كلنا مصطفى ولد سلمى

من المفارقات العجيبة أن النقاش الدائر حاليا بين نواب البرلمان الإسباني ومدراء الجرائد الإسبانية ليس حول اختطاف مصطفى ولد سلمى من طرف البوليساريو بتهمة التعبير عن الرأي، وإنما النقاش الذي يسيل مدادا كثيرا، ولعابا كثيرا أيضا، هو حول مشروع قانون منع الجرائد الإسبانية من الاستمرار في الاستفادة من عائدات القوادة.
فلأول مرة يعرف الرأي العام الإسباني، ومعه الدولي، أن الصحافة الإسبانية المكتوبة تعيش أساسا على عائدات الإعلانات الإشهارية التي تنشرها العاهرات والمتحولون جنسيا والشواذ على صفحاتها بحثا عن زبائن.
وسواء تعلق الأمر بجريدة رصينة كـ«إلباييس»، تعيش على إرث الرصيد الاشتراكي، أو كـ«إلموندو»، التي انحسرت مبيعاتها بسبب نكبة اليمين، أو كـ«الأ بي سي»، المخترقة منذ القدم من طرف الجيش، فإن الأغلبية الساحقة من الصحف والمجلات الإسبانية تقتات من عرق العاهرات والشواذ الذين يحصلون على زبائن بفضل الخدمات الإعلانية التي تقدمها إليهم على صفحاتها.
واليوم هناك ما يشبه صحوة ضمير في البرلمان الإسباني، فقد وجد نواب الشعب أن انتقاد الصحف الإسبانية لتجارة الجنس والشبكات الإجرامية المتحكمة في عائداتها يتناقض كليا مع بيع مساحات إشهارية في هذه الجرائد لنشر أرقام هواتف وعناوين وأسعار خدمات هؤلاء العاهرات والشواذ، خصوصا وأن الجرائد التي تنشر هذه الإعلانات ليست لديها الإمكانية للتحقق من كون العناوين والهواتف التي تنشرها لا تتحكم فيها شبكات منظمة تستعبد هؤلاء النساء للمتاجرة في لحومهن.
وبالإضافة إلى هذا الرأي المطالب بمنع الجرائد الإسبانية من ممارسة القوادة مدفوعة الأجر، فهناك رأي آخر يقول إن نشر هذه الإعلانات يدخل في باب حرية التعبير. فالدعارة ليست ممنوعة في المجتمع الإسباني، وبالتالي فالدعاية لها غير ممنوعة أيضا.
هناك، إذن، تفهم لحرية التعبير عند جيراننا الصحافيين الإسبان عندما يتعلق الأمر بنشر إعلانات الدعارة، إلى درجة طرح المسألة في البرلمان. وفي مقابل هذا، نرى كيف أن هؤلاء «الزملاء» أنفسهم يجدون صعوبة كبيرة في تفهم حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بإفصاح مصطفى ولد سلمى عن رأيه بخصوص الحكم الذاتي في الصحراء.
عندما قامت أميناتو حيدار بإضرابها عن الطعام في مطار «لانزاروتي»، أقام البرلمان الإسباني الدنيا ولم يقعدها وذهب إلى حد مطالبة الاتحاد الأوربي بمراجعة الوضع المتقدم الذي منحه للمغرب بدعوى إخلال الرباط بحقوق الإنسان في قضية أميناتو.
مع أن الجميع يعرف أن مشكلة أميناتو لم تكن حقوقية وإنما كانت قانونية صرفة. فليس هناك بلد في العالم يسمح لمواطنيه بأن يدخلوه أو يغادروه دون إتمام الإجراءات الإدارية القانونية للمغادرة أو الدخول عبر حدوده. السيدة أميناتو تحدت هذه الإجراءات الإدارية ورفضت الخضوع لمساطرها كما يصنع كل المغاربة، ورفضت الاعتراف بالمغرب رغم أنها تسافر عبر العالم بجواز سفره.
ولذلك فالذين حاولوا ترسيخ قضية أميناتو كقضية حقوقية تتعلق بالحق في التعبير عن الرأي، غالطوا الرأي الدولي بمكر. فأميناتو وبقية زملائها يعبرون عن رأيهم الانفصالي في قضية الصحراء منذ سنوات داخل المغرب وخارجه. ولم يتم اعتقالها بسبب التعبير عن رأيها وإنما بسبب رفضها الامتثال لمسطرة إدارية عادية ينص عليها القانون.
كما أن التامك وزملاءه لم يتم اعتقالهم ومحاكمتهم بسبب التعبير عن آرائهم وإنما بسبب اصطفافهم داخل خندق الخصوم وإساءتهم إلى المغرب الذي يحملون جنسيته وجواز سفره. وعندما يقارن البعض بين اعتقال التامك ومحاكمته وبين اختطاف مصطفى ولد سلمى واحتجازه في حاوية للمساعدات الغذائية، فإنه يرتكب مغالطة كبرى الهدف منها وضع المغرب في موقف الدفاع عن النفس والتبرير.
وهي وظيفة لا يحتاج المغرب إلى شغل نفسه بها، لأن اعتقال التامك وزملائه قضية يؤطرها القانون الجنائي في دولة مؤسسات ذات سيادة، فيما اختطاف ولد سلمى من طرف البوليساريو يقع ضمن دائرة نشاط العصابات المتخصصة في خطف الرهائن للمطالبة بالفدية أو المقابل السياسي.
ولذلك فاستعمال وكالتي الأنباء الفرنسية والإسبانية لمصطلحات مثل «اعتقال» و«محاكمة» ولد سلمى بتهمة «الخيانة والتجسس والتخابر مع العدو»، يكشف عن خطة مدروسة لتقديم البوليساريو أمام المنتظم الدولي كدولة لديها أجهزة للقضاء والسجن والشرطة والإعلام وباقي مؤسسات الدولة الديمقراطية الحديثة. والحال أن الأمر يتعلق بميليشيا تحكم مخيما بقبضة حديدية بدأ الصدأ يتسرب إلى أطرافها.
ولعل خوف جنرالات الجزائر وأذرعهم العسكرية في جبهة البوليساريو من تآكل هذه القبضة بسبب الموقف الشجاع الذي عبر عنه مصطفى ولد سلمى، هو ما دفعهم إلى المسارعة إلى كتم صوته وتقديمه عبر وكالات الأنباء الموالية للجزائر، خصوصا مكتب وكالة الأنباء الفرنسية في العاصمة الجزائر، على شكل خائن وجاسوس ومتآمر يستحق المثول أمام القضاء.
مصيبة جنرالات الجزائر، ومعهم عساكر جبهة البوليساريو، أنهم لن يستطيعوا إقناع العالم بكونهم دولة مؤسسات، فالجميع يعرف الآن أن تندوف مجرد سجن كبير مفتوح على السماء يقايض به قادة البوليساريو الإعانات وتستعمله الجزائر لاستنزاف جهد المغرب الدبلوماسي والاقتصادي.
وقد أرسل الله إلى قادة البوليساريو واحدا منهم لكي يفضح إحدى الأكاذيب الكبرى التي بنوا عليها معركتهم ضد المغرب، وهي معركة حرية التعبير. لقد فعلوا المستحيل، عبر الكونغرس الأمريكي ولجان حقوق الإنسان في الاتحاد الأوربي، لكي يدفعوا مجلس الأمن إلى تبني ملف حقوق الإنسان في الصحراء، وجعل هذا الملف تحت سلطة «المينورسو».
ولم تمض سوى أشهر قليلة على مطالبهم هذه حتى فضحهم الله أمام العالم. فهؤلاء الذين يطالبون الأمم المتحدة بفرض وصاية على المغرب في مجال حقوق الإنسان في الصحراء، لا يستطيعون أن يتقبلوا سماع مجرد رأي مخالف لما يؤمنون به. فمصطفى ولد سلمى لم يتنكر لمبادئه وأفكاره التي نشأ عليها داخل مخيمات البوليساريو، وإنما تجرأ على التعبير عن رأي مخالف لمبدأ تقرير المصير. وطبعا، فمبدأ تقرير المصير ليس قرآنا منزلا لكي لا يتم تغيير الناس لموقفهم منه.
وإذا كان الله تعالى، الذي خلق الكون، يمنع الإكراه في الدين والإيمان بالكتاب السماوي المنزل من عنده والذي قال فيه تعالى «لا إكراه في الدين» وقال فيه «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، وقال فيه «إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء»، فكيف، إذن، بعد هذا كله يسمح بشر لنفسه بأن يفرض على بشر مثله الإيمان عنوة بفكرة من خلق العقل البشري؟
إذا كان الله، الذي خلق كل شيء، يعطي الإنسان حرية الإيمان به من عدمه، وإذا كان الكتاب والسنة يخلوان مما يفيد بتعنيف أو قتل المرتدين والكفرة طالما أنهم لم يعتدوا على الغير، فكيف يسمح البشر الفاني لنفسه بإجبار غيره على الإيمان بأفكاره تحت طائلة الخطف والاحتجاز والتعذيب والقتل.
لهذا كله، فاختطاف مصطفى ولد سلمى من طرف البوليساريو، وتحت المسؤولية المباشرة لجنرالات الجزائر، يطرح سؤالا محرجا على الضمير الحقوقي الأممي، مثلما يطرح سؤالا أخلاقيا على أحرار الجزائر الذين نعرف أنهم يدينون، في قرارة أنفسهم، هذا الاختطاف الجبان لمواطن أعزل لم يقترف من جريمة سوى التعبير عن رأيه.
إن أحرار الجزائر، بلد المليون شهيد، لن يرضوا لبلدهم بأن يظل رهينة إعلام مأجور يريد أن يسوق اختطاف واحتجاز مواطن أعزل على شكل «اعتقال» لأحد أعداء مصلحة «الشعب الصحراوي».
قضية مصطفى ولد سلمى ليست قضية قانونية، وإنما قضية حقوقية تدخل في إطار الدفاع عن حرية التعبير.
وكل من يدافع عن الحق في حرية التعبير في العالم يجب أن يطالب الجزائر والبوليساريو بالإطلاق الفوري وبدون شروط لمصطفى ولد سلمى، وتمكينه من حقه الطبيعي والقانوني في التعبير السلمي عن رأيه.
إذا كان المغرب يقبل بأن تنشر الصحافة الوطنية حوارات ومقالات رأي تساند الانفصال وتدافع عنه، وإذا كان المغرب يقبل بأن يسافر هؤلاء الانفصاليون بجوازات سفر مغربية لحضور المؤتمرات العالمية للدفاع عن أطروحتهم ثم العودة إلى أرضه لكي يعلقوا على جدران بيوتهم ميدالياتهم وجوائزهم الفخرية التي تعطيهم إياها المنظمات الحقوقية جزاء لهم على جرأتهم في التعبير عن رأيهم، وإذا كان المغرب يسمح بكل هذا انسجاما مع مبادئ حرية التعبير التي يدافع عنها المنتظم الحقوقي الدولي، فكيف لا ينتفض هذا المنتظم الحقوقي الدولي وهو يرى كيف تدوس البوليساريو ومعها أحذية جنرالات الجزائر على حق مواطن أعزل اسمه مصطفى ولد سلمى في التعبير عن رأيه.
إن المغرب، الذي تجرجره المنظمات الحقوقية العالمية في الوحل كل سنة، أعطى المثال الحي على التصالح مع أشرس المعارضين الذين كانوا يخالفونه الرأي، فقد احتضن الصحراويين الذين حملوا السلاح في وجهه وجعلهم سفراء وولاة ووزراء وموظفين كبارا، وجلس إلى طاولة الحوار مع اليساريين والانقلابيين والثوار الذين كانوا يخططون لقلب الأوضاع، فأصبح لرأيهم مكان ولأحزابهم مقاعد في البرلمان ولجرائدهم مكان في الأكشاك. وبمعنى آخر، فالمغرب الذي يقدمونه في تقاريرهم أمام العالم كبلد تختنق فيه الحريات، مغربٌ لا يوجد سوى في خيالهم، لأن المغرب الذي نعيش فيه اليوم يسمح للجميع بالتعبير عن رأيه، عكس ما يحدث في دول قريبة منا يعتبر فيها الحق في التعبير امتيازا ينعم به المسبحون بحمد الجنرالات.
ومن يفتح الصحف والمجلات التي تصدر في المغرب يندهش وهو يقرأ، حول الدين والملكية والوطن، مقالات وآراء يكفي ربعها في دول «شقيقة» لاعتقال أصحابها وضرب أعناقهم.
لهذا كله، فمعركة ولد سلمى ليست معركة الحقوقيين المغاربة وحدهم، بل معركة كل أحرار العالم الذين يجب أن يرفعوا شعارا كبيرا يقول «كلنا مصطفى ولد سلمى».

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى