حروف الزين

فاجأني حجم الرسائل والمكالمات الهاتفية التي توصلت بها مباشرة بعد صدور عمود «القراصنة ديال بصح»، الذي تحدثت فيه عن الوضعية المؤسفة والخطيرة التي وصلت إليها مدينة سلا العريقة.
فقد شعر كثير من السلاويين، المقيمين داخل المغرب وخارجه، بأن صوتهم المستنكر للمؤامرة التي تريد اغتيال مدينتهم قد تم إسماعه أخيرا.
والحقيقة أنني لأول مرة أعرف أن العمدة لزرق يعاقب أحياء كاملة بسبب عدم تصويتها عليه خلال الانتخابات، فيحرم طرقها وأزقتها من التزفيت والترصيف. فقد كنت أظن أن هذا الأمر مقتصر فقط على بلدية بوزنيقة، خصوصا عندما زرت منطقة شاطئ الصنوبر هذا الصيف واندهشت من حجم الحفر التي توجد وسط طرقات الحي والتي تلزمك دبابة للسير فوقها وليس سيارة. وعندما سألت بعض السكان عن سبب الإهمال الذي يطال منطقتهم قالوا إن المجلس البلدي لا يهتم بالاعتناء بالبنيات التحتية لهذه المنطقة لأن أغلب سكانها، أجانب ومغاربة، لا يقيمون هناك بشكل دائم، بمعنى أنهم غير مسجلين في اللوائح الانتخابية لهذه الدائرة، وبالتالي فهم لا يصوتون. وسعادة الرئيس ورجاله يعطون الأولوية للمناطق التي يوجد بها أنصارهم الذين يصوتون عليهم.
فالمواطنة في جل مدن المغرب أصبحت تحدد بالتسجيل في اللوائح الانتخابية لا بالتسجيل في مديرية الضرائب. ورغم أن هؤلاء السكان التعساء يدفعون ضرائبهم للمجلس، فإن رؤساء المجالس يقررون معاقبتهم بحرمانهم من الاستفادة من الخدمات الأساسية.
ومن شدة ولع عمدة سلا بتفويت كل الخدمات الحيوية بالمدينة إلى الشركات الأجنبية، فقد ذهب إلى حد تفويت قسم المحاسبة إلى إحدى الشركات الخاصة. وإلى اليوم، لا أحد يعرف ما الذي تصنعه هذه الشركة مادام العمل الأساسي ينجزه الموظفون الإداريون الذين يتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة.
ويبدو أن العمدة لم يجد من حوله من يقول له اتق الله في سلا، على العكس من ذلك فَحـَوْله أعضاء لا يرحمون الأملاك العمومية، وعلى رأسهم نائبان حصلا مؤخرا على ترخيص من الوكالة الحضرية والعمدة ببناء مدرستين خاصتين فوق بقعتين كانتا مخصصتين، في تصميم التهيئة السابق، لبناء موقف للسيارات وسوق بلدي، وتأخر تنفيذ المشروعين بسبب مسطرة نزع الملكية التي لازالت قائمة.
وقد تساءل أغلب المتصلين في سرهم عن سبب حماسي الزائد للكتابة عن هذه المدينة المظلومة، مع أنها ليست مسقط رأسي، فقلت لهم إن هناك مدنا لمسقط الرأس وأخرى لمسقط القلب، فسلا كانت المدينة التي قضيت فيها أجمل عطلي السنوية خلال نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات في بيت أحد أخوالي، ولذلك فأنا أحتفظ لها في قلبي بمكانة خاصة جدا، وقد كنت أنتظر وصول العطلة الصيفية بفارغ الصبر لكي أجمع حقيبتي وأضع «ثروتي» الصغيرة في جيبي، والتي لم تكن تتجاوز خمسين درهما في أحسن الأحوال، وأركب أول سيارة أجرة تقذفني في محطة «القامرة»، ومنها آخذ الحافلة رقم 30 وأهبط في باب الحد، وأسير إلى أن أصل إلى وادي أبي رقراق فأركب «الفلوكة» بخمسين فرنكا حرصا على «ثروتي» الصغيرة، لكي أصل بعد دقيقتين إلى ضفة سلا.
لقد كان الوصول إلى سور باب الخميس ودخول بابه الضخم المحفور بالنقوش بالنسبة إلي مثل دخول كتاب مفتوح للتاريخ، أنا القادم من مدينة لا أثر فيها لمعالم التاريخ، نبتت مع المعمرين الفرنسيين على هامش «قشلة» للعسكر.
أسير بين أزقة باب شعفة وباب سبتة، مستنشقا روائح الخبز والحلوى المنبعثة من الأفران، وأقول في نفسي هنا كان يمر القراصنة والفرسان فوق ظهور خيولهم. أصل إلى سوق الغزل حيث تعود الفقراء على بيع أغراضهم وثيابهم المستعملة بالدلالة، فأقول هنا كان يبيع القراصنة السلاويون السبايا والأسرى الأوربيين والأمريكيين الذين يجلبونهم من بحر الظلمات.
أنا مدين لسلا باكتشافي للسينما وعشقي لها. فقد كنت كل خميس، موعد تغيير الأفلام، أقف في صف الداخلين إلى سينما «كوليزي» ذات المقاعد الخشبية، حيث يتقاسم المتفرجون القاعة مع جرذان غير عابئة تتجول تحت الكراسي. كنت أفضل سينما «كوليزي» على سينما «الملكي» لأنها كانت في طريق الشاطئ. وبمجرد ما ينتهي الفيلم، أنزل إلى البحر وأقطع النهر سباحة إلى «بركامة» وأتمدد تحت صخور الوداية  الظليلة حيث البيوت معلقة بين البحر والسماء.
في المساء، أعود إلى بيت خالي حيث يمكن أن تستنشق رائحة «المقيلة» من الدرج السفلي للبيت. وبما أنني كنت في طور النمو فقد كان أكل البيت لا يكفي، فكنت أذهب مع ابن خالي إلى دكاكين «المعقودة» حيث نحشو أرباع وأنصاف الخبز بتلك الكرة المقلية من البطاطس المخلوطة بالزعفران، و«ندك» ذلك كله بكأس «ديطاي» من «الموناضا»، ثم نشتري حلوى «ميلفوي» محلية الصنع ونعود أدراجنا إلى البيت ضاحكين.
أنا مدين أيضا لبيت خالي في سلا باكتشافي للصحافة والكتب والمجلات، ففي تلك «السدة»، التي كنا نقضي فيها أنا وابن خالي جزءا كبيرا من وقتنا، كانت هناك «كراطن» كثيرة من الكتب والمجلات التهمتها عن آخرها. كما كان هناك مذياع يلتقط المحطات البعيدة لإذاعات لديها أقسام عربية كانت تذيع برامج جميلة وعذبة حول الشعر.
كانت لخالي، إلى جانب عمله، هواية الصيد بالمركب، فكان يخرج إلى البحر ليلا. وعندما يعود، كنا نتسلم منه المركب أنا وابن خالي ونقضي أوقات ما بعد الظهيرة في العمل على نقل العابرين بين ضفتي نهر أبي رقراق. وعندما يبتسم لنا الحظ، كنا نفوز بجولة سياحية مع سياح أجانب يدفعون لنا مقابل التجديف بهم قبالة الشاطئ عشرين درهما، أي ما يعادل أسبوعا من سندويتشات «المعقودة».
أحيانا، كنا نقضي الليالي المقمرة فوق المركب وسط النهر بالقرب من القنطرة، نصطاد سمك «الكوال» الكسول الراقد في أعماق النهر. كانت مياه النهر لا تزال محافظة على لمعانها قبل أن تتحول إلى مياه داكنة بسبب كل القاذورات التي يحملها في طريقه.
في المساء عندما يبرد الجو، نذهب إلى السويقة حيث كل شيء يباع بالتقسيط. أكباد الدجاج، الزيت، الملوخية، السمك واللحوم. بوسعك أن تعثر في تلك السويقة، التي تخترق قلب المدينة، على كل شيء.
بعد ذلك، نذهب للتفرج على «الحلاقي» التي كانت تتكون مع بداية المساء في ساحة باب الخميس، ثم يأتي الليل فنصعد إلى سطح البيت لكي نتفرج على أسطح المدينة المضاءة مثل مجرات.
وخلال عطل نهاية الأسبوع، كنا نذهب برفقة خالي إلى سيدي موسى، أو «الحجرة المقطوعة» كما كان يسميها، لكي نقضي هناك يومين فوق صخرة يتطلب العبور إليها المرور فوق صراط صخري يعصف به الموج من كل جانب. وعندما يعز السمك في «الحجرة المقطوعة»، كنا نذهب إلى «سيدي بوقنادل» لنغرس خيمة هناك بين البحر و«السواني» الممتلئة بالخضروات، والتي نبتت مكانها اليوم عمارات وأحياء إسمنتية.
في ذلك المقهى الصغير والضيق ذي السقف الواطئ المحاذي لسينما «كوليزي»، كتبت أولى نصوصي الأدبية التي نشرت في جريدة «العلم» بداية التسعينيات. كنت أصعد إلى «السدة» وأجلس بمفردي في الغالب، وأشرع في الكتابة بالقرب من مروحية صغيرة من العاشرة إلى الواحدة بعد الزوال. وعندما أنتهي، كنت أجمع أوراقي وأعود إلى بيت خالي لأتناول الغذاء وأصعد إلى «السدة» لالتهام الكتب والمجلات والجرائد.
عندما كبرت وحصلت على الإجازة وتم قبولي في السلك الثالث بجامعة محمد الخامس بالرباط، استمرت علاقتي بسلا عبر خالي الذي كنت أنزل في بيته كلما أتيت إلى الرباط. 
اليوم، هذه المدينة، التي تسلط عليها القراصنة من كل نوع، تغيرت كثيرا. لم يعد دخول أبوابها يعطيك الانطباع بأنك داخل إلى كتاب تاريخي، بل يعطيك انطباعا بأنك داخل إلى كابوس.
أصبحت سلا مدينة للتخلص من فائض الحاجة الذي تلفظه العاصمة. مجرد تجمع سكني للمبيت. مدينة  فقدت روحها، تسير ببطء نحو نموذج المدن البرازيلية الهامشية حيث العصابات الإجرامية تفرض قانونها بقوة السلاح.
لقد تشوهت سلا كثيرا إلى الحد الذي أصبح معه صعبا التعرف على ملامحها القديمة والجميلة، وهي الملامح التي لازالت تقاوم آثار العدوان الهمجي الذي يمارس على تاريخها كل يوم. وكما يقول المغاربة «الزين إلى مشا يبقاو حروفو».
الناس أصبحوا خائفين على أبنائهم من كل هذه المخدرات متنوعة الأسماء التي تغزو الشوارع وتنتظرهم على أبواب المدارس والثانويات. الناس أصبحوا خائفين لا يطلبون سوى الأمان على أرواحهم وهم يخرجون في الصباح من منازلهم في الأحياء مترامية الأطراف التي نجح وحوش العقار في تحويلها إلى سجن كبير.
الناس يطلبون شيئا من الكرامة وعزة النفس وهم يرون أنفسهم مجبرين على ركوب «الهوندات» وسيارات الغرباء مثل السردين للذهاب إلى مقرات عملهم، لأن شركة النقل التي فوت إليها العمدة صفقة النقل العمومي لا ترغب في استغلال الخطوط غير المربحة.
الناس في سلا، ببساطة، «طالع ليها الخيخ مزيان». فمتى سيفهم العمدة أن جميع مناطق سلا يجب أن تستفيد من أموال المجلس، لأنها ببساطة أموالهم التي يدفعونها على شكل ضرائب، وليست أموال العمدة أو غيره لكي يصرفها فقط على المناطق التي صوتت عليه؟

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى