يد السارق

تخيلوا لو أن مجموعة من المغاربة حصلوا على تأشيرة سفر سياحية نحو إسبانيا، وذهبوا إلى «برشلونة» بإقليم كاطالونيا أو «سان سيباستيان» بإقليم الباسك، ثم نزعوا نظاراتهم الشمسية وأشهروا لافتات سياسية وتحولوا إلى ناشطين حقوقيين ونظموا وقفة احتجاجية للمطالبة بالاستقلال الذاتي للإقليمين.
ماذا كان سيحدث لهؤلاء المغاربة؟ هناك احتمالان لا ثالث لهما. الاحتمال الأول هو أن المغاربة الذين حشروا أنفسهم في معركة لا تعنيهم سيتطوع مواطنون إسبان مناهضون لأفكار الانفصال لتحطيم أسنانهم. والاحتمال الثاني هو أن الشرطة ستتدخل لمنع الاعتداء عليهم وستعتقلهم طبقا للقانون وستحقق معهم قبل أن تقدمهم أمام العدالة بتهمة التظاهر بدون رخصة والتدخل في الشؤون السياسية للبلد المضيف.
لذلك، فالسياح الإسبان المزورون الذين تظاهروا في العيون تأييدا للبوليساريو وأكلوا «طريحة ديال العصا» على أيدي مواطنين مغاربة، يجب أن يحمدوا الله كثيرا لأن السلطات الأمنية أوصلتهم إلى غاية «دار إسبانيا» بالعيون ولم ينتهوا أمام المحكمة ولم يجدوا أنفسهم ضيوفا على سجن «لكحل» بتهمة التحريض على الشغب والمس بالأمن العام.
إن الحل الوحيد لتوقيف هذه «الضصارة»، هو الصرامة في تطبيق القانون. من يأتي إلى المغرب من أجل السياحة مرحبا به، ومن يأتي من أجل الاحتجاج عليه أن يأخذ ترخيصا بذلك حتى تضمن له الدولة الأمن أثناء مزاولته لحقه في الاحتجاج، هذا طبعا إن أعطته حق التظاهر والاحتجاج.
وإلا فإن كل من يأتي إلى المغرب للاحتجاج عشوائيا في الشوارع باللافتات من أجل استفزاز الشعور الوطني للمغاربة فإنه يعرض نفسه «لتهراس الفم»، تماما كما وقع لتلك «الضحية» الإسبانية، كما سمتها إحدى اليوميات التي تنقل أخبارها عن مصدر إسباني واحد ووحيد، والتي عادت إلى بلادها بعينين منتفختين بسبب كل «الكروشيات» التي تلقتها من المواطنين أثناء تظاهرها بالعيون. 
ولعل هذا التسامح القانوني من الجانب المغربي هو ما يشجع أمثال هؤلاء «الناشطين» على المزيد من الاستهتار بقوانين المملكة. وقد وصل بهم هذا الاستهتار بالمغرب وشعبه إلى حد الإعلان عن تنظيم أسطول شبيه بأسطول الحرية، الذي انطلق من تركيا نحو غزة، في شهر نوفمبر المقبل نحو العيون انطلاقا من جزر الكناري لتخليد الذكرى السنوية الأولى لتمثيلية إضراب أميناتو حيدار عن الطعام.
الهدف من هذا الأسطول، كما يقولون، هو كسر الحصار الإعلامي المضروب على «الشعب الصحراوي». والحال أن الهدف الحقيقي من وراء هذه الخطة هو إعطاء صورة مغلوطة للعالم تشبه الصحراويين بالفلسطينيين والمغرب بالكيان الإسرائيلي المحتل.
وهذا مخطط قديم كان أول من طرحه ودافع عنه هو بوتفليقة عندما كان وزيرا لخارجية الجزائر. وفي الوثائق السرية التي كشف عنها مؤخرا موقع «ويكي ليكس»، نكتشف كيف أن بوتفليقة، خلال محادثاته السرية مع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بتاريخ 17 دجنبر 1975، كان يريد أن ينتزع اعترافا أمريكيا بتشابه قضية الشعب الفلسطيني مع قضية «الشعب الصحراوي».
لذلك فليس مستغربا أن يأتي من يعيد تشغيل الأسطوانة القديمة نفسها. فالخصوم لازالوا هم أنفسهم، والجزائر لازالت تحت أحذية نفس الجنرالات أصدقاء بوتفليقة. وإذا كنا نستطيع تفهم الموقف الجزائري الذي تتحكم فيه عوامل نفسية أكثر منها سياسية، فإن اتهام المغرب بكونه سلطة احتلال من طرف ناشطين إسبان يدعو فعلا إلى الدهشة، لأنه إذا كان هناك من سلطة احتلال في المنطقة فهي إسبانيا التي لازالت تحتل مدينتين مغربيتين فضلا عن جزر لا تبعد عن الشواطئ المغربية سوى بأمتار قليلة.
لقد نسيت إسبانيا، في غمرة اتهامها للمغرب بالاحتلال، أنها كانت ولسنوات طويلة القوة الاستعمارية التي حكمت الصحراء بقبضة من حديد وقتلت الآلاف من الصحراويين المقاومين في معارك يعرفها التاريخ العسكري الإسباني جيدا.
الآن تحول المغرب، صاحب الأرض، إلى محتل والمحتل الإسباني السابق إلى مدافع عن الحرية والاستقلال.
ولا عجب في ذلك مادام وزير الخارجية الجزائري لا يخجل من مطالبة المغرب بتعويض مواطنين جزائريين عن أراض انتزعها المغرب منهم، مع أن الجميع يعرف أن النظام الجزائري هو من طرد سنة 1975 بشكل تعسفي 500 ألف مغربي من مساكنهم وأراضيهم بالجزائر في ما أسماه «المسيرة الكحلة» ردا على المسيرة الخضراء التي استرجع بها المغرب صحراءه من قبضة المستعمر الإسباني.
وإذا حاولنا قراءة التحركات الأخيرة للنظام الجزائري والجناح اليميني المحافظ في إسبانيا، سنكتشف أن هناك خطة مدبرة لضرب المغرب على ثلاثة أعمدة مهمة يقف عليها الاقتصاد الوطني: الفوسفاط، السياحة، تحويلات المهاجرين المغاربة من العملة الصعبة.
بالنسبة إلى الفوسفاط، الذي يشكل أحد أهم عائدات المغرب من العملة الصعبة، هناك اليوم حملة عالمية ضده تقودها مؤسسة اسمها WSRW، يوجد مقرها في النرويج، تتلقى الدعم من النظام الجزائري، من أجل ثني شركات الفوسفاط عن اقتناء صادرات المغرب من هذه المادة والمستخرجة من الصحراء.
وقد وجهت الجمعية رسالة إلى شركة BHP billiton، المتخصصة في المنتجات الفوسفاطية، عبر جريدة «الغارديان» البريطانية، تدعوها من خلالها إلى عدم التعامل مع المغرب الذي يحتل الصحراء منذ عشرات السنين.
تصوير المغرب كبلد احتلال من طرف الآلة الدبلوماسية الجزائرية، التي تشتري بأموال الغاز مؤسسات الضغط ومراكز التأثير العالمية، يهدف إلى تشويه سمعته اقتصاديا على الصعيد الدولي لإحراج الشركات العالمية ودفعها إلى مقاطعته. وفي هذه الحرب، ليس الفوسفاط وحده هو المستهدف، وإنما أيضا اتفاقية الصيد البحري مع الاتحاد الأوربي التي ستنتهي سنة 2011. ومنذ الآن، يستعد اللوبي الإسباني الموالي للبوليساريو والجزائر لإخضاع المغرب لشروطه المخلة بالسيادة المغربية على الصحراء.
لقد نجحت منظمات دولية عالمية في إقناع دول أوربية كثيرة بالعدول عن استيراد المنتجات الزراعية التي ينتجها العدو الصهيوني في الأراضي المحتلة. وطموح النظام الجزائري هو الوصول إلى النتيجة نفسها مع المغرب عبر ترويج صورة المحتل الغاصب عنه.
أما بالنسبة إلى السياحة، فهناك مخطط مدروس لتخويف السياح من التوجه إلى المغرب، عبر تشويه السمعة والتشكيك في المشاريع السياحية الكبرى كما حدث مع محطة السعيدية. ولعل البرنامج الأخير للقناة الفرنسية M6 حول خطورة إجراء السياح للعمليات التجميلية في المغرب يسير في نفس الاتجاه الذي سارت فيه القناة الفرنسية الخامسة وقناتا «تيلي سنكو» و«أنطينا تريس» الإسبانيتان، والتي ركزت جميعها في برامجها على الظواهر السلبية في المجتمع المغربي لتخويف السياح وإبعادهم عن المغرب.
وفي هذه الحرب، كل الأسلحة مسموح بها، بما في ذلك تشويه السمعة عبر الكذب والافتراء. ومؤخرا، صدر كتاب في باريس عن دار نشر «بلون» عنوانه «الجنس في المدينة»، ادعى ناشروه أن كاتبته مضيفة طيران مغربية، تعمل بشركة الطيران السعودي، تحكي عن عالم المغربيات داخل المجتمع السعودي. وعندما بحثنا عن اسم الكاتبة الحقيقي وجدنا أن الأمر لم يكن سوى خدعة، فصاحبة «الجنس في المدينة» كاتبة فرنسية استعملت اسما مغربيا لإلصاق الكتاب، الذي يحكي عن مغامرات المغربيات الجنسية مع السعوديين، بالمغربيات.
إن التركيز الإعلامي على شرف المغربيات في الخارج يهدف إلى تحطيم معنويات المهاجرين المغاربة، أول مصدر للعملة الصعبة بالنسبة إلى المغرب، ودفع المجتمعات التي يوجدون بها إلى كراهيتهم ونبذهم، وبالتالي الإضرار بمصالحهم الاقتصادية ومصادر رزقهم. إنها حرب على خبز المغاربة. والمخيف في هذه الحرب ليس شراسة القائمين عليها وإنما مهادنة المستهدفين بها، إذ ليس هناك ما يفيد بأن الدولة والحكومة المغربيتين تأخذان هذه الحرب الاقتصادية على محمل الجد.
واليوم، عندما نسمع أن الحزب اليميني الإسباني يهدد المغرب بتنظيم أسطول شبيه بأسطول الحرية نحو العيون لفك الحصار الإعلامي عن «الشعب الصحراوي» وتشبيه المغرب بإسرائيل، فإن الأمر أصبح يستدعي وقفة صارمة مع جيراننا الإسبان لحملهم على احترام أنفسهم واحترام سيادة المغرب على أراضيه.
لقد كان الهدف من الإضراب المزعوم لأميناتو حيدار عن الطعام هو توريط النظام الجزائري للمغرب أمام العالم في موت امرأة مسالمة تم إبعادها عن أبنائها. وعندما فشلت الخطة هاهم يهيئون لما هو أكبر، أي دفع عملائهم الإسبان إلى الزحف بقوة على العيون من جهة البحر في تحدٍّ كامل للمواثيق التي تضبط المياه الإقليمية لكل بلد لإجبار البحرية الملكية على اعتراض سبيلهم باستعمال السلاح، من أجل إعادة شريط أسطول الحرية إلى أذهان الرأي العام وإلصاق تهمة الاحتلال بالمغرب، وبالتالي تبرير مقاطعة صادراته.
هذه هي الحرب الحقيقية التي يجب على المغرب خوضها للدفاع عن خبز المغاربة.
واليد التي تريد أن تمتد إلى هذا الخبز تستحق أن تقطع.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى