دار بوعزة

عندما عجز عبد المنعم دلمي عن توجيه مدفعيته نحو مقر وزارة العدل، بعدما أعفى الوزير قاضيين بسبب تسريبهما إلى جريدة «الصباح» لائحة تنقيلات القضاة قبل أن يوافق عليها الديوان الملكي، اختار أن يوجهها نحو صدر «المساء». وهكذا اعتبر أن كل ما نشرناه حول هذا الموضوع هو محض افتراء وأننا ننتمي إلى جيوب مقاومة إصلاح القضاء.
إنه العالم بالمقلوب. الجريدة، التي أصبح يعرف القاصي والداني أنها تساند خندقا قضائيا ضد خندق آخر، أصبحت توزع التهم وتخيط وتفصل «جيوب» المقاومة على مقاسها.
فيبدو أن الزملاء الأعزاء لم يهضموا بعد تلك الضربة الموجعة التي تلقوها من الفرقة الوطنية، خصوصا عندما اعترفوا باسمي القاضيين اللذين سربا إليهم اللائحة، رغم أن أخلاقيات مهنة الصحافة تفرض حماية المصادر حتى ولو تعلق الأمر بالذهاب إلى السجن. وهكذا، وللتمويه على الرأي العام والتغطية على الخطأ الجسيم الذي ارتكبه رئيس التحرير وزميله، أصبحت «المساء» هي المشجب الذي يجب تعليق الخطأ عليه. وفجأة أصبحنا ننتمي إلى جيوب مقاومة إصلاح القضاء، مع أننا شرحنا فيما قبل كيف ومتى تم توظيف «الصباح» لخدمة هذا اللوبي وحماية مصالحه وتصفية حساباته، خصوصا بعد وصول خالد الحري إلى منصب رئيس تحرير، بعد أن أتى إلى «الصباح» صحافيا متدربا بعد اشتغاله ككاتب مقالات بدون مصدر أو اسم في جريدة اسمها «المواطن السياسي».
كيف، إذن، تحول هذا الصحافي النكرة من مجرد محرر إلى رئيس تحرير يقود الجريدة حيث يشاء، دون أن يستطيع مديرها عبد المنعم دلمي أن يرفض له طلبا.
الجواب عن هذا السؤال يتطلب العودة عشر سنوات إلى الوراء، وبالضبط إلى سنة 2000 عندما اشترى دلمي بقعة أرضية مساحتها هكتار في منطقة فلاحية بدار بوعزة لكي يبني فوقها فيلته. المشكلة أنه لكي تشتري أرضا فلاحية وتبني فوقها يجب أن تكون مساحة الأرض على الأقل خمسة هكتارات. لهذا لم يكن هناك من حل آخر أمام دلمي سوى أن يشتري الأرض دون تحفيظها أو تسجيلها، بحيث بقيت تصاريح البناء في اسم صاحب الأرض. وعندما انتهى دلمي من بناء الفيلا وحصل على رخصة السكن آنذاك سجلها في اسمه. وهكذا يفعل كثيرون عندما يقتنون أرضا فلاحية لا تصل مساحتها إلى خمسة هكتارات ويرغبون في بناء فيلاتهم عليها. لكن أن يأتي ذلك من مدير مؤسسة إعلامية كعبد المنعم دلمي، فالقضية فيها «إن» كما يقولون.
في تلك الفترة كان رئيس جماعة دار بوعزة اسمه مصطفى بوزمان، ولم يكن الساعد الأيمن لهذا الرئيس سوى خالد الحري، فهو الذي «وقف» إلى جانبه في الانتخابات وكان مفاوضه المباشر فوق طاولة التحالفات التي أفضت إلى وصول بوزمان إلى منصب الرئاسة.
عندما جاء عبد المنعم دلمي إلى مقر الجماعة بدار بوعزة للحصول على رخصة السكن، سيعرفه الرئيس على ساعده الأيمن خالد الحري. وبعد هذا اللقاء بأيام قليلة، سيجد الحري نفسه جالسا في قاعة التحرير بجريدة «الصباح» يعيد تحرير محاضر الشرطة التي يتوصل بها من مخافر الأمن وينشرها في الجريدة التي ظلت منذ ذلك الوقت متعطشة لتلطيخ صفحاتها بدماء الجرائم وحوادث الاغتصاب والقتل، تيمنا بصحافة الحوادث المصرية التي افتتن بها الحري عندما ذهب إلى مصر ذات رحلة وعاد منها وتحت إبطه شهادة دكتوراه.
بعد فترة يسيرة، سيترقى إلى منصب رئيس تحرير، وهنا ستأخذ منطقة دار بوعزة، التي يقطن بها، مكانا متميزا على الصفحات الأولى للجريدة، مثلما ستعرف وضعية أخيه سعيد الحري، الكاتب الإداري، تحسنا مدهشا، بحيث سينتقل من مجرد كاتب إداري إلى نائب رئيس قسم التصميم ورئيس مصلحة مراقبة البناء، رغم أنه لا يتوفر على أية شهادة هندسية أو تقنية.
كثيرون لم يفهموا سر اهتمام رئيس التحرير الجديد بجماعة دار بوعزة التي يقطن بها. لكن إذا عرف السبب بطل العجب. ولفهم هذه القصة، يجب العودة أيضا سنوات إلى الوراء، وهذه المرة إلى سنة 1994 عندما شيد خالد الحري وأخوه سعيد الحري، الذي كان آنذاك مجرد كاتب إداري بالجماعة، فيلتين متجاورتين بشكل عشوائي في منطقة دوار الحلالفة الغربية فوق أرض توجد ضمن الأراضي المسترجعة أيام الرئيس الحري بوشعيب.
وهكذا فرئيس التحرير الذي «يكتب» كل يوم افتتاحيات منتقدا البناء العشوائي الذي اجتاح الدار البيضاء، وخصوصا منطقة دار بوعزة، كان من السباقين إلى المساهمة في انتشاره قبل ست عشرة سنة من الآن.
مشكلة الأخوين الحري بدأت عندما اكتشفا أنهما شيدا فيلتيهما فوق طريق التهيئة رقم DB74. وبما أن الجماعة كانت منذ تلك الفترة تحت نفوذ آل الحري، فقد قامت مصالح هذه الأخيرة بإنجاز ملف تقني أشرف عليه آنذاك رشيد الخياطي، أحد أكبر المقاولين بدار بوعزة، وتضمن تهيئة محرم الطريق الشاطئية وطريق التهيئة رقم DB74 التي شيد فيها الأخوان الفيلتين العشوائيتين. وأرسل الطلب إلى الوكالة الحضرية التي كانت تترأسها آنذاك فوزية إمنصار. وبالفعل، تم قبول الطلب في 27 غشت 2003.
وتم تغيير طريق التهيئة من أجل سواد عيون الأخوين الحري عوض تغيير مكان الفيلتين ضدا على قانون التهيئة الذي يحمل توقيع وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، والذي من أجل تغييره يجب إحداث تصميم تهيئة جديد توافق عليه وزارة الداخلية وليس الاكتفاء بمجرد تقديم ملف تقني إلى الوكالة الحضرية.
عندما نستحضر الشراسة والحماسة التي دافع بها رئيس تحرير جريدة «الصباح» عن الوزير الأول الأسبق إدريس جطو في قضية مشروع تحويل مسار الطريق السيار، نفهم أن هذا الأخير فعل ذلك ليس لأنه مقتنع ببراءة جطو من التهمة المنسوبة إليه، والذي بالمناسبة ننتظر نتيجة لجنة التحقيق التي أحدثت حول قضيته، وإنما لكونه يعرف أن جطو «تورط» في مجرد مشروع لتغيير الطريق السيار، أما هو فقد شيد بالفعل فيلته وفيلة أخيه فوق طريق التهيئة وطالبا، عن طريق الجماعة، بتغيير مسار الطريق واستجابت لهما الوكالة الحضرية.
نفوذ رئيس التحرير لم يبق حبيس أسوار دار بوعزة، بل تسلل إلى ردهات المحاكم وقلب الإدارة العامة للأمن الوطني، مستفيدا من صداقة دلمي الشخصية لرئيس مديرية الموارد البشرية السابق عبد العزيز السامل، إلى الحد الذي خصص فيه رئيس التحرير افتتاحية لقضية زوجة السامل وأخت وزير السكنى توفيق احجيرة التي توفيت خلال الوضع بإحدى المصحات بالدار البيضاء، مطالبا بمعاقبة المصحة بسبب أخطاء طبية لم يقل فيها القضاء كلمته بعد. غير أن سقوط السامل المفاجئ من منصبه بعد «زلزال الحسيمة» الأخير، جعل «الصباح» تتنكر لمصدرها الحصري في الإدارة العامة للأمن الوطني وترد الإطاحة به إلى أخطاء قاتلة ارتكبها، هي التي كانت تطبل بالأمس لمنجزاته وتصفق لقراراته.
وقد وصلت العلاقة الودية بين رئيس التحرير والودادية الحسنية للقضاة إلى حد تنظيم الجريدة أياما دراسية مشتركة دفعت المؤسسة الإعلامية مصاريف مشروباتها وحلوياتها بأحد الفنادق، وتم التقاط صور للمدير ورئيس التحرير إلى جانب القاضي مصطفى فارس، رئيس الودادية ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، ونشرت في الجريدة كإشارة التقطها جميع قضاة المملكة، مؤداها أن الجريدة تشتغل في انسجام تام مع الودادية والمجلس الأعلى للقضاء. ومن ذلك اليوم، أصبحت الأحكام التي تصدر ضد الجريدة إما أحكام براءة وإما أحكاما جد مخففة بمبالغ رمزية.
لكن هذه العلاقة الودية و«الأخوية» الغريبة بين جهازين يمثلان سلطتين متعارضتين، السلطة الرابعة وسلطة الجهاز القضائي، سيضربها زلزال شديد عندما تلقى دلمي ورئيس تحريره زيارة لأفراد الفرقة الوطنية بسبب نشر الجريدة لمقال «جاهز» يتحدث عن توصل الديوان الملكي بلائحة بأسماء القضاة الذين اتخذ المجلس الأعلى للقضاء قرار تنقيلهم.
وخلال جلسات الاستنطاق، سيعترف رئيس التحرير وزميله الصحافي بأسماء القاضيين اللذين سربا إليهما المقال، وسيتم توقيفهما من طرف وزير العدل.
لقد أعطى رئيس التحرير المثال في التنكر لمصادره والتراجع عن حمايتها عندما تخلى عن مدير الموارد البشرية بالإدارة العامة للأمن الوطني بمجرد سقوطه، رغم أنه كان يزوده بالمعلومات عبر مستشاره عبد اللطيف أكنوش، الذي مكنه بوزردة، مدير وكالة المغرب العربي للأنباء، مؤخرا من عقد شهري بقيمة 18 ألف درهم من أجل وظيفة لا يعلم أحد بفحواها، لكي يضيفها إلى تعويض مجلة الشرطة، وراتبه بالجامعة كأستاذ، وتعويضه كمستشار لدى الإدارة العامة للأمن الوطني.
كما أعطى المثال في الاستخفاف بحماية المصادر عندما أعطى للمحققين أسماء القضاة الذين يزودونه بالأخبار والمقالات الجاهزة للنشر، والتي لا تتطلب غير وضع اسم إحدى الصحافيات وإضافة صورتها المبتسمة عليها لكي تكتمل المهزلة.
ولعله بتوقيف القاضيين، يكون وزير العدل المستأمن على المشروع الملكي لإصلاح القضاء، قد وضع حدا فاصلا بين سلطتين متعارضتين يجب أن تلعب كل واحدة منهما دورها داخل مجالها الخاص، دون أن تتحول إلى طرف، كما يكون قد وجه إشارة قوية إلى اللوبي القضائي الذي يحاول استعمال الصحافة لخدمة مصالحه الخاصة على حساب مصلحة العدالة والنزاهة والاستقلالية.

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

ما هذه المهزلة واتقوا شر أنفسكم فكما يقول المثل اذا كان بيتك من زجاج فلا ترمي الناس بالحجارة

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى