الفشل كماركة مسجلة

في التلفزيون، يتحدث المذيعون بحماس عن الشفافية التي رزق بها المشهد العام، في الجرائد هناك من يهلل وهناك من تضطره المياه التي في فمه إلى السكوت خوفا من اندلاق مواقفه المخجلة أمام الغرباء.
وسائل الإعلام، والرسمية منها على الخصوص، تزف بلا توقف هذه البشرى. المواطنون، الذين لم تعد تنطلي عليهم الحيلة، يتابعون الوشاية عن كثب، رغبة في المزيد من الفرجة. وهكذا، ومع مرور الوقت، لم يعد بمستطاع أحد أن يميز بين شفافية زجاج سيارته وبين أية شفافية أخرى.
لقد أصبح كل شيء شفافا للغاية. اللصوص يختلسون المال العام بلا حاجة إلى أقنعة، والمرتشون أصبحوا يمدون أيديهم القذرة بلا حاجة إلى قفازات، وحتى الذين كانوا، إلى وقت قريب جدا، ينفخون في أقرب قربة تأكد لهم أن كل القرب التي نفخوا فيها كانت مثقوبة، فعادوا عن غيهم وأصبحوا ينفخون أوداجهم أمام المايكروفونات والكاميرات المبثوثة هنا وهناك.
الشرط الوحيد لكي تكون واحدا من دعاة الشفافية هو أن تتخلى عن وضع نظارات سوداء، لأنك إذا كنت مدمنا على نظارات من هذا اللون، فإنك ستجلب المتاعب إلى نفسك. وأقل ما يمكن أن يشاع عنك كونك تحمل نظرة سوداء مليئة بالتشاؤم نحو المستقبل. إذن، عليك بنظارات ذات زجاج أبيض وشفاف، حتى تتكهن بموضع قدمك جيدا، فالحفر التي يتركها الأصدقاء خلفهم وهم يبحثون لهم عن موطئ قدم، قد تكون بالنسبة إليك سقطات مريعة. وأنت تعرف أنه في السياسة لا أحد يرحم أحدا، والناس عادة ينسون كل ما نفعله من أجلهم ويتذكرون فقط الأخطاء التي ترصّع الماضي الشخصي لكل منا، فالشفافية تقتضي ذلك وتقتضي أكثر من ذلك.. بعض الضالعين في الشفافية المعاصرة أصبحت لهم ألسنة كثيرة ورؤوس لا تحصى، دون أن يكونوا ثعابين بالضرورة، بحيث أصبحوا لا يدعون مناسبة تمر دون أن يشرحوا أمامنا، بإسهاب ينتهي غالبا إلى ثرثرة، أسباب ودواعي اختيار الشفافية كحل جذري لكل الكوارث. وفي قمة ثرثراتهم يأتون دائما على ذكر كلمة سحرية أخرى اسمها «الاستحقاقات».
الاستحقاقات المقبلة، الاستحقاقات الآنية، الاستحقاقات المصيرية. ومن أجل توضيح الرؤية جيدا أمام المواطن الحائر والراكض من العمل إلى البيت ومن البيت إلى الصيدليات ووكالات الماء والكهرباء، يلجؤون إلى حيل ذكية للغاية، أقلها مكرا تصوير هذه الاستحقاقات كمشاريع أحلام قابلة للتحقق الفوري إذا ما توفرت النوايا الحسنة. يبدو أنهم لم يسمعوا بعد بأن طريق الجحيم مفروش عن آخره بنوايا من هذا النوع.
يبدو أيضا، من خلال مهاتراتهم، أنهم لم يسمعوا بأشياء كثيرة، بحيث فاتهم أن يعرفوا أن الاستحقاق الحقيقي بالنسبة إلى الطالب ليس أكثر من أن يجد حافلة يركبها باتجاه محاضراته.
فاتهم أن يعرفوا أن الاستحقاق الحقيقي بالنسبة إلى الموظف أن يذهب إلى العمل دون أن يتولد لديه ذلك الإحساس المقرف بأنه ذاهب إلى إقطاعية. فاتهم أن يعرفوا أن الاستحقاق الحقيقي بالنسبة إلى الموظفة أن تخرج إلى الشارع وتصل إلى مكتبها ووجهها خال من أثر شفرات الحلاقة وحقيبتها تحت إبطها.
فاتهم أن يعرفوا أن الاستحقاق الحقيقي بالنسبة إلى الفلاح البسيط، الذي لا يملك أمام قسوة الحياة سوى كفيه المرفوعتين باتجاه السماء، هو أن يجد من يتولاه عندما يعجز عن حرث الأرض ويسقط في الفراش ليحرثه المرض بدوره بلا هوادة.
هذه هي الاستحقاقات الحقيقية التي لا تحتاج إلى شفافية من أحد لتـُرى بوضوح. لكن يبدو أن الشفافية التي يعدنا بها هؤلاء ليست سوى ضرب من الوهم الذي ينتاب البعض، فهم، لثقتهم الزائدة في مواهبهم، يتصورون أن قدرتهم على الإقناع قدرة سحرية، بحيث يكفي التشدق بوصف بعض مزايا المرحلة ليدخل كل شيء في الترتيب، وعوض أن يقتات الناس على الخبز والذهاب إلى المخابز، يتجهون رأسا إلى بيوتهم ويفتحون تلفزيوناتهم ثم يقتاتون على المستقبل الذي سيشرق وبيننا من لا يفك كلمة واحدة في رسالة.
إن من يعي نسبة الأمية في بلادنا جيدا يجب أن يشعر بالخجل كلما أراد أن يتكلم عن المستقبل، وأن يتصبب جبينه عرقا إذا أتى على ذكر كلمة «الشفافية» وأن يغمى عليه إذا انفلتت من كلامه عبارة «الاستحقاقات»، ثم أن يموت كمدا وحسرة إذا تكلم عن هذه الأشياء واقترفها مجتمعة، وهذا أضعف الإيمان.
يئسنا من السياسة ومن السياسيين لأنهم حولوها إلى بركة آسنة مليئة بالوحل والتماسيح، وحولوا السياسيين إلى كراكيز سخيفة يستعملونها عند الحاجة. يئسنا من الانتخابات وصناديقها السحرية التي، في كل مرة، يطلع لنا منها شيء غريب يدعي تمثيلنا. يئسنا من مثقفينا الذين باعونا في صفقات سرية مقابل كراس وثيرة في الدواوين والهيئات. يئسنا من العدل وميزانه المائل دوما إلى جهة ما. يئسنا من أمسنا الملطخ بالدماء وحاضرنا الذي يريدونه منديلا لمسح هذه الدماء. يئسنا من الوعود المعسولة التي لا تتحقق أبدا، ومن المشاريع الكبرى التي تسقط بسقوط الستار الحريري عن اللوحات الرخامية التي تخلدها. يئسنا من مستشفياتنا ومدارسنا وجامعاتنا، وصرنا نبحث مثل معتوهين عن جنسيات أجنبية تمكننا من تعليم أطفالنا في الخارج وعلاجهم في الخارج، لأن تعليم الداخل أصبح رديئا وعلاج الداخل أصبح مثيرا للرعب. يئسنا من حكوماتنا التي تعاقبت علينا بالتناوب، والتي تعاملنا كفئران تجارب، واحدة تجرب فينا التخطيط الخماسي وثانية تجرب فينا الرؤى الملونة وثالثة تجرب فينا أحدث ما ابتكره صندوق النقد الدولي.
لقد جربوا فينا كل شيء. وكل مرة نعترض فيها، يشهرون في وجوهنا عصيهم الغليظة. ضربونا عندما طالبناهم بشغل، طردونا ونحن نقف أمام أبواب مكاتبهم الحكومية المكيفة.
طردونا عندما جئنا نطلب جوازات سفر لنتابع دراستنا في الخارج. أريناهم شهادات تسجيلنا في جامعات أوربا وأمريكا وعرضنا أمامهم نقطنا الجيدة التي حصلنا عليها بسهرنا الطويل. أريناها للحمير الذين لا شواهد لهم، فأخرجونا من مكاتبهم وطردونا بعد أن تذكروا نقط أبنائهم المدللين والكسالى ورتبهم المخجلة. ولكي يريحوا ضمائرهم المتعفنة نصحونا بالتعرف إلى بلادنا جيدا قبل الذهاب إلى بلدان الآخرين. الأنذال، ضيعوا مستقبل الآلاف منا بجرة قلم.
بقينا أخيرا هنا كما أرادوا، وفجأة فهمنا لماذا أرادونا أن نبقى معهم. لقد كانوا محتاجين إلى جيل كامل لكي يجربوا فيه حقدهم. حقنونا كل مساء بالمهدئات في نشرات الأخبار لكي لا ننفجر في وجوههم مثل بالونات هواء، وشرعوا يكذبون علينا في الحكومة والبرلمان. تناوبوا علينا بأحزابهم مثلما تتناوب عصابة من المنحرفين على امرأة وحيدة تعود إلى البيت بعد يوم عمل شاق. وعندما تعبوا منا رموا بنا في الشوارع وتركونا نقطع الطريق على بعضنا البعض بالسيوف الطويلة وشفرات الحلاقة وقنينات الماء الحارق.
تمنينا أن نصدقهم ذات يوم وهم يتحدثون عن مصلحتنا ومستقبلنا.
تمنينا أن نصدقهم ذات يوم وهم يتحدثون باسمنا في كل مكان.
تمنينا أن نصدقهم ذات يوم وهم يعترفون لنا بالحب كلما اقتربت الانتخابات.
الكذابون المحتالون المنافقون.
شخنا قبل الأوان بسببهم ونخرت عظامنا الأمراض المزمنة وطورنا في خلايانا جينة اليأس.
كرهونا في البلاد حتى أصبحنا نرى أن الحل الوحيد لكي لا نصاب بالجنون هو أن نجمع حقائبنا ونغادر، مثلما تغادر امرأة تعيسة بيت زوجها السكير الذي يحطم أضلاعها كل ليلة. نغادر كلنا ونتركهم وحدهم يكذبون ويصدقون أكاذيبهم.
لكن الذين يحترفون مثل هذه الثرثرات يجيدون الحياة كثيرا إلى درجة أنهم يعتبرون الأرقام التي تتحدث عن الفقر والأمية والبطالة في بلادنا مجرد مزايدات الغاية منها إثارة الفوضى والمشاكل، فإحصائياتهم الخاصة تقول إن المغرب بألف خير، والدليل على ذلك الأرصدة السمينة في البنوك الخارجية، ونظاراتهم الشفافة التي تطل من خلفها عيون مليئة بالاستحقاقات.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى