كلها وهمو



استطاع وفد من سكان قبائل آيت عبدي خلال الفترة القصيرة التي قضوها ضيوفا على حديقة البرلمان بالرباط، أن يكونوا صورة واضحة عن العاصمة وسكانها ومؤسسة البرلمان التي احتجوا صامتين أمامها.
هكذا، عندما سيعودون إلى قراهم الجبلية المقطوعة عن العالم، حيث يموت الأطفال والنساء الحوامل بسبب البرد والجوع والمرض، سيستطيعون نقل انطباعاتهم عن العاصمة وبرلمانها الذي يتابع جلساته السكان المحظوظون الذين يملكون جهاز تلفزيون.
ومن هنا، أتخيل كيف سيسارع سكان قبائل آيت عبدي إلى الالتفاف حول مبعوثيهم الذين نابوا عن آلاف السكان المنسيين في نقل معاناتهم إلى «مالين» الرباط، لكي يحكوا لهم كيف هي الرباط، وكيف عاملهم المخزن طيلة وجودهم في ضيافته. أتخيل من هنا حسرة هؤلاء «السفراء» الذين جاؤوا حاملين آهات الأمهات وسعال الأطفال وأحلام الشباب الغارقة وسط الثلوج. أتخيلهم من هنا وهم يقبلون باطن أيديهم وظاهرها حامدين الله على أنهم ليسوا من سكان العاصمة.
فطيلة وجودهم أمام البرلمان، شاهدوا مناظر مرعبة لم يتخيلوا يوما أنهم سيشاهدون مثلها في حياتهم. واكتشفوا أن هناك مغاربة في قلب العاصمة يعانون أكثر منهم إلى درجة أن معاناة هؤلاء أنست مبعوثي قبائل آيت عبدي معاناتهم الخاصة، ووقفوا بالقرب من مقهى «باليما» يتفرجون على محتجين آخرين أقدم منهم في «الحرفة»، يجرون وراءهم أكثر من عشر سنوات من الوعود الحكومية الكاذبة، وهم يسلخون «سليخ المعزي» على أيدي قوات أمنية مدججة بالهراوات، تسلخهم بهمة ونشاط كما لو كانت تسلخ نعاجا في «الباطوار».
هؤلاء السكان -الذين لا يطالبون سوى بشق طريق نحو قراهم الجبلية الوعرة، وبناء مستشفى عمومي تضع فيه نساؤهم مواليدهن، ومدرسة لتعليم أبنائهم حروف الهجاء- اندهشوا وهم يتفرجون على دكاترة وحاملي شهادات عليا تفقأ عيونهم وتركل أجهزتهم التناسلية وتفلق رؤوسهم أمام البرلمان.. ذلك البرلمان نفسه الذي جاء إليه وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة لتخليص ابنه، الذي فلق رأس مواطن، من قبضة الأمن. لماذا يا ترى لم يأت سعادة الوزير إلى البرلمان هذا الأسبوع لكي يخلص أبناء الشعب من هراوات رجال الأمن؟ لا نطلب منه أن يتدخل كوزير وإنما كأب، كما برر بذلك تدخله لصالح ابنه. ليتخيل سعادة الوزير هؤلاء الشباب أبناءه، وليأت لتخليصهم من قبضة الأمن وحمل بعضهم في سيارته وتهريبهم بعيدا عن تلك الهراوات القاسية التي تحطم عظامهم بلا رحمة.
جاء ممثلو سكان قبائل آيت عبدي إلى حديقة البرلمان للاحتجاج بشكل سلمي، كما تقول لافتتهم التي نصبوها أمامهم. وضعوا قارورات الغاز وأواني إعداد الشاي، وجلسوا ينتظرون. فجأة، جاء محتجون آخرون حاملين قارورات الغاز بدورهم، لكن عوض أن يستعملوها لإعداد الشاي سكبوها فوق ثيابهم وأضرموا النار. أتخيل من هنا كيف سيحكي هؤلاء المبعوثون تفاصيل هذا المشهد المرعب لأبنائهم وأهلهم في قرى آيت عبدي. سيقولون لهم مفزوعين إن الناس في الرباط لا يحتجون مثلنا بلافتة وراية فقط، وإنما يحتجون بإحراق أنفسهم بالبنزين، ومع ذلك لم «يصوروا» شيئا من المخزن.
سيحكون لهم كيف أن الناس لا يكتفون في الرباط بإضرام النار في أنفسهم أمام البرلمان، وإنما يشترون حبالا متينة ويشنقون بها أنفسهم على سياج البرلمان، قبل أن يأتي رجال الوقاية المدنية ويخلصوا رقابهم من حبال المشانق.
أتخيل كيف أن هؤلاء القرويين البسطاء سيبعثرون ما بين حواجبهم مستنكرين وغير مصدقين وهم يسمعون ما يحكيه لهم مبعوثوهم إلى الرباط. سيندهشون لكون كل هذه المناظر المرعبة لم تنجح في تحريك قلوب «مالين» الرباط الجامد، فكيف ستتحرك تلك القلوب تجاه محتجين يكتفون بحمل لافتات ويقفون صامتين أمام البرلمان.
لا شك أنهم بعد سماعهم لكل هذا العجب العجاب الذي يحدث في الرباط، سيحمدون الله على عودة مبعوثيهم بأعضائهم كاملة، وبدون حروق من الدرجة الثانية أو الثالثة. ولو أن الحروق الحقيقية هي تلك التي تصيب القلب عندما يرى المغاربة أخواتهم يجرجرن فوق الإسفلت ويسلخن مثل النعاج، ويرون إخوانهم يضربون في أجهزتهم التناسلية لقتل رجولتهم بعد أن قتلوا فيهم الأمل. فقط لأن آباءهم ليس اسمهم خالد الناصري وليسوا وزراء يستطيع أبناؤهم أن يثيروا الفوضى والشغب أمام البرلمان والطرقات والمطاعم الخاصة دون أن يجرؤ الأمن والعدالة على مس شعرة واحدة منهم أو مقاضاتهم.
هذه هي الحرقة الكبرى التي لا تخففها الضمادات ولا المراهم المضادة للتقرحات. وهي الحرقة التي عاد بها ممثلو قبائل آيت عبدي من الرباط هذا الأسبوع. لقد أقنعوهم في الرباط بأن الطريق التي يطالبون بشقها ستبدأ الأشغال فيها قريبا، والمستشفى الذي يحتاجونه ستبنيه لهم وزيرة الصحة صاحبة الابتسامة الواسعة والتي تفتخر بكونها وزيرة ناجحة في حكومة ناجحة. والدليل على نجاحها هو اضطرار كل هؤلاء السكان إلى قطع مئات الكيلومترات لمقابلتها من أجل مستشفى وبضعة أقراص وضمادات وأسرة.
ولأن هؤلاء القرويين لا زالوا يقدرون «الكلمة» حق قدرها، فقد صدقوا وعود «مالين» الرباط وطووا لافتتهم وجمعوا راياتهم وقارورات غازهم وأواني الشاي، وركبوا الحافلة التي خصصتها الداخلية لإعادتهم إلى الجبال التي نزلوا منها، وغادروا الرباط.
وربما يكون هؤلاء القرويون البسطاء قد فهموا بذكائهم الطبيعي أن الاحتجاج لا يفيد أمام البرلمان في شيء، حتى ولو وصل الأمر إلى إضرام النار في الثياب أمامه أو شنق الرقاب على سياجه.
فهذه المؤسسة تشبه المقبرة المنسية التي لا يتذكر وجودها سوى قلة من الوزراء والبرلمانيين.
وحتى الذين يحضرون لا يستطيعون تحقيق مطالب بسيطة حتى لأنفسهم فبالأحرى أن يحققوها للآخرين.
وفي الوقت الذي كان فيه الدكاترة المعطلون وممثلو سكان قبائل آيت عبدي يتفاوضون من أجل الحق في الشغل والتطبيب والطرق والتعليم، كان البرلمانيون يطالبون رئيس الجلسة بتشغيل مكيف الهواء داخل القاعة بسبب الحرارة المفرطة التي كانت تخيم على الأجواء. ورغم إلحاح السادة البرلمانيين الذين «سخسخهم» الصهد على مطلبهم العادل والمشروع، فإن رئيس الجلسة قال لهم «الله غالب»، أي أن «المبرد» عاطل عن العمل. كيف تريدون، إذن، من برلمان أغلب نوابه عاطلون عن العمل، ورئيسه الأبدي عاطل عن العمل لا يأتي إليه بسبب أجندته المليئة بالأسفار، أن يحقق مطلب الشغل لأبناء المغاربة.
في اليوم الذي سينجح فيه البرلمانيون في تحقيق مطلبهم العادل وتشغيل مكيف الهواء داخل مؤسستهم، آنذاك يمكن أن نطالبهم بتشغيل أبناء الشعب وتحقيق مطلبهم العادل في العيش الكريم.
ويبدو أن البرلمان مشغول هذه الأيام بمشاكله الداخلية وليس لديه الوقت لتشمم رائحة «الشياط» المنبعثة من أجساد المحتجين أمام بابه. وإذا كان نواب المعارضة البرلمانية يطالبون بتشغيل مكيفات الهواء، فإن نوابا آخرين، ينتمون هذه المرة إلى فريق الوحدة والتعادلية الموالي للحكومة، انسحبوا من الجلسة احتجاجا على المعاملة التي تلقوها في مطار محمد الخامس من طرف شركة الخطوط الجوية الملكية، وهي الشركة العمومية التابعة لوزارة النقل والتجهيز التي يسيرها بالمناسبة الوزير الاستقلالي كريم غلاب. «وفهم شي زفتة فهاذ البلاد».
المضحك في هذا السلوك الاحتجاجي لفريق الوحدة والتعادلية هو أنه لم يكن احتجاجا على مشاهد الانتحار الجماعي التي بدأت تتكرر أمام البرلمان بشكل مخيف، ولا بسبب تحول العاصمة إلى تجمع كبير للمحتجين القادمين من مختلف ربوع المملكة والذين أصبحوا يتخذون حدائق وساحات العاصمة مكانا للنوم، ولا بسبب الأحداث الإجرامية التي تعرض لها المشاركون في أسطول الحرية على يد الجيش الإسرائيلي، ولكن بسبب تأخر رحلة أعضاء الفريق الموقر لأربع ساعات عن موعدها المحدد.
كم مرة كتبنا عن تأخر الرحلات الجوية لطائرات الخطوط الملكية الجوية دون أن يتحرك أعضاء الفريق الاستقلالي في البرلمان ويطرحوا سؤالا واحدا على وزيرهم في النقل وزميلهم في الحزب كريم غلاب؟
اليوم فقط عندما ذاقوا حر الانتظار في المطار قرروا تمثيل دور الغاضبين في البرلمان من خدمات شركة الطيران. والمضحك أكثر في هذه الغضبة الاستقلالية أنها خلطت بين تأخر الطائرة وبين «ترسيخ البناء الديمقراطي». «كنا فالروطار حتى صدقنا فالبناء الديمقراطي، وشوف على طنز».
ولو أن الفريق الاستقلالي كان سيستقل الطائرة نحو بوجدور لتفقد وضعية المواطنين المغاربة هناك والاستماع إلى مطالبهم الاجتماعية لفهمنا غضبهم. لكن المفاجأة هي أن الفريق الاستقلالي ذهب عبر الطائرة إلى بوجدور في مهمة حزبية لمساندة رئيس المجلس البلدي ضد معارضيه، الذي ليس سوى عضو الفريق الاستقلالي في مجلس النواب. أين هي مصلحة المواطنين في كل هذه الحكاية؟ الله أعلم.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى