التبرهيش



زوبعة حقيقية تلك التي اندلعت في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري قبل يومين، عندما بث «راديو مارس» حوارا مع مخرج سينمائي مبتدئ اسمه هشام عيوش، وسألته المنشطة الإذاعية عن أمنيته فأجاب بأنه يتمنى أن يصبح رئيسا لجمهورية المغرب. بعد نصف ساعة، ستصدر الإذاعة بيانا تدين فيه تصريح المخرج المبتدئ وتسميه المدعو هشام عيوش. الإذاعة فهمت أنها اقترفت خطأ مهنيا عندما لم توقف المنشطة الضيف عند حده وتشرح له أن ما صرح به يتعارض مع دفتر التحملات الذي وقعت عليه الإذاعات الخاصة مع الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. ولعل أقل شيء كان على المنشطة أن تقوم به هو إشعار الضيف بخرقه للقانون وإنهاء الحوار معه، حتى لا يطبز لها العين بالمزيد من التصريحات.
المخرج المبتدئ، من جانبه، قال إنه عندما تمنى أن يصبح رئيسا لجمهورية المغرب كان فقط يمزح.
ولعل صاحبنا يجهل أن مزاحه الثقيل ذهب هذه المرة مباشرة نحو نظام الحكم في المغرب. وهو الموضوع ذاته الذي لازالت تحاكم بسببه نادية ياسين والصحافي عبد العزيز كوكاس، مع أن أحدا منهما لم تصل به الجرأة إلى الإعلان، على الهواء مباشرة، عن رغبته في تولي منصب رئيس الجمهورية المغربية.
ولا بد أن هذا المخرج المبتدئ «القشاشبي» يجهل أن أمنيته السياسية باحتلال منصب رئيس الجمهورية في المغرب يفرض تغيير نظام الحكم الملكي أولا. وطبعا، فهشام عيوش، ابن نور الدين عيوش الذي جمع ثروته بفضل «إشهاره» لعلاقاته مع رجالات دار المخزن، لا يقول لنا كيف ستتحقق هذه الأمنية التي يحلم بها.
ولنفترض أن هشام عيوش يمزح فعلا، لماذا لم يجرب المزاح بالحلم برئاسة الجمهورية الفرنسية، ما دام يحمل، مثل أخيه نبيل عيوش، الجنسية الفرنسية ومن حقه أن يترشح للانتخابات في فرنسا ويصبح رئيسا للجمهورية في يوم من الأيام. أليس «نيكولا ساركوزي» ابن مهاجر هنغاري جاء إلى فرنسا هاربا من الحرب، واستطاع أن يمارس السياسة ويصل إلى سدة الحكم.
ليست السياسة أو الانتخابات أو نظام الحكم ما يهم مخرجنا «القشاشبي»، وإنما ما يهمه من كل هذا «التبرهيش» هو الفلوس. وسنشرح كيف.
منذ نزول فيلمه الأول إلى القاعات السينمائية وهشام عيوش يبحث عن صحافي أو جريدة تكتب عنه وعن فيلمه. أن تكتب «خايب، زوين، بين وبين» لا يهم، المهم هو أن تكتب جريدة أو مجلة حول فيلمه الأول الذي يفتخر بأنه صوره بدون حاجة إلى كتابة سيناريو (وهذه سابقة سينمائية عالمية). وقد لجأ المخرج إلى التعاقد مع وكالة للتواصل لم تدع صحافيا واحدا إلا واتصلت به من أجل حثه على الكتابة حول الفيلم بالطريقة التي تحلو له. «الله يجعلهم ما يسبو المخرج ويعرقو للفيلم، مكاين مشكل، عالله غير يكتبو عليه».
ويبدو أن هذه الخطة فشلت. فالفيلم كان تافها وسخيفا ومسطحا إلى درجة أن الجميع، بما في ذلك حماة الرداءة السينمائية ومشجعيها، أعرضوا عن الكتابة حول الفيلم.
فالمخرج المبتدئ اعتقد أنه، لمجرد تضمين فيلمه لقطات جنسية ساخنة، سينجح في إثارة النقاش حول عمله، مثلما وقع مع فيلم «حجاب الحب» الذي أسدى إليه الإسلاميون خدمة كبيرة عندما نقلوا موضوعه إلى البرلمان، وأصدر بشأنه الزمزمي فتوى حتى دون أن يشاهده.
والنتيجة أن منتج الفيلم حقق إيرادات خيالية بفضل ارتفاع نسبة مشاهدته بعد الضجة المفتعلة التي اندلعت حوله، وعندما انتهى المنتج من إحصاء كل الأموال التي جمعها من شبابيك القاعات السينمائية، تفرغ لإصدار الفيلم على شكل «ديفيدي» من أجل مضاعفة الأرباح.
المشكل في كل هذا ليس جشع المخرج والمنتج، وإنما غباء الذين منحوا فيلما سخيفا ومفككا كفيلم «حجاب الحب» كل الضجة التي أثاروها حوله.
وهكذا فهم المخرجون الجشعون أن أقصر طريق نحو الشهرة والاغتناء بفضل السينما هو إثارة الغبار حول أفلامهم في الصحافة، ودفع الزمزمي وأمثاله إلى إصدار فتاوى ضد أفلامهم، دون مشاهدتها طبعا، وبالتالي ضمان عائدات مالية للفيلم من شبابيك القاعات السينمائية.
المشكلة أن هذه الحيلة، التي «صدقت» مع «حجاب الحب» و«ماروك» و«كازانيغرا» وغيرها من الأفلام التي فشلت في اختراق المهرجانات السينمائية العالمية المحترمة، لم تنجح مع فيلم هشام عيوش. والضجة الإعلامية التي كان ينتظرها في الصحف لم تكن في الموعد.
وبما أن ابن الوز عوام، فقد قرر هشام عيوش، ابن نور الدين عيوش رجل التواصل الذي يعرف كيف يبيع «البرد بدقة للنيف»، أن يخرج العتاد الثقيل لكي يثير إليه الانتباه.
وقد نجح منذ المحاولة الأولى، خصوصا وأنه اختار أن يمارس لعبة «هبل تربح» مع موضوع كبير وخطير هو نظام الحكم في المغرب.
ولو أن هشام عيوش ابن سياسي شيوعي متطرف، أو ابن ثائر حمل السلاح في وجه النظام، أو ابن معارض منفي، لفهمنا سبب أمنية الجمهورية التي يتمنى أن يصبح رئيسها في يوم من الأيام.
المشكلة أن والد هشام عيوش استطاع أن يجمع ثروته بفضل صفقات عقدها مع مؤسسات مالية وتجارية تابعة للنظام. ولذلك فقد كان حريا به أن يفقه ابنه قليلا حول طبيعة النظام السياسي في المغرب. فالولد الذي عاش في فرنسا وتشبع بمبادئ النظام الجمهوري عليه أن يفهم، إذا أراد الاستفادة من أموال دافعي الضرائب عبر صندوق المركز السينمائي المغربي، أنه ليس هناك حزب سياسي واحد في المغرب يطالب بالجمهورية، حتى ولو على سبيل «التقشاب»، لأن من يريد أن «يقشب» يبحث له عن مواضيع أخرى صالحة لذلك، أما نظام الحكم فليس موضوعا للضحك والسخرية أو التندر. وكل من حاولوا الضحك مع هذا الموضوع «هجره» لهم القضاء.
نتمنى ألا تكون هناك متابعة قضائية ضد هشام عيوش بسبب تصريحاته حول الجمهورية، ولا حتى ضد الإذاعة التي بثت ذلك على الهواء، لأن الولد ليس له طموح سياسي بقدر ما لديه طموح مادي، فيما المحطة الإذاعية محطة متخصصة في الرياضة، ولسوء حظها أنها وجدت نفسها وسط جدل سياسي لا علاقة لها به.
المشكلة في كل هذه الحكاية أن المخرج المبتدئ اعتقد أن كل الطرق ممكنة لإثارة الجدل والنقاش حول فيلمه، بما في ذلك استعمال ورقة الملكية والنقاش حول نظام الحكم في المغرب.
وإلى حدود اليوم، تساهلت مصلحة الرقابة في المركز السينمائي المغربي مع لقطة الممثل الذي يضاجع ممثلا ذكرا في فيلم نبيل عيوش «لحظة ظلام»، وتساهلت مع اللقطة الجنسية التي يضاجع فيها ممثل ممثلة في فيلم أخيه هشام عيوش، وتساهلت أيضا مع لقطات جنسية كثيرة ومشاهد مخلة بالحياء ومستفزة للشعور الوطني والديني للمغاربة. وكل هذا في سبيل إثارة هذه الأفلام للضجة الإعلامية المنتظرة من أجل الرفع من نسبة مشاهدتها لتبرير استمرار دعم المركز السينمائي لهذه العينة من الأفلام بحجة نجاحها الجماهيري.
إلى حدود الآن، نجحت هذه الخطة وأصبح كل من يريد تحقيق أرباح، سواء في السينما أو بعض الإذاعات الخاصة، يلجأ إلى الجنس. وهذه الأيام، هناك زوبعة قادمة تنتظر محطة «هيت راديو» بسبب عودة منشطها الناشط أكثر من اللازم المسمى «مومو» إلى عادته القديمة. فبعد عقوبتين أصدرتهما الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في حقه بسبب إخلاله بالحياء العام على الهواء مباشرة، هاهي العقوبة الثالثة تستعد للخروج من اجتماع الهيئة الأخير عقابا لمومو «بوخرصة» على ارتجاله لأغنية في برنامجه على الهواء ضمـّنها كلمات جنسية ساقطة.
بالنسبة إلى مدير الإذاعة، بومهدي، فالحكاية بسيطة. فهو يعول على «مومو» لكي يقدم إليه برنامجا مثيرا يعتمد على الجنس الفج بشكل أساسي، وكل حلقة من حلقات هذا البرنامج تعود على المحطة بحوالي عشرة ملايين سنتيم، هي مجموع عائدات المكالمات والرسائل الهاتفية الباهظة والإشهارات التي تحتضن البرنامج. والدليل على ذلك أن الهيئة عندما أصدرت قرارا بتوقيف البرنامج لخمسة أيام، خرج مدير المحطة يقول في الجرائد إن هذا القرار كلفه خسارة قدرها خمسون مليون سنتيم، أي عشر «بريكات» لكل حلقة.
ومدير المحطة هو الرابح الأكبر في هذه التجارة التي تقوم على الإيحاءات الجنسية كمادة إذاعية. وحتى عندما تصدر الهيئة في حقه عقوبة مادية فهي لا تتعدى عشرة ملايين سنتيم يدفعها المدير وهو سعيد.
مما يتطلب تفكيرا جديا في طرق أخرى أكثر فعالية لحمل مدراء الإذاعات المارقة على احترام القانون وبنود الاتفاق الذي على أساسه تسلموا تصاريحهم القانونية.
وربما يشكل هذا التحدي موضوع تفكير بالنسبة إلى المسؤول عن مراقبة المحطات الإذاعية في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، السيد نعيم كمال. وعوض أن يتفرغ للدفاع عن صديقه نور الدين الصايل سيكون مفيدا له، في ما تبقى له من وقت في الهيئة، أن ينشغل بالبحث عن صيغ قانونية جديدة لجعل مالكي المحطات الإذاعية يحترمون القانون.

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

السيد رشيد نيني يثبت أصالته المغربية في جعل موضوع الملكية موضوعا غير قابل للمزاح السخيف وكذلك في تصديه للعابثين بالأخلاق الراغبين في جني المال بزرع الفساد. شكرا

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى