئك‮ ‬الذين‮ ‬ظلوا‮ ‬ينعتوننا‮ ‬بزرّاع‮ ‬اليأس‮ ‬والسوداويين،‮ ‬ويسمون‮ ‬انتقاداتنا‮ ‬للمسؤولين‮ ‬الذين‮ ‬يسيرون‮ ‬الشأن‮ ‬العام‮ ‬سبا‮ ‬وقذفا‮ ‬وتشهيرا‮ ‬واعتداء‮ ‬على‮ ‬حياتهم‮ ‬الخاصة،‮ ‬سيجدون‮ ‬أنفسهم‮ ‬مجبرين‮ ‬على‮ ‬مراجعة‮ ‬حساباتهم‮ ‬وهم‮ ‬يكتشفون‮ ‬أن‮ ‬كل‮ ‬الذين‮ ‬شملهم‮ ‬نقدنا‮ ‬رفعت‮ ‬أسماؤهم‮ ‬وصورهم‮ ‬في‮ ‬المسيرات‮ ‬والوقفات‮ ‬الاحتجاجية‮ ‬للمطالبة‮ ‬بمحاسبتهم‮.‬
في‮ ‬تطوان،‮ ‬رفع‮ ‬المتظاهرون‮ ‬لافتات‮ ‬عليها‮ ‬صور‮ ‬مديرة‮ ‬دار‮ ‬الثقافة‮ ‬سميرة‮ ‬قدري‮ ‬ومندوب‮ ‬وزارة‮ ‬الثقافة‮ ‬وابن‮ ‬المستشار‮ ‬الملكي‮ ‬الراحل‮ ‬مزيان‮ ‬بلفيقه،‮ ‬مطالبين‮ ‬بمحاسبتهم‮. ‬وقد‮ ‬كنا‮ ‬أول‮ ‬من‮ ‬كسر‮ ‬الصمت‮ ‬حول‮ ‬تجاوزات‮ ‬مديرة‮ ‬دار‮ ‬الثقافة‮ ‬وزوجها‮ ‬المهندس‮ ‬ومندوب‮ ‬وزارة‮ ‬الثقافة،‮ ‬واحتكارهم‮ ‬لصفقات‮ ‬الوزارة‮ ‬في‮ ‬جهة‮ ‬تطوان‮ ‬طنجة،‮ ‬واستفادة‮ ‬الفنانة‮ ‬سميرة‮ ‬قدري‮ ‬من‮ ‬ميزانيات‮ ‬الوزارة‮ ‬لصالح‮ ‬جمعيات‮ ‬تتولى‮ ‬تسييرها‮ ‬هي‮ ‬وسعادة‮ ‬المندوب،‮ ‬وتوفرها‮ ‬على‮ ‬حسابات‮ ‬بنكية‮ ‬في‮ ‬الخارج‮ ‬تودع‮ ‬بها‮ ‬العملة‮ ‬الصعبة‮ ‬دون‮ ‬علم‮ ‬مكتب‮ ‬الصرف‮ ‬أو‮ ‬مكتب‮ ‬الضرائب‮.‬
وفي‮ ‬الدار‮ ‬البيضاء،‮ ‬رفع‮ ‬المتظاهرون‮ ‬لافتات‮ ‬تطالب‮ ‬برحيل‮ ‬شركة‮ «‬ليدك‮» ‬والعمدة‮ ‬ساجد‮ ‬المتواطئ‮ ‬معها‮ ‬على‮ ‬نهب‮ ‬جيوب‮ ‬ساكنة‮ ‬الدار‮ ‬البيضاء‮ ‬الكبرى‮. ‬وربما‮ ‬نحن‮ ‬أول‮ ‬جريدة‮ ‬تهددها‮ «‬ليدك‮» ‬بالمتابعة‮ ‬القضائية‮ ‬عبر‮ ‬مساحات‮ ‬إعلانية‮ ‬تقتنيها‮ ‬هذه‮ ‬الأيام‮ ‬في‮ ‬بعض‮ ‬الجرائد‮. ‬والسبب‮ ‬هو‮ ‬أننا‮ ‬لم‮ ‬نخضع‮ ‬لإغراء‮ ‬هذه‮ ‬الشركة‮ ‬مثلما‮ ‬فعل‮ ‬البعض،‮ ‬وبقينا‮ ‬على‮ ‬موقفنا‮ ‬المنتقد‮ ‬لطريقة‮ ‬تدبيرها‮ ‬لماء‮ ‬وكهرباء‮ ‬ونظافة‮ ‬ملايين‮ ‬المواطنين‮. ‬
وفي‮ ‬الرباط،‮ ‬رفع‮ ‬المتظاهرون‮ ‬لافتات‮ ‬بها‮ ‬صور‮ ‬سميرة‮ ‬سيطايل‮ ‬ونور‮ ‬الدين‮ ‬الصايل‮ ‬والعرايشي،‮ ‬مطالبين‮ ‬برحيلهم‮. ‬وربما‮ ‬نحن‮ ‬الجريدة‮ ‬الوحيدة‮ ‬الممنوعة‮ ‬من‮ ‬المرور‮ ‬عبر‮ ‬شاشة‮ ‬القناة‮ ‬الثانية،‮ ‬بسبب‮ ‬انتقادنا‮ ‬للانحدار‮ ‬الإعلامي‮ ‬الذي‮ ‬وصلت‮ ‬إليه‮ ‬القناة،‮ ‬بتوصية‮ ‬شخصية‮ ‬من‮ ‬سميرة‮ ‬سيطايل،‮ ‬والتي‮ ‬لازالت‮ ‬تشغل‮ ‬منصبها‮ ‬ضدا‮ ‬على‮ ‬القانون‮ ‬الذي‮ ‬يقول‮ ‬إن‮ ‬زوجة‮ ‬السفير‮ ‬لا‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬تشتغل‮ ‬وإن‮ ‬عليها‮ ‬أن‮ ‬ترافق‮ ‬زوجها‮ ‬إلى‮ ‬مقر‮ ‬سفارته‮ ‬لتمثيل‮ ‬المغرب‮.‬
ورغم‮ ‬أن‮ ‬سميرة‮ ‬سيطايل‮ ‬استعملت‮ ‬نفوذها‮ ‬لدى‮ ‬الطيب‮ ‬الفاسي‮ ‬الفهري‮ ‬لكي‮ ‬ترقي‮ ‬زوجها‮ ‬من‮ ‬قنصل‮ ‬في‮ ‬فرنسا‮ ‬إلى‮ ‬سفير‮ ‬في‮ ‬بروكسيل،‮ ‬فإنها‮ ‬تحدت‮ ‬القانون‮ ‬وتشبثت‮ ‬بمنصبها‮ ‬كمديرة‮ ‬للأخبار‮ ‬في‮ ‬القناة‮ ‬الثانية‮ ‬ولم‮ ‬تلتحق‮ ‬بزوجها‮ ‬السفير‮. ‬
أما‮ ‬مدير‮ ‬المركز‮ ‬السينمائي‮ ‬المغربي،‮ ‬الذي‮ ‬وضعه‮ ‬المتظاهرون‮ ‬في‮ ‬خانة‮ ‬أفراد‮ ‬البوليس‮ ‬الإعلامي‮ ‬الذي‮ ‬يجب‮ ‬تنحيته،‮ ‬فقد‮ ‬تابع‮ ‬الجميع‮ ‬كيف‮ ‬حشد‮ ‬العشرات‮ ‬من‮ ‬أصدقائه‮ ‬المخرجين‮ ‬والصحافيين‮ ‬وكتاب‮ ‬السيناريو‮ ‬الدائرين‮ ‬في‮ ‬فلكه‮ ‬والمقتاتين‮ ‬من‮ ‬فتات‮ ‬مائدة‮ ‬دعمه،‮ ‬لكي‮ ‬يوقعوا‮ ‬عريضة‮ ‬ضدنا‮ ‬لمجرد‮ ‬أننا‮ ‬طالبنا‮ ‬القضاء‮ ‬بإعمال‮ ‬النظر‮ ‬في‮ ‬تقارير‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬التي‮ ‬تتحدث‮ ‬عن‮ ‬التجاوزات‮ ‬والاختلالات‮ ‬المالية‮ ‬التي‮ ‬عرفها‮ ‬المركز‮ ‬السينمائي‮ ‬على‮ ‬عهده‮.‬
أكثر‮ ‬من‮ ‬ذلك،‮ ‬عوض‮ ‬أن‮ ‬ينكب‮ ‬القضاء‮ ‬على‮ ‬تقارير‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬ضد‮ ‬نور‮ ‬الدين‮ ‬الصايل،‮ ‬فضل‮ ‬الانكباب‮ ‬على‮ ‬الشكاية‮ ‬التي‮ ‬قدمها‮ ‬هذا‮ ‬الأخير‮ ‬ضدنا‮ ‬والتي‮ ‬يتهمنا‮ ‬فيها‮ ‬بشتمه‮ ‬والتدخل‮ ‬في‮ ‬حياته‮ ‬الخاصة،‮ ‬رغم‮ ‬أننا‮ ‬لم‮ ‬نفعل‮ ‬غير‮ ‬انتقاد‮ ‬المنتوج‮ ‬السينمائي‮ ‬المنحط‮ ‬الذي‮ ‬يدعمه‮ ‬بأموال‮ ‬دافعي‮ ‬الضرائب،‮ ‬والتعليق‮ ‬على‮ ‬إقدام‮ ‬زوجته‮ ‬على‮ ‬التعري‮ ‬على‮ ‬غلاف‮ ‬مجلة‮ ‬نسائية‮ ‬وهي‮ ‬حامل‮.‬
وهكذا‮ ‬عوض‮ ‬أن‮ ‬يحكم‮ ‬القضاء‮ ‬لمصلحة‮ ‬الشعب‮ ‬ويجبر‮ ‬الصايل‮ ‬على‮ ‬رد‮ ‬الأموال‮ ‬التي‮ ‬بددها‮ ‬إلى‮ ‬خزينة‮ ‬الدولة،‮ ‬حكم‮ ‬علينا‮ ‬القاضي‮ ‬العلوي‮ ‬من‮ ‬جديد‮ ‬قبل‮ ‬شهر‮ ‬بدفع‮ ‬تعويض‮ ‬مالي‮ ‬للسيد‮ ‬نور‮ ‬الدين‮ ‬الصايل،‮ ‬جزاء‮ ‬لنا‮ ‬على‮ ‬انتقاد‮ ‬ذوق‮ ‬سعادته‮ ‬السينمائي‮ ‬والتعليق‮ ‬على‮ «‬تزبيط‮» ‬السيدة‮ ‬حرمه‮ ‬على‮ ‬غلاف‮ ‬المجلة‮.‬
وفي‮ ‬الرباط،‮ ‬رفع‮ ‬متظاهرون‮ ‬لافتة‮ ‬تطالب‮ ‬بالاقتصاص‮ ‬من‮ ‬الموثقة‮ ‬القوية‮ ‬صونيا‮ ‬العوفي،‮ ‬ابنة‮ ‬الوكيل‮ ‬العام‮ ‬للملك‮ ‬في‮ ‬الرباط،‮ ‬التي‮ ‬تدخل‮ ‬لها‮ ‬والدها‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬توفير‮ ‬الحماية‮ ‬لها‮ ‬وتجنيبها‮ ‬المتابعة‮ ‬بعدما‮ ‬تورطت‮ ‬في‮ ‬ملف‮ ‬تحفيظ‮ ‬عقاري‮ ‬ذهب‮ ‬بسببه‮ ‬آخرون‮ ‬إلى‮ ‬السجن‮ ‬مكانها‮.‬
وقد‮ ‬كنا‮ ‬أول‮ ‬جريدة‮ ‬تطرقت‮ ‬إلى‮ ‬نفوذ‮ ‬هذه‮ ‬السيدة‮ ‬المتعاظم‮ ‬في‮ ‬الرباط،‮ ‬وكيف‮ ‬تحولت،‮ ‬بقدرة‮ ‬قادر،‮ ‬وفي‮ ‬ظرف‮ ‬زمني‮ ‬وجيز،‮ ‬إلى‮ ‬واحدة‮ ‬من‮ ‬الموثقات‮ ‬المليارديرات‮ ‬في‮ ‬العاصمة‮ ‬بعد‮ ‬مشوار‮ ‬دراسي‮ ‬فاشل‮ ‬في‮ ‬شعبة‮ ‬البيولوجيا‮.‬
وليس‮ ‬مفاجئا‮ ‬بالنسبة‮ ‬إلينا‮ ‬أن‮ ‬نلاحظ‮ ‬كيف‮ ‬أن‮ ‬تسعين‮ ‬في‮ ‬المائة‮ ‬من‮ ‬شعارات‮ ‬ومطالب‮ ‬المحتجين،‮ ‬التي‮ ‬رفعوها‮ ‬في‮ ‬لافتاتهم‮ ‬ويافطاتهم‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬ربوع‮ ‬المملكة،‮ ‬هي‮ ‬نفسها‮ ‬الشعارات‮ ‬والمطالب‮ ‬التي‮ ‬كنا‮ ‬دائما‮ ‬سباقين‮ ‬إلى‮ ‬رفعها‮ ‬يوميا‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬الجريدة،‮ ‬فقد‮ ‬كانت‮ ‬قناعتنا‮ ‬دائما‮ ‬أننا‮ ‬نسير‮ ‬على‮ ‬إيقاع‮ ‬النبض‮ ‬اليومي‮ ‬للشارع‮ ‬والرأي‮ ‬العام‮. ‬
الجميع‮ ‬اليوم‮ ‬ينزل‮ ‬إلى‮ ‬الشارع‮ ‬لكي‮ ‬يرفع‮ ‬شعارات‮ ‬ضد‮ ‬الدستور‮ ‬المتقادم‮ ‬وضد‮ «‬أمانديس‮» ‬وضد‮ ‬فساد‮ ‬القضاء‮ ‬وتخلف‮ ‬الإعلام‮ ‬وجشع‮ ‬المقاولين،‮ ‬ومطالب‮ ‬بمحاكمة‮ ‬المفسدين‮ ‬وإرجاع‮ ‬الأموال‮ ‬المنهوبة‮ ‬والمساءلة‮ ‬الجنائية‮ ‬لرموز‮ ‬الفساد‮. ‬
وهذا‮ ‬لوحده‮ ‬يعتبر‮ ‬إيذانا‮ ‬بمغرب‮ ‬جديد‮ ‬يقطع‮ ‬مع‮ ‬عهد‮ ‬الخوف‮ ‬الذي‮ ‬سكن‮ ‬أجيالا‮ ‬من‮ ‬المغاربة‮ ‬ومنعها‮ ‬من‮ ‬التعبير‮ ‬الحر‮ ‬والجريء‮ ‬عن‮ ‬آمالها‮ ‬ومطالبها‮ ‬وانتظاراتها‮.‬
في‮ ‬ساحات‮ ‬المدن‮ ‬وشوارعها‮ ‬وأزقتها،‮ ‬رفع‮ ‬المتظاهرون‮ ‬شعارات‮ ‬تعبر‮ ‬عن‮ ‬اختلاف‮ ‬وجهات‮ ‬نظرهم‮ ‬ومرجعياتهم‮ ‬السياسية‮ ‬والفكرية‮ ‬والإيديولوجية‮. ‬وهكذا،‮ ‬تنتقل‮ ‬الشعارات‮ ‬من‮ ‬المطالب‮ ‬الاجتماعية‮ ‬كالشغل‮ ‬والسكن،‮ ‬إلى‮ ‬المطالب‮ ‬السياسية‮ ‬كرفض‮ ‬الجمع‮ ‬بين‮ ‬السلطة‮ ‬والثروة،‮ ‬إلى‮ ‬المطالب‮ ‬العلمانية‮ ‬كفصل‮ ‬الدين‮ ‬عن‮ ‬الدولة،‮ ‬إلى‮ ‬المطالب‮ ‬الثورية‮ ‬الراديكالية‮ ‬التي‮ ‬تطالب‮ ‬بتغيير‮ ‬النظام،‮ ‬إلى‮ ‬المطالب‮ ‬الساخرة‮ ‬والتي‮ ‬جسدتها‮ ‬عبارة‮ ‬مكتوبة‮ ‬فوق‮ ‬قميص‮ ‬الطبيبة‮ ‬النفسانية‮ ‬التي‮ ‬سبق‮ ‬لها‮ ‬أن‮ ‬تزعمت‮ ‬حركة‮ «‬مالي‮» ‬للإفطار‮ ‬العلني‮ ‬في‮ ‬رمضان‮ ‬والتي‮ ‬تقول‮ «‬لست‮ ‬بحاجة‮ ‬إلى‮ ‬ممارسة‮ ‬الجنس،‮ ‬لأن‮ ‬الحكومة‮ ‬تمارسه‮ ‬علي‮ ‬يوميا‮». ‬
الجميع‮ ‬رفع‮ ‬شعاره‮ ‬وعبر‮ ‬عن‮ ‬مطلبه‮ ‬بطريقة‮ ‬حضارية،‮ ‬وفي‮ ‬الأخير‮ ‬جمع‮ ‬كل‮ ‬واحد‮ ‬شعاره‮ ‬وطوى‮ ‬لافتته‮ ‬وعاد‮ ‬إلى‮ ‬بيته‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬تتكسر‮ ‬أسنانه‮ ‬أو‮ ‬أضلاعه‮ ‬أو‮ ‬تتعرض‮ ‬واجهة‮ ‬محل‮ ‬واحد‮ ‬للتكسير‮. ‬
هذا‮ ‬يعني‮ ‬شيئا‮ ‬واحدا‮ ‬فقط،‮ ‬وهو‮ ‬أن‮ ‬الديمقراطية‮ ‬التي‮ ‬تسمح‮ ‬للجميع‮ ‬بالتعبير‮ ‬عن‮ ‬رأيه‮ ‬وموقفه‮ ‬بطريقة‮ ‬سلمية‮ ‬وحضارية‮ ‬هي‮ ‬الحل‮. ‬أما‮ ‬العنف‮ ‬فجواب‮ ‬العاجزين‮ ‬والمستبدين‮ ‬والباحثين‮ ‬عن‮ ‬تأليب‮ ‬الدولة‮ ‬ضد‮ ‬المجتمع‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬الحفاظ‮ ‬على‮ ‬مصالحهم‮ ‬الضيقة‮ ‬والاستمرار‮ ‬في‮ ‬لعب‮ ‬دور‮ ‬رجل‮ ‬الإطفاء‮ ‬المولع‮ ‬بإضرام‮ ‬النيران‮.‬
والآن،‮ ‬بعدما‮ ‬أوصلت‮ ‬كل‮ ‬هذه‮ ‬الآلاف‮ ‬من‮ ‬المغاربة‮ ‬مطالبها‮ ‬وشعاراتها‮ ‬إلى‮ ‬آذان‮ ‬من‮ ‬يهمهم‮ ‬الأمر،‮ ‬وتحول‮ ‬المواطنون‮ ‬الذين‮ ‬ظلوا‮ ‬مكتفين‮ ‬بقراءة‮ ‬ما‮ ‬يكتب‮ ‬في‮ ‬الصحف‮ ‬إلى‮ ‬كتاب‮ ‬بدورهم‮ ‬يشاركون‮ ‬بأعمدتهم‮ ‬وتعليقاتهم‮ ‬وشعاراتهم‮ ‬في‮ ‬المسيرات‮ ‬التي‮ ‬تجوب‮ ‬الشوارع،‮ ‬هل‮ ‬سنرى‮ ‬تفاعلا‮ ‬فوريا‮ ‬وإيجابيا‮ ‬مع‮ ‬هذه‮ ‬المطالب‮ ‬والشعارات،‮ ‬أم‮ ‬إن‮ ‬هؤلاء‮ ‬الذين‮ ‬يهمهم‮ ‬الأمر‮ ‬سيكتفون‮ ‬بتسجيلها‮ ‬و‮«‬ترقيدها‮» ‬كما‮ ‬تعودوا‮ ‬أن‮ ‬يفعلوا‮ ‬دائما؟
إن‮ ‬الفرق‮ ‬بين‮ ‬مغرب‮ ‬الأمس‮ ‬ومغرب‮ ‬اليوم‮ ‬هو‮ ‬أن‮ ‬المواطن‮ ‬أصبح‮ ‬يملك‮ ‬الجرأة‮ ‬والشجاعة‮ ‬على‮ ‬الإمساك‮ ‬بالورقة‮ ‬والقلم‮ ‬وكتابة‮ ‬لائحة‮ ‬مطالبه‮ ‬والخروج‮ ‬إلى‮ ‬الشارع‮ ‬للتلويح‮ ‬بها‮ ‬نحو‮ ‬من‮ ‬يحكمونه‮ ‬مباشرة‮ ‬وبدون‮ ‬انتظار‮ ‬وساطة‮ ‬وسائل‮ ‬الإعلام‮.‬
لقد‮ ‬أصبح‮ ‬الجميع‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬البلاد‮ ‬كاتب‮ ‬عمود‮ ‬وصاحب‮ ‬رأي‮ ‬يملك‮ ‬القدرة‮ ‬على‮ ‬التعبير‮ ‬بوسائل‮ ‬متعددة،‮ ‬لذلك‮ ‬تستطيع‮ ‬سميرة‮ ‬سيطايل‮ ‬أن‮ ‬تغلق‮ ‬منافذ‮ ‬غرفة‮ ‬أخبارها‮ ‬جيدا،‮ ‬فالمغاربة‮ ‬أصبحت‮ ‬لديهم‮ ‬قنوات‮ ‬أخرى‮ ‬للتعبير‮ ‬عن‮ ‬رأيهم‮ ‬خارج‮ ‬هذا‮ ‬السجن‮ ‬الإعلامي‮ ‬العمومي‮ ‬الذي‮ ‬أرادوا‮ ‬أن‮ ‬يضعوهم‮  ‬فيه‮ ‬ويسلطوا‮ ‬عليهم‮ ‬المسلسلات‮ ‬المكسيكية‮ ‬والهندية‮ ‬السخيفة‮ ‬لتبليد‮ ‬ذوقهم‮ ‬وتخريب‮ ‬أخلاق‮ ‬أبنائهم‮ ‬وبناتهم‮.‬
اليوم،‮ ‬أصبح‮ ‬كافيا‮ ‬أن‮ ‬يأخذ‮ ‬المرء‮ ‬قلم‮ ‬حبر‮ ‬ولافتة‮ ‬لكي‮ ‬يخط‮ ‬عليها‮ ‬مطالبه‮ ‬ويخرج‮ ‬بها‮ ‬إلى‮ ‬الشارع‮ ‬لكي‮ ‬تتسابق‮ ‬لتصويره‮ ‬وسائل‮ ‬الإعلام‮ ‬المحلية‮ ‬والدولية‮. ‬
لذلك،‮ ‬فالذين‮ ‬لازالوا‮ ‬يعتقدون‮ ‬أن‮ ‬المغاربة‮ ‬إذا‮ ‬لم‮ ‬يظهروا‮ ‬في‮ ‬نشرات‮ ‬أخبارهم‮ ‬وبرامجهم‮ ‬فلن‮ ‬يكون‮ ‬لهم‮ ‬وجود‮ ‬واهمون‮ ‬ويعيشون‮ ‬خارج‮ ‬اللحظة‮ ‬التاريخية‮. ‬
إن‮ ‬المطالب‮ ‬التي‮ ‬كنا‮ ‬ندافع‮ ‬عنها‮ ‬ونطالب‮ ‬بتحقيقها‮ ‬على‮ ‬الورق،‮ ‬نزلت‮ ‬اليوم‮ ‬إلى‮ ‬أرض‮ ‬الواقع‮ ‬وأصبحت‮ ‬تتحرك‮ ‬في‮ ‬الشوارع‮ ‬والساحات‮ ‬والأزقة،‮ ‬محمولة‮ ‬بسواعد‮ ‬هؤلاء‮ ‬المواطنين‮ ‬الذين‮ ‬كان‮ ‬البعض‮ ‬يعتقد‮ ‬أننا‮ ‬عندما‮ ‬نخاطبهم‮ ‬فكأنما‮ ‬نسكب‮ ‬الماء‮ ‬في‮ ‬الرمل‮. ‬
ما‮ ‬يحدث‮ ‬اليوم‮ ‬في‮ ‬المغرب‮ ‬يقول‮ ‬العكس‮. ‬ما‮ ‬كنا‮ ‬نسكبه‮ ‬يوميا‮ ‬طيلة‮ ‬كل‮ ‬هذه‮ ‬السنوات‮ ‬لم‮ ‬يذهب‮ ‬سدى‮. ‬والدليل‮ ‬هو‮ ‬ما‮ ‬ترونه‮ ‬اليوم‮ ‬على‮ ‬الأرض‮. ‬إقرؤوا‮ ‬اللافتات‮ ‬جيدا‮ ‬وستفهمون‮ ‬كل‮ ‬شيء‮.   ‬
... تابع القراءة

شباط من سيكليس إلى تقني إلكتروني لقصف رشيد نيني زنكة زنكة




يتتبع الشعب المغربي سخافة ما يتعرض له الصحفي رشيد نيني من قبل كبار الصحف المغربية والممولة من قبل كبار أغنياء المغرب المعروفين بالفساد وسرقة المال العام أي أموال الشعب المغربي، وأخر الضربات الموجعة والمسبوقة بالترصد مع سبق الإصرار، حكم القضاء المغربي مؤخرا، وهذا الجهازالذي لايحتاج أي مغربي أن يسأل عن فساده الواصل إلى حد النخاع، على الصحفي رشيد نيني بالغرامة في حكمين متفرقين، وماتزال الضربات تنزل على هذا الصحفي الوحيد في عالم الإعلام المغربي الفاسد جدا والذي كانت لي خبرة سنوات به، من طرف صحفيين يبيعون ضمائرهم بدراهم معددوة لأصحاب البطون المنتفخة بأموال الشعب المغربي المسروقة.
حتى أنا كنت خاطئا في حق رشيد نيني، كنت أظنه من المخابرات أو يعمل لصالح
الموساد، لكن نتائج الحروب الإعلامية الظالمة ضد هذا الرجل البسيط والمتواضع والذي حاول مرارا الكشف عن أكبر لوبيات كبار المسؤولين المغاربة الفاسدين والذين يكرهون فقراء المغرب بل ونجح في عدة مرات في فضحهم أمام الشعب المغربي، جعلتني أكتشف الحقيقة وأعرف أنه لاصلة له بالمخابرات ولابالموساد. وبطبيعة الحال، كان متوقعا أن يحارب مثل هذا القلم النزيه من طرف أسود الغابة المغربية أي كبار أثرياء المغرب وهم معرفون عند جميع المغاربة، فمنهم من حرض بالأموال على إحراق جريدة المساء من طرف أناس باعوا أنفسهم بدريهمات قليلة بفاس ليساندوا الباطل ضد الحق وقد أحس الشعب المغربي بدناءة
هذا العمل المكشوف من أوله على أنه مخدوم ومحبوك من طرف بلطجية شباط الذين أتذكرهم وهم يصفقون ويهللون لشباط في حلقاته المشبوهة مع الصحفي مصطفى العلوي، حيث لاحظنا أنه هو من يشير عليهم بنهاية التصفيق له، فالعروسة لايشكرها إلا أهلها، وبعدها بدأ مسلسل البوس والعناق النفاقي للمشاركين معه في الحلقة والشعب طبعا سخر من هذا المشهد النفاقي.

لكن السيكليس لم يرض أن يفضحه رشيد نيني في صفقاته المشبوهة فتعلم مهنة تقني في الإلكترنيك أي الجرائد الإلكترونية فصنع له موقع شباط أونلاين لمدح نفسه كما أنشأ موقعا إلكترونيا ساخرا ‮ «‬نيني‮ ‬يامومو‮.‬كوم‮»، يتابع فيه رشيد نيني ويهاجمه بزنقة زنقة
وشن هجمات إلكترونية على الصحفي رشيد نيني.
لكن ما لا يحسبه في الحسبان كل من شباط وغيرهم من كبار أغنياء المغرب والأصدقاء بالأمس والأعداء حاليا من الصحفيين المغاربة، أن مجرد هجومكم كلكم وبأعداد مهمة على شخص وحيد، لهو قمة الدناءة والخساءة وأن الشعب المغربي ليس بالبليد، ويعرفون مؤامرتكم ضد شخص وحيد تكالبتهم عليه غيرة وحسدا وإنني كصحفي سابق وأعرف خبايا أمور الصحافة المغربية وككاتب عربي ومفكر إسلامي، أستنكر هذه الحكرة والتعاون على الإثم والعدوان، والحق واضح والظلم واضح، وأدعوكم لتستغفروا ذنوبكم وأن توقفوا مهزلة المؤامرة والحرب على الصحفي رشيد نيني وأن تنافسه بطرق شرعية في مجال الإعلام وإن كنت أعرف أن بعض المهاجمين عليه هم فقط غير مدفوعين للضرورة وضغوطات فوقية للوبيات المغربية الفاسدة وأنهم لهم أخلاق حسنة كالصحفي علي أنوزلا وتوفيق بوعشرين.
فالشعب المغربي يريد التغيير، يريد منكم أن تحاربوا معه لوبيات الفساد بالمغرب لا السكوت عنهم والدفاع عنهم، فالتاريخ يكتب حاليا بمداد من دم بالمغرب، وكل شئ سيكتشف في السنوات القليلة القادمة، وأن الغرب يعلم كل خفايا الصحافة المغربية، فحذاري من يوم ينتفض فيه الشعب المغربي ضد المتواطئين الصحفيين مع لوبيات الفساد والسلطة الظالمة بالمغرب.
يوسف بوكاشوش
 
... تابع القراءة

صرخة مغربية من ليبيا

الموقف الذي اتخذته الرباط، إلى جانب باريس ولندن وواشنطن وبعض العواصم العربية، ضد العقيد معمر القذافي جعل هذا الأخير يهدد بتحويل حوض البحر المتوسط إلى جحيم. ومباشرة بعد الإعلان عن شروع هذا الحلف في ضرب أهداف عسكرية ليبية بالطائرات المقاتلة والسفن الحربية، قال وزير الخارجية الليبي إن الدول التي تشارك في هذا «العدوان» ستدفع الثمن غاليا.
وبما أن الحلقة الأضعف في التحالف الأوربي الأمريكي العربي ضد مجنون ليبيا هي المغرب، فإن نتائج هذا التهديد الجهنمي بدأت تأتي من ليبيا على شكل استغاثات لحوالي تسعين ألف مهاجر مغربي لازالوا عالقين بمدن ليبيا بين كماشة القذافي ومناصريه المسلحين.
من يعرف القذافي وحماقاته، وأيضا قدرته الفادحة على الانتقام، يعرف أن أول شيء سيقوم به من أجل تحصين نفسه هو أخذ رهائن من جنسيات الدول المشاركة في الهجوم عليه. بالنسبة إلى أمريكا، فقد أخذ أربعة صحافيين من صحيفة «النيويورك تايمز» ولم يعد يظهر لهم أثر منذ الأسبوع الماضي.
أما بالنسبة إلى المغرب، فقد بدأت قوات القذافي تعتقل المهاجرين المغاربة لكي يمارس بهم العقيد الضغط على المغرب عقابا له على مشاركته في قمة باريس التي قرر فيها التحالف الدولي قصفه جوا وبحرا، تماما مثلما فعل عندما اختطف والدة وأخ خادم ابنه حنيبعل لكي يضغط على الرباط ويدفعها إلى الرضوخ وسحب شكاية الخادم المغربي. ومثلما تخلى الطيب الفاسي الفهري عن الخادم المغربي وعائلته، نرى كيف يتخلى اليوم عن تسعين ألف مغربي عندما أعطى موافقة الرباط على المشاركة، إلى جانب التحالف الدولي ضد القذافي، وهو يعرف أنه، بقراره هذا، يعرض حياة هؤلاء المهاجرين المغاربة، الذين لازالوا عالقين بليبيا، للخطر، خصوصا بعدما قرر القذافي فتح مخازن السلاح أمام المدنيين الليبيين وتسليحهم متوعدا بحرب طويلة الأمد.
وعندما نعرف أن مصالح وزارة الخارجية بليبيا فعلت المستحيل لإقناع المهاجرين المغاربة بالبقاء هناك إلى حين انتهاء هذه المحنة، حتى لا يضيعوا مصالحهم، ثم نرى بعد ذلك كيف أن وزير الخارجية أعطى موافقة المغرب على المشاركة في قمة باريس وهو يعرف أن أول من سيدفعون ثمن موقف المغرب هم هؤلاء المهاجرون الذين يعيش أكثر من ستين ألفا منهم في طرابلس ونواحيها، حيث معقل العقيد القذافي وأنصاره المسلحين، نفهم القيمة الحقيقية التي يعطيها الطيب الفهري لهؤلاء المهاجرين، فهو يعتبرهم مشكلا يجب أن يبقى هناك ولا يأتي إلى المغرب لكي ينضاف إلى لائحة المشاكل التي تعجز حكومة عباس عن حلها.
ولذلك، فقبل أن يقرر المغرب المشاركة في قمة باريس، إلى جانب فرنسا التي يريد رئيسها ساركوزي استعراض قدرات طائرات «الرافال» التي يصنعها صديقه «داسو» أمام الأمريكيين الذين ينافسونه بطائرات F16 في سوق السلاح، كان على الرباط، أولا، أن ترحل حتى آخر مغربي جميع مواطنيها المغاربة من الأراضي الليبية. وبعد ذلك، كان يمكن للمغرب أن يشارك في قمة باريس دون أن يعرض حياة تسعين ألف مواطن مغربي لانتقام القذافي ومناصريه.
قبل أن تقرر فرنسا أو بريطانيا أو أمريكا أو مصر المشاركة في التحالف الدولي ضد القذافي، وقبل أن يصدر قرار إغلاق الأجواء الليبية في وجه حركة الطيران، تأكدت جميعها من خروج جميع مواطنيها ومغادرتهم الأراضي الليبية. الوحيد الذي لم يفكر في مصير تسعين ألفا من مواطنيه قبل اتخاذه قرار المشاركة في التحالف هو الطيب الفاسي الفهري.
وبهذا يكون الطيب الفاسي الفهري قد وضع المهاجرين المغاربة في ليبيا أمام فوهة بنادق العقيد وأنصاره، وجعلهم مجبرين على التظاهر لنصرة العقيد في الشوارع مع أنصاره والتنكر لمغربيتهم ولوطنهم من أجل أن يحافظوا على سلامتهم.
فقد نسي الطيب الفاسي الفهري ووزارته أن هناك مغاربة قضوا أكثر من ثلاثين سنة يشتغلون في ليبيا، وجدوا أنفسهم اليوم طرفا في نزاع دموي ليبي داخلي بعدما اختار المغرب أن يصطف إلى جانب القوة الدولية في قمة باريس التي تقررت فيها مهاجمة العقيد لردعه ولجم اعتداءاته على الثوار والمدنيين الليبيين.
وليس الطيب الفاسي الفهري وحده المسؤول عن تخلي الدولة المغربية عن أبنائها في ليبيا، وإنما محمد عامر، وزير الهجرة، واليزمي، رئيس مجلس الجالية، والذين لم يحرك أي واحد منهم ساكنا لإنقاذ هؤلاء المهاجرين المغاربة، وكأن المهاجرين هم فقط أولئك المغاربة الذين يوجدون في باريس ومدريد وبروكسيل ودبي حيث تعود هؤلاء السادة أن يسافروا طيلة السنة لعقد مؤتمراتهم ولقاءاتهم السخيفة حول مواضيع تدخل في إطار الترف الفكري، بينما المهاجرون المغاربة لازالوا يعانون مع القنصليات المغربية التي تشبه المقاطعات والسفراء المغاربة الذين يشبهون قياد الأزمنة الغابرة.
لماذا لا يذهب هؤلاء المسؤولون الذين يشرفون على ملف الهجرة المغربية إلى بنغازي وطرابلس لتفقد تسعين ألف مهاجر مغربي يشتغلون في ظروف لا إنسانية لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم التي تنتظر تحويلاتهم الشهرية في المغرب؟
لماذا يغلقون أعينهم دون المهاجرين المغاربة في البلدان الإفريقية ولا يفتحونها سوى على المهاجرين المغاربة في بلدان أوربا والدول الإسكندنافية وكندا، حيث رفيقة الوزير الاتحادية نزهة الشقروني، وأمريكا ودول الخليج الغنية.
وعوض أن ينشغل الطيب الفاسي الفهري بمصير تسعين ألف مهاجر مغربي تخلى عنهم في ليبيا وتركهم عرضة للتنكيل والانتقام والبطش والأسر، نرى كيف يسابق سعادته الزمن من أجل وضع لائحة سفراء جدد أمام أنظار الملك لتعيينهم في عواصم عربية وأوربية وإفريقية، أغلبهم يدين بالولاء للفاسي الفهري. هكذا سيضمن مصالحه بعد رحيله من وزارة الشؤون الخارجية والتعاون بعد تعديل الدستور وتعيين حكومة انتقالية خالية مما يعرف بوزراء السيادة.
أما قمة العبث واحتقار العمل الدبلوماسي فتترجمه حالة الاحتقان السائدة الآن في وزارة الشؤون الخارجية والتعاون بسبب قرب تعيين عدد من القناصل والسفراء من خارج الوزارة، وضمنهم بعض أعضاء الأحزاب السياسية وأبناء الجنرالات، مثل يحيى بناني، نجل الجنرال عبد العزيز بناني، الذي لم يقض إلا فترة وجيزة في وزارة الخارجية حتى تم تعيينه قنصلا عاما في مقاطعة «كولومب» الفرنسية ضمن التدرج في السلك الدبلوماسي، ويجري الآن تحضيره لمنصب سفير للمغرب في أبوظبي، علما بأنه لا يجيد اللغة العربية ولم يسبق له العمل الدبلوماسي في أي سفارة عربية.
ولو أن السيد يحيى بناني اهتم بإدارة شؤون محله الذي يبيع فيه الدجاج مقابل المركز التجاري «لابيل في» بشارع محمد السادس بالرباط، لكان أفضل له وللعمل الدبلوماسي الذي لا علاقة تربطه به، لا من قريب و لا من بعيد.
وهكذا، فعوض أن ينشغل الطيب الفاسي الفهري بإيجاد حل عاجل لإنقاذ المهاجرين المغاربة بليبيا من محرقة القذافي، نرى كيف ينشغل سعادة الوزير بتلبية طلبات الأهل والأصدقاء وتوظيف أبنائهم في السفارات والقنصليات كما لو أنه يوزع إرثا تركه له والده.
إن الحقيقة المرة التي تنكشف يوما بعد يوم هي أن المغرب ليست لديه وزارتان من أهم الوزارات الضرورية للسير الطبيعي للدولة، وزارة الداخلية ووزارة الخارجية. الوزارتان الأكثر تأثيرا في القرارات المصيرية التي ترهن حاضر ومستقبل المغرب تسيران اليوم بشكل عشوائي وبدون رؤية سياسية واضحة.
الأولى يسيرها وزير أقحم ابنه وزوجته في تسيير شؤون وزارة الخارجية، بحيث أصبح أفراد العائلة الكريمة يستعملون سيارات ووقود الوزارة، ويستعمل ابنه المدلل، صاحب معهد «أماديوس»، سكرتيرة والده الوزير وهواتفه للاتصال بضيوفه وحث المؤسسات العمومية على التبرع له بميزانيات الدعم التي تقدر بالملايير.
والثاني سقط سهوا من سلك القضاء في أسلاك الداخلية، فترك شؤون الوزارة وتفرغ لاقتناء الأراضي والضيعات لتعيين المقربين من العائلة في مناصب المسؤولية، كزوج أخت سعادته الذي ترقى بسرعة البرق في عمالة المحمدية وبلغ منصبا لم يبلغه موظفون قضوا ثلاثين سنة في الخدمة، أو كزوج ابنته الذي جلبه من أحد الفنادق ووظفه في وزارة الداخلية إلى جانبه.
هل بمسؤولين من هذه الطينة سيسير المغرب نحو التغيير المنشود الذي خرج عشرات الآلاف يوم الأحد في كل ربوع المملكة لكي يطالبوا بتسريع تطبيقه؟ الجواب واضح تماما.
والخطأ الدبلوماسي الجسيم الذي اقترفه الطيب الفاسي الفهري عندما عرض حياة تسعين ألف مغربي بليبيا للخطر، يقول كل شيء حول القيمة التي تعطيها وزارة الفاسي الفهري لحياة المغاربة البسطاء الذين لم تمنحهم بلادهم فرصة لكسب لقمة العيش على أرضها فاضطروا إلى اللجوء إلى ليبيا للعيش والعمل.
هذا الرجل يجب أن يحاسب على ما قام به ضد سلامة وأمن المغاربة بليبيا، كما يجب محاسبة مدير «لارام» الذي فرض دفع 2500 درهم على كل مغربي يريد ركوب طائراته لمغادرة ليبيا، كما يجب محاسبة موظفي السفارة المغربية بطرابلس المرتشين الذين قايضوا المغاربة بالمال من أجل تسجيلهم في بواخر العودة إلى المغرب.
فما قاموا به يعتبر، ببساطة، جريمة ضد المغرب والمغاربة تستوجب المحاسبة والعقاب.
... تابع القراءة

هيسبوليس

ليس‮ ‬من‮ ‬عادتي‮ ‬أن‮ ‬أخصص‮ ‬هذا‮ ‬الركن‮ ‬للدفاع‮ ‬عن‮ ‬نفسي،‮ ‬فقد‮ ‬تعودت‮ ‬أن‮ ‬أجعله‮ ‬منبرا‮ ‬للدفاع‮ ‬عن‮ ‬الشعب‮ ‬ومستضعفيه‮ ‬ومظالمه‮. ‬واليوم،‮ ‬أطمع‮ ‬في‮ ‬سعة‮ ‬صدركم‮ ‬لكي‮ ‬تسمحوا‮ ‬لي‮ ‬بتخصيص‮ «‬عمود‮» ‬اليوم‮ ‬لصد‮ ‬واحدة‮ ‬من‮ ‬أعنف‮ ‬وأبشع‮ ‬الحملات‮ ‬التحريضية‮ ‬والتشهيرية‮ ‬التي‮ ‬أتعرض‮ ‬لها‮ ‬منذ‮ ‬مدة‮ ‬في‮ ‬بعض‮ ‬المواقع‮ ‬الإلكترونية‮ ‬البوليسية‮ ‬والمسخرة‮ ‬من‮ ‬طرف‮ ‬أعداء‮ ‬التغيير‮ ‬وحماة‮ ‬الباطل‮ ‬وجنود‮ ‬الفساد‮.‬
أول‮ ‬من‮ ‬اكتشفوا‮ ‬أهمية‮ ‬الفيسبوك‮ ‬والتواصل‮ ‬الافتراضي‮ ‬مع‮ ‬الرأي‮ ‬العام‮ ‬في‮ ‬المغرب‮ ‬ليسوا‮ ‬شباب‮ ‬حركة‮ ‬20‮ ‬فبراير،‮ ‬وإنما‮ ‬حميد‮ ‬شباط،‮ ‬عمدة‮ ‬فاس‮. ‬ورغم‮ ‬أن‮ ‬خصومه‮ ‬ينعتونه‮ ‬بالسيكليس‮ ‬والأمي،‮ ‬فإن‮ ‬الرجل‮ ‬يحسب‮ ‬له‮ ‬أنه‮ ‬كان‮ ‬أول‮ ‬سياسي‮ ‬يستعين‮ ‬بخدمات‮ ‬شباب‮ ‬متخصص‮ ‬في‮ ‬تقنيات‮ ‬التواصل‮ ‬عبر‮ ‬المواقع‮ ‬الاجتماعية‮ ‬ويؤسس‮ ‬لموقع‮ ‬اسمه‮ «‬شباط‮ ‬أونلاين‮» ‬يضع‮ ‬فيه‮ ‬تسجيلات‮ ‬لخطبه‮ ‬وجولاته‮ ‬الخيرية‮ ‬وتصريحاته‮ ‬النارية‮.‬
شباط،‮ ‬عكس‮ ‬كثير‮ ‬من‮ ‬الحزبيين‮ ‬والسياسيين،‮ ‬فهم‮ ‬أن‮ ‬المستقبل‮ ‬في‮ ‬التواصل‮ ‬بين‮ ‬الشباب‮ ‬سيكون‮ ‬عبر‮ ‬المواقع‮ ‬الإلكترونية،‮ ‬ولذلك‮ ‬جند‮ ‬لخدمته‮ ‬كتيبة‮ ‬من‮ ‬التقنيين‮ ‬المبحرين‮ ‬المتخصصين‮ ‬في‮ ‬برمجة‮ ‬المواقع‮ ‬وصناعتها،‮ ‬ووظف‮ ‬معرفتهم‮ ‬لخدمة‮ ‬صورته‮ ‬ومصالحه‮ ‬والدفاع‮ ‬عن‮ ‬امتيازاته‮ ‬و‮«‬منجزاته‮».‬
ولم‮ ‬تقتصر‮ ‬وظيفة‮ ‬هؤلاء‮ «‬الجنود‮» ‬المجندين‮ ‬لخدمة‮ ‬ولي‮ ‬نعمتهم‮ ‬على‮ ‬تعداد‮ ‬محاسن‮ ‬ومزايا‮ ‬العهد‮ ‬الشباطي‮ ‬الذي‮ ‬دخلته‮ ‬فاس،‮ ‬وإنما‮ ‬وضعوا‮ ‬كل‮ ‬خبرتهم‮ ‬التقنية‮ ‬للتصدي‮ ‬بالتشويه‮ ‬والتشهير‮ ‬ونشر‮ ‬الإشاعات‮ ‬المغرضة‮ ‬بخصوص‮ ‬الحياة‮ ‬الخاصة‮ ‬لكل‮ ‬من‮ ‬يتجرأ‮ ‬على‮ ‬الاقتراب‮ ‬من‮ ‬مملكة‮ ‬شباط‮ ‬المحروسة،‮ ‬وخصوصا‮ ‬شركة‮ «‬فتح‮ ‬الجديد‮» ‬التي‮ ‬تشكل‮ ‬حصان‮ ‬طروادة‮ ‬الذي‮ ‬يختفي‮ ‬وراءه‮ ‬شباط‮ ‬والملياردير‮ ‬كسوس‮ ‬ووزير‮ ‬الإسكان‮ ‬توفيق‮ ‬احجيرة‮ ‬وآخرون‮ ‬يستفيدون‮ ‬من‮ ‬الصفقات‮ ‬المجزية‮ ‬التي‮ ‬تحصل‮ ‬عليها‮ ‬هذه‮ ‬الشركة‮ ‬المحظوظة‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬أنحاء‮ ‬فاس‮.‬
وعندما‮ ‬كتبنا‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬العمود‮ ‬عن‮ ‬العلاقات‮ ‬السرية‮ ‬والوطيدة‮ ‬التي‮ ‬نسجها‮ ‬شباط‮ ‬مع‮ ‬المخابرات‮ ‬منذ‮ ‬بدايات‮ ‬ظهور‮ ‬نجمه‮ ‬النقابي‮ ‬في‮ ‬فاس،‮ ‬خصوصا‮ ‬عندما‮ ‬أشعل‮ ‬النار‮ ‬في‮ ‬المدينة‮ ‬لصالح‮ ‬إدريس‮ ‬البصري‮ ‬لكي‮ ‬ينتقم‮ ‬من‮ ‬عامل‮ ‬المدينة‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يتحدى‮ ‬البصري‮ ‬ويتعامل‮ ‬مع‮ ‬القصر‮ ‬مباشرة،‮ ‬وكيف‮ ‬أخفى‮ ‬مدير‮ ‬المخابرات‮ ‬شباط‮ ‬في‮ ‬بيته‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬هدأت‮ ‬العاصفة‮ ‬وتمت‮ ‬تبرئته‮ ‬بعد‮ ‬ذلك‮ ‬قضائيا‮ ‬من‮ ‬أية‮ ‬مسؤولية‮ ‬جنائية‮ ‬عما‮ ‬وقع‮ ‬بفاس‮ ‬من‮ ‬خراب‮ ‬ودمار‮ ‬وتقتيل،‮ ‬ثارت‮ ‬ثائرة‮ ‬شباط‮ ‬ولزم‮ ‬الصمت‮ ‬ولم‮ ‬يستطع‮ ‬أن‮ ‬يكذب‮ ‬كلمة‮ ‬واحدة‮ ‬مما‮ ‬نشرناه‮.‬
وحتى‮ ‬عندما‮ ‬كتبنا‮ ‬عن‮ ‬تواطئه‮ ‬الظاهر‮ ‬والخفي‮ ‬مع‮ ‬الوالي‮ ‬الغرابي‮ ‬في‮ ‬فضائح‮ ‬تتعلق‮ ‬بالرخص‮ ‬الاستثنائية‮ ‬لمشاريع‮ ‬بدأت‮ ‬سياحية‮ ‬ثم‮ ‬تحولت‮ ‬إلى‮ ‬مشاريع‮ ‬سكنية‮ ‬وتجارية،‮ ‬اختار‮ ‬الاثنان‮ ‬معا‮ ‬دس‮ ‬رأسيهما‮ ‬في‮ ‬الرمال‮ ‬بانتظار‮ ‬أن‮ ‬تهدأ‮ ‬العاصفة‮.‬
ولو‮ ‬كانت‮ ‬لدينا‮ ‬عدالة‮ ‬في‮ ‬المغرب‮ ‬لفتحت‮ ‬النيابة‮ ‬العامة‮ ‬تحقيقا‮ ‬قضائيا‮ ‬حول‮ ‬كل‮ ‬جملة‮ ‬كتبناها‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬إجلاء‮ ‬الحقائق‮ ‬ومعاقبة‮ ‬أحدنا،‮ ‬فإما‮ ‬أننا‮ ‬نكذب‮ ‬على‮ ‬هذين‮ ‬الرجلين‮ ‬ونستحق‮ ‬أن‮ ‬ندفع‮ ‬ثمن‮ ‬ذلك،‮ ‬أو‮ ‬أن‮ ‬هذين‮ ‬الرجلين‮ ‬فعلا‮ ‬متواطئان‮ ‬على‮ ‬الفساد‮ ‬وبالتالي‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يدفعا‮ ‬الثمن‮.‬
وعوض‮ ‬أن‮ ‬يجيب‮ ‬شباط‮ ‬والذين‮ ‬يدورون‮ ‬حول‮ ‬فلكه‮ ‬عما‮ ‬كتبناه‮ ‬حولهم،‮ ‬فضل‮ ‬هذا‮ ‬الأخير‮ ‬اللجوء‮ ‬إلى‮ ‬سياسة‮ «‬التقلاز‮ ‬من‮ ‬تحت‮ ‬الجلابة‮» ‬لكي‮ ‬يخلط‮ ‬الأوراق‮ ‬مستعملا‮ «‬خبرته‮» ‬الإلكترونية‮ ‬لإبعاد‮ ‬الأنظار‮ ‬عن‮ ‬جرائمه‮ ‬العمرانية‮ ‬و‮«‬تسليطها‮» ‬على‮ ‬كاتب‮ ‬هذا‮ ‬العمود‮. ‬وهي‮ ‬تقنية‮ ‬قديمة‮ ‬ومتجاوزة‮ ‬تهدف‮ ‬إلى‮ ‬تبديد‮ ‬اهتمام‮ ‬الرأي‮ ‬العام‮ ‬وراء‮ ‬التفاهات‮ ‬والكلام‮ ‬السوقي‮ ‬الفارغ‮ ‬من‮ ‬المحتوى‮ ‬والشتائم‮ ‬الرخيصة‮ ‬والاتهامات‮ ‬الباطلة،‮ ‬عوض‮ ‬تقديم‮ ‬الأدلة‮ ‬وتفنيد‮ ‬الاتهامات‮ ‬التي‮ ‬وجهناها‮ ‬إلى‮ ‬شباط‮ ‬والوالي‮ ‬الغرابي‮ ‬المتواطئ‮ ‬معه‮ ‬في‮ ‬جرائمه‮.‬
وهكذا،‮ ‬لجأ‮ ‬السيد‮ ‬شباط‮ ‬إلى‮ ‬خدمات‮ ‬أحد‮ ‬معاونيه‮ ‬الشباب‮ ‬المتخصصين‮ ‬في‮ ‬تصميم‮ ‬المواقع‮ ‬الإلكترونية،‮ ‬محمد‮ ‬جبيلو،‮ ‬والذي،‮ ‬يا‮ ‬للمصادفة‮ ‬العجيبة،‮ ‬يشرف‮ ‬له‮ ‬أيضا‮ ‬على‮ ‬موقعه‮ ‬الخاص‮ «‬شباط‮ ‬أونلاين‮»‬،‮ ‬لكي‮ ‬يشتري‮ ‬اسم‮ ‬موقع‮ ‬إلكتروني‮ ‬اختاروا‮ ‬له‮ ‬بين‮ ‬الأسماء‮ «‬نيني‮ ‬يامومو‮.‬كوم‮». ‬ولغباء‮ ‬شباط‮ ‬ومعاونيه،‮ ‬فقد‮ ‬وضعوا‮ ‬موقعهم‮ ‬التحفة‮ ‬بنفس‮ «‬السيرفور‮» ‬الذي‮ ‬يحتضن‮ ‬موقع‮ «‬شباط‮ ‬أونلاين‮» ‬تحت‮ ‬عنوان‭ (‬Internet Protocol IP‭ : ‬91.121.49.141‭)‬،‮ ‬مما‮ ‬يكشف‮ ‬بوضوح‮ ‬عن‮ ‬الأيادي‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬وراء‮ ‬إنشاء‮ ‬هذا‮ ‬الموقع‮ ‬السخيف‮ ‬ولصالح‮ ‬من‮ ‬يشتغلون‮ ‬ومن‮ ‬هم‮ ‬الأشخاص‮ ‬الذين‮ «‬يسهرون‮» ‬على‮ ‬تنشيطه،‮ ‬وبأي‮ ‬ثمن‮. ‬
ولا‮ ‬غرابة‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬ما‮ ‬دام‮ ‬محمد‮ ‬جبيلو‮ ‬وأنور‮ ‬لكحل،‮ ‬المشرفان‮ ‬على‮ ‬الموقع‮ «‬التحفة‮»‬،‮ ‬يشتغلان‮ ‬مع‮ ‬شباط‮ ‬ويسهران‮ ‬على‮ ‬موقعه‮ ‬الشخصي‮ ‬مقابل‮ ‬تعويضات‮ ‬شهرية‮.    ‬
المثير‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬الاختراع‮ ‬الإلكتروني‮ ‬العجيب‮ ‬هو‮ ‬أن‮ ‬مدير‮ ‬شركة‮ ‬الاستضافة،‮ ‬أيمن‮ ‬رميلي،‮ ‬لا‮ ‬يقول‮ ‬لنا‮ ‬كيف‮ ‬يؤدي‮ ‬ثمن‮ ‬هذه‮ ‬الاستضافة‮ ‬لشركة‭ ‬OVH‭ ‬التي‮ ‬يوجد‮ ‬مقرها‮ ‬في‮ ‬فرنسا،‮ ‬علما‮ ‬بأن‮ ‬هذه‮ ‬الشركة‮ ‬لا‮ ‬تقبل‮ ‬زبائن‮ ‬مغاربة‮ ‬بحكم‮ ‬أن‮ ‬تحويل‮ ‬الأموال‮ ‬من‮ ‬المغرب‮ ‬نحو‮ ‬الخارج‮ ‬يتطلب‮ ‬ترخيصا‮ ‬مسبقا‮ ‬من‮ ‬مكتب‮ ‬الصرف‮. ‬
وبما‮ ‬أن‮ ‬هذا‮ ‬الموقع‮ ‬اختار‮ ‬أن‮ ‬يهاجم،‮ ‬بأسلوب‮ ‬يفتقر‮ ‬إلى‮ ‬حس‮ ‬السخرية،‮ ‬شخصا‮ ‬اسمه‮ ‬رشيد‮ ‬نيني‮ ‬يضعه،‮ ‬منذ‮ ‬سنوات،‮ ‬شباط‮ ‬وولي‮ ‬نعمته‮ ‬الغرابي‮ ‬ومن‮ ‬يحميهما‮ ‬معا‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬وأجهزة‮ ‬المخابرات،‮ ‬في‮ ‬لائحة‮ ‬المطلوبة‮ ‬رؤوسهم‮ ‬للقطع،‮ ‬فإن‮ ‬موقعا‮ ‬آخر‮ ‬اسمه‮ «‬هيسبريس‮»‬،‮ ‬لصاحبه‮ ‬الحمدوشي،‮ ‬تخصص،‮ ‬منذ‮ ‬إنشائه‮ ‬قبل‮ ‬سنوات،‮ ‬في‮ ‬استعمال‮ ‬اسمي‮ ‬في‮ ‬عناوين‮ ‬لمقالات‮ ‬سخيفة‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬استدراج‮ «‬نقرات‮» ‬الزوار‮ ‬إلى‮ ‬قراءتها‮ ‬وتكثير‮ ‬عددهم‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تقديم‮ ‬أرقام‮ ‬الزوار‮ ‬إلى‮ ‬شركة‮ «‬غوغل‮» ‬للحصول‮ ‬على‮ ‬إشهاراتها‮ ‬وتحويل‮ ‬عائداتها،‮ ‬التي‮ ‬تتجاوز‮ ‬ألف‮ ‬أورو‮ ‬يوميا،‮ ‬لحسابه‮ ‬البنكي‮ ‬في‮ ‬كندا‮ ‬حيث‮ ‬يقيم‮. ‬
ومن‮ ‬يدخل‮ ‬إلى‮ ‬هذا‮ ‬الموقع‮ ‬ويكتب‮ ‬اسمي‮ ‬الكامل‮ ‬في‮ ‬محرك‮ ‬بحثه‮ ‬سيحصل‮ ‬على‮ ‬قائمة‮ ‬طويلة‮ ‬جدا‮ ‬بالمقالات‮ ‬التي‮ ‬نشرها‮ ‬هذا‮ ‬الموقع‮ ‬حولي،‮ ‬وسيلاحظ‮ ‬أن‮ ‬ما‮ ‬يشد‮ ‬الانتباه‮ ‬فيها‮ ‬هو‮ ‬عناوينها‮ ‬المثيرة‮ ‬والفضائحية،‮ ‬أما‮ ‬مضامينها‮ ‬ففارغة‮ ‬تماما‮ ‬وأسلوبها‮ ‬مفكك‮ ‬ومرتبك‮ ‬ومليء‮ ‬بالأخطاء‮ ‬التعبيرية‮ ‬والإنشائية‮.‬
لقد‮ ‬أصبح‮ ‬الأخ‮ ‬الحمدوشي‮ ‬بفضلي‮ ‬أحد‮ ‬أكبر‮ ‬أثرياء‮ ‬الهجرة‮ ‬المغربية‮ ‬بكندا‮. ‬هنيئا‮ ‬له‮ ‬بما‮ ‬يجمعه‮ ‬على‮ ‬حساب‮ ‬اسمي‮ ‬وصورتي،‮ ‬لكن‮ ‬من‮ ‬حق‮ ‬زوار‮ ‬موقعه‮ ‬أن‮ ‬يعرفوا‮ ‬أنه،‮ ‬بغض‮ ‬النظر‮ ‬عن‮ ‬الأرباح‮ ‬المادية‮ ‬التي‮ ‬يحققها‮ ‬من‮ ‬وراء‮ ‬استهدافي‮ ‬بتلك‮ ‬المقالات‮ ‬السخيفة،‮ ‬يختفي‮ ‬هدف‮ ‬آخر‮ ‬أكثر‮ ‬خطورة‮ ‬يتناغم‮ ‬تماما‮ ‬مع‮ ‬الحملة‮ ‬المسعورة‮ ‬التي‮ ‬يخوضها‮ ‬ضدي‮ «‬لوبي‮» ‬مكون‮ ‬من‮ ‬بعض‮ ‬كبار‮ ‬رجالات‮ ‬الدولة‮ ‬والمال‮ ‬والإعلام‮ ‬الذين‮ ‬لم‮ ‬يستطع‮ ‬أي‮ ‬واحد‮ ‬منهم‮ ‬أن‮ ‬يكذب‮ ‬الأخبار‮ ‬والتحقيقات‮ ‬التي‮ ‬نشرناها‮ ‬حوله‮. ‬وهكذا،‮ ‬لم‮ ‬يجدوا‮ ‬من‮ ‬حل‮ ‬آخر‮ ‬للرد‮ ‬سوى‮ ‬الاختباء‮ ‬وراء‮ ‬عصابة‮ ‬من‮ ‬المسخرين‮ ‬المندسين‮ ‬بين‮ ‬أسلاك‮ ‬المواقع‮ ‬الإلكترونية‮ ‬وشبكة‮ ‬الفيسبوك‮ ‬لترويج‮ ‬الأكاذيب‮ ‬والأباطيل‮ ‬حولي‮ ‬وحول‮ ‬أسرتي‮ ‬والشركة‮ ‬التي‮ ‬تصدر‮ ‬جريدة‮ «‬المساء‮» ‬بهدف‮ ‬إضعاف‮ ‬معنوياتي‮ ‬ودفعي‮ ‬إلى‮ ‬إلقاء‮ ‬السلاح‮ ‬والاستسلام‮.‬
لذلك‮ ‬أجد،‮ ‬اليوم،‮ ‬من‮ ‬الضروري‮ ‬أن‮ ‬أثير‮ ‬انتباه‮ ‬القراء‮ ‬الأعزاء‮ ‬بشكل‮ ‬خاص‮ ‬والرأي‮ ‬العام‮ ‬بشكل‮ ‬عام،‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬ما‮ ‬أتعرض‮ ‬له‮ ‬اليوم‮ ‬من‮ ‬تشويه‮ ‬وتشهير‮ ‬واستعداء‮ ‬ليس‮ ‬سوى‮ ‬مقدمة‮ ‬لما‮ ‬سيأتي‮ ‬في‮ ‬القادم‮ ‬من‮ ‬الأيام‮. ‬
فقد‮ ‬بدؤوا‮ ‬بحرق‮ ‬نسخ‮ ‬من‮ «‬المساء‮» ‬في‮ ‬كلية‮ ‬فاس‮ ‬ووقفة‮ ‬الحسيمة،‮ ‬وصوروا‮ ‬ذلك‮ ‬وعمموه‮ ‬عبر‮ «‬اليوتوب‮»‬،‮ ‬وجند‮ ‬بعض‮ ‬رجال‮ ‬الأعمال‮ ‬فرقة‮ ‬من‮ ‬الصحافيين‮ «‬السيرورات‮» ‬الذين‮ ‬يلمعون‮ ‬أحذيتهم‮ ‬مقابل‮ ‬الإعلانات،‮ ‬لكي‮ ‬يرمونا‮ ‬بأرخص‮ ‬التهم‮ ‬المشينة،‮ ‬محرضين‮ ‬بعض‮ ‬الصغار‮ ‬الذين‮ ‬اكتشفوا‮ ‬النضال‮ ‬قبل‮ ‬يومين‮ ‬على‮ ‬اتهامنا‮ ‬بالسخرة‮ ‬لصالح‮ ‬الأجهزة،‮ ‬مع‮ ‬أن‮ ‬كل‮ ‬الشعارات‮ ‬والمطالب‮ ‬التي‮ ‬ينادي‮ ‬بها‮ ‬زملاء‮ ‬هؤلاء‮ ‬الشباب‮ ‬اليوم‮ ‬كنا‮ ‬نحن‮ ‬سباقين‮ ‬إلى‮ ‬رفعها‮ ‬في‮ ‬وقت‮ ‬كان‮ ‬فيه‮ ‬أغلبهم‮ ‬لم‮ ‬يكتشف‮ ‬وجود‮ ‬الجرائد‮ ‬بعد‮.‬
إننا‮ ‬واعون‮ ‬تمام‮ ‬الوعي‮ ‬بأن‮ ‬ما‮ ‬نقوم‮ ‬به‮ ‬يدك‮ ‬حصون‮ ‬وقلاع‮ ‬رجالات‮ ‬اعتبروا‮ ‬أنفسهم‮ ‬مقدسين‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬البلاد،‮ ‬بحيث‮ ‬يمكن‮ ‬أن‮ ‬يتسامحوا‮ ‬معك‮ ‬عندما‮ ‬تنتقد‮ ‬الملك،‮ ‬لكنهم‮ ‬غير‮ ‬مستعدين‮ ‬للتسامح‮ ‬مع‮ ‬من‮ ‬ينتقدهم‮. ‬إنهم‮ ‬ملوك‮ ‬الطوائف‮ ‬الجدد‮ ‬الذين‮ ‬أحاطوا‮ ‬بلاطاتهم‮ ‬بالأتباع‮ ‬وشعراء‮ ‬التكسب‮ ‬والانتهازيين‮ ‬الذين‮ ‬يزينون‮ ‬لهم‮ ‬غطرستهم‮ ‬وشططهم‮ ‬وأنانيتهم‮ ‬المفرطة‮ ‬في‮ ‬التضخم‮.‬
هؤلاء‮ ‬الأقزام‮ ‬يعرفون‮ ‬أن‮ ‬عصرهم‮ ‬الذهبي‮ ‬قد‮ ‬شارف‮ ‬على‮ ‬الانتهاء،‮ ‬ولذلك‮ ‬فهم‮ ‬يشهرون‮ ‬أثقل‮ ‬أسلحتهم‮ ‬للدفاع‮ ‬عن‮ ‬حصونهم‮ ‬وقلاعهم‮. ‬ولعل‮ ‬السلاح‮ ‬الوحيد‮ ‬الذي‮ ‬يجيدون‮ ‬استعماله‮ ‬هو‮ ‬سلاح‮ ‬التشهير‮ ‬والإشاعة‮ ‬والكذب‮ ‬والتلفيق‮. ‬ولأن‮ ‬مصالحهم‮ ‬تلتقي‮ ‬مع‮ ‬مصالح‮ ‬بعض‮ ‬الصحافيين‮ ‬الفاشلين‮ ‬الذين‮ ‬شكلت‮ ‬لهم‮ «‬المساء‮» ‬عقدة‮ ‬في‮ ‬حياتهم‮ ‬المهنية‮ ‬والنفسية،‮ ‬والذين‮ ‬لم‮ ‬يسبق‮ ‬لهم‮ ‬أن‮ ‬حاربوا‮ ‬مفسدا‮ ‬أو‮ ‬فضحوا‮ ‬لصا‮ ‬من‮ ‬لصوص‮ ‬المال‮ ‬العام‮ ‬كما‮ ‬ظلت‮ ‬تصنع‮ «‬المساء‮» ‬يوميا‮ ‬منذ‮ ‬ظهورها،‮ ‬فإنهم‮ ‬يتحدون‮ ‬في‮ ‬محاربتنا‮ ‬انتقاما‮ ‬من‮ ‬نجاح‮ ‬هذه‮ ‬الجريدة‮ ‬ونجاح‮ ‬منشوراتها‮ ‬الأخرى‮ ‬التي‮ ‬وجدت‮ ‬جمهورها‮ ‬بسرعة‮ ‬قياسية‮. ‬
وهكذا،‮ ‬صرنا‮ ‬نحن‮ ‬هم‮ ‬اللصوص‮ ‬وقطاع‮ ‬الطرق‮ ‬والانتهازيين‮ ‬وعملاء‮ ‬المخابرات،‮ ‬بينما‮ ‬اللصوص‮ ‬وقطاع‮ ‬الطرق‮ ‬الحقيقيون‮ ‬والانتهازيون‮ ‬بالفطرة‮ ‬والمخابراتيون‮ ‬يحظون‮ ‬من‮ ‬طرف‮ ‬هؤلاء‮ ‬الأقزام‮ ‬و‮«‬السيرورات‮» ‬بالأمان‮ ‬والتوقير‮.‬
إنهم‮ ‬يحاولون،‮ ‬بكل‮ ‬ما‮ ‬أوتوا‮ ‬من‮ ‬مكر‮ ‬واحتيال‮ ‬وخبث،‮ ‬قلب‮ ‬الحقائق‮ ‬حتى‮ ‬يتحول‮ ‬اللص‮ ‬إلى‮ ‬شريف‮ ‬والشريف‮ ‬إلى‮ ‬لص‮. ‬وليس‮ ‬أحسن‮ ‬من‮ ‬هذه‮ ‬الفترة‮ ‬الحرجة‮ ‬التي‮ ‬يعيشها‮ ‬المغرب‮ ‬بالنسبة‮ ‬إلى‮ ‬هؤلاء‮ ‬لخلط‮ ‬الأوراق‮ ‬وتغيير‮ ‬الكراسي‮ ‬والأقنعة‮.‬
نحن‮ ‬نعرف‮ ‬من‮ ‬يحركهم‮ ‬ومن‮ ‬يقف‮ ‬وراءهم‮ ‬ومن‮ ‬يمدهم‮ ‬بالدعم‮ ‬اللازم‮ ‬لخوض‮ ‬حربهم‮ ‬القذرة‮ ‬ضد‮ ‬الصحافة‮ ‬التي‮ ‬اختارت‮ ‬الاصطفاف‮ ‬إلى‮ ‬جانب‮ ‬الشعب‮ ‬ضدا‮ ‬على‮ ‬لصوصه‮ ‬ومصاصي‮ ‬دمائه‮. ‬
هذه‮ ‬معركتنا‮ ‬المصيرية‮ ‬التي‮ ‬لن‮ ‬نتراجع‮ ‬عنها‮ ‬مهما‮ ‬كلف‮ ‬الثمن‮.


... تابع القراءة

دعاوي السلاويين

يبدو‮ ‬أن‮ ‬إلياس‮ ‬العماري،‮ ‬تابع‮ ‬فؤاد‮ ‬عالي‮ ‬الهمة‮ ‬وحامل‮ ‬مسدسه،‮ ‬مجازيا‮ ‬طبعا،‮ ‬لم‮ ‬يبق‮ ‬له‮ ‬سوى‮ ‬أن‮ ‬يذهب‮ ‬إلى‮ ‬فاس‮ ‬عند‮ ‬شباط‮ ‬الذي‮ ‬نعته‮ ‬بالشيطان‮ ‬المارد‮ ‬لكي‮ ‬يأخذه‮ ‬لزيارة‮ ‬ضريح‮ ‬مولاي‮ ‬إدريس‮ ‬للتبرك‮ ‬وطلب‮ ‬العفو‮ ‬من‮ ‬الاستقلاليين،‮ ‬بعدما‮ ‬تمسح‮ ‬بتلابيب‮ ‬جلابة‮ ‬عبد‮ ‬الإله‮ ‬بنكيران‮ ‬الذي‮ ‬سبق‮ ‬أن‮ ‬نعته‮ ‬بالسلكوط‮ ‬بعد‮ ‬أن‮ ‬طاف‮ ‬العماري‮ ‬بجرائد‮ ‬أصدقائه‮ ‬يروج‮ ‬أن‮ ‬بنكيران‮ ‬كان‮ ‬يخطط‮ ‬لاغتياله‮. ‬
ولنا‮ ‬أن‮ ‬نسأل‮ ‬إلياس‮ «‬الكيماوي‮»‬،‮ ‬نسبة‮ ‬إلى‮ ‬جمعية‮ ‬ضحايا‮ ‬الحرب‮ ‬الكيماوية‮ ‬في‮ ‬الريف‮ ‬التي‮ ‬بفضلها‮ ‬ترقى‮ ‬سلالم‮ «‬المجد‮»‬،‮ ‬كيف‮ ‬واتته‮ ‬الجرأة‮ ‬لكي‮ ‬يستضيف‮ ‬نفسه‮ ‬عند‮ ‬من‮ ‬كان‮ ‬يخطط‮ ‬لاغتياله؟‮ ‬ألم‮ ‬يخش‮ ‬على‮ ‬نفسه‮ ‬من‮ ‬أن‮ ‬يضع‮ ‬له‮ ‬بنكيران‮ ‬السم‮ ‬في‮ ‬الدسم‮ ‬ويخلص‮ ‬منه‮ ‬البلاد‮ ‬والعباد؟
واضح‮ ‬أن‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬ليس‮ ‬سوى‮ «‬رقاص‮» ‬يحمل‮ ‬رسائل‮ ‬فؤاد‮ ‬عالي‮ ‬الهمة‮ ‬إلى‮ ‬الحزبين‮ ‬اللذين‮ ‬كان‮ ‬يستعد‮ ‬لإطباق‮ ‬فكيه‮ ‬عليهما،‮ ‬لولا‮ ‬أن‮ ‬رياح‮ ‬التغيير‮ ‬في‮ ‬العالم‮ ‬العربي‮ ‬جرت‮ ‬بما‮ ‬لا‮ ‬يشتهيه‮ ‬الجرار‮. ‬
فقد‮ ‬عرف‮ ‬الصديقان‮ ‬الحميمان‮ ‬أن‮ ‬أجواء‮ ‬جلسات‮ ‬النشاط‮ ‬على‮ ‬إيقاع‮ «‬قعدة‮ ‬الحاج‮ ‬مغيث‮» ‬لن‮ ‬تدوم‮ ‬طويلا،‮ ‬خصوصا‮ ‬بعد‮ ‬أن‮ ‬انقلب‮ ‬السحر‮ ‬على‮ ‬الساحر،‮ ‬وصدرت‮ ‬الأوامر‮ ‬بإطلاق‮ ‬سراح‮ ‬جامع‮ ‬المعتصم‮ ‬من‮ ‬سجن‮ ‬سلا‮ ‬الذي‮ ‬رمي‮ ‬فيه‮ ‬مع‮ ‬متهمين‮ ‬آخرين‮ ‬ظلما‮ ‬وعدوانا،‮ ‬وانتقل‮ ‬بسرعة‮ ‬البرق‮ ‬من‮ ‬معتقل،‮ ‬على‮ ‬ذمة‮ ‬التحقيق‮ ‬في‮ ‬قضية‮ ‬فساد‮ ‬إداري‮ ‬ومالي،‮ ‬إلى‮ ‬القصر‮ ‬الملكي‮ ‬للسلام‮ ‬على‮ ‬الملك‮ ‬وتسلم‮ ‬قرار‮ ‬تعيينه‮ ‬ضمن‮ ‬المجلس‮ ‬الاقتصادي‮ ‬والاجتماعي‮. ‬
كما‮ ‬أن‮ ‬إلياس‮ «‬الكيماوي‮» ‬فهم‮ ‬أن‮ «‬المنزلة‮» ‬انقلبت‮ ‬عندما‮ ‬متعت‮ ‬العدالة‮ ‬بعض‮ ‬معتقلي‮ «‬زلزال‮ ‬الحسيمة‮» ‬بالبراءة،‮ ‬وهو‮ ‬الملف‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬إلياس‮ ‬وراء‮ ‬حياكته‮ ‬أولا‮ ‬بأول‮ ‬لاستعراض‮ ‬نفوذه‮ ‬على‮ ‬مصادر‮ ‬القرار‮ ‬الأمني‮ ‬وهيمنته‮ ‬على‮ ‬السلطة‮ ‬القضائية‮ ‬في‮ ‬المملكة‮ ‬أمام‮ ‬خصومه‮ ‬في‮ ‬الريف،‮ ‬خصوصا‮ ‬في‮ ‬الناظور‮ ‬التي‮ «‬أبلى‮» ‬في‮ ‬أعيانها‮ ‬البلاء‮ ‬الحسن‮.    ‬
ومثلما‮ ‬أوضحنا‮ ‬سابقا‮ ‬كيف‮ ‬أن‮ ‬الهمة،‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬وزيرا‮ ‬منتدبا‮ ‬في‮ ‬الداخلية،‮ ‬كان‮ ‬يفعل‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬بوسعه‮ ‬لتنحية‮ «‬عرفة‮»‬،‮ ‬والي‮ ‬فاس،‮ ‬بسبب‮ ‬رفضه‮ ‬التوقيع‮ ‬على‮ ‬مقررات‮ ‬شباط‮ ‬غير‮ ‬القانونية،‮ ‬فإن‮ ‬الحكاية‮ ‬نفسها‮ ‬تكررت‮ ‬مع‮ ‬مجلس‮ ‬سلا‮ ‬الذي‮ ‬ظل‮ ‬مدير‮ ‬الجماعات‮ ‬المحلية،‮ ‬علال‮ ‬السكروحي،‮ ‬يجمد‮ ‬التوقيع‮ ‬على‮ ‬جميع‮ ‬مشاريعه‮ ‬لشل‮ ‬الحركة‮ ‬الاقتصادية‮ ‬في‮ ‬مدينة‮ ‬سلا،‮ ‬لمصلحة‮ ‬عمدتها‮ ‬السابق‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي‮.‬
فقد‮ ‬كان‮ ‬المخطط‮ ‬الجهنمي‮ ‬الذي‮ ‬حاكه‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬مع‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي‮ ‬وعلال‮ ‬السكروحي،‮ ‬بمباركة‮ ‬الهمة،‮ ‬هو‮ ‬أن‮ ‬يتم‮ ‬شل‮ ‬مجلس‮ ‬مدينة‮ ‬سلا‮ ‬لإعطاء‮ ‬الانطباع‮ ‬بأن‮ ‬المدينة‮ ‬بدون‮ ‬السنتيسي‮ ‬لا‮ ‬يمكن‮ ‬أن‮ ‬تتنفس،‮ ‬ولذلك‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يعود‮ ‬هذا‮ ‬الأخير‮ ‬إلى‮ ‬العمادة‮ ‬ويستعيد‮ ‬حصانته‮ ‬ويستمر‮ ‬في‮ ‬جرائمه‮ ‬المعمارية‮ ‬التي‮ ‬تدر‮ ‬على‮ ‬حساباته‮ ‬الملايير‮.‬
وطبعا،‮ ‬لإنجاز‮ ‬هذه‮ ‬الخطة‮ ‬ليس‮ ‬هناك‮ ‬أفضل‮ ‬من‮ ‬مدير‮ ‬الجماعات‮ ‬المحلية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮. ‬وبما‮ ‬أن‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬لاحظ‮ ‬أن‮ ‬هذا‮ ‬المنصب‮ ‬يشغله‮ ‬شخص‮ ‬لا‮ ‬يضمن‮ ‬ولاءه،‮ ‬فقد‮ ‬سارع‮ ‬إلى‮ ‬جلب‮ ‬علال‮ ‬السكروحي‮ ‬من‮ ‬الوكالة‮ ‬الحضرية‮ ‬بالدار‮ ‬البيضاء‮ ‬بعد‮ ‬أن‮ ‬أنجز،‮ ‬على‮ ‬أحسن‮ ‬وجه،‮ ‬مخطط‮ ‬جرجرة‮ ‬إدريس‮ ‬جطو‮ ‬في‮ ‬الوحل‮ ‬في‮ ‬قضية‮ ‬تحويل‮ ‬الطريق‮ ‬السيار،‮ ‬لكي‮ ‬يشغل‮ ‬منصب‮ ‬مدير‮ ‬الجماعات‮ ‬المحلية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮.‬
وأفضال‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬على‮ ‬علال‮ ‬السكروحي‮ ‬كثيرة‮ ‬ومتعددة،‮ ‬فبالإضافة‮ ‬إلى‮ ‬انحداره‮ ‬من‮ ‬الحسيمة،‮ ‬مسقط‮ ‬رأس‮ ‬إلياس،‮ ‬فقد‮ ‬جلبه‮ ‬من‮ ‬تطوان‮ ‬التي‮ ‬كان‮ ‬يشتغل‮ ‬بها‮ ‬موظفا‮ ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬يحط‮ ‬مديرا‮ ‬بالوكالة‮ ‬الحضرية‮ ‬في‮ ‬الدار‮ ‬البيضاء،‮ ‬بعد‮ ‬إزاحة‮ ‬فوزية‮ ‬إمنصار‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬حجر‮ ‬عثرة‮ ‬في‮ ‬طريق‮ ‬المنعشين‮ ‬العقاريين‮ ‬الجشعين‮ ‬عن‮ ‬طريق‮ ‬ترقيتها‮ ‬إلى‮ ‬منصب‮ ‬عامل‮ ‬باقتراح‮ ‬من‮ ‬كبار‮ ‬هؤلاء‮ ‬المنعشين‮ ‬أنفسهم‮ ‬وبدعم‮ ‬من‮ ‬الهمة‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يخطط،‮ ‬منذ‮ ‬ذلك‮ ‬الوقت،‮ ‬لوضع‮ ‬الدار‮ ‬البيضاء‮ ‬تحت‮ ‬حذائه‮.  ‬
وبما‮ ‬أن‮ ‬علال‮ ‬السكروحي‮ ‬لديه‮ ‬مصاهرة‮ ‬عائلية‮ ‬مع‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي،‮ ‬فقد‮ ‬شكل‮ ‬بالنسبة‮ ‬إلى‮ ‬إلياس‮ ‬الرجل‮ ‬المناسب‮ ‬لإنجاح‮ ‬خطة‮ ‬الهمة‮ ‬لاستيلاء‮ ‬حزبه‮ ‬على‮ ‬مجلس‮ ‬مدينة‮ ‬سلا‮ ‬وإعادة‮ ‬تنصيب‮ ‬صهره‮ ‬عمدة‮ ‬عليها‮ ‬لتفادي‮ ‬ظهور‮ ‬ملفاته‮ ‬العطنة‮ ‬على‮ ‬السطح‮.‬
عندما‮ ‬فشل‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي،‮ ‬خلال‮ ‬الانتخابات‮ ‬الأخيرة،‮ ‬في‮ ‬تشكيل‮ ‬تحالف‮ ‬يرمي‮ ‬بالعدالة‮ ‬والتنمية‮ ‬خارج‮ ‬المجلس،‮ ‬ورأى‮ ‬كيف‮ ‬استطاع‮ ‬جامع‮ ‬المعتصم‮ ‬إيجاد‮ ‬موقع‮ ‬لحزبه‮ ‬داخل‮ ‬المجلس،‮ ‬بدأت‮ ‬الضربات‮ ‬تحت‮ ‬الحزام‮. ‬
وهكذا،‮ ‬ففي‮ ‬الوقت‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬فيه‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي‮ ‬يزوج‮ ‬ابنته،‮ ‬في‮ ‬عرس‮ ‬باذخ،‮ ‬لابن‮ ‬الوزير‮ ‬الأول‮ ‬عباس‮ ‬الفاسي،‮ ‬مدير‮ ‬القناة‮ ‬الإخبارية،‮ ‬كان‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬يطلع‮ ‬على‮ ‬الشكاية‮ ‬التي‮ ‬حررها‮ ‬أربعة‮ ‬مستشارين‮ ‬في‮ ‬مجلس‮ ‬المدينة،‮ ‬بطلب‮ ‬من‮ ‬السنتيسي،‮ ‬ضد‮ ‬خصمه‮ ‬الإسلامي‮ ‬جامع‮ ‬المعتصم،‮ ‬ومعارضه‮ ‬التقليدي‮ ‬الاستقلالي‮ ‬عواد،‮ ‬ومنافسه‮ ‬المباشر‮ ‬في‮ ‬مقاطعة‮ ‬بطانة‮ ‬رشيد‮ ‬العبدي‮. ‬
ولأن‮ ‬الشكاية‮ ‬كانت‮ ‬شكلية‮ ‬والعملية‮ ‬كانت‮ ‬مدبرة‮ ‬برعاية‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬فقد‮ ‬تم‮ ‬اعتقال‮ ‬المشتكى‮ ‬بهم،‮ ‬رفقة‮ ‬موظفين‮ ‬ومهندسين،‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬متابعتهم‮ ‬في‮ ‬حالة‮ ‬اعتقال‮.‬
وقد‮ ‬جاء‮ ‬أول‮ ‬رد‮ ‬فعل‮ ‬لحزب‮ ‬الاستقلال‮ ‬على‮ ‬اعتقال‮ ‬عواد،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يستطيع‮ ‬الاستقلاليون‮ ‬إحصاء‮ ‬أفضاله‮ ‬على‮ ‬حزبهم‮ ‬في‮ ‬سلا،‮ ‬على‮ ‬لسان‮ ‬بناني‮ ‬سميرس،‮ ‬في‮ ‬برنامج‮ «‬حوار‮»‬،‮ ‬عندما‮ ‬سألها‮ ‬أحد‮ ‬الصحافيين‮ ‬عن‮ ‬موقف‮ ‬حزبها‮ ‬من‮ ‬اعتقال‮ ‬عواد‮ ‬فأجابت،‮ ‬بدون‮ ‬خجل،‮ ‬بأن‮ ‬عواد‮ ‬تم‮ ‬طرده‮ ‬من‮ ‬الحزب‮ ‬منذ‮ ‬أربعة‮ ‬أشهر‮. ‬
ولعل‮ ‬ما‮ ‬وقع‮ ‬لعواد‮ ‬على‮ ‬أيدي‮ ‬إخوانه‮ ‬في‮ ‬حزب‮ ‬الاستقلال‮ ‬يعطينا‮ ‬صورة‮ ‬مقربة‮ ‬عن‮ ‬هذا‮ ‬الحزب‮ ‬الذي‮ ‬يقلب‮ ‬فيه‮ ‬زعماؤه‮ «‬الكبوط‮» ‬بين‮ ‬ليلة‮ ‬وضحاها،‮ ‬فالذين‮ ‬حرروا‮ ‬الشكاية‮ ‬التي‮ ‬ذهبت‮ ‬بعواد‮ ‬إلى‮ ‬السجن‮ ‬بينهم‮ ‬استقلاليان‮ ‬اثنان،‮ ‬هما‮ ‬عمر‮ ‬السنتيسي‮ ‬أخ‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي،‮ ‬وعبد‮ ‬القادر‮ ‬الكيحل‮ ‬الكاتب‮ ‬العام‮ ‬للشبيبة‮ ‬الاستقلالية‮. ‬وبمجرد‮ ‬ما‮ ‬أودع‮ ‬عواد‮ ‬سجن‮ ‬سلا،‮ ‬تنكرت‮ ‬له‮ ‬البرلمانية‮ ‬الاستقلالية‮ ‬بناني‮ ‬سميرس‮. ‬لكن‮ ‬بمجرد‮ ‬ما‮ ‬أطلق‮ ‬سراحه‮ ‬مع‮ ‬المعتصم،‮ ‬كان‮ ‬أول‮ ‬المهنئين‮ ‬هو‮ ‬الاستقلالي‮ ‬شباط‮ ‬عمدة‮ ‬فاس‮. «‬وفهم‮ ‬شي‮ ‬حاجة‮».‬
المشكلة‮ ‬أن‮ ‬الخطة‮ ‬كلها‮ ‬فشلت،‮ ‬خصوصا‮ ‬بعدما‮ ‬بدأت‮ ‬رياح‮ ‬التغيير‮ ‬تهب‮ ‬على‮ ‬المغرب‮ ‬قادمة‮ ‬من‮ ‬تونس‮ ‬ومصر،‮ ‬فكان‮ ‬ضروريا‮ ‬أن‮ ‬تتوقف‮ ‬المهزلة‮ ‬في‮ ‬منتصف‮ ‬الطريق‮.‬
واليوم،‮ ‬بعدما‮ ‬غادر‮ ‬ضحايا‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬والسنتيسي‮ ‬والسكروحي‮ ‬أسوار‮ ‬سجن‮ ‬سلا،‮ ‬حان‮ ‬الوقت‮ ‬لإيداع‮ ‬هذا‮ ‬السجن‮ ‬المجرمين‮ ‬الحقيقيين‮ ‬الذين‮ ‬دمروا‮ ‬وسرقوا‮ ‬ونهبوا‮ ‬سلا‮ ‬طيلة‮ ‬سنوات‮ ‬دون‮ ‬محاسبة‮.‬
لقد‮ ‬بدأ‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي‮ ‬حياته‮ ‬السياسية‮ ‬بالسجن،‮ ‬ويبدو‮ ‬أن‮ ‬الوقت‮ ‬حان‮ ‬لإعادته‮ ‬إليه‮ ‬ومحاكمته‮ ‬هو‮ ‬وأخوه‮ ‬على‮ ‬كل‮ ‬المخالفات‮ ‬والجرائم‮ ‬المعمارية‮ ‬التي‮ ‬ارتكبها‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬رئيسا‮ ‬للجماعة‮ ‬الحضرية‮ ‬لسلا‮ ‬وعندما‮ ‬غادر‮ ‬العمادة‮ ‬وبقي‮ ‬عضوا‮ ‬في‮ ‬الجماعة‮.‬
إن‮ ‬الصمت‮ ‬المطبق‮ ‬الذي‮ ‬واجهت‮ ‬به‮ ‬مديرية‮ ‬الشؤون‮ ‬الجنائية‮ ‬بوزارة‮ ‬العدل‮ ‬ورئيس‮ ‬البرلمان‮ ‬ورئيس‮ ‬مجلس‮ ‬المستشارين‮ ‬ووزير‮ ‬الداخلية‮ ‬والمفتش‮ ‬العام‮ ‬للإدارة‮ ‬الترابية‮ ‬والمفتشية‮ ‬العامة‮ ‬للمالية‮ ‬المحلية‮ ‬ومدير‮ ‬الحريات‮ ‬العامة‮ ‬والتقنين‮ ‬وكاتب‮ ‬الدولة‮ ‬في‮ ‬الداخلية‮ ‬ووزير‮ ‬المالية‮ ‬والمدير‮ ‬العام‮ ‬للأمن‮ ‬الوطني‮ ‬ومدير‮ ‬الشرطة‮ ‬القضائية‮ ‬والوكيل‮ ‬العام‮ ‬للملك،‮ ‬التقرير‮ ‬المفصل‮ ‬المعزز‮ ‬بالوثائق‮ ‬الإدارية‮ ‬والأدلة‮ ‬الدامغة‮ ‬التي‮ ‬أرسلها‮ ‬إليهم‮ ‬المستشار‮ ‬بالجماعة‮ ‬الحضرية‮ ‬لسلا‮ ‬السيد‮ ‬بنعزوز‮ ‬عبد‮ ‬اللطيف،‮ ‬والذي‮ ‬يكشف‮ ‬تواطؤ‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي‮ ‬وأخوه‮ ‬ومحمد‮ ‬لعلو،‮ ‬رئيسي‮ ‬الجماعة‮ ‬الحضرية‮ ‬السابقين،‮ ‬وتورطهما‮ ‬في‮ ‬جرائم‮ ‬التزوير‮ ‬وتبديد‮ ‬أموال‮ ‬عمومية‮ ‬والتدليس‮ ‬الممارس‮ ‬على‮ ‬المصالح‮ ‬المركزية‮ ‬لوزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬يكشف‮ ‬أن‮ ‬هناك‮ ‬رغبة‮ ‬في‮ ‬التغطية‮ ‬على‮ ‬المجرمين‮ ‬الحقيقيين‮ ‬وتوريط‮ ‬الأبرياء‮.‬
إن‮ ‬مجرد‮ ‬توصل‮ ‬هذه‮ ‬المصالح‮ ‬بما‮ ‬يفيد‮ ‬بأن‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي‮ ‬استغل‮ ‬منصبه‮ ‬كرئيس‮ ‬لجماعة‮ ‬سلا‮ ‬بطانة‮ ‬وعمدة‮ ‬سابق‮ ‬لمدينة‮ ‬سلا‮ ‬وربط‮ ‬مصالح‮ ‬خاصة‮ ‬مع‮ ‬الجماعة‮ ‬التي‮ ‬هو‮ ‬عضو‮ ‬فيها‮ ‬وأبرم‮ ‬معها‮ ‬أعمالا‮ ‬وعقودا‮ ‬لصالحه‮ ‬ولصالح‮ ‬أخيه،‮ ‬في‮ ‬خرق‮ ‬لمقتضيات‮ ‬القانون‮ ‬المتعلق‮ ‬بالميثاق‮ ‬الجماعي‮ ‬الذي‮ ‬يمنع‮ ‬على‮ ‬كل‮ ‬عضو‮ ‬بالمجلس،‮ ‬تحت‮ ‬طائلة‮ ‬العزل،‮ ‬كان‮ ‬يفرض‮ ‬عليها‮ ‬أن‮ ‬تطبق‮ ‬القانون‮ ‬وتعزل‮ ‬المعني‮ ‬بالأمر‮ ‬وتقدمه‮ ‬للمحاكمة‮.‬
أما‮ ‬وأن‮ ‬السيد‮ ‬إدريس‮ ‬السنتيسي‮ ‬أعطى‮ ‬لنفسه‮ ‬الحق‮ ‬في‮ ‬تحويل‮ ‬بقعة‮ ‬تابعة‮ ‬للعمران‮ ‬من‮ ‬مشروع‮ ‬تجاري‮ ‬إلى‮ ‬مشروع‮ ‬صناعي،‮ ‬وأعطى‮ ‬لنفسه‮ ‬الحق‮ ‬في‮ «‬أكل‮» ‬المجلس‮ ‬عندما‮ ‬رفض‮ ‬دفع‮ ‬الرسوم‮ ‬الضريبية‮ ‬على‮ ‬مدارسه‮ ‬الخاصة‮ ‬والواجبات‮ ‬المستحقة‮ ‬للجماعة‮ ‬كتعويض‮ ‬عن‮ ‬عقود‮ ‬البيع‮ ‬والتفويت‮ ‬لفائدة‮ ‬شركاته،‮ ‬وفوت‮ ‬إلى‮ ‬شركاته‮ ‬الكثيرة‮ ‬عقودا‮ ‬تفضيلية‮ ‬ضدا‮ ‬على‮ ‬مصلحة‮ ‬الجماعة‮ ‬ودافعي‮ ‬الضرائب،‮ ‬فإن‮ ‬السيد‮ ‬السكروحي‮ ‬يصبح‮ ‬مطالبا‮ ‬بفتح‮ ‬تحقيق‮ ‬مع‮ ‬صهره‮ ‬وصهر‮ ‬الوزير‮ ‬الأول،‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬استجلاء‮ ‬الحقيقة‮ ‬ومعاقبة‮ ‬اللصوص‮ ‬والمفسدين‮ ‬الحقيقيين‮ ‬الذي‮ ‬دمروا‮ ‬مدينة‮ ‬مجاهدة‮ ‬كسلا‮ ‬وحولوها‮ ‬إلى‮ ‬مدينة‮ ‬شبح‮.‬
إن‮ ‬ما‮ ‬يهم‮ ‬السلاويين‮ ‬اليوم‮ ‬في‮ ‬المقام‮ ‬الأول،‮ ‬والرأي‮ ‬العام‮ ‬في‮ ‬المقام‮ ‬الثاني،‮ ‬ليس‮ ‬هو‮ ‬أن‮ «‬يتصالح‮» ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬مع‮ ‬بنكيران‮ ‬أو‮ ‬عباس‮ ‬الفاسي،‮ ‬بل‮ ‬إن‮ ‬ما‮ ‬يهمنا‮ ‬جميعا‮ ‬هو‮ ‬أن‮ ‬تتخلص‮ ‬وزارتا‮ ‬الداخلية‮ ‬والعدل‮ ‬من‮ ‬وصاية‮ ‬الهمة‮ ‬وتابعه‮ ‬العماري‮ ‬وتكون‮ ‬لديهما‮ ‬الجرأة‮ ‬لفتح‮ ‬تحقيق‮ ‬نزيه‮ ‬وشفاف‮ ‬حول‮ ‬الملف‮ ‬الضخم‮ ‬المعزز‮ ‬بالوثائق‮ ‬والشواهد،‮ ‬والذي‮ ‬وضعه‮ ‬المستشار‮ ‬عبد‮ ‬اللطيف‮ ‬بنعزوز‮ ‬بين‮ ‬أيديهما‮. ‬وهي‮ ‬مناسبة‮ ‬أيضا‮ ‬لفتح‮ ‬تحقيق‮ ‬مواز‮ ‬حول‮ ‬الظروف‮ ‬التي‮ ‬تحول‮ ‬فيها‮ ‬المستشار‮ ‬بنعزوز‮ ‬نفسه‮ ‬من‮ ‬موظف‮ ‬بسيط‮ ‬في‮ ‬قسم‮ ‬التعمير‮ ‬يمتطي‮ ‬دراجة‮ ‬من‮ ‬نوع‮ «‬موطوبيكان‮»‬،‮ ‬إلى‮ ‬ملياردير‮ ‬يملك‮ ‬اليوم‮ ‬محلين‮ ‬لبيع‮ ‬الذهب‮ ‬بالمدينة‮ ‬القديمة،‮ ‬ومقهى‮ ‬أمام‮ ‬سينما‮ ‬الملكي،‮ ‬وفيلا‮ ‬بحي‮ ‬أكدال‮ ‬قرب‮ ‬الوزارات،‮ ‬وفيلا‮ ‬بمدينة‮ ‬إفران،‮ ‬وعدة‮ ‬بقع‮ ‬أرضية‮ ‬بحي‮ ‬السلام،‮ ‬وعمارة‮ ‬بحي‮ ‬الحرية‮ ‬مشتركة‮ ‬مع‮ ‬أحد‮ ‬المنعشين‮ ‬العقاريين،‮ ‬وشركة‮ ‬للخشب‮ ‬بطريق‮ ‬القنيطرة،‮ ‬ومستودع‮ ‬للكراء‮ ‬أمام‮ ‬إقامة‮ ‬القراصنة‮ ‬بسلا،‮ ‬ومعمل‮ ‬للنسيج‮ ‬بالحي‮ ‬الصناعي‮ ‬الدار‮ ‬الحمراء‮ ‬بسلا‮ ‬مع‮ ‬شركة‮ ‬أجنبية‮.‬
فإما‮ ‬أن‮ ‬هذا‮ ‬المستشار‮ ‬يكذب‮ ‬ويريد‮ ‬أن‮ ‬يلوث‮ ‬سمعة‮ ‬الأخوين‮ ‬السنتيسي‮ ‬بهذه‮ ‬الادعاءات‮ ‬الخطيرة،‮ ‬وفي‮ ‬هذه‮ ‬الحالة‮ ‬يجب‮ ‬على‮ ‬آل‮ ‬السنتيسي‮  ‬أن‮ ‬يخرجوا‮ ‬عن‮ ‬صمتهم‮ ‬الغامض‮ ‬ويتابعوه‮ ‬قضائيا،‮ ‬وإما‮ ‬أن‮ ‬ما‮ ‬يدعيه‮ ‬هذا‮ ‬المستشار‮ ‬حقيقي،‮ ‬وفي‮ ‬هذه‮ ‬الحالة‮ ‬يجب‮ ‬على‮ ‬السلطات‮ ‬المعنية‮ ‬أن‮ ‬تأخذه‮ ‬بجدية‮ ‬وتفتح‮ ‬تحقيقا‮ ‬قضائيا‮ ‬حوله‮.‬
‮«‬المهم‮ ‬واحد‮ ‬فيهم‮ ‬خصو‮ ‬يتشد‮». ‬
... تابع القراءة

المخطط‮ ‬الجهنمي‮ ‬

في‮ ‬الوقت‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬فيه‮ ‬الملك‮ ‬يوجه‮ ‬خطابه‮ ‬إلى‮ ‬الشعب‮ ‬مساء‮ ‬التاسع‮ ‬من‮ ‬مارس‮ ‬الماضي،‮ ‬كان‮ ‬وزير‮ ‬الداخلية‮ ‬يعمم‮ ‬مذكرة‮ ‬سرية‮ ‬على‮ ‬جميع‮ ‬ولاة‮ ‬الأمن‮ ‬بالمملكة‮ ‬يحثهم‮ ‬فيها‮ ‬على‮ ‬تفكيك‮ ‬الوقفات‮ ‬الاحتجاجية‮ ‬بالقوة‮. ‬
واضح‮ ‬أن‮ ‬جيوب‮ ‬مقاومة‮ ‬التغيير‮ ‬لن‮ ‬تقف‮ ‬مكتوفة‮ ‬الأيدي‮ ‬وهي‮ ‬ترى‮ ‬مصالحها‮ ‬وامتيازاتها‮ ‬الشخصية‮ ‬مهددة‮ ‬بهذا‮ ‬الانحياز‮ ‬الملكي‮ ‬إلى‮ ‬جهة‮ ‬الشعب‮ ‬ومطالبه‮. ‬ولعل‮ ‬إحساس‮ ‬هذه‮ «‬الجيوب‮»‬،‮ ‬التي‮ ‬انتفخت‮ ‬بالأموال‮ ‬والامتيازات،‮ ‬بقرب‮ ‬فقدانها‮ ‬لقلاعها‮ ‬المحروسة‮ ‬التي‮ ‬أمنت‮ ‬مياهها‮ ‬الإقليمية‮ ‬باستعمالها‮ ‬المفرط‮ ‬لاسم‮ ‬الملك‮ ‬وصداقته‮ ‬والقرب‮ ‬منه،‮ ‬جعلها‮ ‬تلجأ‮ ‬إلى‮ ‬سياسة‮ «‬الأرض‮ ‬المحروقة‮» ‬لخلق‮ ‬البلبلة‮ ‬والتشويش‮ ‬على‮ ‬المسار‮ ‬الذي‮ ‬اختاره‮ ‬الملك،‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬إفشال‮ ‬مشروع‮ ‬التغيير‮ ‬وقتله‮ ‬في‮ ‬مهده‮. ‬
والنتيجة‮ ‬هي‮ ‬ما‮ ‬شاهدناه‮ ‬في‮ ‬نشرات‮ ‬أخبار‮ ‬القنوات‮ ‬الدولية‮ ‬طيلة‮ ‬الأيام‮ ‬الأخيرة،‮ ‬مباشرة‮ ‬بعد‮ ‬الخطاب‮ ‬الملكي‮ ‬الذي‮ ‬أثنى‮ ‬عليه‮ ‬الاتحاد‮ ‬الأوربي‮ ‬والخارجية‮ ‬الأمريكية‮. ‬صور‮ ‬مخجلة‮ ‬لعناصر‮ ‬من‮ ‬فرق‮ ‬التدخل‮ ‬السريع‮ ‬والأمن،‮ ‬مجهزة‮ ‬بالقمصان‮ ‬الواقية‮ ‬من‮ ‬الرصاص،‮ ‬تتدخل‮ ‬بهمجية‮ ‬لتفريق‮ ‬وقفة‮ ‬احتجاجية‮ ‬سلمية‮ ‬لبضع‮ ‬عشرات‮ ‬من‮ ‬المواطنين‮.‬
ولعل‮ ‬المخطط،‮ ‬الذي‮ ‬تحبكه‮ ‬جيوب‮ ‬مقاومة‮ ‬التغيير‮ ‬داخل‮ ‬الدولة،‮ ‬يقوم‮ ‬على‮ ‬خلق‮ ‬حالة‮ ‬من‮ ‬الارتباك‮ ‬عن‮ ‬طريق‮ ‬استعمال‮ ‬العنف‮ ‬بإفراط‮ ‬ضد‮ ‬الوقفات‮ ‬الاحتجاجية‮ ‬وضد‮ ‬الصحافيين‮. ‬أولا،‮ ‬لزرع‮ ‬بذور‮ ‬الشك‮ ‬وانعدام‮ ‬الثقة‮ ‬بين‮ ‬الشعب‮ ‬والخطاب‮ ‬الرسمي‮ ‬في‮ ‬أذهان‮ ‬الرأي‮ ‬العام‮. ‬وثانيا،‮ ‬لدفع‮ ‬وسائل‮ ‬الإعلام‮ ‬ضحية‮ ‬الاعتداءات‮ ‬إلى‮ ‬تبني‮ ‬مواقف‮ ‬راديكالية‮ ‬ضد‮ ‬الدولة‮. ‬
ولعل‮ ‬المؤسسة‮ ‬الوحيدة‮ ‬التي‮ ‬تستطيع‮ ‬تنفيذ‮ ‬هذا‮ ‬المخطط‮ ‬الجهنمي،‮ ‬الذي‮ ‬يصب‮ ‬في‮ ‬مصلحة‮ ‬حفنة‮ ‬من‮ ‬الانتهازيين،‮ ‬هي‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮. ‬
لذلك،‮ ‬فلإنجاح‮ ‬مشروع‮ ‬الملك‮ ‬الإصلاحي‮ ‬يجب،‮ ‬أولا،‮ ‬تطهير‮ ‬هذه‮ ‬الوزارة‮ ‬من‮ ‬جيوب‮ ‬المقاومة،‮ ‬فالكل‮ ‬يعرف‮ ‬أن‮ ‬وزير‮ ‬الداخلية‮ ‬الحقيقي‮ ‬ليس‮ ‬هو‮ ‬الطيب‮ ‬الشرقاوي‮ ‬وإنما‮ ‬هو‮ ‬فؤاد‮ ‬عالي‮ ‬الهمة،‮ ‬مؤسس‮ ‬حزب‮ ‬الأصالة‮ ‬والمعاصرة‮ ‬الذي‮ ‬طالب‮ ‬المحتجون‮ ‬بحله‮. ‬
ومنذ‮ ‬أن‮ ‬رفض‮ ‬شكيب‮ ‬بنموسى‮ ‬الانصياع‮ ‬لأوامر‮ ‬الهمة‮ ‬خلال‮ ‬الانتخابات‮ ‬الأخيرة‮ ‬وأشهر‮ ‬في‮ ‬وجهه‮ ‬الفصل‮ ‬الخامس‮ ‬حول‮ ‬الترحال‮ ‬البرلماني،‮ ‬رأى‮ ‬الجميع‮ ‬كيف‮ ‬صفى‮ ‬الهمة‮ ‬حسابه‮ ‬مع‮ ‬هذا‮ ‬الأخير‮ ‬عندما‮ ‬عزل‮ ‬واليه‮ ‬بمراكش،‮ ‬منير‮ ‬الشرايبي،‮ ‬الذي‮ ‬تجرأ‮ ‬وسمح‮ ‬بالطعن‮ ‬في‮ ‬نجاح‮ ‬فاطمة‮ ‬الزهراء‮ ‬المنصوري‮ ‬وإعادة‮ ‬الانتخابات‮ ‬من‮ ‬جديد‮. ‬
مباشرة‮ ‬بعد‮ ‬سطوه‮ ‬على‮ ‬مدن‮ ‬وجهات‮ ‬بكاملها،‮ ‬تفرغ‮ ‬الهمة‮ ‬للإطاحة‮ ‬برأس‮ ‬شكيب‮ ‬بنموسى‮ ‬من‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬ووضع‮ ‬وزيرا‮ ‬بدون‮ ‬شخصية،‮ ‬اسمه‮ ‬الطيب‮ ‬الشرقاوي،‮ ‬جل‮ ‬اهتمامه‮ ‬منصبٌّ‮ ‬حول‮ ‬البحث‮ ‬عن‮ «‬الهمزات‮» ‬العقارية‮ ‬في‮ ‬ضواحي‮ ‬المدن‮ ‬والقرى،‮ ‬عوض‮ ‬الاهتمام‮ ‬بملفات‮ ‬وزارة‮ ‬تعتبر‮ ‬من‮ ‬أهم‮ ‬الوزارات‮ ‬بالنسبة‮ ‬إلى‮ ‬الأمن‮ ‬العام‮ ‬والاستقرار‮ ‬السياسي‮ ‬والاجتماعي‮.‬
وبما‮ ‬أن‮ ‬نقطة‮ ‬ضعف‮ ‬الطيب‮ ‬الشرقاوي‮ ‬هي‮ ‬حيازة‮ ‬الضيعات‮ ‬والأراضي‮ ‬الفلاحية،‮ ‬فقد‮ ‬تفرغ‮ ‬لهذه‮ «‬الهواية‮»‬،‮ ‬تاركا‮ ‬إدارة‮ ‬الملفات‮ ‬الأمنية‮ ‬والسياسية‮ ‬والاجتماعية‮ ‬الكبرى‮ ‬في‮ ‬يد‮ ‬الهمة‮ ‬وأعوانه‮. ‬
آخر‮ ‬هذه‮ ‬الضيعات‮ ‬التي‮ «‬يجمعها‮» ‬الوزير‮ ‬كانت‮ ‬ضيعة‮ ‬تكفل‮ ‬عامل‮ ‬عمالة‮ ‬إقليم‮ ‬ابن‮ ‬سليمان‮ ‬السابق‮ ‬محمد‮ ‬فطاح‮ ‬بتزويدها‮ ‬بأجهزة‮ ‬كهربائية‮ ‬من‮ ‬ميزانية‮ ‬العمالة،‮ ‬وتم‮ ‬تثبيت‮ ‬هذه‮ ‬الأجهزة‮ ‬بضيعة‮ ‬الوزير‮ ‬الواقعة‮ ‬بدوار‮ ‬الكدية‮ ‬التابع‮ ‬لتراب‮ ‬جماعة‮ ‬قروية‮ ‬تدعى‮ ‬عين‮ ‬تيزغة‮ ‬يرأسها‮ ‬الاستقلالي‮ ‬أحمد‮ ‬الداهي،‮ ‬الرئيس‮ ‬السابق‮ ‬للمجلس‮ ‬الإقليمي‮ ‬ابن‮ ‬سليمان،‮ ‬وهو‮ ‬شقيق‮ ‬خليل‮ ‬الداهي‮ ‬الذي‮ ‬يرأس‮ ‬حاليا‮ ‬بلدية‮ ‬المدينة‮ ‬نفسها‮ ‬عن‮ ‬حزب‮ ‬الاستقلال‮. ‬
وفي‮ ‬الوقت‮ ‬الذي‮ ‬تفرغ‮ ‬فيه‮ ‬الهمة‮ ‬لتوظيف‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬لتصفية‮ ‬حساباته‮ ‬السياسية‮ ‬والشخصية،‮ ‬تفرغ‮ ‬الطيب‮ ‬الشرقاوي‮ ‬لتوظيف‮ ‬معارفه‮ ‬وأقاربه‮ ‬في‮ ‬المصالح‮ ‬التابعة‮ ‬له‮.‬
وهكذا،‮ ‬وظف‮ ‬الطيب‮ ‬الشرقاوي‮ ‬زوج‮ ‬ابنته‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬بعد‮ ‬أن‮ ‬كان‮ ‬يشتغل‮ ‬في‮ ‬قطاع‮ ‬الفندقة‮. ‬كما‮ ‬رقى‮ ‬زوج‮ ‬أخته‮ ‬بعمالة‮ ‬المحمدية‮ ‬ترقية‮ ‬صاروخية‮. ‬أما‮ ‬ابنه‮ ‬المحامي،‮ ‬فمنذ‮ ‬تولي‮ ‬والده‮ ‬حقيبة‮ ‬الداخلية‮ ‬وهو‮ ‬يحصل‮ ‬على‮ ‬صفقات‮ ‬الترافع‮ ‬لصالح‮ ‬البنوك‮ ‬الكبرى،‮ ‬كصفقة‮ «‬التجاري‮ ‬وفا‮ ‬بنك‮» ‬التي‮ ‬حصل‮ ‬عليها‮ ‬مؤخرا‮. ‬
وهكذا،‮ ‬ترك‮ ‬الشرقاوي‮ ‬الداخلية‮ ‬في‮ ‬يد‮ ‬الهمة‮. ‬وقد‮ ‬رأينا‮ ‬جميعا‮ ‬كيف‮ ‬احترقت‮ ‬العيون‮ ‬بسبب‮ ‬نزوات‮ ‬هذا‮ ‬الرجل‮ ‬الذي‮ ‬أراد‮ ‬أن‮ ‬يعيد‮ ‬فيها‮ ‬تكرار‮ ‬ما‮ ‬فعله‮ ‬في‮ ‬مراكش‮ ‬ووجدة‮ ‬والدار‮ ‬البيضاء‮ ‬والرباط‮ ‬من‮ ‬شطط‮ ‬انتخابي،‮ ‬فكانت‮ ‬النتيجة‮ ‬كارثة‮ ‬حقيقية‮ ‬كلفت‮ ‬المغرب‮ ‬فاتورة‮ ‬باهظة‮ ‬على‮ ‬المستويين‮ ‬المحلي‮ ‬والدولي‮. ‬
ورأينا‮ ‬مثالا‮ ‬واضحا‮ ‬للعبث‮ ‬بقرارات‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬عندما‮ ‬اندلعت‮ ‬أحداث‮ ‬شغب‮ ‬في‮ ‬الحسيمة‮ ‬بسبب‮ ‬مشكل‮ ‬اجتماعي‮ ‬عادي،‮ ‬فأعطى‮ ‬الهمة‮ ‬أوامره‮ ‬لوزير‮ ‬الداخلية‮ ‬بإطلاق‮ ‬سراح‮ ‬جميع‮ ‬المعتقلين،‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬إظهار‮ ‬مدى‮ ‬النفوذ‮ ‬الذي‮ «‬يتمتع‮» ‬به‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬لأبناء‮ ‬الريف،‮ ‬مع‮ ‬أن‮ ‬مواطنين‮ ‬يحملون‮ ‬نفس‮ ‬بطاقات‮ ‬التعريف‮ ‬الوطنية‮ ‬تم‮ ‬اعتقالهم‮ ‬في‮ ‬الدار‮ ‬البيضاء‮ ‬والمحمدية‮ ‬بعدما‮ ‬احتجوا‮ ‬على‮ ‬تأخر‮ ‬السلطات‮ ‬في‮ ‬مساعدتهم‮ ‬بعد‮ ‬الفيضانات‮ ‬الأخيرة،‮ ‬فكان‮ ‬مصيرهم‮ ‬السجن‮ ‬والمحاكمة،‮ ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬تبرئهم‮ ‬المحكمة‮ ‬أياما‮ ‬قليلة‮ ‬قبل‮ ‬مسيرات‮ ‬20‮ ‬فبراير‮. ‬
بكلمة‮ ‬واحدة،‮ ‬إننا‮ ‬نفتقر‮ ‬اليوم‮ ‬إلى‮ ‬وزير‮ ‬داخلية‮ ‬حقيقي‮ ‬يستطيع‮ ‬أن‮ ‬يجعل‮ ‬مصالح‮ ‬وزارته‮ ‬في‮ ‬خدمة‮ ‬المشروع‮ ‬الإصلاحي‮ ‬للملك،‮ ‬ويحمي‮ ‬مصالح‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬من‮ ‬السقوط‮ ‬بين‮ ‬أيدي‮ ‬جيوب‮ ‬مقاومة‮ ‬الإصلاح‮ ‬التي‮ ‬تبحث‮ ‬بكل‮ ‬الوسائل‮ ‬عن‮ ‬استخدام‮ ‬القوة‮ ‬الضاربة‮ ‬للداخلية‮ ‬في‮ ‬خلط‮ ‬الأوراق‮ ‬وجعل‮ ‬مهمة‮ ‬الإصلاح‮ ‬صعبة،‮ ‬إن‮ ‬لم‮ ‬نقل‮ ‬مستحيلة‮.‬
ومنذ‮ ‬الخطاب‮ ‬الملكي‮ ‬الأخير،‮ ‬بدأ‮ ‬الهمة‮ ‬يشعر‮ ‬بالعزلة،‮ ‬مما‮ ‬جعله‮ ‬يتحرك‮ ‬سريعا‮ ‬على‮ ‬الواجهتين‮ ‬السياسية‮ ‬والأمنية‮ ‬كلتيهما‮. ‬فقد‮ ‬أرسل،‮ ‬من‮ ‬جهة،‮ ‬تابعه‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬لمجالسة‮ ‬عباس‮ ‬الفاسي‮ ‬لكي‮ ‬يطفئ‮ ‬غضب‮ ‬حزب‮ ‬الاستقلال،‮ ‬وأرسله‮ ‬للجلوس‮ ‬مع‮ ‬بنكيران‮ ‬لإطفاء‮ ‬غضب‮ ‬العدالة‮ ‬والتنمية‮. ‬وفي‮ ‬المقابل،‮ ‬دفع‮ ‬الطيب‮ ‬الشرقاوي‮ ‬إلى‮ ‬مراسلة‮ ‬ولاته‮ ‬وعماله‮ ‬لحثهم‮ ‬على‮ ‬استعمال‮ ‬القوة‮ ‬في‮ ‬فك‮ ‬التظاهرات‮ ‬والوقفات‮ ‬الاحتجاجية‮.‬
والهدف‮ ‬الحقيقي‮ ‬من‮ ‬وراء‮ ‬كل‮ ‬هذه‮ ‬التحركات‮ ‬السرية‮ ‬والعلنية‮ ‬لخندق‮ ‬الهمة‮ ‬هو‮ ‬الرغبة‮ ‬في‮ ‬الإبقاء‮ ‬على‮ ‬شبكة‮ ‬المصالح‮ ‬والعلاقات‮ ‬والامتيازات‮ ‬التي‮ ‬نسجها‮ ‬طيلة‮ ‬العشر‮ ‬سنوات‮ ‬الأخيرة،‮ ‬وأصبح‮ ‬بفضلها‮ ‬يضع‮ ‬يده‮ ‬على‮ ‬سائر‮ ‬مناحي‮ ‬الحياة‮ ‬السياسية‮ ‬والاقتصادية‮ ‬والاجتماعية‮.‬
لقد‮ ‬أصبح‮ ‬واضحا‮ ‬أن‮ ‬هناك‮ ‬جيوبا‮ ‬لمقاومة‮ ‬التغيير‮ ‬الإصلاحي‮ ‬الذي‮ ‬جاء‮ ‬به‮ ‬الملك‮ ‬حتى‮ ‬من‮ ‬داخل‮ ‬المربع‮ ‬الملكي‮. ‬وقد‮ ‬شعر‮ ‬هؤلاء،‮ ‬بعد‮ ‬الخطاب‮ ‬الملكي‮ ‬الأخير،‮ ‬بأن‮ ‬الملك‮ «‬ساسهم‮»‬،‮ ‬كما‮ ‬يقول‮ ‬المغاربة،‮ ‬وانحاز‮ ‬إلى‮ ‬جهة‮ ‬الشعب‮. ‬وبما‮ ‬أن‮ ‬هؤلاء‮ ‬الناس‮ ‬لديهم‮ «‬رجال‮ ‬مقاومتهم‮» ‬فإنهم‮ ‬ليسوا‮ ‬مستعدين‮ ‬للاستسلام‮ ‬بهذه‮ ‬السهولة‮ ‬لرياح‮ ‬التغيير‮ ‬التي‮ ‬بدأت‮ ‬تهب‮ ‬على‮ ‬قلاعهم‮ ‬المحروسة‮.‬
هناك،‮ ‬إذن،‮ ‬من‮ ‬يبحث‮ ‬بكل‮ ‬الوسائل‮ ‬عن‮ ‬إشعال‮ ‬فتيل‮ ‬حرب‮ ‬شوارع‮ ‬مفتوحة‮ ‬بين‮ ‬الدولة‮ ‬وحركة‮ ‬العدل‮ ‬والإحسان،‮ ‬بحكم‮ ‬أنها‮ ‬تشكل‮ ‬القوة‮ ‬العددية‮ ‬المشكلة‮ ‬لحركة‮ ‬20‮ ‬فبراير،‮ ‬عوض‮ ‬الجلوس‮ ‬إلى‮ ‬طاولة‮ ‬المفاوضات‮ ‬وإيجاد‮ ‬صيغ‮ ‬وأشكال‮ ‬للتعامل‮ ‬القانوني‮ ‬مع‮ ‬هذه‮ ‬الحركة‮.‬
ومن‮ ‬خلال‮ ‬ما‮ ‬حدث‮ ‬مؤخرا،‮ ‬نستنتج‮ ‬أن‮ ‬الدولة‮ ‬لا‮ ‬زالت،‮ ‬رغم‮ ‬الخطاب‮ ‬الثوري‮ ‬للملك،‮ ‬تتعامل‮ ‬بأساليب‮ ‬متجاوزة‮ ‬مع‮ ‬من‮ ‬يخالفها‮ ‬الرأي،‮ ‬فقد‮ ‬سارعت،‮ ‬عبر‮ ‬وسائل‮ ‬الإعلام‮ ‬الرسمية،‮ ‬إلى‮ ‬تعميم‮ ‬خبر‮ ‬اعتقال‮ ‬خلية‮ ‬إرهابية‮ ‬في‮ ‬إيطاليا‮ ‬كانت‮ ‬تخطط‮ ‬لاغتيال‮ ‬البابا،‮ ‬وربطت‮ ‬بين‮ ‬الخلية‮ ‬وجماعة‮ ‬العدل‮ ‬والإحسان‮. ‬واليوم،‮ ‬نرى‮ ‬كيف‮ ‬يتم‮ ‬تحميل‮ ‬العدل‮ ‬والإحسان‮ ‬مسؤولية‮ ‬العنف‮ ‬والتدمير‮ ‬الذي‮ ‬حدث‮ ‬في‮ ‬خريبكة،‮ ‬وبالضبط‮ ‬ضد‮ ‬مؤسسة‮ ‬المكتب‮ ‬الشريف‮ ‬للفوسفاط‮ ‬التي‮ ‬تعتبر‮ ‬الجهاز‮ ‬العصبي‮ ‬المركزي‮ ‬لاقتصاد‮ ‬البلاد‮.‬
إن‮ ‬التدبير‮ ‬الأمني‮ ‬المتشنج‮ ‬لاعتصام‮ ‬عادي‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬المطالبة‮ ‬بالشغل،‮ ‬في‮ ‬وقت‮ ‬أعلن‮ ‬فيه‮ ‬مصطفى‮ ‬الطراب‮ ‬عن‮ ‬بدء‮ ‬المكتب‮ ‬في‮ ‬تسجيل‮ ‬المرشحين‮ ‬للعمل،‮ ‬حيث‮ ‬سيبلغ‮ ‬عدد‮ ‬مناصب‮ ‬الشغل‮ ‬التي‮ ‬سيخلقها‮ ‬المكتب‮ ‬10‮ ‬آلاف،‮ ‬يهدف‮ ‬إلى‮ ‬ضرب‮ ‬عصفورين‮ ‬بحجر‮. ‬أولا،‮ ‬خلق‮ ‬حالة‮ ‬من‮ ‬الاحتقان‮ ‬الأمني‮ ‬في‮ ‬المملكة‮ ‬وتحميل‮ ‬العدل‮ ‬والإحسان‮ ‬مسؤولية‮ ‬ذلك‮. ‬وثانيا،‮ ‬وضع‮ ‬المزيد‮ ‬من‮ ‬العصي‮ ‬في‮ ‬عجلة‮ ‬المكتب‮ ‬الشريف‮ ‬للفوسفاط‮ ‬لتعقيد‮ ‬مهمة‮ ‬مصطفى‮ ‬الطراب‮ ‬الذي‮ ‬يبحث‮ ‬البعض‮ ‬عن‮ ‬الإطاحة‮ ‬برأسه‮ ‬بأي‮ ‬ثمن‮.    ‬
إن‮ ‬ما‮ ‬يحدث‮ ‬الآن‮ ‬هو‮ ‬محاولة‮ ‬لضرب‮ ‬أحد‮ ‬أهم‮ ‬الأسس‮ ‬التي‮ ‬بنت‮ ‬عليها‮ ‬العدل‮ ‬والإحسان‮ ‬وجودها،‮ ‬كونها‮ ‬حركة‮ ‬سلمية‮ ‬تنبذ‮ ‬العنف‮ ‬وترفض‮ ‬التعاملات‮ ‬الأجنبية‮ ‬والحركات‮ ‬الإرهابية‮. ‬
إن‮ ‬محاولة‮ ‬أجهزة‮ ‬الدولة‮ ‬الأمنية‮ ‬المسيرة‮ ‬من‮ ‬الخلف،‮ ‬بواسطة‮ ‬رجال‮ ‬عالي‮ ‬الهمة،‮ ‬خلق‮ ‬تصادم‮ ‬دموي‮ ‬مع‮ ‬العدل‮ ‬والإحسان،‮ ‬يعني‮ ‬المقامرة‮ ‬باستقرار‮ ‬المغرب‮ ‬وأمنه‮ ‬نزولا‮ ‬عند‮ ‬نزوة‮ ‬أشخاص‮ ‬واقعين‮ ‬تحت‮ ‬تأثير‮ ‬فكر‮ ‬انتهازي‮ ‬معجون‮ ‬ببقايا‮ ‬اليسار‮ ‬الراديكالي‮ ‬الذي‮ ‬يستعمل‮ ‬حزب‮ ‬الهمة‮ ‬ونفوذه‮ ‬في‮ ‬الداخلية‮ ‬لتصفية‮ ‬الوجود‮ ‬الإسلامي‮ ‬في‮ ‬المغرب‮. ‬
في‮ ‬السابق،‮ ‬كان‮ ‬ممكنا‮ ‬اعتقال‮ ‬أعضاء‮ ‬جماعة‮ ‬العدل‮ ‬والإحسان‮ ‬ومحاكمتهم‮ ‬ورميهم‮ ‬في‮ ‬السجون‮ ‬لمجرد‮ ‬عقدهم‮ ‬اجتماعا‮ ‬أو‮ ‬وقفة‮ ‬احتجاجية‮. ‬اليوم،‮ ‬بعدما‮ ‬رأينا‮ ‬كيف‮ ‬تسقط‮ ‬الأنظمة‮ ‬من‮ ‬حولنا‮ ‬مثل‮ ‬أوراق‮ ‬الخريف‮ ‬وكيف‮ ‬ينزل‮ ‬الشباب‮ ‬بالآلاف‮ ‬إلى‮ ‬الشوارع‮ ‬للمطالبة‮ ‬بالحق‮ ‬في‮ ‬الاختلاف‮ ‬وحرية‮ ‬التعبير‮ ‬والكرامة،‮ ‬لم‮ ‬يعد‮ ‬هذا‮ ‬الأمر‮ ‬ممكنا‮. ‬وهذا‮ ‬ما‮ ‬لا‮ ‬يريد‮ ‬هؤلاء‮ «‬المحافظون‮ ‬الجدد‮»‬،‮ ‬على‮ ‬مصالحهم،‮ ‬أن‮ ‬يفهموه‮ ‬أو‮ ‬أنهم‮ ‬فهموه‮ ‬جيدا‮ ‬ويريدون‮ ‬استعمال‮ ‬سياسة‮ ‬الأرض‮ ‬المحروقة‮ ‬عملا‮ ‬بمقولة‮ «‬علي‮ ‬وعلى‮ ‬أعدائي‮» ‬لإذكاء‮ ‬نيران‮ ‬الفتنة‮ ‬وتخويف‮ ‬أولياء‮ ‬نعمتهم‮ ‬من‮ ‬مغبة‮ ‬التخلي‮ ‬عنهم‮.‬
إنه‮ ‬نوع‮ ‬من‮ ‬أنواع‮ ‬اللعب،‮ ‬سوى‮ ‬أنه‮ ‬لعب‮ ‬بمصير‮ ‬الوطن‮ ‬ومستقبله‮. ‬وهذا‮ ‬ما‮ ‬لا‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يسمح‮ ‬به‮ ‬شرفاء‮ ‬هذا‮ ‬الوطن‮. ‬
لذلك‮ ‬فعلى‮ ‬الجميع،‮ ‬سواء‮ ‬داخل‮ ‬الدولة‮ ‬أو‮ ‬الهيئات‮ ‬السياسية‮ ‬والحقوقية‮ ‬والشبابية‮ ‬المشكلة‮ ‬لحركة‮ ‬20‮ ‬فبراير،‮ ‬استعادة‮ ‬هدوئهم‮ ‬والجلوس‮ ‬للتفكير‮ ‬مليا‮ ‬في‮ ‬صيغ‮ ‬للحوار‮ ‬العاقل‮ ‬والبناء،‮ ‬حماية‮ ‬لمصلحة‮ ‬الوطن‮ ‬العليا‮ ‬ودفاعا‮ ‬عن‮ ‬أمن‮ ‬أبنائه‮ ‬واستقراره‮ ‬لتفويت‮ ‬الفرصة‮ ‬على‮ ‬جيوب‮ ‬مقاومة‮ ‬التغيير‮ ‬وإفشال‮ ‬مخططهم‮ ‬الجهنمي‮.
... تابع القراءة

 
إلى الأعلى