سياسة «التطهير»

قبل أسبوع، تصدر الصفحة الأولى لهذه الجريدة مقال حول عملية «التطهير» التي تقوم بها شركة «ليدك» التي فوت إليها مجلس الدار البيضاء تدبير الماء والكهرباء والتطهير، والتي تستهدف الأطر المغربية داخل الشركة لتعويضها بأطر فرنسية.
يومان بعد ذلك، سترد الشركة على مقالنا بحوار مع مدير الموارد البشرية في جريدة «الصباح» يقول فيه «إن «ليدك» تواصل نقل المسؤوليات من الخبراء الأجانب إلى المحليين». وهكذا، فعوض أن تنشر «ليدك» بيان حقيقة توضح فيه خلفيات حملة التطهير ضد الأطر المغربية، فضلت أن تلجأ إلى صفحات الجريدة التي تحتضن إشهاراتها وإعلاناتها عن انقطاع الماء والكهرباء وسائر ما يتعلق بحسابات الشركة السنوية.
فتاريخيا، كانت دائما منشورات ومايكروفونات شركة «إكوميديا» (الصباح، ليكونوميست، أطلنتيك راديو) مكانا مفضلا لتكذيب أي خبر ينشر في الصحافة حول «ليدك» وتجاوزاتها في حق المواطنين.
لكن المفاجأة التي لم تكن تنتظرها «ليدك» ولا مجلس مدينة الدار البيضاء هي استدعاء عمدة المدينة ساجد للمثول أمام الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات برفقة محاميه للإجابة عن أسئلة المحكمة بخصوص ملفات كثيرة لها علاقة بالاختلالات التي تعرفها المدينة، وخصوصا تلك المتعلقة بالتدبير المفوض للماء والكهرباء والنظافة الذي تديره شركة «ليدك».
وهو الخبر الذي لا يدخل نشره، طبعا، ضمن بنود العقد الإشهاري المتفق عليه بين «ليدك» والجرائد التي تتعامل معها هذه الشركة المدللة. وهو العقد الذي كانت «المساء» سباقة، قبل سنتين، إلى إلغائه من طرف واحد بعدما اتضح أنه عقد لشراء الصمت وليس لنشر إعلانات الشركة.
لا بد أن مدير الموارد البشرية في «ليدك»، الذي تطوع لتلميع صورة الفرع المغربي لشركة «لاليونيز دي زو» الفرنسية، يعرف أكثر من غيره أن ما قلناه عن حملة التطهير التي تستهدف الأطر المغربية داخل الشركة صحيح مائة في المائة، والدليل على ذلك أن سعادة مدير الموارد البشرية كان في السابق إطارا رسميا في الشركة قبل أن يحوله فرنسيو الإدارة العامة إلى إطار متعاقد.
ومن بين الأكاذيب الكبرى التي قالها مدير الموارد البشرية، في حواره «الإشهاري»، أن الأطر المستوردة من فرنسا تأتي بالخبرة الضرورية للتدبير المفوض إلى المغرب.
الحقيقة هي عكس ذلك تماما. فشركة «ليدك» لازالت تشتغل بنفس المساطر التي كانت تشتغل بها أيام المأسوف على انقراضها «لاراد» RAD. وإذا كانت الشركة تشتغل إلى حدود اليوم، فبفضل الخبرة التي يتوفر عليها مهندسون وتقنيون مغاربة يبذلون قصارى جهودهم لأداء واجبهم رغم ظروف التهميش والتحقير التي يتعرضون لها يوميا لمغادرة مناصبهم.
أما «الأطر» الفرنسية التي تأتي إلى شركة «ليدك»، وخصوصا منها التقنيون، فتأتي من أجل التكوين والتدريب قبل العودة إلى فرنسا لشغل مناصب أحسن في فروع الشركة «Suez Environnement» أو أحد فروعها. والكارثة أن الأغلبية الساحقة من الأطر التي تأتي بها الشركة من فرنسا لا تتشكل من مهندسين وإنما من مجرد تقنيين يتحولون بقدرة قادر إلى أطر تصدر الأوامر للمهندسين المغاربة الذين يقومون بالعمل مكانها.
وفي الوقت الذي تعسر فيه الشركة حياة الإطار المغربي تمنح الإطار الفرنسي كل سبل العيش الرغيد. فرواتب الأطر الفرنسية تضاعف أحيانا عشرين مرة راتب الإطار المغربي، وجزء من رواتب هؤلاء الأطر الأجانب يصرف بالعملة الصعبة في حساباتهم بفرنسا، كما أنهم يستفيدون من الامتيازات العينية التي تمثل ما بين 40 و50 في المائة من مجموع راتبهم، وهذه الامتيازات تغطي كل ما يحتاجون إليه في المغرب، بالشكل الذي يجعلهم معفيين من إنفاق أي درهم على أنفسهم أو على عائلاتهم داخل المغرب.
ولعل أكبر كذبة أطلقتها الشركة، لذر الرماد في العيون، هي ادعاؤها أنها بصدد مغربة الشركة ونقل المسؤوليات إلى المغاربة.
لكي نفند هذا الادعاء ليس هناك أفضل من إعطاء الأسماء الحقيقية للأطر الفرنسية التي تتحكم، من وراء الستار، في بعض الأطر المغربية التي وضعتها الإدارة العامة في الواجهة لتغليط المستخدمين والرأي العام.
الكل يعرف أن مدير الموارد البشرية مغربي، لكن قلة تعرف أنه ليس سوى صورة باسمة تصلح للنشر في الجرائد وتمثيل دور المحاور أمام النقابيين. ومنذ اليوم الأول لتعيينه، «لصقت» له الإدارة العامة مساعدا فرنسيا اسمه مارك بابيل «Marc PAPIL»، يشتغل في الكواليس وإليه يعود أمر اتخاذ كل القرارات الحاسمة بخصوص الزيادات والمكافآت والعقوبات والترقيات وكل ما له علاقة بإدارة الموارد البشرية للشركة.
وإلى جانب هذا المساعد الفرنسي الذي يتحكم في عصب الشركة، هناك المدير المالي للشركة والذي ليس سوى فرنسي اسمه سيريل «Ciril». أما بالنسبة إلى المسيرين المفوضين الخمسة للمقاطعات التي تسيرها الشركة فصحيح أنهم جميعهم مغاربة، لكن رئيسهم الإداري فرنسي واسمه «Jean Michel GAUCHET». هذا بالإضافة إلى أن المقاطعتين المتبقيتين، واللتين تحتضنان 60 في المائة من نشاط الشركة، تسيرهما أطر فرنسية.
داخل الشركة الأم La Lyonnaise Des Eaux  الفرنسية، لا يكاد الحضور المغربي يتجاوز واحدا على ثلاثة آلاف. والمغربي الوحيد الذي يشتغل داخل مكاتب الشركة الأم يشغل منصب رئيس وكالة، بعدما كان في المغرب يشغل منصب مدير مساعد. وهكذا، فالأطر المغربية عندما تشتغل في مقر الشركة بباريس تنزل في السلم الإداري، أما الأطر الفرنسية عندما تأتي إلى فرع الشركة بالدار البيضاء تترقى في السلالم الإدارية، حتى بدون حاجة إلى شواهد عليا.
منذ انطلاق مشروع السطو على كهرباء ومياه شرب ومجاري مياه سكان الدار البيضاء الكبرى، أيام إدريس البصري، ومجموعة Suez Environnement تخطط لطرد الأطر المغربية التي لا تساير سياسة الشركة المبنية على نهب جيوب المستهلكين كل شهر. وكل من يرفض الخضوع للتعليمات تتم تصفيته مهنيا. ولعل المستخدمين الرسميين هم الأكثر تعرضا للمضايقات والتحرشات الرامية إلى دفعهم نحو الباب الضيق للمغادرة، بحكم أن المستخدمين المتعاقدين مع الشركة يشكلون أقلية ولا يتمتعون بنفس الحقوق الوظيفية التي يعطيها القانون للمستخدمين الرسميين.
إن الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات قد تأخر كثيرا في استدعاء عمدة الدار البيضاء لمساءلته حول تجاوزات هذه الشركة التي فوض إليها مجلس المدينة تدبير أهم قطاعين حيويين في البلاد، وهما الماء والكهرباء. فهذا الاستدعاء كان يجب أن يتم منذ أمد طويل.
وفي الوقت الذي تحصي فيه ملايين العائلات بالدار البيضاء الكبرى خسائرها بسبب الزيادة الصاروخية في فواتير الماء والكهرباء وخدمات النظافة، كان مدراء الشركة الأم في باريس يفركون أيديهم وهم يحصون أرباحهم الخيالية التي حققها فرعهم بالمغرب خلال الستة أشهر الأخيرة، والتي تجاوزت  12 مليار سنتيم ستخرج بالعملة الصعبة من بنك المغرب.
ولعله من الطبيعي أن تربح «ليدك» كل هذه الملايير مادامت بضع قطرات من الأمطار تستطيع أن تسد كل شوارع المدينة. فالشركة منشغلة بعمليات «التطهير» التي تقوم بها ضد الأطر المغربية داخل دواليبها، وليس لديها الوقت للقيام بعمليات «تطهير» القنوات والمجاري.
لذلك تستطيع المسؤولة الإعلامية لشركة «ليدك» أن تشتري المساحات الإشهارية في الجرائد والمجلات لتكذيب ما ننشره حول حملة التطهير المنظمة التي تخوضها الإدارة العامة ضد الأطر المغربية.
فعندما تقرر جريدة أو مجلة الدفاع عن مصالح الشركات التي تمتص دماء المواطنين عوض الدفاع عن مصالح المواطنين، فإنها تكون قد اختارت الاصطفاف إلى جانب من يدفع وليس إلى جانب من يقرأ.
هناك اليوم داخل كل شركات التدبير المفوض الفرنسية، التي تحتكر «بيع» الماء والكهرباء وخدمات النظافة للمغاربة، حرب سرية محمومة ضد الأطر المغربية لدفعها نحو باب المغادرة وتعويضها بأطر فرنسية للتخفيف عن الشركات الأم التي تعيش وضعا ماليا صعبا بسبب الأزمة في فرنسا.  
ولعل أقل ما يجب أن تقوم به الحكومة هو تنبيه هذه الشركات إلى ضرورة تطبيق القانون الذي يحفظ للأطر المغربية مصالحها المهنية، والأهم من ذلك كرامتها الإنسانية.
فقد أصبح المهندسون المغاربة، الذين أفنوا زهرة شبابهم في المعاهد العليا، يتلقون الأوامر والتهديدات والتحرشات من طرف تقنيين فرنسيين نزلوا بالمظلات على هذه الشركات، وأصبحوا يتحكمون في أعصاب ومصائر الآلاف من المستخدمين والأطر المغربية، لا لشيء إلا لأنهم فرنسيون.
أحدهم سأل فرنسيا عن الشهادة التي يتوفر عليها فأجابه هذا الأخير:
- إنها جنسيتي الفرنسية.
فعلا لقد أصبحت الجنسية الفرنسية في المغرب شهادة لا تصمد أمامها أعرق الشواهد التي يحصل عليها أذكى المغاربة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى