بداية نهاية عصر الكتاب الورقي

بعد الإعلان عن عرض أشهر مكتبة للكتب الورقية للبيع 

صدمتان عنيفتان هزتا عالم النشر الغربي خلال شهري يوليوز وغشت 2010، ويتوقع المراقبون أن تكون لهما آثار دراماتيكية مباشرة وخطيرة على مستقبل النشر الورقي في الغرب
في شكله الورقي التقليدي الحالي على الأقل. كتبنا هذا التقرير بناء على تقارير ومقالات ناقشت هذا الأمر في مطبوعات غربية مرموقة (إيكونوميست، غارديان، نيويورك تايمز، و«ديلي فاينانس دوت كوم»)
الصدمة الأولى
انهيار مكتبة بارنز آند نوبل
أما الصدمة الأولى والأهم فكانت قرار مجلس إدارة شركة «بارنز آند نوبل» في 3 غشت 2010 (وهي الشركة التي تملك أكبر وأهم مكتبة في العالم بنفس الإسم) بضرورة «تقييم بدائل استراتيجية». ولكن ماذا يعني هذا القرار القصير «تقييم بدائل استراتيجية» الذي يتكون من ثلاث كلمات فقط؟ بحسب الإيكونوميست، وكما ورد أيضا في موقع الشركة على النت بكل صراحة ووضوح، فإن هذا القرار يعني أن أهم وأشهر مكتبة تستعمل المباني لبيع الكتب الورقية في العالم أصبحت معروضة للبيع.
وذكر بيان للشركة على موقعها في النت أن «مجلس الإدارة يعتزم تقييم البدائل الاستراتيجية، وذلك بهدف زيادة قيمة أسهمها في البورصة، والتي يرى المجلس حاليا أنها أقل من قيمتها الحقيقية بكثير». وجاء هذا القرار من المجلس على أساس هبوط سعر سهم بارنز أند نوبل بنسبة 32 % خلال هذا العام فقط حيث نزل دون مستوى 12 دولارا للسهم بعد ذروة بلغت 45 دولارا قبل سنوات قليلة.
وحسب بيان الشركة، سوف تشرف على عملية تقييم البدائل الاستراتيجية هذه «لجنة خاصة» تتكون من أربعة مديرين مستقلين هم: جورج جونيور كامبل ، ووليام ديلار ، ومارغريت موناكو، وباتريشيا هيغنز ، والتي ستشغل منصب رئيس اللجنة الخاصة. وستقيم اللجنة الخاصة جميع البدائل لزيادة قيمة السهم وستوصي بمسار العمل المطلوب لمجلس إدارة الشركة بالكامل بهدف تحقيق أعلى قيمة للسهم. وقد اختارت اللجنة الخاصة مؤسسة «لازارد» لتكون بمثابة المستشار المالي ومؤسسة «موريس» لتكون بمثابة المستشار القانوني.
وجاء في بيان الشركة المنهارة: «بصفتها أكبر مكتبة في العالم، تمتلك «بارنز أند نوبل» علامة تجارية مميزة في تسويق الكتب ومزايا تنافسية فريدة من نوعها مما سيمكن الشركة من النجاح مع مرور الوقت في سوق سريعة التغير. لقد استنتج المجلس أن مراجعة البدائل الاستراتيجية هي الخطوة التالية المناسبة لتحقيق الاستفادة الكاملة من الفرص «الرقمية» المتاحة لنا وخلق فوائد ملموسة للمساهمين ، والعملاء ، والموظفين». وينبغي ملاحظة إشارة بيان الشركة لـ «الفرص الرقمية» المتاحة (أي بعبارة أخرى الكتاب الإلكتروني) حيث سيرد لاحقا دوره في هذه القضية الشائكة.
تاريخ موجز لمكتبة بارنز آند نوبل:
تعتبر مكتبة «بارنز آند نوبل» أكبر وأشهر مكتبة لبيع الكتب في الولايات المتحدة وفي العالم. وحتى أكتوبر 2009، بلغ عدد فروعها في المدن الأمريكية 777 فرعا مدنيا بالإضافة إلى 640 فرعا جامعيا داخل الجامعات والكليات الأمريكية، ليكون المجموع الكلي لفروعها 1400 فرع تقريبا. تأسست عام 1873 عندما قام تشارلز بارنز بافتتاح «دار بارنز» للنشر في مدينة ويتون في ولاية إلينويز الأمريكية. وبعد هبوط أرباح «دار بارنز» للنشر وركود عملها، طلب تشارلز بارنز عام 1917 من ابنه ويليام المقيم في نيويورك افتتاح مكتبة في نيويورك ليواصلا العمل في نفس المهنة ولكن كبائعي كتب وليس كناشرين. وبالفعل، قام ويليام بالمشاركة مع صديقه جي كليفورد نوبل بتأسيس مكتبة في نيويورك باسم مكتبة «بارنز آند نوبل». وواصلت المكتبة عملها في مقرها الوحيد بنيويورك حتى أوشكت على الإفلاس عام 1971 عندما اشتراها المستثمر الملياردير ليونارد ريغيو الذي أشرف على تطويرها وتوسيعها لتصبح حاليا أكبر وأهم مكتبة في الولايات المتحدة والعالم، ثم حولها من ملكية خاصة إلى شركة مساهمة يرأس مجلس إدارتها السيد ريغيو، بنفسه لشدة شغفه بالكتب. وفي عام 1974 وبفكرة من ريغيو، أصبحت «بارنز آند نوبل» أول مكتبة في العالم تعلن عن الكتب في التلفزيون. وبعد عام أصبحت أول مكتبة أمريكية تقدم تخفيض 40% على الكتب التي في قائمة صحيفة نيويورك تايمز للبست سيلر، وكانت تلك فكرة وبدعة مبتكرة وغير مسبوقة حيث لم يكن تقديم خصم على الكتب شيئا مألوفا في أمريكا. وفي عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين توسعت عملياتها بصورة ضخمة حيث أصبح لها فروع في معظم المدن الأمريكية. كما كانت الرائدة في بيع الكتب بواسطة كاتالوغ وإرسال الكتب المطلوبة عبر البريد. وفي عام 1987، اشترت سلسلة مكتبات «دالتون» الضخمة التي تملك 797 فرعا معظمها داخل المولات التجارية، لتصبح بذلك «بارنز أند نوبل» أكبر بائع للكتب في أمريكا وقضت بذلك على مئات المكتبات الصغيرة حيث تسببت في إفلاسها. وفي عام 1997 تم إنشاء موقع مكتبة «بارنز أند نوبل دوت كوم» لبيع الكتب عبر النت الذي يحتوي حاليا على أكثر من مليون عنوان في محاولة يائسة لمنافسة خصمها الشرس «أمازون دوت كوم» الذي يهيمن حاليا بقوة على سوق بيع الكتب. وواصل ريغيو تطوير وتوسيع المكتبة ونجح في إقامة شراكات مثمرة ومبتكرة لترويج الكتب مع مؤسسات ناجحة مثل مقاهي «ستاربكس» الشهيرة. وهكذا أصبحت «بارنز آند نوبل» المكان المفضل لجلوس أثرياء الطبقة الوسطى والمثقفين ومدمني القراءة لرشف الكابتشينو، ومداعبة «لاب توب» مشبوك بالنت مجانا.
يوجد شخصان مهتمان بشراء بارنز آند نوبل حاليا. فمن جهة، هناك ليونارد ريغيو، رجل الأعمال المستثمر الذي اشترى مكتبة تقليدية قديمة وشبه مفلسة في نيويورك ثم حولها إلى عملاق عالمي لا منافس له لبيع الكتب. وفي رحلته تلك ابتدع عدة أفكار ناجحة لبيع الكتب زادت من شعبية المكتبة وإقبال الناس عليها.
 وعلى الرغم من أنه لم يعد المسؤول عن إدارة العمليات اليومية حيث تنازل طوعا عن رئاسة الشركة مكتفيا برئاسة مجلس إدارتها فقط، فإن السيد ريغيو لا يزال أكبر مساهم في شركة «بارنز آند نوبل» حيث يملك تقريبا 30 % من الأسهم. وأعلن بعد قرار مجلس الإدارة السالف ذكره أنه سيقود على الأرجح تكتلا لرجال أعمال يعشقون هذه المكتبة لتقديم عطاء لشراء وإنقاذ الشركة من الإنهيار.
منافس المستر ريغيو الرئيس، وقد يكون هناك عدة منافسين، هو المستثمر الملياردير «رون بيركل» ، الذي يعشق تجارة التجزئة والذي يملك تقريبا 19 % من أسهم «بارنز آند نوبل» والذي يخوض حربا بالوكالة عن مجموعة من حملة الأسهم الساخطين على إدارة ريغيو لمجلس إدارة شركة «بارنز آند نوبل». والسيد بيركل شخصية لها نفوذ كبير حيث يعتبر صديقا شخصيا حميما لبيل كلينتون لدرجة تقديم طائرته الخاصة لخدمة صديقه الرئيس السابق مجانا. ورغم كون السيد بيركل يوصف بأنه لطيف وودود مع معارفه، إلا أنه عنيف جدا وشرس في شؤون المال والأعمال، حيث صار ينتقد علانية بشدة وعنف مجلس إدارة «بارنز آند نوبل» الحالي، ويتهمه بأنه سبب انهيار أسهمها في البورصة لتركه منافسه «أمازون دوت كوم» يستولي على سوق بيع الكتب بسهولة وبدون خطة مدروسة للمقاومة تقريبا. ويدعي بيركل أن عنده رغبة جارفة لإنقاذ «بارنز آند نوبل» لكي يحافظ على تراثها كما نقل عنه. ومع ذلك ، وضعت «بارنز أند نوبل» في قرارها عبارة قانونية تمنع – بشكل غير مباشر - بيركل من الاستيلاء عليها وتعطي الأفضلية لريغيو. ولذلك تحدى السيد بيركل هذا القرار في المحكمة، وصدور الحكم بات وشيكا وسيكون لصالحه على الأرجح. كما أنه يحاول أيضا ترتيب انتخاب ثلاثة من مناصريه إلى مجلس إدارة «بارنز آند نوبل» في الاجتماع القادم للجمعية العمومية نيابة عن مجموعة من حملة الأسهم الساخطين ليطيح بالسيد ريغيو من رئاسة المجلس ويحل مكانه أحد مناصريه.
وتعزو الإيكونوميست هبوط سعر سهم بارنز آند نوبل إلى المنافسة الشرسة من خصمها الرئيس مكتبة «أمازون دوت كوم». ولفهم هذه المنافسة بطريقة عملية بحثنا عن أرقام تمثل عمليات الشركتين في عام 2009 حسب المعلومات المنشورة. وستكون أرقام (بارنز آند نوبل) بين قوسين:
- مجمل الدخل:24.5 مليار دولار لأمازون (5.12 مليارات دولار لبارنز أند نوبل).
- صافي الدخل: 908 ملايين دولار (76 مليون دولار).
- قيمة الأصول أو الموجودات: 14 مليارات دولار (3 مليار دولار)
- عدد الموظفين: 26,000 موظف (40,000 موظف).
وهكذا وباختصار، فإن عدد موظفي أمازون أقل بـ35 % من موظفي «بارنز آند نوبل» ولكن مبيعاتها تبلغ خمسة أضعاف مبيعات «بارنز آند ونوبل»، كما أن أرباح أمازون تبلغ تقريبا 12 ضعف أرباح «بارنز آند نوبل» !!! وتعتقد الإيكونوميست أن أحد أهم أسباب قرار بيع «بارنز أند نوبل» هو أنه سيكون من الأسهل عمل إعادة هيكلة شاملة وقاسية للشركة بهدف الدخول في رهان مستقبلي كبير على تجارة الكتب الإلكترونية: التي توجد إرهاصات حاليا تشير بقوة إلى أنها ستهزم وتقضي على الكتب الورقية في المستقبل القريب، في الغرب على الأقل. فاستثمار قادم ضخم في نفس مسار الشركة الحالي لا يتسق مع هاجس قصير المدى لرفع قيمة السهم في البورصة.
وتشير إيكونوميست إلى أنه بالرغم من إطلاق «بارنز آند نوبل» العام الماضي جهازها الخاص لقراءة الكتب الإلكترونية «ذا نوك» The Nook لمنافسة جهاز «كيندل» الناجح الذي استحدثته «امازون دوت كوم» ومنافسة جهاز «سوني ريدر» وأيضا لمنافسة جهاز «أبل آي باد» الجديد، فإن على « بارنز آند نوبل» أن تكافح بقوة للاحتفاظ بموقعها في ما يبدو من المؤكد أنه سيكون سوق الكتاب الجديد في المستقبل.
وتؤكد إيكونوميست بأن صناعة النشر الورقية التقليدية تمر في «مرحلة انتقالية» بها تذبذب وتغير وتقلب نحو مستقبل مختلف ومثير تماما. وتؤكد المجلة أن مكتبة «بارنز آند نوبل» تملك علامة تجارية محترمة وذات قبول عظيم، ولكن ذلك لا يشكل ضمانة للمواصلة والنجاة في مثل هذا الوضع الانتقالي المتقلب والمخيف لعالم النشر. وتضيف إيكونوميست بأن المكتبات التقليدية داخل مباني الطوب والإسمنت بدأت تصبح بشكل متسارع موضة قديمة على وشك الانقراض، باستثناء اعتبارها أماكن ترفيه لتناول القهوة بهدوء وربما عمل حفلة توقيع على كتاب.
مهما كانت شخصية الذي سيمتلك «بارنز آند نوبل»، فإنه سيواجه مهمة صعبة للغاية: التكيف بشجاعة وبثمن باهظ مع عالم نشر جديد، أو إحالة «بارنز آند نوبل» إلى المتحف لتحفظ هناك كأثر تاريخي.
كان انهيار مكتبة بارنز آند نوبل هو الصدمة العنيفة الأولى لعالم النشر الغربي. أما الصدمة العنيفة الثانية فكانت قيام وكالة «أندرو وايلي» الأدبية المرموقة في يوليوز 2010 والتي تمثل أكثر من 700 من أبرز المؤلفين أو ورثة المؤلفين في العالم بإقامة «شراكة إلكترونية» حصرية مع « أمازون دوت كوم» للنشر الإلكتروني تحت مسمى «طبعة أوديسي» Odyssey Edition لبعض عملائها من الكتاب المرموقين أو ورثتهم «متخطية» بصورة متعمدة العرف المعمول به في عالم النشر وهو أن تصدر نسخة ورقية فاخرة (هارد كوفر) للأعمال الجديدة وتليها طبعة شعبية (بيبرباك)، ثم يأتي في المرحلة الثالثة الكتاب الإلكتروني. ونتج عن تخطي مرحلة النشر الورقي عبر دور النشر التقليدية صدمة عنيفة ونوبة هلع لكبار الناشرين الغربيين بصورة – تقول الإيكونوميست- أكثر رعبا من أحدث رواية لستيفن كينغ ملك روايات الرعب الأمريكي. وتم بالفعل تدشين وعرض أول 20 كتابا إلكترونيا من «طبعة أوديسي» بينهما للبيع في نهاية يوليوز 2010. وشملت «طبعة أوديسي» ما يعرف بالكلاسيكيات المعاصرة (مثل: «لوليتا» نابوكوف، و«خوف وكراهية في لاس فيغاس» لهنتر ثومبسون، ورباعية أبدايك «رابيت») ومن المعروف أن وكالة أندرو وايلي الأدبية تعتبر من أهم الوكالات الأدبية في العالم وتحمل اسم مؤسسها الشاعر المغمور (ويقال الفاشل) أندرو وايلي الذي أسسها عام 1980 في نيويورك ثم افتتح فرعا هاما لها في لندن عام 1996. وتمثل الوكالة حاليا 700 مؤلف عالمي مرموق أو ورثتهم مثل: الكاتب الأمريكي الشهير الراحل جون أبدايك، والأمريكي فيليب روث، وورثة الروسي الراحل فلاديمير نابوكوف، وورثة الأديب الأرجنتيني الراحل خورخي لويس بورخيس، والهندي/البريطاني سلمان رشدي وانضم للقائمة مؤخرا المصري علاء الأسواني. وقد اكتسب السيد أندرو وايلي شهرة كبيرة كوكيل أدبي في أوساط المؤلفين عندما ساند معنويا الروائي سلمان رشدي بقوة بعد فتوى إهدار دمه.
أمازون كيندل هو جهاز صغير الحجم ونظام حاسوبي لقراءة الكتب الإلكترونية وغيرها من الوسائط الرقمية كالصحف والمجلات الإلكترونية وأيضا لاستعمال النت. صدر الجهاز الأول في الولايات المتحدة في 19 نونبر 2007. وتلته عدة إصدارات أكثر تطورا لقراءة الكتاب والمطبوعات الإلكترونية. ويتم تنزيل المحتوى الإلكتروني عبر شبكة لاسلكية خاصة تُدعى: «أمازون ويسبرنت» وهي مجانية أي بدون اشتراك. سعر تنزيل الكتاب أو المحتوى الإلكتروني يعتمد على حجم الملف (بايت) ولا يزيد - بحسب بعض التقارير - عن 10 % من قيمة الكتاب الورقي الفاخر (هارد كوفر) وهنا تكمن المشكلة للكتاب الورقي. توفر هذه الأجهزة أيضا حرية الوصول إلى شبكة الإنترنت واستعمال الإيميل. يتراوح سعر الكيندل بين 140-500 دولار بحسب نوع الإصدار، حيث يبلغ سعر أول إصدار (كيندل-1) 139 دولارا فقط وسعر أحدث إصدار (كيندل-دي إكس) 489 دولارا. تعمدت «بارنز آند نوبل» عند تدشين جهازها «ذا نوك» تسعيره ليكون أقل من سعر الكيندل ببضع دولارات، ولكنها فوجئت عندما ردت أمازون فورا وخلال بضع ســـــــــاعات بتنـــــــــــــــــزيل قيمة الكيندل 25 %، مما تسبب في زيادة الإقبال عليه بصورة هوسية أدت إلى إنتهاء الكمية من مخازن أمازون وأصبح هناك قائمة إنتظار طويلة لشراء الكيندل حتى هذه اللحظة.
وفور الإعلان عن الشراكة بين وايلي وأمازن، صدرت بيانات شجب عنيفة من كبار الناشرين مثل «راندوم هاوس» الأمريكية و«ماكميلان» البريطانية. «راندوم هاوس» التي تأسست عام 1925 تعتبر أكبر ناشر في العالم للكتاب الورقي التقليدي. وبلغ مجمل دخلها في السنة المالية الماضية تقريبا 2 مليار يورو، وتمتلك أكثر من 60 دار نشر فرعية في أمريكا وبريطانيا وأستراليا  ونيوزيلاندا وآسيا. والمعروف أن «راندوم هاوس» تملك حقوق النشر الورقي للعديد من المؤلفين الذين تمثلهم وكالة وايلي وبعضهم صدرت بالفعل لهم «طبعة أوديسي» السالف ذكرها. وأرسلت راندوم هاوس رسالة إنذار واحتجاج غاضبة إلى أمازون تتحدى حقها القانوني في نشر وبيع تلك الأعمال التي قالت إنها لا تزال تحكمها تعاقدات حية (نشطة) للنشر الورقي مع راندوم هاوس. وأضافت راندوم هاوس مهددة لوكالة «أندرو وايلي»: إنها مجموعتها «لن تدخل في اتفاقيات نشر باللغة الإنجليزية على مستوى العالم بأجمعه مع «وكالة أندرو وايلي» الأدبية حتى إيجاد حل مرض للوضع الحالي» وأشارت إلى أن قرار الوكالة بيع كتب إلكترونية حصريا لأمازون لعناوين ماتزال تحت تعاقدات سارية المفعول للنشر الورقي مع «راندوم هاوس» يقوض إلتزاماتها طويلة الأجل واستثماراتها مع مؤلفيها، وتجعل الوكالة منافسا مباشرا لها. وصرح المتحدث باسم راندوم هاوس بأن القرار يسري على الكتب المستقبلية ولا يمس الصفقات التي تم توقيعها ولم تصدر بعد. واعترف المتحدث بوجود مخاطرة كبرى لراندوم هاوس في ذلك القرار، ولكنه جادل بأن المخاطرة ستكون أكبر على الوكالة وزبائنها الذين قد يخسرون منفذا مربحا لنشر أعمالهم مثل راندوم هاوس. وأكد المتحدث بأن القرار لم يكن سهلا مطلقا ولكنه صدر بعد أن تم الإجماع عليه من الإدارة العليا للشركة الأم ورؤساء جميع الدور التابعة لها في امريكا وبريطانيا وكندا وغيرها من البلدان.
وأكدت الغارديان اللندنية أن قرار راندوم هاوس مقاطعة القائمة البارزة والمرموقة لعملاء وكالة وايلي بدا كأنه قرار «شبه انتحاري»، لأن راندوم هاوس استشعرت خطورة الأمر وأخذت على عاتقها حماية عملية النشر الورقية التقليدية نيابة عن جميع الناشرين التقليديين في العالم لأنها أكبر دار نشر ورقي في العالم. وأضافت الغارديان أن راندوم هاوس اضطرت لأخذ هذا القرار الصعب «فورا» بدون حتى الاجتماع مع «وكالة أندرو رايلي» أو «أمازون دوت كوم» نظرا لخطورة هذه السابقة في عالم النشر التي قد تقضي قريبا على الكتاب الورقي وتحيله إلى المتحف.
ولمعرفة خطورة هذه القضية، ينبغي أن نشير إلى أن «أمازون دوت كوم» تباهت مؤخرا وافتخرت في عدة بيانات صحفية بأنها صارت تبيع على موقعها في النت كمية كتب إلكترونية أكثر كثيرا من الكتب الورقية المعتادة!! وأكدت بفخر أنها تخطت «مليون» كتاب إلكتروني لكاتب واحد هو السويدي الراحل ستيغ لارسون مؤلف الروايات البوليسية الشهير. وهذا رقم قياسي فلكي في النشر الإلكتروني.
وأضافت أمازون بفخر أرعب الناشرين أنها في النصف الأول من عام 2010 باعت 180 كتابا إلكترونيا (يقرأ على جهاز «كيندل») مقابل كل 100 كتاب ورقي تقليدي من الطبعة الفاخرة ذات الغلاف الصلب (هارد كوفر). كما باعت أيضا 180 كتاب كيندل مقابل كل 100 كتاب من الطبعة الشعبية ذات الغلاف اللين (بيبر باك).
وتشير الغارديان إلى أن جوهر القضية القانوني هو حول من يملك حقوق النشر الرقمي (الإلكتروني) للعناوين الكلاسيكية القديمة أي التي سبق نشرها ورقيا. فالناشرون التقليديون يجادلون أن حقوق النشر  الإلكترونية تعود لهم لكونهم يملكون حقوق النشر الورقية. ولكن يرد ويجادل كل من المؤلفين والوكالات الأدبية –بحق- بأنه إذا لم يكن هناك نص صريح في العقد على هذا الأمر، (أي كون الحقوق الرقيمة تعود للناشر الورقي)، فإن حقوق النشر الرقمي تبقى أو تصبح تلقائيا للمؤلف (وبالتالي للوكالات الأدبية لأنها هي الوسيط الذي ينوب عن المؤلفين في مراجعة وتسويق الكتب وتوقيع العقود في الغرب).
وهناك قضية أخرى فرعية حول نسبة عوائد المؤلفين عن الكتب الإلكترونية. حتى الآن لم يعلق أي من المؤلفين الذين صدرت لهم «طبعة أوديسي» على الجدل. ولكن السيدة سوزان شيفر التي صدر لوالدها الراحل جون شيفر كتاب في «طبعة أوديسي» علقت قائلة: «لو كان أبي على قيد الحياة، لتمزق وبكى من الألم لنهاية الكتاب الورقي، لقد كان يحب دار «كنوبف» ودار «راندوم هاوس» بجنون، ولكنني شخصيا بصورة عامة أؤيد كل رأي وجهد يزيد من عوائد المؤلفين».
وتضيف الغارديان أنه نتج عن هذه المشكلة جدل طريف بين بعض المؤلفين البعيدين عن «طبعة أوديسي»، حيث انتهزوا الفرصة ليطالبوا بعوائد مستقبلية أكثر على الكتب الإلكترونية حددها البعض بضعف العائد المعتاد على الكتـــــــــــــــاب الــورقي الذي يقدر بـ25 % وذلك بزعمهم أن الكتب الإلكترونية أقل تكلفة كثيرا في الإنتاج والتخزين والتوزيع من الكتب الورقية.  وصرح جون سارجنت رئيس «دار ماكميلان» البريطانية العريقة في فرع نيويورك للغاريان قائلا: «لقد فزعت من هذه الشراكة لطبعة أوديسي لأنها تقوي كثيرا اللاعب المنافس الرئيس (أي أمازون دوت كوم) وتخلق عدم توازن في سوق الكتاب». وأضاف: «إنها صفقة استثنائية سيئة للمؤلفين والناشرين وبائعي الكتب وكل من يؤمن بوجوب توفر الكتب للقراء على أوسع نطاق. إنها صفقة تعطي أمازون أفضلية رغم أنها بالفعل هي التي تملك الحصة الأكبر في السوق حاليا».
الغارديان حاولت الاتصال بالسيد أندرو وايلي للتعليق على الإتهامات وليجيب على التساؤلات ولكنه لم يجب، لكنه أخبر نيويورك تايمز ببرود: إنه فوجئ بردود الفعل العنيفة من راندوم هاوس وماكميلان والتي لم يتوقعها، وأكد أنه لم يقرر كيفية الرد حتى الآن. وأضاف: «أنا مثلهم أعشق الكتب الورقية ولكنني بالفعل اشتريت جهاز كيندل أيضا واستعملته لمدة ساعة فقط ثم وضعته في الخزانة ولم أستعمله ثانية!!! سوف أفكر جيدا في تحذير «راندوم هاوس» لأنه خطير علينا وعلى عملائنا، وسوف نعمل بجد لحل هذه القضية بأسرع وقت».
حمد بن عبد العزيز العيسى
  كاتب ومترجم سعودي مقيم في المغرب

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى