ضربني وبكا

اندهشت وأنا أقرأ على صدر إحدى الجرائد التي توجد في النزع الأخير بين الحياة والموت، خبر اعتزام أكرم، رئيس فريق الوداد البيضاوي، مقاضاتي بتهمة السب والقذف. فقلت في نفسي إن الأمر يتعلق ربما بواحدة من تلك الأخبار الكاذبة حول المتابعات القضائية الوهمية ضدي والتي ظلت تروجها عني هذه الجريدة التي طال احتضارها، دون أن تكون هناك في الواقع متابعة ولا هم يحزنون.
دخلت إلى الموقع الرسمي لفريق الوداد البيضاوي، فعثرت على ما يفيد بأن رئيس النادي غاضب على جريدة «المساء الرياضي» التي أتولى إدارتها، وخجلت من متابعة كل ما كتب في الموقع الرسمي للفريق العريق بسبب انحطاط مستوى ما كتب ضد رئيس تحرير «المساء الرياضي»، والذي وصل إلى حد تحريض جمهور الوداد على الاقتصاص منه ونشر صورته على شكل «مطلوب» كما يصنع الأمن مع الهاربين من العدالة.
ما الذي حدث حتى تحول أكرم إلى ضحية يستجدي التضامن ويهددنا بالويل والثبور وعظائم الأمور؟
قبل أسبوع، وبينما طاقم تحرير جريدة «المساء الرياضي»، التي تصدرها الشركة الناشرة لـ«المساء»، بصدد إغلاق العدد الذي سيصدر يوم الاثنين، جاء إلى مكتبي رئيس التحرير، الزميل حسن العطافي، وهو يحمل مظروفا عليه شعار فريق الوداد البيضاوي في يده. فسألته ما الأمر، فجلس وحكى لي كيف أن أكرم طلب لقاءه عبر الهاتف في مكتبه بالنادي. وعندما ذهب، ظنا منه أنه سيعطيه خبرا يصلح غلافا للعدد، اكتشف أن الرجل كان يريد فقط معاتبته بشكل ما على بعض المقالات التي انتقدت تسييره للفريق وأخرى تعرضت لابنه حفيظ أكرم بالنقد، خصوصا تضحيته بلاعبي الوداد السابقين من أجل صديقه المدير التقني رفائيل حميدي، والذي بسببه سبق لفخر الدين رجحي أن غادر الوداد، وأيضا تدخله في عمليات جلب اللاعبين واللقاء بهم ليلا، رغم أنه ليس عضوا في المكتب المسير للوداد.
وعندما انتهى اللقاء وهمّ رئيس تحرير «المساء الرياضي» بالانصراف، أخرج أكرم من الدولاب مظروفا مقفلا وسلمه إياه. امتنع رئيس التحرير عن تسلمه، لكن أكرم أصر إصرارا كبيرا، وقال له إن المبلغ من حسابه وليس من حساب الفريق.
عندما فشل رئيس التحرير في إقناع أكرم بالاحتفاظ بمظروفه، وشك في وجود فخ قد يكون نصبه له على شاكلة الفخ الذي وقع فيه رئيس المجلس البلدي لميدلت وانتهى في السجن، أخذ المظروف وجاء مسرعا إلى مكتبي لكي يطلعني على ما وقع.
كان أول شيء قمت به هو الاتصال بولاية الأمن بشارع الزرقطوني من أجل الاستفسار عن إمكانية قدوم الصحافي إلى مقرها لوضع شكاية بتهمة الإرشاء. كان هناك من نصحنا بالتوجه إلى مكتب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية لوضع الشكاية، لكن بما أن الوقت كان متأخرا والمحكمة أغلقت أبوابها، فقد قررت أن توضع الشكاية في ولاية الأمن بالزرقطوني.
وهكذا، ذهب رئيس تحرير «المساء الرياضي» إلى ولاية الأمن ووضع الشكاية ضد أكرم، رئيس فريق الوداد البيضاوي ونائب رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، بتهمة الإرشاء.
وبينما نحن ننتظر أن تحال الشكاية على أنظار وكيل الملك لكي يقرر المتابعة من عدمها، سمعنا أن أكرم يستعد لمقاضاتنا بتهمة السب والقذف. هل هناك سب وقذف أكثر من الذي فعله أكرم عندما صم أذنيه عن سماع كل خطابات تخليق الحياة الرياضية ومحاربة الرشوة التي جاءت بها الرسالة الملكية التي وجهها الملك بمناسبة المناظرة الشهيرة؟ هل هناك سب وقذف أكثر من محاولة شراء ذمة صحافي بمظروف مالي في هذا الشهر المبارك، عوض التصدق بهذا المبلغ على الفقراء والمحتاجين؟
إن السيد أكرم هو آخر شخص يمكنه أن يعطي دروسا في الحرص على السمعة من السب والقذف، هو الذي قال للصحافيين في الموسم الفارط عقب انتهاء أحد لقاءاته معهم «غادي نعشيكم»، فما كان من الصحافيين سوى أن غادروا المكان احتجاجا على محاولته شراءهم بوجبة عشاء.
السي أكرم يطالبنا بإظهار البينة والحجة على ما ندعيه، ونحن نتحداه ونطالب الشرطة العلمية الموجودة بمقر ولاية الأمن أن تخضع المظروف المالي الذي تسلمته منا للمسح التقني الدقيق من أجل استخراج البصمات التي توجد على سطحه. ستجد عليه بصماتي وبصمات رئيس التحرير بالإضافة إلى بصمات أكرم. وإذا لم تظهر بصمات أكرم على المظروف، فنحن مستعدون لتقديم اعتذار إليه والامتثال لحكم المحكمة ضدنا. أما إذا ظهرت بصماته على المظروف والأوراق المالية، فذلك سيكون هو الدليل القاطع على أنه صاحبها. وإذا كان هو صاحب «دعوتها»، فكيف وصل المظروف والأوراق المالية إلينا؟ 
لقد لجأنا إلى القضاء ضد أكرم الذي حاول شراء صمتنا واستمالة الخط التحريري لجريدة «المساء الرياضي» لمصلحته الخاصة، لكي نقول له ولغيره من رؤساء النوادي الرياضية إنه لازال هناك في المغرب صحافيون رياضيون لا يباعون ولا يشترون.
وسواء حاول أكرم أو غيره من رؤساء النوادي الكروية أن ينفي وجود ظاهرة إرشاء المسؤولين الرياضيين للصحافيين، فإن الجميع يعرف أن الوسط الصحافي الرياضي في المغرب موبوء بالمرتشين الذين حوّلوا جزءا كبيرا من الصحافة الرياضية إلى بورصة لبيع المقالات والمزايدة في أثمانها.
إن هذا الانحدار في الأخلاق المهنية لدى جزء كبير من العاملين في الصحافة الرياضية هو ما ساهم بشكل كبير في تدني مستوى الرياضة بالمغرب.
وكثيرا ما نتحدث عن مسؤولية المدربين والتقنيين وجامعة كرة القدم ومسؤولي النوادي الخالدين في مناصبهم، وننسى أن أكبر من يشجع على الفساد الرياضي هم بعض الصحافيين الرياضيين الذين يوزعون شهادات حسن السيرة والسلوك على اللاعبين والمدربين «وكلها وثمانو».
الجميع يعرف أن أغلب التقارير الرياضية التي تمر في نشرات الأخبار والبرامج الرياضية بالقنوات العمومية مؤدى عنها من طرف من يمرون فيها.
والجميع يعرف أنه في القناتين الثانية والأولى هناك صحافيون معروفون في القسم الرياضي دائما محط شكوك. فالجميع يعرف أنهم مرتشون يقبضون ثمن تلميع أحذية ضيوفهم وثمن «طحن» خصومهم، وثمن تركيز الكاميرا على هذا اللاعب دون غيره، وثمن أخذ تصريح مقتضب منه في آخر المباراة.
في المجال الكروي المغربي تتحرك أموال كثيرة جدا، ومصالح ضخمة تستخدم فيها الصحافة الرياضية للعب أدوار قذرة.
المصيبة أن رشوة رؤساء النوادي الكروية للصحافيين الرياضيين أصبحت أمرا عاديا جدا. ما لم يعد عاديا هو أن يتقدم صحافي بشكاية إلى الأمن عندما يتعرض لمحاولة إرشاء، كما حدث مع السيد أكرم. ولذلك فقد شعر بالصدمة، ويعلم الله كم من مكالمة هاتفية توصلنا بها من أشخاص يدورون في فلكه لثنينا عن التشبث بالشكاية. وعندما يئس من تحريك كل «الرقاصة» الذين يطبلون لمنجزاته في جرائدهم ويتسلمون، من دون شك، نفس المظروف الذي مده إلينا، قرر أن يلعب ورقة التهديد بالمتابعة عملا بمبدأ «ضربني وبكا سبقني وشكا». يعتقد السيد أكرم أننا سنتراجع عندما سيتحدث عن المتابعة. «أسيدي غير تابع، نيت نشوفو فين غادي تخرج هاذ المتابعة».
إنه لمن المؤسف أن ينتهي نادٍ كروي عريق كالوداد البيضاوي بين يدي شخص يستعمل المال لشراء ذمم الصحافة. نحن ليس لدينا أي مشكل مع فريق الوداد البيضاوي، والدليل على ذلك أن أخباره تحظى بمتابعة يومية على صفحاتنا الرياضية. نحن لدينا مشكل مع رئيس الوداد البيضاوي الذي أهاننا عندما حاول شراء صمتنا وضمنا إلى جوقة المطبلين لسعادته.
إن الشكاية التي وضعناها لدى الأمن تفترض فتح تحقيق نزيه حولها لكي يعرف جمهور الوداد أي نوع من الرجال يسير فريقهم، وأيضا حتى يعرف الرأي العام أي نوع من الرجال يشغل منصب نائب رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم الوصية على المنتخب الوطني.
إن أحد المجالات التي لا تكاد تقترب منها أي مؤسسة للوقاية من الرشوة في المغرب هو المجال الرياضي، مع العلم بأن هذا الوسط تروج داخله «رْشاوي صْحيحة» ويعج بالمرتشين والسماسرة وتجار الأقلام. يتحدثون فقط عن رشوة رجال الأمن والدرك في الطرقات، والموظفين في الإدارات العمومية، وينسون رشوة رؤساء الجامعات والنوادي للصحافيين الرياضيين المستعدين لتحويل الأنذال إلى شرفاء والشرفاء إلى أنذال بجرة قلم.
إن الصحافة الرياضية، التي نعول عليها لفضح الفساد داخل النوادي الكروية ومواكبة محنة تشكيل المنتخب بالنقد والتصويب، أصبحت بدورها بحاجة إلى من ينتقدها ويقومها. ولذلك فنسبة كبيرة من الانحطاط الرياضي الذي انتهى إليه المغرب تتحمل مسؤوليتها هذه الصحافة بتزويرها للحقائق وتسترها على العيوب مقابل الحصول على المال القذر من أيدي مسؤولين أكثر قذارة لا تهمهم سمعة نواديهم بقدر ما تهمهم أرصدتهم التي تسمن في البنوك.
من جانبنا، يستطيع هؤلاء المرتشون أن يعولوا علينا لإرسالهم إلى المحكمة في كل مرة يحاولون فيها جرنا إلى البركة المتعفنة التي يسبحون فيها.
ونصيحتنا لرؤساء النوادي والمسؤولين الرياضيين هي كالتالي، لا تعطونا أموالا، وفروها للاعبيكم، فهم بحاجة إليها أكثر منا، أعطونا بالمقابل أخبارا طرية وصحيحة نقدمها إلى الرأي العام، فهذه أحسن هدية يمكن أن تقدموها إلى الصحافة الرياضية الحقيقية.

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

للاسف قليل هم من لديهم عزة نفس ولا يرضون الا بعلو الحق فالاغلبية الساحقة مستعدون لبيع انفسهم مقابل حفنة مال. الطمع و الخوف والشخصية الضعيفة والجهل والتخلف اشياء تجدها داخل اغلبية المغاربة (كايعجبوك غي فالتصنطيح)

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى