البوط البوط آ الجيلالي

إذا كانت محطة «راديو مارس» قد اعتذرت، عبر بلاغ عاجل، عن الكلام الذي قاله ضيفها هشام عيوش حول الجمهورية المغربية، فإن محطة «هيت راديو»، التي عاقبتها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بالغرامة وبتخفيض سنة من عمر التصريح الذي منحتها إياه بسبب الكلام الساقط الذي أذيع في أحد برامجها، قررت أن تنشر بلاغا هي الأخرى، ليس من أجل تقديم الاعتذار إلى المستمعين وإنما لتحدي الهيئة وانتقاد تطبيقها للقانون واتهامها بقلة الفهم والتأويل الخاطئ، أي أن إدارة «هيت راديو» تتهم حكماء الهيئة العليا للسمعي البصري كما نقول في عاميتنا الجميلة بـ«التناوي».
ويبدو أن الشاب بومهدي، مالك المحطة الإذاعية، لم يستسغ كيف أغمضت الهيئات الرقابية في المغرب عينها عن معاقبة ابن مدام ميشيل، الفرنسي هشام عيوش، في الوقت الذي سلطت فيه عقابها على ابن البارونة الفرنسية «فرانسواز بوكيون»، أم الفرنسي يونس بومهدي.
ومع أن الاثنين منحتهما والدتاهما الجنسية الفرنسية وينتميان معا إلى عائلتين يوجد على رأسيهما أبوان لديهما نفوذ -الأول والده رجل إشهار ثري وصاحب مؤسسات تتاجر في الثقافة، والثاني والده جنرال متقاعد- فإن الأول تمتع بالتساهل و«التمياك»، فيما الثاني نزلت عليه مطرقة الهيئة العليا وأصبحت محطته الإذاعية الغنائية في مهب الريح.
وربما هذه أول مرة ترد فيها محطة إذاعية خاصة في المغرب ببلاغ حاد ينتقد قرارا للهيئة العليا لحكماء الاتصال السمعي البصري. فمنذ إطلاق الدفعة الأولى للتراخيص الإذاعية، ظلت المحطات تتلقى عقوبات الهيئة بدون اعتراض. فالقانون المؤسس للهيئة يعطيها الحق في سحب التراخيص من المحطات التي لا تحترم دفتر التحملات الذي التزمت بالتقيد ببنوده.
في نظر محطة «هيت راديو»، فمنشط البرنامج لم يبث في برنامجه المباشر «le morning de momo» أي اسم لأي عضو تناسلي ذكري، كل ما في الأمر أنه أراد ترجمة أغنية «alors on dance» إلى الدارجة المغربية، فتحول عنوان الأغنية من «alors on dance» إلى «هز البوط». وهي على كل حال ترجمة غير أمينة لكنها تبقى مقبولة بالنظر إلى مستوى القائمين على هذه المحطة في اللغة العربية، خصوصا إذا تذكرنا ما قاله مدير المحطة لمجلة «تيل كيل» من كونه لا يفقه شيئا في اللغة العربية عدا الدارجة.
الكارثة أن المنشط مومو، الناشط أكثر من اللازم، لم يكتف بترجمة أغنية «هز البوط»، وإنما لجأ إلى بثها بتقنية القطع كما هي في الأصل الفرنسي، بمعنى أنه عوض أن يبث بداية الأغنية بمطلع «هز البوط»، بدأ يقطع الجملة في النصف بشكل متكرر. وهكذا نجح مومو في تكوين جملة غير مفيدة سوى لشيء واحد، المس بالحياء العام. وعوض أن يسمع الناس جملة «هز البوط» أصبحوا يسمعون الكلمة الأولى متبوعة بحرف الباء. وهذا ما يفسر قرار الهيئة التي بررت عقوبتها ببث المحطة لاسم عضو تناسلي ذكري بشكل متكرر.
بالنسبة إلى المحطة، فنية المنشط لم تكن هي الإخلال بالحياء العام، بل فقط اللعب على تقطيع «أغنية مشهورة ومحببة لدى المستمعين، وذلك بعد تدريجها، أو «تدريحها» على الأرجح. ولذلك عمم مدير المحطة بلاغا يتهم فيه الهيئة بالتفسير السيئ لأغنية بريئة، يعني أن الخطأ -حسب بومهدي- ليس في محطته ومنشطها وإنما الخطأ في آذان حكماء الهيئة التي لا تجيد الاستماع إلى الأغاني الشبابية العصرية. فكان ضروريا إصدار بومهدي لهذا البلاغ الذي «يجبد» فيه آذان حكماء الهيئة، ويحول فيه نفسه من مخطئ إلى ضحية.
وقد ذكرني بلاغ «هيت راديو» بحكاية رجل من مدينتي اسمه الجيلالي. وكان الجيلالي يدمن انتعال «البوط» في كل الفصول. وذات يوم استضافه أحدهم إلى عرس عائلي، فقرر الجيلالي أن يقوم من أجل الرقص. وعندما اندمج صاحبنا مع الشيخات، بدأت قدماه تطلقان رائحة «النشاط» بسبب «البوط». ولكي يثير صاحب العرس انتباه الجيلالي إلى أصل المشكلة بدأ ينادي عليه قائلا:
- البوط البوط آ الجيلالي...
المصيبة أن الجيلالي كان كلما سمع «مول العرس» يقول له «البوط البوط آ الجيلالي»، تصور أن هذا الأخير يطلب منه أن يؤدي رقصة «البوط»، فيشرع في تحريك بطنه، معتقدا أن الجميع يستمتع برقصته في حين أن الجميع يوشك على «رد» العشاء الذي أكله بسبب رائحة «الخنوزية».
والشيء نفسه بالنسبة إلى محطة «هيت راديو» مع الهيئة. فالحكماء يشيرون إلى خطأ المحطة فيما بلاغ هذه الأخيرة لا يكتفي فقط باتهام حكماء الهيئة بسوء التأويل، أو بانتقاد العقوبة واعتبارها غير منطقية، بل يذهب إلى حد تحميل الهيئة مسؤولية تهديد مصالح محطته المالية ومستقبلها المهني ومزاج العاملين بها بسبب العقوبات المتتالية التي يتلقاها.
كما يثير مدير المحطة الانتباه في بلاغه إلى تنامي قسوة العقوبات التي يتلقاها والتي تهدد مستقبل محطته وتهدد حرية الإبداع الموسيقي المحلي، رغم اعتراف المحطة بشرعية الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وتفضيلها دائما لخيار الحوار معها.
نستخلص من هذا الكلام رسالتين مشفرتين. الأولى هي أن  مدير محطة «هيت راديو» يتحدث عن اعترافه بشرعية الهيئة، وكأن اعترافه بشرعيتها ضروري لوجود هذه الأخيرة. والحال أن هذه المؤسسة أنشئت بأمر من الملك. الثانية هي حديث مدير المحطة عن «خيار الحوار» الذي فضل دائما اللجوء إليه مع الهيئة، كما لو أن لديه خيارات أخرى غير ذلك أو كما لو أنه يصنع معروفا في الهيئة عندما يلجأ إلى خيار الحوار معها.
هنا ينتقل الشاب يونس بومهدي من انتقاد قرار سيادي للهيئة التي منحته رخصة العمل، واتهام حكمائها بالتأويل السيئ لأغنية بريئة، والسعي بقراراتهم العقابية إلى إفلاس مؤسسته، ومساسهم بحرية الإبداع الغنائي الشعبي، إلى لعب دور أكبر من حجمه.
عندما نعيد الاستماع إلى أغنية «هز البوط» التي «أبدعها» المنشط «مومو»، نقف فعلا على حجم الخطأ الفادح الذي ارتكبه هذا المنشط في حق القانون المنظم للإذاعات الخاصة، وفي حق الذوق والحياء العام.
ورغم كل التبريرات التي ساقها مدير المحطة للدفاع عن منشطه، الذي بالمناسبة تجني المحطة الملايين كل يوم من وراء المكالمات الهاتفية التي تهطل على برنامجه من طرف المراهقين، فإن سوابقه في إلقاء الكلام الساقط على الهواء مباشرة، وتلقيه لعقوبتين سابقتين بسبب التهم نفسها، تجعل دفاع مدير المحطة عن منشطه فاقدا لأي مصداقية، مثلما يفتح انتقاده لقرارات الهيئة واستياءه من عقوباتها الباب واسعا أمام المحطات الإذاعية الأخرى لإعلان التمرد على الهيئة وقراراتها وعقوباتها.
الخطير في بلاغ «هيت راديو» أن مديرها حاول الاحتماء وراء الدفاع عن حرية الإبداع في الأغنية الشعبية لانتقاد قسوة العقوبة التي نزلت عليه. والحال أن الفرق واضح وكبير جدا بين حرية الإبداع وحرية «الإفداع». فالمنشط لم يبدع في أغنية  alors on dance، وإنما «فدعها» كما ينبغي. وربما لو سمع المؤلف البلجيكي أغنيته وهي تتعرض للتشويه لتابع «مومو» أمام القضاء بتهمة التحريف والمسخ. فأغنية «ستروما»، التي تحمل عمقا سياسيا واجتماعيا عميقا، تحولت على يد «مومو» إلى مجرد «هزان للبوط».
لعل الفضيلة الوحيدة لما وقع خلال الأيام الأخيرة في برنامجين إذاعيين مباشرين من زلات، هي إماطة هذه الزلات اللثام عن موضوع خطير ومهم يتعلق بمحتوى بعض البرامج الإذاعية ومستوى المنشطين الذين يسهرون على تقديمها إلى المستمعين.
وعوض أن تكون المحطات الإذاعية قاطرة للانتقال الديمقراطي عبر فتحها النقاش السياسي والاجتماعي والثقافي حول راهن ومستقبل المغرب، كما وقع في إسبانيا، نندهش عندما نرى كيف أصبح منشطو ومنشطات أغلب هذه المحطات يتنافسون حول من سيأتي على ذكر أكبر عدد من الأعضاء التناسلية في اليوم.
لقد أصبحنا نسمع برامج إذاعية صباحية على الهواء حول الأوضاع الجنسية في السرير، وأصبحنا نسمع حكايات جنسية فجة لمواطنين يتصلون ببعض البرامج لعرض عقدهم الجنسية ومغامراتهم العاطفية وخياناتهم الزوجية، ببذاءة مستفزة تبعث على التقزز.
وعوض أن يلجم منشطو هذه البرامج انفلات هؤلاء المتصلين يصبون المزيد من الزيت على النار ويسألون أسئلة من قبيل «عاودي لينا كي دار ليك». «دّار ليكم إن شاء الله».
والمصيبة أننا أصبحنا، تحت غطاء النصائح الطبية، نسمع أخصائيين نفسانيين ينصحون الآباء بتربية أبنائهم منذ سن السابعة تربية جنسية صريحة وتسمية «الأشياء» بمسمياتها حتى يكبروا بلا عقد.
وهكذا، أصبح موضوع الجنس الشغل الشاغل لأغلب هذه المحطات، إلى درجة أن منشطا إذاعيا طلب من أم طفل تعرض للاغتصاب أن توقظه في منتصف الليل فقط لكي يتلذذ المستمعون بالطفل وهو يحكي تفاصيل اغتصابه. «واش هادو هترو ولا مالهم».
إن سبب هذا التهافت المحموم على موضوع الجنس والتربية الجنسية والنصائح الجنسية، التي تقدم بشكل فج، هو التسابق على رفع نسبة الاستماع، أي التصارع على كعكة الإشهار، بمعنى أن الهدف المادي هو الهاجس الذي يحرك هذه المحطات الإذاعية الخاصة ويجعلها مستعدة لتخطي كل الممنوعات والضوابط من أجل الوصول إليه.
لحسن الحظ أن هناك مؤسسة اسمها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وظيفتها الأساسية هي لجم هذا التنطع المراهق الذي يبديه بعض مدراء الإذاعات الخاصة.
لهذا يتوجب على الهيئة أن تستمر في تطبيق القانون، ولا شيء سوى القانون، بصرامة وموضوعية وتجرد. وإذا كانت المصلحة العليا والنظام العام يقتضيان سحب تراخيص المحطات التي تتلذذ بخرق القانون، فلتسحب ولتعطَ لإذاعات جديدة تتوفر فيها شروط النضج والاتزان. وتأكدوا أن هذا القرار لن يضر المغرب في شيء، بل سيفيده. فالمغرب كان وسيستمر، سواء بوجود هذه الإذاعات أو بدونها.
وعلى رأي جدتي «باش كان عايش بلارج حتى جا الجراد».

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى