حزب فرنسا



خصصت صونيا طرزاز، ابنة الكولونيل ماجور المعتقل، حيزا كبيرا من ندوتها الصحافية، أمس الثلاثاء، للرد على ما كتبناه بخصوص قضية الحكم بالسجن على والدها.
طبعا، من المفهوم جدا أن تدافع بنت عن والدها المسجون. كما أنه من البديهي أن تذهب مطالب المجتمع المدني في اتجاه العفو عن الكولونيل ماجور وإطلاق سراحه. ونحن لا يسعنا سوى أن نتمنى أن يتم طي هذا الملف ويعود الكولونيل إلى عائلته.
لكن القضية الآن لم تعد قضية كولونيل معتقل أو قضية عائلة تطالب الملك بالعفو عنه بإطلاق سراحه. القضية تجاوزت هذا الحد وتحولت إلى الشجرة التي تخفي غابة كثيفة ومتشابكة الأغصان. هذه الغابة المخيفة والمظلمة لديها اسم، إنه «حزب فرنسا» في المغرب.
أن تقصد السيدة صونيا مقرات الجمعيات الحقوقية فهذا يدخل في صميم برنامج أي مواطن يريد أن يضع قضيته بين أيدي المدافعين عن حقوق الإنسان. لكن أن تلجأ إلى قصر الإليزيه بباريس والبيت الأبيض بواشنطن، فهذا ما يدخل في باب إشهار ورقة الحماية الأجنبية في وجه المغرب.
وليس الجواز الفرنسي للكولونيل ولا الأوسمة العسكرية الفرنسية والأمريكية الرفيعة التي تقلدها هي ما يمكن أن يبرر هذا «اللجوء السياسي» غير المعلن. لا شيء على الإطلاق يبرر استقواء عائلة الكولونيل بـ«الكي دورصاي» ولا بالبيت الأبيض ضد المغرب.
ولعل الكولونيل يعرف أكثر من غيره أن العفو الملكي لا يأتي بهذه الطريقة. فحتى في فرنسا، الجمهورية التي يحمل جنسيتها، هناك قانون لطلب العفو الرئاسي. ولم يحدث قط أن رئيسا فرنسيا منح العفو الرئاسي لسجين فرنسي لجأت عائلته إلى الاستعانة بعواصم عالمية ضد باريس.
في المغرب، ونظرا إلى النفوذ الذي يتمتع به «حزب فرنسا»، فإن المساس بمصالح أي واحد من أعضاء هذا الحزب القوي والمنظم يجعلك تتوقع ردة فعل قوية وضارية من طرف قواعده المنتشرة في الإعلام والنسيج الحقوقي بالمغرب.
البعض يرى في الكولونيل طرزاز مجرد ضحية تصفية حسابات سياسية وعسكرية بين جنرالات ذوي طموح زائد. ممكن جدا. لكن إذا كان من فضيلة لاندلاع هذه القضية هنا والآن، فهي أنها أماطت اللثام عن أقوى حزب يوجد اليوم في المغرب. حزب لا يشارك في الانتخابات لكنه ممثل في مؤسسات الدولة والحكومة والمؤسسات العمومية. حزب لا يملك جريدة أو مجلة أو قناة تلفزيونية، لكنه يملك مواطئ قدم داخل بعض هيئات التحرير المؤثرة. إنه باختصار «حزب فرنسا» الذي يضع ضمن أهدافه الكبرى الإبقاء على المغرب ومؤسساته الاقتصادية والثقافية رهينة بين أيدي القوى الاستعمارية السابقة.
وللأسف الشديد، فطريقة إدارة ملف الكولونيل طرزاز من طرف ابنته صونيا جاءت لتؤكد هذه الحقيقة. فكم من إطار عسكري مغربي يتم الحكم عليه بالسجن أمام المحكمة العسكرية دون أن يستطيع أبناؤه الحصول على موعد صغير مع برلماني فرنسي، فبالأحرى الحصول على لقاء مطول بباريس مع «كلود غيون»، السكرتير العام للإليزيه، وآخر في واشنطن مع «دانييل شابريو»، مساعد الرئيس الأمريكي الخاص في الأمن القومي والمكلف بشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهما اللقاءان اللذان أنكرتهما صونيا طرزاز في ندوتها، لكن إلى حدود الآن لم يصدر أي تكذيب من طرف البيت الأبيض أو الإليزيه.
وإذا كانت صونيا لم تلتق بـ«كلود غيون» في باريس أو بـ«دانييل شاربو» في البيت الأبيض، فمن هي الشخصيات التي التقت بها، إذن، ما دامت تعترف بلجوئها إلى البيت الأبيض وقصر الإليزيه؟ لماذا لم تعقد ندوة صحافية مباشرة بعد لقاءاتها هذه لكي تطلع الرأي العام على فحوى اللقاءات التي جمعتها بمسؤولي الإليزيه والبيت الأبيض؟ بماذا وعدوها وما هو أسلوب الدعم الذي تعهدوا بتقديمه لقضية والدها؟ حول هذا الموضوع، تفضل صونيا الاحتفاظ بالصمت. وهو صمت يقول الكثير.
في المغرب، المكلف بملف الكولونيل طرزاز ليس شخصا آخر غير السفير الفرنسي «برونو جوبير» شخصيا، وهو أحد العارفين بالأبعاد السياسية لهذا الملف بوصفه أحد المهندسين السريين للخرائط والحكومات الإفريقية.
إن المعلومات التي نشرناها في هذا العمود حول المسار المهني للكولونيل طرزاز، والتي اعتبرتها ابنته صونيا، في ندوتها الصحافية، مجرد محاولة لتلطيخ سمعة والدها، لم تكن معلومات خاطئة أو مغرضة، وإنما هي معلومات حقيقية تستعرض المسار المهني للكولونيل طرزاز، وهي المعلومات التي لم تستطع صونيا أن تنفيها لأنها موجودة في الأرشيفات العسكرية الفرنسية والأمريكية.
وإذا كانت تطالبنا بالكشف عن مصادر أخبارنا فإننا نذكرها بالقاعدة الذهبية للصحافي، وهي حماية مصادره وعدم الكشف عنها تحت أي مبرر. سؤالها يجب أن يقتصر على صحة المعلومات من عدمه، ولا يمتد إلى الاستفهام حول مصدر المعلومات. وسواء حاولت صونيا أن تفصل بين ولاء والدها للملك وولائه للجمهورية الفرنسية، فإن الأوسمة والجنسية الفرنسية التي حصل عليها تجعله مرتبطا، قانونيا وأخلاقيا، بقصر الإليزيه والجمهورية الفرنسية التي قلدته وسام جوقة الشرف من درجة فارس ومنحته الجنسية الفرنسية التي لا تعطى إلا بعد تقديم القسم أمام الراية الفرنسية وترديد النشيد الوطني الفرنسي.
إن الجمهورية الفرنسية، التي يحمل الكولونيل طرزاز جنسيتها، تعطي المثال الواضح على احترامها للقوانين. وقبل أسبوع فقط، أصدرت إحدى محاكم باريس حكما يدين وزير الداخلية الفرنسي «بريس أورتفوه» بسبب تصريحات عنصرية ضد فرنسيين من أصل مغربي، كما حكمت عليه المحكمة بأداء غرامة مالية جزاء له على عنصريته. وقبله، حكمت محكمة أخرى على وزير الداخلية الأسبق «شارل باسكوا» بسنتين حبسا وهو في الثمانين من العمر. وقبل يومين ذكر اسم الرئيس الفرنسي نفسه في ملف له علاقة بالارتشاء، ومن الممكن جدا أن يقرر أحد القضاة متابعته قضائيا، تماما كما توبع الرئيس السابق جاك شيراك ووزير خارجيته «دومينيك دوفيلبان» في قضية «كليرستريم».
لقد كان ممكنا الإبقاء على هذه القضية داخل المغرب دون إشهار الجنسية الفرنسية للكولونيل كورقة حمراء في وجه الدولة المغربية. الآن وقد وقع العكس، فإن المسألة أصبحت تتجاوز كونها مجرد قضية كولونيل مسجون، لكي تصبح قضية ابتزاز وضغط على المغرب من طرف دول أخرى في ملف له علاقة بالسيادة القانونية للمغرب.
وعندما نتحدث عن السيادة القانونية للمغرب فنحن لا نقصد أن هذا القضاء العسكري الذي حوكم الكولونيل طرزاز أمامه قضاء عادل تماما. فمن الممكن جدا أن تكون محاكمته قد شابتها تجاوزات، مثل الكثير من المحاكمات العسكرية التي لا يكون فيها للمتهمين العسكريين مجال للتمتع بحقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة. الفرق الوحيد بين هؤلاء «المظلومين» والكولونيل طرزاز أن هؤلاء لا يحملون الجنسية الفرنسية وليس لديهم أبناء يطرقون أبواب العواصم العالمية بحثا عن الدعم.
ولعل أول شيء تجب المطالبة به من أجل الكولونيل طرزاز هو توفير شروط اعتقال إنسانية وكريمة تراعي أولا مكانته العسكرية وسنه ووضعه الصحي. إذا كان صحيحا ما قالته ابنته صونيا من أنه يعاني في سجنه من شروط اعتقال قاسية ومعاملة غير لائقة، وأن محاميه لا يستطيع زيارته، فإن أول شيء يجب أن يقوم به «السجان» بنهاشم هو إقالة المسؤول المباشر عن هذه المعاملة التي لا تليق بسجين في سن ومرتبة الكولونيل طرزاز.
من حق عائلة الكولونيل طرزاز أن تستمر في المطالبة بإطلاق سراحه. من حقها أن تستمر في حشد الدعم الحقوقي حول قضيته. ومن حقها أن تطالب بالعفو الملكي، لكن كمواطن مغربي وليس كمغربي يحمل الجنسية الفرنسية. فالعفو لا يكون تحت الضغط، وإلا تحول إلى شيء آخر يعرف اسمه جيدا مناضلو «حزب فرنسا» في المغرب.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى