شاف الربيع ما شاف الحافة

هيئة دفاع القاضي السابق جعفر حسون غاضبة على «المساء» ومديرها، بسبب نشر تفاصيل خبر التشطيب على هذا الأخير من هيئة القضاء وتقديم معطيات حساسة حول استغلاله لنفوذه، كعضو في المجلس الأعلى للقضاء، لـ«تحويل» بعض القضاة.
ولذلك فهي تطالب النيابة العامة بفتح تحقيق معنا ومحاكمتنا لمعرفة تفاصيل تسريب الملف.
كجمولة بنت أبي، عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، حزب وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، غاضبة على «المساء» ومديرها بسبب إعادة نشر الجريدة للتصريحات النارية التي أدلت بها للصحافة الإسبانية غداة أحداث العيون، والتي تغاضت فيها عن إدانة أعمال الذبح والحرق والتدمير التي قامت بها ميليشيات الانفصاليين ضد رجال الأمن والممتلكات العمومية، وأدانت فيها الدولة واتهمتها بالوقوف وراء تدمير «مغاربة الشمال» لممتلكات الصحراويين.
وحسب ما قالته كجمولة في اللقاء الذي عقده الحزب في بوزنيقة نهاية الأسبوع الماضي، فإن «المساء» حرفت تصريحاتها، علما بأن المعنية بالأمر أعادت تأكيد هذه التصريحات في سلسلة من الحوارات صدرت خلال الأسبوع الماضي في خمس جرائد دفعة واحدة.
أما بالنسبة إلى شباط، عمدة فاس، فجريدة «المساء» ومديرها يمتلكان «بنكا من المعلومات» يتم تسريبها عنه من قبل حزب الأصالة والعاصرة لتصفية حساب «المساء» القديم  مع حزب الاستقلال، مستغلة المعركة الأخيرة التي اندلعت بين الحزبين على رمال الصحراء.
وهكذا، نستخلص أن العدو المشترك بين كل هؤلاء «النجوم» القضائيين والسياسيين والحزبيين هو جريدة «المساء» ومديرها. ولولا أنهم اتقوا الله لكانوا اتهموا «المساء» ومديرها بتحمل المسؤولية المباشرة عن كل ما وقع في مخيم العيون من كوارث شاب لها الولدان.
إن الطموح الشخصي والأناني الزائد على حده يجعل بعض المرضى بحب السلطة والتسلط يضحون بالمصلحة العامة من أجل بلوغ أهدافهم الشخصية. وهذا هو سبب ما وقع في العيون، وما يقع في كثير من مدن المغرب، بسبب الفتن النائمة التي توقظها هذه الأنانية.
وعندما نرى كيف يدافع نبيل بنعبد الله عن كجمولة داخل حزبه، ويتبنى مواقفها الشاذة التي وصلت حد التشكيك في صلاحية مشروع الحكم الذاتي في اليوم نفسه الذي كان يتفاوض فيه المغرب مع البوليساريو في «مانهاست» حول هذا المقترح، نفهم أن الرفيق نبيل لم ينس قط مواقفه القديمة إلى جانب شبيبة الحزب في الملتقيات الدولية للأممية الشيوعية، والتي كانت تتناغم مع شبيبة البوليساريو.
كما نفهم أيضا أن الرفيق نبيل بنعبد الله اكتشف أن كجمولة تصلح كثيرا لكي تلعب دور الفزاعة المخيفة التي يستطيع أن يحركها في وجه الدولة حتى يقايضها بسفارة في عاصمة أخرى يعوض بها عقدة طرده من سفارة روما.
وبما أن كجمولة استوعبت الدرس جيدا، فهي تسير على خطى خليهن ولد الرشيد الذي بمجرد ما سحبت منه حقيبة وزارة الشؤون الصحراوية انفكت عقدة لسانه وبدأ يتحدث عن احتكار «الشليحات» لخيرات الصحراء واستفادتهم منها بدل أن يستفيد منها الصحراويون. وهي النغمة نفسها التي رددتها كجمولة الأسبوع الماضي، بمناسبة الإسهال الصحافي الذي أصابها فجأة على صفحات الجرائد، عندما قالت إن المستفيدين الأوائل من الامتيازات الضريبية في الصحراء هم مغاربة الشمال.
نحن الآن أمام استغلال بشع وغير أخلاقي وساقط لقضية الصحراء من طرف عدة لاعبين سياسيين وحزبيين. كل واحد يريد استغلال هذه القضية لمصلحته الخاصة لكي يحقق بها أهدافا شخصية أو نقطا ضد خصومه السياسيين.
وعندما نرجع خطوتين إلى الخلف لفهم ما جرى في العيون، نكتشف أن الهدف من كل ما حدث كان هو الوصول إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تنجز تقريرا برلمانيا يحمل حمدي ولد الرشيد، رئيس المجلس البلدي للعيون، مسؤولية توزيع 2300 بقعة أرضية من أراضي العمران على مقربين منه، إضافة إلى آلاف بطاقات الإنعاش، أي تحميل حزب الاستقلال مسؤولية انفجار الوضع في العيون وما تلاه من ضربات تحت الحزام تلقاها المغرب من البرلمان الأوربي.
ويبدو أن المخطط نجح إلى حد ما، خصوصا عندما ترأس هذه اللجنة رشيد الطالبي العلمي، الذي يظهر إلى جانب قياديي حزب الأصالة والمعاصرة أكثر مما يظهر إلى جانب قياديي حزبه.
ولعل أكبر نقاط ضعف هذه اللجنة هي ترؤسها من طرف رشيد الطالبي العلمي، الذي زارت لجنة تفتيش أحد معامله السرية بتطوان مؤخرا.
ولو أن لجنة التفتيش تعمقت قليلا في البحث، لعثرت على عشرات الأسفار التي نظمها الطالبي العلمي، عندما كان رئيسا للمجلس البلدي لتطوان، نحو أمريكا وكندا على حساب المجلس لكي يبرم صفقات تجارية مع الشركات الأمريكية والكندية لتسويق الألبسة الجلدية التي كانت تصنعها شركته.
نحن، إذن، أمام إقحام فج لقضية وطنية داخل صراع حزبي ضيق، نتج عنه إضعاف واضح لموقف المغرب على الصعيد الدولي.
ومباشرة بعد عودة الهدوء إلى شوارع العيون، انطلق صراع حزبي محموم لاستغلال الأحداث سياسيا وجعلها مطية للضغط أو المفاوضة.
وفجأة، تحولت نائبة برلمانية مغمورة اسمها كجمولة، تحمل ثلاثة جوازات سفر، إلى زعيمة شيوعية معارضة، رغم أنها سقطت فوق الديوان السياسي للتقدم والاشتراكية قادمة من حزب إداري، ورغم أن الحزب «التقدمي» الذي تمثله في البرلمان مشارك في الحكومة «العباسية».
فأصبحت النائبة البرلمانية الشبح، التي لا تكلف نفسها مجرد حضور جلسات البرلمان لطرح مشاكل مدينة العيون التي تمثلها، نجمة سياسية تتهم الدولة بإجادة شيء واحد هو العنف.
ورأينا كيف فك الله عقدة لسان النائبة البكماء وكيف أصبحت تختار التوقيت المناسب لإعطاء التصريحات حول عدم صلاحية الحكم الذاتي، وحول كونها غير ملزمة بالخضوع للإجماع الوطني حول ملف الصحراء.
نحن، اليوم، أمام ثلاثة أحزاب عثرت في قضية الصحراء على قشة الخلاص التي ستنقذها من الغرق في بركة السياسة الآسنة بالمغرب. هذه الأحزاب هي الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية.
ويبدو أن هذه الأحزاب مجتمعة لا يعنيها أن تسأل وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري عما يقصده بكون المغرب قدم مقترحات جديدة خلال المفاوضات مع البوليساريو في «مانهاست»، وأنه مستعد لتطبيق قرار الأمم المتحدة كيفما كان هذا القرار.
ولعل زعماء هذه الأحزاب الثلاثة، ومعهم بقية الزعماء الحزبيين الآخرين، فاتهم أن يلتقطوا التغيير المفاجئ الذي اعترى تعاليق مقدمي أخبار القنوات «الأولى» و«الثانية» و«ميدي 1 تي في»، بحيث أصبحوا جميعا يتحدثون عن الصحراء «حرفية» مجردة من صفة «المغربية». فهل يتعلق الأمر بمجرد سهو أم إن هذا الحذف يدخل في إطار الإعداد لمفاجأة غير سارة يتردد الطيب الفاسي الفهري في الإفصاح عنها؟
إن أحداث العيون يجب أن تصبح اليوم وراء ظهورنا. وعلى الأحزاب أن تبحث لها عن حصان طروادة آخر غير أحداث العيون تستطيع النفاذ عبره إلى حلبة الانتخابات المقبلة.
وعوض تقاذف المسؤوليات والسعي إلى إغراق الأحزاب لبعضها البعض في رمال الصحراء المتحركة، على قيادات هذه الأحزاب أن تطالب وزير الخارجية بتقديم شرح مستفيض لما يقصده بالمقترحات الجديدة التي قدمها المغرب خلال المفاوضات مع البوليساريو.
عليهم أن يطالبوه بإطلاع المغاربة على فحوى هذه المقترحات ومدى انسجامها مع مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب ودافع عنه أمام العالم.
وعوض أن يجرونا إلى الوراء لكي يبقوا انتباهنا مشدودا إلى أحداث العيون والمسؤولين عنها، عليهم أن يستشرفوا المستقبل ويطالبوا وزير الخارجية بإطلاعهم وإطلاع الرأي العام على جديد المفاوضات.
إن الاجتماع الأخير الذي عقدته وزيرة الخارجية الإسبانية مع وزيرة الخارجية الفرنسية والذي تحدثتا خلاله حول ملف الصحراء، يعتبر تحولا نوعيا في الدبلوماسية الفرنسية الواقعة تحت تأثير الإدارة الأمريكية.
لذلك، فالمستقبل في الصحراء يلوح ملبدا بالغيوم السوداء، وأحسن شيء يمكن أن يقوم به زعماء الأحزاب، المتصارعون مثل «الفراريج» منفوشة الريش حول من يتحمل مسؤولية أحداث العيون، هو الابتعاد عن استغلال ملف الصحراء لقضاء مصالح انتخابية وشخصية رخيصة.
ولعل المثل الذي ينطبق على زعماء هذه الأحزاب، الذين رأوا في أحداث العيون فرصتهم الذهبية لتلميع صورتهم، هو مثل ذلك القطيع الذي استطاب العشب ولم ينتبه إلى المنحدر السحيق الذي يسير إليه. «شاف الربيع ما شاف الحافة».
لقد دفع المغرب من حرية وحياة أبنائه، في محطات كثيرة، ثمن الأنانية الزائدة لبعض الزعماء والجنرالات والقادة الحزبيين. فاحترقت مدن بكاملها إرضاء لنزوة جنرال دموي، أو وزير داخلية متسلط، أو زعيم حزبي يريد أن يبسط نفوذه على جميع مناطق المغرب.
غدا نتحدث عن الثمن الذي دفعه المغرب وأبناؤه بسبب هؤلاء الأنانيين المتسلطين الذين يسترخصون إحراق مدن بكاملها إرضاء لنرجسيتهم المتضخمة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى