تخلاط العرارم

هناك في الوسط الصحافي من يتعمد، عن قصد، الخلط في ما ننشره بين الحياة الخاصة والحياة العامة، لهدف واحد وواضح هو نزع المصداقية عن فضائح بعض الشخصيات العمومية التي ننشر أخبارا وصورا تتعلق بها.
لكي نوضح أوجه «تخلاط العرارم» هذا، سنعطي أمثلة بسيطة. عندما ننشر صورة حكيم من حكماء الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري وهو يرقص، على هامش مهرجان مراكش السينمائي، أمام الملأ في كباري مراكشي مشهور ومفتوح في وجه العموم، فإننا لا نمس بالحياة الخاصة لهذا الموظف العمومي المعين بظهير.
عندما ننشر صورة زوجة مدير المركز السينمائي المغربي وهي تقبل زوجها فوق البساط الأحمر أمام الجمهور والصحافيين، فإننا لا نقتحم الحياة الخاصة لهذين الزوجين. والأمر أيضا ينطبق على نشر خبر يتعلق بنشر صورة الزوجة عارية على غلاف مجلة نسائية، إذ ليس في الأمر أدنى اقتحام للحياة الخاصة مادامت المعنية بالأمر نفسها قبلت بعرض جسدها عاريا على غلاف مجلة تباع في الأكشاك للعموم.
عندما ننشر صورا لشخصيات سياسية وحزبية تسير الشأن المحلي للدار البيضاء، تظهر فيها وهي تغادر كباري في الواحدة بعد منتصف الليل، يسيره صاحب سوابق حصل على الرخص القانونية بطرق مشبوهة، فإن هذه «الزيارة» وهذه الصور تصبح خبرا يستحق النشر لكي يطلع عليه المواطنون الذين منحوا أصواتهم لهؤلاء المنتخبين.
أما عندما تصلنا صور خاصة جدا تم التقاطها لمديرة دار الثقافة بتطوان داخل غرف مغلقة نجهل مكانها، فإننا نمنع أنفسنا من نشرها، لكونها تدخل في إطار الحياة الخاصة لصاحبتها. فالصور التي تم التقاطها لمديرة دار الثقافة بتطوان لم تكن في أمكنة عامة، وإنما كانت في أمكنة خاصة نجهل سياقاتها وملابساتها الحقيقية.
ولذلك لم ننشر بخصوص قضية مديرة دار الثقافة بتطوان، السيدة سميرة قدري، كما تقول شهادة ميلادها وليس القادري كما تعرف نفسها على ألبوماتها الغنائية، سوى الأمور التي لها علاقة بمسؤوليتها المالية والإدارية كمديرة لمؤسسة عمومية تابعة لوزارة الثقافة وتمول ميزانياتها من جيوب دافعي الضرائب.
ولهذا خصصنا صفحة كاملة من أحد أعدادنا السابقة للحديث حول الاتهامات باستغلال النفوذ التي تحوم حول مديرة دار الثقافة بتطوان، واستغلالها لمنصبها كمديرة من أجل الحصول على دعوات للغناء في المهرجانات الدولية، وتوفرها على حسابات بنكية خارج المغرب بدون موافقة مكتب الصرف.
أما صورها ومقاطع الأشرطة التي تعرضها المواقع المتخصصة في نشر السخافة، فكلها أمور لا تهمنا في شيء. ما يهمنا نحن هو معرفة مدى صحة الاتهامات الموجهة ضدها وضد المندوب الجهوي لوزارة الثقافة بتطوان، المهدي الزواق، وهي الاتهامات التي نتوفر على جميع الأدلة والوثائق والفواتير التي تؤكد صحتها.
ولذلك فعوض أن تلجأ السيدة سميرة قدري إلى تنظيم ندوة صحافية لتسفيه كل ما نشر حول استغلالها لمنصبها كمديرة لدار الثقافة بتطوان، فقد كان الأجدر بها أن تلجأ إلى القضاء وترفع دعوى أمامه ضد «المساء» بتهمة نشر أخبار كاذبة حولها.
آنذاك سنذهب إلى المحكمة ونقدم الأدلة التي بحوزتنا. وإذا ثبت أن ما نشرناه كذب، سنكون مجبرين على الاعتذار إليها وتنفيذ حكم المحكمة لصالح مديرة دار الثقافة.
لكن لا شيء من كل هذا حصل. لا المديرة لجأت إلى القضاء، ولا وزير الثقافة، الغارق في تدخلاته لدى هيئة تحكيم جائزة البوكر العربية من أجل فوز روايته «معذبتي» بالجائزة، كلف نفسه عناء فتح تحقيق في كل الاتهامات الخطيرة التي تحوم حول مديرته ومندوبه الجهوي بتطوان، ولا مكتب الصرف كلف نفسه فتح تحقيق معمق لمعرفة حقيقة توفر مديرة دار الثقافة على حسابات بنكية في الخارج بدون توفرها على بطاقة الإقامة في إحدى هذه الدول.
الجميع فضل نهج سياسة النعامة ودس رأسه في الرمل بانتظار هدوء العاصفة. هذا في الوقت الذي تطوع فيه بعض الانتهازيين من فصيلة «كاري حنكو» لتسفيه وتكذيب كل ما نشرناه حول مديرة دار الثقافة والمندوب الجهوي لوزارة الثقافة معززا بالأدلة والوثائق، محاولين خلط شعبان برمضان، وذلك بإقحام الحديث حول الحياة الخاصة للفنانة سميرة القادري في الموضوع. والحال أننا تحدثنا عن سميرة قدري مديرة دار الثقافة وليس عن سميرة القادري مغنية الملحون. كما أننا نشرنا صورا للوثائق والفواتير التي تتحدث عن المبالغ المالية التي ضخت في حساباتها البنكية بالخارج، ولم ننشر صورها الخاصة في الغرف المغلقة.
أين هي الحياة الخاصة عندما نقول إن الاسم الحقيقي لمديرة دار الثقافة بتطوان هو سميرة قدري وليس سميرة القادري، الذي تحاول من خلال تعديله الإحالة على ارتباطها بالزاوية القادرية.
أين هي الحياة الخاصة عندما نقول إن مديرة دار الثقافة تتوفر باسمها الشخصي على حساب بنكي في قادس الإسبانية تحت رقم 01821600290291505700
إن توفر موظف عمومي يتحمل مسؤولية إدارية في قطاع وزاري على حساب بنكي في الخارج غير معترف به من طرف مكتب الصرف، تودع به مبالغ مالية كبيرة، يعني أن هذه المبالغ غير مصرح بها، أي أن صاحبها يتهرب من دفع الضرائب لخزينة الدولة المغربية. وهذه وحدها تعتبر جريمة في القانون المغربي.
وتعرف السيدة مديرة دار الثقافة بتطوان أنها لن تستطيع تكذيب خبر توفرها على هذا الحساب، لأننا نتوفر على المراسلات التي طلبت فيها من مدراء المهرجانات، التي كانت تترك وظيفتها للمشاركة فيها، أن يضخوا لها مستحقاتها المالية في هذا الحساب البنكي.
ولعل إحدى الممارسات غير القانونية التي تورطت فيها مديرة دار الثقافة والمندوب الجهوي للثقافة هي توقيعهما على عقد يسمح للإسباني «إدواردو غارسيا كالديرون» بتسجيل أمسيات مهرجان العود لسنة 2008 المنظم من طرف وزارة الثقافة على قرص مدمج وتسويقه عالميا، وخصوصا في إسبانيا.
وقد وقع عقد الاستغلال السي الزواق وسميرة قدري مع الإسباني «إدواردو»، وكان نصيبهما من العقد هو حصولهما على 1000 قرص مدمج.
قانونيا، العقد يجب أن يوقع بين الإسباني ووزارة الثقافة، وعائدات الأقراص المسجلة يجب أن تذهب إلى خزينة الوزارة وليس إلى جيوب المديرة والمندوب.
وربما هذه أول مرة نكتشف فيها أن وزارة الثقافة المغربية، وبالضبط دار الثقافة بتطوان، تمول جمعية ثقافية فرنسية اسمها «ECUME». فقد منحت دار الثقافة الجمعية الفرنسية، التي تمثلها في المغرب سميرة قدري، ميزانية خلال سنتي 2009 و2010 قدرها 60 مليون سنتيم على دفعتين.
وعندما نبحث في موقع الجمعية على الأنترنيت، لا نعثر على ما يدل على أن المبلغ دخل فعلا حسابات الجمعية. كما أن «لوغو» دار الثقافة لا أثر له في مطبوعات هذه الجمعية التي تجمع سميرة قدري بين تمثيل مكتبها بالمغرب والاستفادة من دعم وزارة الثقافة المغربية لها عن طريق تقاضيها لتعويضات عن غنائها في المهرجانات التي تنظمها الجمعية في فرنسا.
وهنا يظهر التجسيد الأمثل لتضارب المصالح واستغلال النفوذ. فمديرة دار الثقافة تسخر منصبها لعقد شراكات ومنح ميزانيات الدعم من أجل خدمة مسارها الفني والغنائي الخاص الذي يعود عليها بالعملة الصعبة.
وبالإضافة إلى استغلال مديرة دار الثقافة لمنصبها الحكومي للقيام بدعوة فرق موسيقية أجنبية إلى المغرب على حساب ميزانية وزارة الثقافة، من أجل التوصل بدعوات من طرفهم باسم المديرة تستضيفها للمشاركة بشكل شخصي في مهرجاناتهم الأوربية مقابل تعويضات تودعها في حسابها البنكي الأوربي، فإن أخطر اتهام يحوم حول مديرة دار الثقافة هو استغلالها لنصبها من أجل تسهيل فوز زوجها المهندس توفيق المرابط بصفقة بناء مسرح المضيق.
ولعل السيدة سميرة قدري تتذكر يوم الأحد ثالث أكتوبر 2010، عندما حلت لجنة من وزارة الثقافة بالمضيق من أجل مشروع بناء مسرح، فقدمت مديرة دار الثقافة بحضور الزواق، المندوب الجهوي لوزارة الثقافة، زوجها إلى أعضاء اللجنة بوصفه المهندس الذي سيشرف على تصميم المشروع.
الخطير في هذا الاتهام هو كون السيدة سميرة قدري، مديرة دار الثقافة، والسيد الزواق، المندوب الجهوي لوزارة الثقافة، كانا عضوين في اللجنة التي عرضت عليها مقترحات مكاتب الهندسة الراغبة في الفوز بصفقة تصميم المسرح.
وحسب الوثائق التي تتوفر عليها «المساء»، فمديرة دار الثقافة طلبت من أحد الموظفين إرسال الملف التقني للمشروع إلى زوجها المهندس، الذي سيكون المشرف على أشغال بناء المسرح.
الأسئلة التي تطرح هنا كثيرة ومعقدة وخطيرة. كيف حصل المهندس زوج مديرة دار الثقافة على هذه الصفقة، وهل تم احترام قانون الصفقات خلال تفويتها، وهل سربت مديرة الثقافة وعضو اللجنة معلومات تقنية إلى زوجها المهندس سهلت حصوله على الصفقة. وهل كان هناك طلب عروض عمومي أصلا؟
نتابع طرح الأسئلة في عدد الغد، لمعرفة المزيد حول هذه الشجرة التي يحاول بها البعض في تطوان والرباط إخفاء الغابة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى