التصنطيح

في الوقت الذي يستعد فيه بعض السادة الوزراء لمغادرة كراسيهم الوثيرة، فيما يستعد بعضهم الآخر لربط أنفسهم فوقها حتى لا يزحزحهم أحد منها، يجلس المواطن «بوصنطيحة» مفكرا في طريقة مناسبة لعرض «صنطيحته» على الحكومة المقبلة.
فسيرته الذاتية حافلة بالتجارب التي من الممكن أن يستغلها المسؤولون لخدمة هذا الوطن. وشواهده، بما فيها الطبية، كثيرة. وربما حان الوقت لإنزالها من الجدران وإخراجها من إطاراتها وتخليصها من خيوط العنكبوت وتقديمها داخل ملف أنيق يليق بمواطن صالح مثله. فهو في نهاية المطاف لم يمزق سراويله فوق كراسي مدرجات الجامعات لتنتهي شواهده معلقة جنب آية الكرسي في صالون البيت.
لهذا السبب فهو مستعد اليوم لتحمل جميع المسؤوليات الجسيمة أو السهلة أو حتى التافهة، فكل شيء في سبيل الوزارة يهون، بما في ذلك الكرامة.
لذلك فالمواطن «بوصنطيحة» مستعد لتقبل جميع العروض وتقبيل جميع الأحذية، من وزير منتدب ووزير متدرب، إلى وزير سابق أو عضو في أحد الدواوين، غير الشعرية طبعا، أو سفير في أفغانستان، أو قنصل عام أو شرفي أو هما معا، أو كاتب دولة، أو كاتب عمومي.
يعني أي شيء لا يحتاج سوى إلى «صنطيحة» لامعة وربطة عنق فاخرة.
وبما أن الحكومة المقبلة لم تتشكل بعد، فإن المواطن «بوصنطيحة» خريج مدرسة القناطر والطرق، أقصد قنطرة وادي «شراط» والطرق الثانوية المتفرعة عنها، يقترح إحداث حقيبة وزارية جديدة اسمها «وزارة التصنطيح»، وأظن أنه سيكون أهلا لها وسيكون في مستوى الآمال التي ستعقدها عليه الحكومة المغربية، على الأقل لن يكون أسوأ من الذين سبقوه في سياسة «التصنطيح».
صحيح أن المواطن «بوصنطيحة» لم يعتقل في درب مولاي الشريف بسبب السياسة، ولم يعش سنوات الجمر بسبب انغماسه الكلي في سنوات الخمر، لكن مع ذلك فقد سبق له أن اعتقل عندما طالب بوظيفة عندما تخرج. صحيح أنه لم ينخرط طيلة حياته في أي تنظيم سياسي ممنوع، لكن سبق له أن انخرط في إحدى نقابات الشغل وحضر احتفال فاتح ماي إلى جانب «بطاليي» المغرب وشنف أسماعه بخطبة الزعيم النقابي الخالد الذي سبق له أن وصف أعضاء الحكومة باللصوص وذهب إلى السجن بسبب لسانه الطويل، قبل أن يخرج وينسى ما قاله ويجلس من جديد إلى جانب أولئك اللصوص وكأن لا شيء حدث.
صحيح أنه لم يصدر في حقه حكم بالإعدام ولا مرة واحدة، لكن صدر في حقه حكم مؤبد بالعيش مدى الحياة في المغرب، وهو حكم لا يقل قسوة عن الأحكام السالبة للحرية.
صحيح أنه بلا خبرة سياسية، لكنه يجيد فنون الطبخ. وبما أن لكل حزب مطبخه الداخلي، فإن وصفاته صالحة للتطبيق على كل الموائد، بما في ذلك الموائد المستديرة للاجتماعات الحكومية.
صحيح أنه لم يكن مقاوما ولم يطرد الاستعمار مثلما يدعي حزب الاستقلال، فالاستعمار للأسف خرج قبل أن يولد المواطن «بوصنطيحة»، ولذلك فهو يتحسر عليه هذه الأيام ويتمنى فقط لو بقي لكي يكمل خيره ويصلح الطرقات التي شيدها ويوسع قليلا تلك المستشفيات التي تركها ويرمم الثانويات التي بقيت تتآكل منذ ذهابه. فيبدو أننا بعد كل هذه السنوات من الاستقلال، لازلنا محتاجين كثيرا إلى الحماية.
صحيح أنه لم يحترق بسنوات الجمر التي تحولت إلى سنوات الخمر بعد أن سكر الجميع تحت تأثير ويسكي المصالحة، وصحيح أنه لم يكن منفيا خارج الوطن ذات يوم كما كان عبد الرحمان اليوسفي، وصحيح أنه لم يتلق أية مساعدة من أية جهة أجنبية، مثل حزب البعث مثلا، لكنه مع ذلك عاش حياته كلها يشعر بنفسه منفيا داخل وطنه، والمساعدة الوحيدة التي ظل يتلقاها في سنوات محنته هي دعوات والدته بأن يخلصه الله من هذه البلاد قبل أن يصاب بالجنون.
صحيح أيضا أنه لم يخطط لأي انقلاب ضد أي أحد، ولم يحمل سلاحا آخر في حياته غير المعوذتين وآية الكرسي، لكنه مع ذلك انقلابي في مزاجه ويحمل دبلوما عاليا في فن الرماية. وبفضل هذا الدبلوم، رمى حتى الآن نصف أحلامه وراء ظهره لاستحالة تحقيقها على أرض الواقع.
صحيح أن والده ليس من عائلة كريمة وأن نسبه ليس شريفا ولا ينحدر من شجرة معروفة كأبناء أغلب الوزراء، وصحيح أنه لا يملك حسابا من العملة الصعبة في سويسرا يوفر فيه الدولار الأبيض لليوم الأسود، وليست لديه ضيعات تربى فيها قطعان البقر الهولندي ولا مراكب لصيد الأخطبوط في أعالي البحار، ولكن لديه بالمقابل حساب عسير مع بقال الحي، وحساب آخر أشد عسرا مع الجزار، ولديه ضيعات شاسعة من الأوهام ترعى فيها أفكاره ومشاريعه وتسمن على مهل، ولديه أسطول من المراكب الورقية التي يصنعها بنفسه ويتركها تسبح في حوض الحمام إلى أن تبتل وتغرق فيرتاح منها ومن مشاكلها ويذهب إلى النوم مرتاح البال.
وصحيح أنه لم يسبق له أن سرق صندوقا أو ميزانية، وليس قادرا حتى على اختلاس أوراق الدعاية من صندوق رسائل جاره، لكنه مع ذلك مستعد لكي يتعلم منكم، أنتم اللصوص البارعون الذين سرقتم بلادا بكاملها دون أن يفطن إليكم أحد.
صحيح أنه عصبي المزاج ولا يليق لحضور مجلس حكومي، فيما الآخرون هادئون مثل القتلة.
صحيح أن أطرافه ترتعش بمجرد أن يتكلم معه أحد بنبرة حادة، فيما الآخرون يعرفون كيف يحافظون على ابتسامتهم الصفراء حتى ولو بصقوا على وجوههم السمينة.
صحيح أنه غير كتوم ومتسرع ويمكن أن يصفق باب الوزارة وراءه في أية لحظة، فيما الآخرون متثاقلون وعميقون مثل بئر.
صحيح أنه بدوي وخشن ويأكل بفم مفتوح، فيما الآخرون متمدنون ويجيدون الأكل بفم مقفل بإحكام وشهية مفتوحة للغاية.
صحيح أنه لا يجيد البروتوكول ومفكرته خالية من المواعيد الهامة، وليس لديه رقم أي مسؤول سام في هذه البلاد، فمفكرته مليئة بالمواعيد الغرامية التي يخرج منها بصداع حاد في الرأس وثقب كبير في الميزانية. وعوض هواتف المسؤولين لديه هواتف كل سائقي سيارات الأجرة، فهم أحسن من يمكن أن يعول عليهم الإنسان في ليل البلاد أكثر من أي مسؤول سام.
وصحيح أن هذه السيرة الذاتية لا تليق بوزير محترم في حكومة محترمة، لكن صحيح أيضا أن هناك أكثر من وزير في الحكومة تبدو معه هذه السيرة قلادة مرصعة بالدرر.
المهم، في كل الأحوال، أنه لا يسع المواطن «بوصنطيحة» سوى أن يقوم بواجبه الذي يمليه عليه ضميره في هذه اللحظات الصعبة من تاريخ البلاد، وأن يعرض خدماته لصالح إنقاذ الوطن.
وهكذا سيستمر في العيش خلال الأيام القادمة وهو يصحو وينام مرتديا بذلته الأنيقة وربطة عنقه، واضعا يدا فوق قلبه ويدا فوق هاتفه المحمول بانتظار المكالمة التي ستخلصه من البطالة وتدخله إلى دائرة المحظوظين الذين سيحظون بتقاعد مريح إلى نهاية أعمارهم.
فالظاهر أنه في هذه البلاد ما يلزم لتقلد المسؤولية هو «الكرافاطة» و«الصنطيحة»، أما الباقي فالقدرة الإلهية وحدها تتكفل به.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى