زرب تعطل


المئات، بل الآلاف من المواطنين الذين يذهبون لاستخراج بطاقاتهم الوطنية البيوميترية الجديدة، لا يفهمون لماذا تخطئ الإدارة العامة للأمن الوطني في كتابة أسمائهم الشخصية والعائلية.
حسن يتحول إلى عائشة، وفريدة تتحول إلى فريد. أما النقط والحروف المضافة والمحذوفة فحدث ولا حرج.
وطبعا، فالأخطاء المطبعية شيء طبيعي عند الإدارات في كل بلدان العالم، لكن ما هو غير طبيعي عندنا هو أن الإدارة العامة للأمن الوطني تجعل المواطنين يتحملون ثمن أخطائها. فبمجرد ما يحتج مواطن على وجود خطإ في بطاقته الوطنية يطلبون منه إعادة جمع الوثائق المكونة للملف.
ولكثرة هذه الأخطاء أصبح البعض يقول إن الإدارة العامة للأمن الوطني تتعمد اقتراف الأخطاء لكي تضاعف من أرباح الدولة عن الوثائق والطوابع الكثيرة التي يؤدي المواطنون ثمنها في سبيل الحصول على البطاقة الوطنية.
والواقع أن محنة استخراج البطاقات الوطنية البيوميترية تعطينا فكرة واضحة عن تخلف الإدارة المغربية وجمودها وتفشي الرشوة داخلها، فضلا عن عدم فاعليتها.
ومنذ بدء العمل بنظام البطاقات الجديدة وأماكن وضع ملفاتها وتسلميها تعرف اكتظاظا منقطع النظير في كل المدن تقريبا، إلى درجة أن المواطنين أصبحوا يبيتون الليالي أمام مخافر الأمن في انتظار أن يحظوا بتسجيل أسمائهم في الصباح على اللائحة السحرية التي ستحظى بمقابلة الموظف الذي سيتسلم منهم وثائقهم، وكأنهم سيحصلون على «الغرين كارت» وليس على البطاقة الوطنية.
مثل هذه الإجراءات في الدول التي اكتشفت «البطاقة البيوميترية» تحل عبر الأنترنيت أو البريد العادي، بدون حاجة إلى المبيت أمام أبواب المخافر وإعطاء الرشاوى لرجال الأمن والحراس من أجل الظفر بفرصة التسجيل على لائحة المحظوظين الذين سيقبلون لوضع ملفاتهم.
وبعد أيام من «سير حتى تجي»، وأيام من الجري وراء المقدم لكي يمنحك شهادة السكنى، وأيام من الانتظار، تخرج «لالة لاكارط» مرصعة بأخطاء يندى لها الجبين تجبرك على إعادة القصة من أولها، وعلى حسابك.
وإذا كانت أخطاء البطاقة الوطنية توجد في الأسماء، فإن الخطأ الذي تم اكتشافه مؤخرا في بطاقات رخص السياقة البيوميترية هو أن حوالي المليون و36 ألف بطاقة التي تم توزيعها إلى حدود اليوم تتضمن فقط تاريخ بداية صلاحية البطاقة ولا تتضمن تاريخ نهاية الصلاحية.
وهذا، طبعا، يتناقض مع مدونة السير الجديدة التي بدأ العمل بها منذ فاتح أكتوبر الماضي والتي تعطي رخص السياقة فترة زمنية محددة في عشر سنوات يتم بعدها تجديد الرخصة.
بمعنى أن شرطة المرور ورجال الدرك من حقهم أن يفرضوا غرامات على كل السائقين الذين يتوفرون على رخص السياقة البيوميترية بسبب عدم استجابتها لشروط مدونة السير الجديدة.
وبما أن وزارة النقل هي التي تحكمت في صفقة إعداد البطاقات بواسطة شركتي «السياقة كارد» المتفرعة عن «سيجيم سيكيريتي» وشركة M2M، وتحكمت أيضا في «صفقة» المدونة، فإنها تحولت بسبب هذا الخطأ إلى خصم وحكم في الوقت نفسه، أما الضحية فهو المواطن الذي دفع أمواله من أجل استخرج بطاقة مرور هي أول «من» يخرق أحد بنود مدونة السير.
ويمكن أن يفهم المرء قلة تركيز وزارة النقل والإدارة العامة للأمن الوطني عند كتابة التواريخ أو أسماء المواطنين على البطائق البيوميترية، لكن أن تصل قلة التركيز إلى حد عدم الاكتراث لوجود خطأ مطبعي في آية قرآنية مكتوبة على التاج الملكي الذي يجسد شعار المملكة المغربية، فهذا شيء يدعو إلى الاستهجان.
وكل من سيخرج بطاقته الوطنية البيوميترية من جيبه ويتمعن في الآية الكريمة المكتوبة أسفل التاج المحاط بأسدين سيلاحظ أنها تحتوي على خطأ مطبعي، فعوض أن تكتب الإدارة العامة للأمن الوطني «وإن ينصركم الله فلا غالب لكم»، كتبت «وإن ينصرككم الله فلا غالب لكم»، أي أنها أضافت حرف الكاف إلى كلمة ينصركم فتحولت إلى «ينصرككم».
والخطأ جسيم وغير مقبول لثلاثة اعتبارات مهمة على الأقل، أولها أن الخطأ وقع في آية قرآنية مكتوبة في وثيقة رسمية صادرة عن مؤسسة عمومية، وهو الخطأ الذي لم يثر حفيظة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ولا المجلس العلمي، ثانيها أن الخطأ وقع في شعار من شعارات المملكة ورمز من رموز سيادتها، وثالثها أن المؤسسة التي صدر عنها الخطأ ليست مؤسسة عادية وإنما مؤسسة الأمن الوطني التابعة لوزارة الداخلية المفروض فيها حماية رموز الدولة من العبث.
إن الوضع الطبيعي يفرض على الإدارة العامة للأمن الوطني استعادة جميع البطائق البيوميترية التي وقع فيها هذا الخطأ الجسيم، وتدميرها ثم استخراج بطاقات جديدة خالية من الأخطاء.
هذا، طبعا، يتطلب ميزانية ضخمة، وأيضا محاسبة الجهة المسؤولة عن الخطأ. فإما أن الإدارة العامة للأمن الوطني هي التي أرسلت الخطأ، وإما أن الشركة التي أنتجت البطاقات هي التي اقترفته أثناء الطبع.
وفي كلتا الحالتين يجب أن تكون هناك محاسبة، لأن الأمر يتعلق بضياع الملايير من أموال دافعي الضرائب من أجل إصلاح خطأ جسيم كهذا الذي يحمله مئات الآلاف من المغاربة في بطاقاتهم الوطنية.
هذا الخطأ يجرنا إلى الحديث عن الطريقة التي تدار بها الصفقات المتعلقة بالبطائق وجوازات السفر البيوميترية. وما لاحظه المواطنون الذين استخرجوا جوازات سفرهم البيوميترية أن الكتابة المذهبة التي توجد على غلاف الجواز تمحى بسهولة، عكس النسخة القديمة من الجواز التي تصمد كتابتها لسنوات طويلة.
والملاحظ أن هناك في المغرب تساهلا، وربما ازدراء، لكل ما له علاقة بالوثائق والرموز الرسمية والسيادية للدولة. فالبطائق الوطنية تصدر حافلة بالأخطاء، وجواز السفر تمحى الكتابة التي على غلافه بسهولة، والرايات الوطنية يصممها كل واحد على مزاجه ويعلقها مقلوبة وبالشكل الذي يحلو له، حتى إننا البلد الوحيد في العالم الذي يمكن أن ترى فيه راية طولية تعلوها نجمات كثيرة.
ومن كثرة ما تحولت الراية الوطنية إلى وسيلة لاستجداء عطف الجمهور وإظهار الأحاسيس الوطنية المنافقة، أصبح كل من صعد منصة وأمسك مايكروفونا، لكي يرقص أو يغني، يتحزم بالراية الوطنية ويمسح بها عرقه أمام الجماهير.
في الدول التي تقيم وزنا لهيبتها، هناك مؤسسة خاصة بالراية الوطنية هي التي تحدد المقاييس والأشكال والأحجام التي تصدر بها الرايات التي تعلق في المؤسسات العمومية، أي أن هناك نموذجا موحدا للراية الوطنية تسهر على صناعته وترويجه مؤسسة معروفة هي التي تتحمل مسؤولية حماية الراية من التشويه الذي يمكن أن يطالها من طرف تجار الثوب الذين يبهدلونها بتلك الألوان الفاقعة والأثواب الرخيصة التي يستعملونها في صنعها.
إن الأخطاء التي تحدثنا عنها لا توجد فقط في البطائق الرسمية وإنما أيضا في الراية الوطنية. فكم من راية تصنع بشكل خاطئ بحيث تكون أضلاع النجمة مقلوبة. وهذا الخطأ لا يكاد ينتبه إليه أحد، لكنه موجود حتى في الرايات التي تعلق فوق المؤسسات الرسمية.
هناك اليوم اختراق صيني لصناعة الرايات، بعدما تم توقيف شبكة لترويج صور الملك كانت تطبع الصور الملكية في الصين بثمن بخس وتعيد بيعها في المغرب محققة أرباحا طائلة. ومثل هؤلاء الوسطاء لا يهتمون كثيرا باحترام المقاييس المطلوبة في الراية الوطنية، كما أنهم يجهلون الشكل السليم الذي يجب أن تكون عليه مقاساتها. فهم يتعاملون مع الراية كسلعة تجارية فقط. وتلك الرايات التي يقترحها عليكم الباعة المتجولون في الطرقات وبجانب علامات المرور، كلها من صناعة وسطاء صينيين يعيدون صناعة كل ما يمكن أن يشتريه المغاربة، حتى إنهم دمروا صناعة البلغة المغربية بقرصنتهم لها وصناعتهم لبلاغي تساوي عشرة دراهم. طبعا كل من يلبس هذه البلاغي يكتشف أن أصابع قدميه بدأت تطل منها بعد الأسبوع الأول لوضعها في رجليه. «عند رخصو تخلي نصو».
لكن بالنسبة إلى الشركات التي تتعاقد معها الإدارة العامة للأمن الوطني ووزارة النقل، فالأمر لا يتعلق بعشرة دراهم، وإنما بعشرات الملايير.
ومشكلة الشركات التي تعهد إليها الإدارة العامة للأمن الوطني بمهمة إنجاز البطائق وجوازات السفر البيوميترية، هي أنها تتعامل مع هذه الوثائق بوصفها «صفقة» وليس بوصفها وثائق تجسد هيبة الدولة ومؤسساتها الرسمية.
طبعا، تبقى مسؤولية الإدارة العامة للأمن الوطني ثابتة في هذه الأخطاء. والسبب الرئيسي يعود إلى تهميش هذه الإدارة لحوالي 1000 إطار وتقني من خيرة التقنيين والأطر الذين يشتغلون داخلها، والذين من الممكن الاعتماد على خبراتهم لتجنب الوقوع في مثل هذه الأخطاء المشينة.
غدا نتحدث عن هذه الفئة من الموظفين داخل جهاز الأمن، والتي تسري عليها الواجبات نفسها التي تسري على جميع رجال الأمن، لكنها لا تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها هؤلاء.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى