الدفاع الوطني

كل الذين عرفوه واشتغلوا إلى جانبه في إدارة الدفاع الوطني يشهدون له بنظافة اليد. فالسباعي، الوزير المنتدب لدى الوزير الأول في إدارة الدفاع الوطني، كان أحد أنظف أعضاء الحكومة.
لكن نقطة ضعفه، رحمه الله، لم تكن حبه للمال وإنما بعض صداقاته ومعارفه، وخصوصا الكولونيل العراقي الذي تورط ابنه في جريمة تزوير واحتيال على بنكي BMCE وBMCI واستطاع، عن طريق تزوير تواقيع ضباط في الجيش، الحصول على أكثر من 500 مليون من هذين البنكين.
طبعا، عندما كتبت «المساء» حول هذه الفضيحة وكيف أن القضاء أغمض عينيه ولم ير ضرورة لمتابعة المتهم في حالة اعتقال بسبب الجرائم الخطيرة التي ارتكبها، خصوصا وأن التزوير طال تواقيع لضباط في مؤسسة الجيش، سارع وكيل الملك بالدار البيضاء إلى استدعاء المتهم الذي وجد تخريجة غريبة «أقنع» بها رشيد بناني، وكيل الملك آنذاك، وهي أن ابن الكولونيل كان جالسا في المقهى «ما عليه ما بيه» حتى جاءه أحد المواطنين بوثائق تحمل توقيعات ضباط في الجيش وطلب منه أن يتقدم بها إلى البنك لكي يحصل على قروض. وهكذا سلم الوكيل بناني ابنَ الكولونيل العراقي جوازَ سفره وسمح له بمغادرة التراب الوطني وكأن شيئا لم يقع.
الحقيقة أن الكولونيل العراقي استغل صداقته ومعرفته بالوزير المنتدب في إدارة الدفاع الوطني، واستغل خصوصا طيبوبته، ولذلك تغاضت إدارة الدفاع الوطني عن المطالبة بالمتابعة في حق ابن الكولونيل الذي زور وثائق الجيش واحتال بها على البنكين.
مناسبة الحديث عن إدارة الدفاع الوطني ليست هي قضية ابن الكولونيل العراقي أو الوزير المنتدب السباعي، فالوزير ذهب إلى دار الحق، بينما ابن الكولونيل غادر التراب الوطني ولا أحد يعرف متى سيعود، وإنما مناسبة الحديث عن هذه الإدارة، التي لا يكاد أحد يعرف حولها شيئا، هي منحها، في إطار القانون المالي الجديد، ميزانية تقارب 1000 مليار سنتيم مخصصة لشراء وإصلاح معدات الجيش ونفقات الأعوان والموظفين.
كل من سيمر أمام إدارة الدفاع الوطني تثير إعجابه المعلمة التاريخية التي تؤوي الإدارة. غير أن هذه البناية ينطبق عليها المثل القائل «آلمزوق من برا آش خبارك من لداخل»، فرغم الرونق والجمال الخارجي فإن مصالح الإدارة وأقسامها تفتقر في الداخل إلى المرافق الصحية، والجدران «مقشرة» وبدون طلاء، والأزبال والأوساخ في كل مكان.
وحتى عندما تكرم الوزير المنتدب السباعي، رحمه الله، بمنح وجبات غذائية مجانية للموظفين المدنيين، قام أعضاء «اللوبي» المسيطر داخل إدارة الدفاع، وهم مدراء الشؤون الإدارية والاجتماعية ومدير الديوان، بعرض عينة من الوجبات الجيدة على أنظار الوزير، وعندما حصلوا على موافقته غيروا الوجبة الجيدة بأخرى رديئة أصبح يرميها الموظفون في سلة المهملات بمجرد التوصل بها.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه وزير المالية عن ترشيد نفقات المؤسسات العمومية والتخلي عن اقتناء سيارات الخدمة، سارع المدراء الثلاثة إلى اقتناء سيارات فاخرة ووزعوها في ما بينهم دون أن يتخلوا عن سياراتهم القديمة.
أما «وجبة» الترقيات داخل إدارة الدفاع الوطني، فالجميع يعرف «الطاريفا»، أي 50 ألف درهم للترقي إلى السلم العاشر، و60 ألف درهم للترقي إلى السلم الحادي عشر. أما بالنسبة إلى الترقية الخاصة بالتقنيين، فـ«المرقة» تكون أوفر، لأن مهمة السهر على الامتحانات المهنية تسند إلى لجنة يرسلها مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل. وبعد تسليم اللجنة محضر الناجحين، تبدأ عملية تغيير الأسماء حسب تقنية «الدفع المسبق».
إن ما يقع دخل أسوار بناية إدارة الدفاع الوطني يستحق أن يرسل إليه المجلس الأعلى للحسابات قضاته لكي يراجعوا حسابات المؤسسة، لكي نعرف أين صرفت 21،6 مليار درهم التي تسلمتها الإدارة السنة الماضية.
وفي الوقت الذي نرى فيه كيف أن «كاميرون»، الوزير الأول لدولة مصنعة وغنية كبريطانيا، قرر الأسبوع الماضي، بسبب الأزمة الاقتصادية، إجراء أكبر تخفيض في تاريخ بريطانيا لميزانية الجيش، بحيث قرر حذف 42 ألف منصب شغل داخل الجيش البريطاني، كما قرر تخفيض مشترياته من الأسلحة وتقليص ميزانيات التجارب العسكرية، نندهش عندما نرى كيف أن الوزير الأول في دولة، كالمغرب، يستدين وزير ماليتها من البنوك الأجنبية لكي يمول ميزانيته السنوية، يرفع من ميزانية الجيش للسنة المقبلة بحيث انتقلت الميزانية المخصصة للدفاع الوطني من 21،6 مليون درهم إلى 22,7 ملايين درهم.
إن أكسل طالب في كلية الاقتصاد يمكن أن يفهم أن مشكلة الاقتصاد المغربي تتلخص في ثلاث نقط: سوء توزيع الثروات، سوء عقلنة المصاريف، سوء تطبيق القوانين.
ومع أنه لا أحد يشكك في الدور الكبير والوطني والحساس الذي تقوم به مؤسسة الجيش في الدفاع عن حوزة الوطن ومقدساته وشرفه، فإن طرح السؤال حول تدبير ميزانية الجيش أصبح، خصوصا في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، أكثر من ضروري، بل حيوي.
لقد حان الوقت بالنسبة إلى المغرب للمرور إلى تأسيس جيش عصري، أي أقل ما يمكن من العسكر، وأكثر ما يمكن من التقنية.
الجيش المغربي هو الأكثر تعدادا في المنطقة، بحوالي 200 ألف جندي أو أكثر. لكن هل كل هذه الآلاف المؤلفة من الجنود توجد في خدمة الجيش؟ الحقيقة هي أن أكثر من ثلاثين في المائة منها توجد في خدمة الجنرالات والضباط والكولونويلات في ضيعاتهم وفيلاتهم ومصانعهم.
الآلاف من الجنود يشتغلون كسائقين عند أبناء وزوجات هؤلاء المسؤولين الكبار في الجيش، وآخرون يشتغلون في أعمال السخرة داخل البيوت وحدائق الفيلات وأوراش البناء التابعة لهم.
الجميع يتحدث عن رواتب المدراء الكبار في المؤسسات العمومية، لكن لا أحد تحدث عن رواتب كبار الضباط، والتي تمتص كتلة أجور كبيرة بسبب التعويضات المالية السخية التي يحصلون عليها، وخصوصا تعويضات البنزين الذي يستعملونه في سياراتهم ذات المحركات الشرهة التي تبتلع 1،8 لترا عن كل كيلومتر. ولكم أن تتخيلوا كم «تحرق» هذه السيارات من أموال عن كل 100 كيلومتر تقطعه.
إن الفاتورة التي تدفعها الموازنة العامة بسبب الاستعمال المفرط لسيارات الضباط والجنرالات وكبار مسؤولي الجيش تكلف المغرب غاليا، وترفع الفاتورة النفطية إلى مستويات غير مسبوقة.
إن الأخطر في ما يقوم به بعض كبار مسؤولي الجيش ليس فقط استغلال مئات الجنود في أشغال شاقة وسخرة لا علاقة لها بالمهمة التي دخلوا الجيش من أجلها، مما يحطم معنوياتهم وإحساسهم بالكرامة والعزة، وليس فقط تبذيرهم المفرط للمحروقات التي تلتهمها محركات سياراتهم وسيارات الزوجة والأبناء، وإنما الأخطر هو امتناع بعضهم عن دفع الضرائب المستحقة للدولة على مشاريعهم الاستثمارية.
ولهذا السبب بالضبط حجزت الخزينة العامة بالرباط، قبل أسبوع، على ودائع مجموعة من كبار الشخصيات، فيهم البرلماني والجنرال والوزير، بسبب عدم دفعهم للضرائب التي للدولة في ذممهم.
إن هؤلاء الجنرالات وكبار مسؤولي الجيش، الذين يكتبون مشاريعهم واستثماراتهم في أسماء زوجاتهم وأبنائهم ويستمرون في التحكم في تسيير دفة مشاريعهم من وراء الستار باستعمال أسمائهم ونياشينهم لإخافة مفتشي الضرائب ومفتشي الشغل من الاقتراب أمام أبواب مصانعهم وشركاتهم المحروسة، يجب أن يفهموا أن الوضع الاقتصادي الذي يعيشه المغرب لم يعد يسمح بالمزيد من التساهل معهم.
إن مسؤولية البرلمانيين اليوم، وهم يستعدون لمناقشة قانون المالية الذي سيعرضه عليهم صلاح الدين مزوار، تحتم عليهم، كحراس للمال العام، أن يخضعوا بنود هذه الميزانية المخصصة لإدارة الدفاع الوطني للنقاش الصريح البعيد كل البعد عن المحاذير غير المبررة والتضخيم المجاني الذي يرافق النقاش حول مؤسسة الجيش.
إذا كانت الدول المتقدمة تراجع ميزانياتها بخصوص جيوشها ومقتنياتها من الأسلحة، فلماذا سيشعر برلمانيونا بالحرج من فتح هذا الموضوع، خصوصا وأن المغرب غير محتاج إلى الانسياق وراء سباق التسلح الذي يريد جنرالات الجزائر أن يجرونا إليه.
إن التسلح الحقيقي الذي يجب على المغرب أن يسعى إليه ويضع من أجله كل الميزانيات اللازمة هو تسليح الأجيال القادمة بالعلم والمعرفة. ومن أجل ربح معركة المستقبل، يجب تشييد المزيد من الخنادق وتوظيف المزيد من الجنود داخل مؤسسة التعليم العمومي والجامعات ومراكز البحث والدراسات، حتى يستطيع المغاربة منازلة الجهل ومصارعة الأمية بأسلحة العصر، فالجهل والأمية يظلان أخطر عدو يترصد المغرب على الإطلاق.
ميزانية السنة المقبلة يجب أن تضع في حسابها هذه المعركة، فمن لم يفهم أن مفتاح الغد هو العلم والمعرفة لم يفهم شيئا على الإطلاق.
إن ثمن دبابة واحدة، حوالي مليار سنتيم، يمكن أن نبني به عشرة مدارس، هذه المدارس سيأتي إليها عشرة آلاف تلميذ وتلميذة. هذا هو الجيش الحقيقي الذي يجب أن نعده لمجابهة المستقبل. أما الدبابات التي نشتريها لكي تصدأ داخل الثكنات ثم نضع لها بنودا في الميزانية لكي نصلح أعطابها، فلا تصلح إلا لتبرير المصاريف.. تلك التي لا يجرؤ وزير المالية، ومعه نوابنا الكرام، على المطالبة بوقف نزيفها المزمن.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى