بيع القرد وضحك على من شراه



عندما سأل اليساري السابق حميد برادة «رفيقه» القديم عبد اللطيف اللعبي، في برنامجه «ميزانكور» بالقناة الثانية، عن السبب الذي منعه من تعلم رياضة التسلق التي تعلمها رفاقه اليساريون ووصلت بهم إلى مناصب عليا، قال اللعبي إنه مثقف ولذلك فهو لا يتضايق عندما يقولون عنه إنه ساذج أو حمار. وأضاف كاتب رواية «قاع الخابية» أنه يؤمن بشعار «حمار وبيخير» الذي ترفعه مجموعة شبابية في الدار البيضاء.
ولعله ليس من قبيل الصدفة أن يأتي «اعتراف» المعتقل السياسي السابق عبد اللطيف اللعبي بنزعته الحمارية متزامنا مع نشر جريدة الاتحاد الاشتراكي، في عددها الأخير ليومي السبت والأحد، مقالا حول حصول الأمين العام لـ«جمعية الحمير»، عمر كلول، على الموافقة الرسمية على إنشاء حزب سياسي جديد بالعراق وصفته الجريدة الاتحادية بالوافد الجديد إلى الساحة السياسية العراقية.
لكن، وبعيدا عن المزاح هذه المرة، هل كان فعلا عبد اللطيف اللعبي ساذجا وحمارا إلى هذا الحد وهو يقدم نفسه على هيئة المناضل الطبقي الذي لم يستفد ماديا مثلما استفاد رفاقه السابقون في المعتقلات والمنافي؟
قليلون يعرفون أن عبد اللطيف اللعبي عندما غادر السجن استفاد من حوالي مائة مليون سنتيم في إطار مشروع جبر الضرر لضحايا سنوات الرصاص. وقد استفاد من علاقات رفيقه السابق في السجن عبد القادر الشاوي، من أجل تسريع صرف المبلغ عندما كان مستشارا في ديوان عزيمان على رأس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. وهكذا أخذ عبد اللطيف اللعبي مائة مليون سنتيم من أموال دافعي الضرائب، رغم أنهم لم يتسببوا للعبي ولا لغيره في أي ضرر، فالنظام السياسي هو الذي وضع اللعبي ورفاقه في السجن وليس دافعي الضرائب المغاربة.
عندما قبض اللعبي ثمن نضاله السياسي من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، تذكر أن وزارة التعليم مدينة له بحوالي ثماني سنوات من راتبه كأستاذ للغة الفرنسية، وهو الراتب الذي لم تدفعه له طيلة وجوده في السجن. ورغم أن اللعبي قال، في برنامج رفيقه السابق في السلاح، إن والده علمه أن يسمي المال وسخ الدنيا، وأن يفضل عليه الفقر، فإنه أصر على أن يأخذ نصيبه من هذا الوسخ.
وهكذا جمعوا له «حصيصة» أخرى من وزارة التعليم ربما تكون تجاوزت مائة مليون سنتيم إضافية.
المشكلة ليست هنا، فالحصة التي حصل عليها اللعبي من وزارة التعليم تعتبر حقا من حقوقه. المشكلة أن اللعبي كان على بعد ثلاث سنوات من التقاعد، ولذلك فقد طلبوا منه في الوزارة أن يلتحق بالثانوية التي كان يشتغل بها لكي يواصل مشواره المهني. لكن المناضل الطبقي رفض الالتحاق بالمؤسسة لأنه قرر الانتقال للعيش في فرنسا في ضواحي باريس مباشرة بعد خروجه من السجن.
ماذا سيفعل اللعبي لكي يفلت من هذه السنوات الثلاث التي تفصله عن التقاعد؟ سيقترح على اتحاد كتاب المغرب ووزارة التعليم، على عهد الاتحادي الحبيب المالكي، أن يتفرغ لإعداد دليل للشعراء المغاربة.
وهكذا تفرغ كليا لهذا «المشروع»، وظل يتوصل براتبه الشهري من الوزارة إلى أن انقضت السنوات الثلاث وحصل على تقاعده المريح.
لذلك، فمن حق اللعبي أن يأتي اليوم إلى برنامج حميد برادة، رفيقه القديم في السلاح، لكي يضحك على المغاربة ويقول لهم إنه «حمار وبيخير»، متصنعا السذاجة دون أن يتوقف عن النفخ على «خبيزته» بتلك التوقيعات التي يحشدها لبيانه حول الذاكرة المغربية والذي يطمح من ورائه إلى الحصول على منصب على رأس «المركز الوطني للذاكرة المعاصرة»، هذه المؤسسة الرسمية، أسوة برفاقه السابقين الذين حصلوا على مناصب حسب طول لسان كل واحد منهم.
هذه الأيام ليس اللعبي من يريد أن يضحك على المغاربة الذين أخذ ثمن نضاله من جيوبهم، بل هناك كثيرون. ولعل أكبرهم هو علي بوعبيد، رئيس «مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد»، الذي أصدرت «دائرة التحليل الاقتصادي» الدائرة في فلكه تقريرا في 85 صفحة تقول خلاصته إن مشاريع البنيات التحتية الكبرى والاستثمارات السياحية ومشاريع السكن الاجتماعي التي انخرط فيها المغرب طيلة العشر سنوات الأخيرة كانت مشاريع مبالغا فيها وغير كافية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي. الحل، حسب التقرير، لا يوجد في الإسمنت. والنتيجة، حسب التقرير، هي أن المغرب يفتقر إلى استراتيجية للتقدم الاقتصادي.
المشكلة هنا ليست في التقرير ونتائجه، فالأساتذة الذين أشرفوا على إنجازه لا يرقى الشك إلى مستواهم العلمي والأكاديمي. المشكلة تبدأ عندما يقول علي بوعبيد، الذي امتنع حديثا رفقة محمد الأشعري والعربي عجول عن حضور اجتماعات الكتابة العامة للاتحاد الاشتراكي، إن الغرض من وراء هذا التقرير هو فتح النقاش.
لأن الغرض الحقيقي من صدور هذا التقرير في هذا التوقيت بالضبط هو الاستعداد منذ الآن لانتخابات 2012، وحياكة غشاء بكارة جديدة لحزب الاتحاد الاشتراكي الذي يستعد علي بوعبيد والأشعري وعجول، إلى جانب بقية «الرفاق» الذين التحقوا حديثا بحركتهم «التصحيحية»، للانقضاض عليه وانتزاع قيادته من لشكر والمالكي والراضي ووالعلو.
ولو أن هذا التقرير، السياسي وليس الاقتصادي كما يقدمه أصحابه، تبنته مؤسسة أخرى غير مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد الاتحادية، لبدا الأمر عاديا جدا، بل مطلوبا. لكن أن يقدمه شخص يقود تيارا سياسيا داخل الاتحاد الاشتراكي يبحث له عن موطئ قدم في الحكومة المقبلة، فهذا يكشف عن مزايدة سياسية مفضوحة.
ولعل قمة الضحك على ذقون المغاربة هي مهاجمة التوجه الرسمي بخصوص المشاريع الكبرى والسكن الاجتماعي والسياحة من طرف تيار سياسي اتحادي كان جزء كبير من أطره مشاركا في الحكومة طيلة العشر سنوات التي يتحدث عنها التقرير.
فالأشعري، الذي يتحدث اليوم عن الأفق الديمقراطي الصعب في المغرب، كان في طليعة المدافعين عن نجاح الانتقال الديمقراطي. وتكفي في هذا الصدد العودة إلى أرشيف وكالة المغرب العربي للأنباء لقراءة قصائد الغزل التي كان ينظمها الأشعري في الانتقال الديمقراطي الناجح عندما كان وزيرا في حكومة اليوسفي وبعدها في حكومة جطو.
كما أن علي بوعبيد، الذي ينتقد اليوم سياسة الإسمنت، ظل لسنوات يشغل وظيفة مهمة في ديوان محمد اليازغي عندما كان وزيرا للماء والبيئة، حيث كان يتقاضى، بالإضافة إلى راتبه، تعويضات عن الملفات التي كان مكلفا بها تصل إلى سبعة ملايين سنتيم في الشهر.
أما العربي الجعايدي، أحد المساهمين في كتابة التقرير، فقد كان يشغل منصب المستشار الاقتصادي للوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي، ولم يثبت أنه اعترض آنذاك على سياسة الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا لم يعلن كل هؤلاء المعارضين الأشاوس، الذين يهاجمون سياسة الأوراش الكبرى، عن موقفهم المعارض لهذه السياسة الرسمية للدولة عندما كانوا في الحكومة وفي دواوين وزرائها. فلو أنهم فعلوا ذلك عندما كانوا في موقع المسؤولية ومراكز القرار لكان لموقفهم صدى ومصداقية. أما أن يفعلوا ذلك من موقع الاستعداد للانقضاض على الحزب لدخول معترك الانتخابات المقبلة، فهذا اسمه «بيع القرد وضحك على من شراه».
لحسن الحظ أن الاتحاديين الذين ينتقدون سياسة بناء الطرق السيارة وميناء طنجة المتوسط وعمارات السكن الاجتماعي والاستثمارات السياحية الكبرى، لا يوجد القرار السياسي بين أيديهم وإلا لكانوا أوقفوا كل هذه المشاريع التي لا تعود بالنفع على الدخل الفردي للمغاربة.
عندما كتبت في عمود سابق أن الصراع على السلطة بين اليساريين والحسن الثاني ضيع على المغرب خمسا وثلاثين سنة من التقدم، كان هناك من طالب بتوقيفنا عند حدنا لأننا تجرأنا على قول ما يردده كثيرون في السر دون أن يجرؤوا على المجاهرة به.
واليوم، أكثر من أي وقت آخر، يظهر جليا أن المغاربة كانوا محظوظين لأن هؤلاء اليساريين لم ينجحوا في الوصول إلى السلطة، لأنهم لو وصلوا إليها فسيكون من المستحيل أن تمسكوا في يوم من الأيام جريدة مثل هذه بين أيديكم.
إنهم يريدون أن يبرروا ركضهم الجنوني وراء السلطة بالدفاع عن الدخل الفردي للمغاربة. يريدون تبرير جوعهم التاريخي للحكم بالنضال من أجل رفاهية وازدهار المغرب.
نعم إن المشاريع والأوراش الكبرى، التي أطلقتها الدولة منذ عشر سنوات، ليست وحدها كافية لإخراج المغرب من عنق الزجاجة ووضعه في مصاف الدول النامية. لكن بدون هذه البنيات التحتية الأساسية فإن كل المشاريع الأخرى، التي ستساهم في التقدم الاقتصادي للمملكة، ستفشل.
التقدم يحتاج إلى طرق سيارة وقناطر وموانئ كبرى ومطارات بمواصفات دولية. وهذه البنيات الأساسية كان على المغرب أن يشرع فيها قبل ثلاثين سنة، سوى أن «رفاق» علي بوعبيد والأشعري واللعبي والحسن الثاني اختاروا أن يؤجلوا هذه المشاريع لكي يتفرغوا لتجنب الطعنات الغادرة التي برعوا في توجيهها إلى بعضهم البعض.
لذلك كله كان على «دائرة التحليل الاقتصادي» التي أصدرت هذا التقرير «السياسي» أن تحيي هذا الورش الكبير والمفتوح على طول المملكة، وأن تطالب بالاستمرار فيه إلى نهايته، حتى لا يأتي أحفادنا بعد ثلاثين سنة من اليوم ويقولوا نفس ما قلناه نحن عن مغرب العهد السابق.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى