هبل تربح



هذه الأيام، قرأت تعريفين عميقين لمفهوم الذكاء. الأول يقول إن الذكاء هو القدرة على التفكير في أشياء كثيرة في وقت واحد. والثاني يقول إن الذكاء هو فن إجادة تمثيل دور الأبله. وقد سبق المغاربة القدماء أصحاب هذا التعريف الثاني عندما قالوا على سبيل النصيحة «هبل تربح»، أو «بيع القرد وضحك على من شراه».
تأملت هذين التعريفين للذكاء ووجدت أن أحسن من يطبقهما حرفيا هم بعض وزراء حكومة عباس وبعض كبار الشخصيات من أثرياء هذا البلد.
وعندما نزلت العقوبة المالية وعقوبة المنع ليومين متتاليين ضد إذاعة «مارس» بسبب بسط المخرج المبتدئ هشام عيوش لأحلامه الجمهورية على الهواء مباشرة، كان والده نور الدين عيوش، رئيس «مجموعة الديمقراطية والحداثة»، يستعد لتنظيم ملتقى نهاية هذا الأسبوع حول اللغة. وهو الملتقى الذي يجب أن يدعو إليه ابنه المخرج المبتدئ لكي يتعلم طريقة الكلام عندما يتم استدعاؤه إلى برنامج مباشر.
فيبدو أن تقنية «فمك وما جاب»، أو ما يسمى في الفن المسرحي «الارتجال»، أصبحت تمارس بكثير من الاستسهال، حتى لا نقول الإسهال.
والدليل على ذلك أن هشام عيوش -الذي أعطاه نور الدين الصايل، مدير المركز السينمائي المغربي، 450 مليون سنتيم من أموال دافعي الضرائب كدعم من أجل إخراج فيلمه الأول- يفتخر أمام الجميع بأنه صور فيلمه بلا حاجة إلى سيناريو، يعني «كور وعطي للعور». وهذا يطرح سؤالا كبيرا حول كيفية استفادة هذا الفيلم من المال العام مادام مخرجه لا يتوفر على سيناريو مكتوب يمكن للجنة القراءة الاطلاع عليه وقراءته.
كثيرون يعتقدون أن أبناء «الفشوش»، الذين اشتهروا في الآونة الأخيرة بتصريحاتهم المستفزة أو باقترافهم العنف ضد الآخرين أو بأحلامهم وطموحاتهم الجمهورية المنافية لثوابت البلاد، يقومون بذلك لأنهم أغبياء. الواقع أنهم ليسوا كذلك، بل هم في الحقيقة أذكياء. وليسوا وحدهم الأذكياء، بل آباؤهم أيضا أذكياء.
الأبناء أذكياء لأنهم يجيدون تمثيل دور الأبله. أما الآباء فأذكياء لأنهم يستطيعون التفكير في أشياء كثيرة في وقت واحد، يفكرون في مصلحتهم السياسية والحزبية الضيقة، وفي الوقت نفسه يفكرون في مستقبل أبنائهم السياسي والمالي.
عندما تجرأ إبراهيم الفاسي الفهري، ابن وزير الخارجية ورئيس معهد «أماديوس»، على نعت الدكاترة المعطلين بالفاشلين دراسيا وحملهم مسؤولية البطالة التي يعيشونها مفتخرا بدراسته التي تابعها في مدراس البعثة الفرنسية، وعندما تجرأ ووصف الانتقادات التي وجهت في البرلمان إلى عائلته التي تحتكر المناصب الحكومية والعمومية بالمثيرة للفتنة واتهم كل من يتحدث عن هذا الموضوع بإثارة العنصرية ضد عائلته، اعتقد البعض أن الولد المدلل زل لسانه وأنه لا يعرف ماذا يقول. والحال أن كل كلمة قالها الولد خضعت لتحليل دقيق ومسبق.
وعندما خرج وزير الاتصال «يكشكش» ضد قناة «الجزيرة» التي تحتكر نقل مباريات المونديال، واصفا المباريات التي ستتبرع بها «الجزيرة الرياضية» علينا بالخضرة فوق الطعام، لم يكن ذلك دفاعا عن حق المغاربة في الفرجة، وإنما تملصا من مطالب المغاربة التي تنتشر في المواقع الإلكترونية باستقالة وزير الاتصال بعد الفضيحة التي ورطه فيها ابنه أمام البرلمان.
ولعل قمة ذكاء وزير الاتصال هي قدرته على التفكير في عدة أشياء في وقت واحد. فهو يفكر في مصير حزبه بعد اختيار نبيل بن عبد الله أمينا عاما جديدا له، ويفكر في الدفاع عن حق المغاربة في المونديال «بيليكي»، ويفكر في الطريقة المناسبة لنسيان الفضيحة التي لعب بطولتها أمام البرلمان عندما خلص ابنه من قبضة الشرطة ضدا على مبادئ دولة الحق والقانون.
إنها لمفارقة عجيبة أن ينظم نور الدين عيوش مؤتمرا حول اللغة، في الوقت الذي يجهل فيه ابنه مبادئ اللغة التي يتحدث بها المغاربة. ويتسلم أموالا طائلة من الدولة ومؤسساتها من أجل دفع المغاربة إلى المشاركة في الانتخابات، في الوقت الذي يعجز فيه عن دفع ابنه إلى قراءة الدستور والقانون المغربي قبل أن يفتح فمه أمام مايكروفونات إذاعات «جيب يا فم وطلق» التي أصيب أغلبها بمرض «سريسرة» اللفظية، بحيث أصبح يبث أي كلام ويتحدث من «السمطة لتحت» بلا وازع ولا رادع، ويستسهل الحديث حول المواضيع الحساسة بخفة تقترب كثيرا من «التبرهيش».
وإنها لمفارقة عجيبة أن يدافع وزير الاتصال عن حق المغاربة في الفرجة الكروية وينسى حقهم في رؤية القانون يطبق على جميع أبناء المغاربة، بمن فيهم ابن سعادة الوزير الذي منحهم تلك الفرجة المخجلة أمام البرلمان.
وإنها لمفارقة عجيبة أن يدافع وزير المالية مزوار عن ترشيد نفقات سيارات الدولة ومنع استعمالها لأغراض شخصية، في الوقت الذي نرى فيه كيف أن زميله في الحكومة وزير الاتصال استعمل سيارة الوزارة للتنقل إلى البرلمان في «نصاصات الليل» لتخليص ابنه من قبضة الأمن.
وإنها لمفارقة عجيبة أن يتحدث الوزير الأول عن تخليق الحياة العامة في الوقت الذي نسمع فيه أن ابنة وزير الداخلية الراحل إدريس البصري «صرفقت» عنصرا من عناصر الدرك الملكي كان يقوم بمهمته.
وإنها لمفارقة عجيبة أن يدافع ابن وزير الخارجية عن استضافة وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة «تسيبي ليفني»، ويتوعد باستضافة المزيد من الإسرائيليين في المغرب عبر مؤسسته التي ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب، في الوقت الذي يقرأ فيه والده وزير الخارجية بيانا ناريا ضد الحكومة الإسرائيلية بسبب الهمجية الأخيرة التي ارتكبتها في عرض البحر في حق مدنيين مسالمين ينتمون إلى خمسين جنسية.
أليس هذا هو التجسيد الأمثل لمقولة «بيع القرد وضحك على من شراه»؟
أبناء «الفشوش» هؤلاء يعرفون أن القانون لا يطبق على أمثالهم في المغرب، ولذلك فإنهم يسمحون لأنفسهم باحتقار ذكاء المغاربة والسخرية من مستوى تعليمهم، واستفزاز مشاعرهم بتصريحات عشوائية تمس مقدساتهم وثوابتهم.
وبعضهم، كابن وزير الاتصال وأسوة بابن العنصر وزير الفلاحة السابق، ذهب إلى حد إلحاق أضرار جسدية بمواطن دون أن يتعرض للمتابعة القانونية مثلما يحدث لأبناء المغاربة الذين ليست لديهم جداتهم «فدار العرس».
ولعل تسارع حدوث فلتات اللسان وفلتات الأعصاب خلال الأيام الأخيرة، وصدورها كلها عن أبناء شخصيات سياسية وإعلامية معروفة، يستدعي وقفة تأمل لشرح ملابسات هذه العنتريات الجديدة التي تذكر المغاربة بسنوات سوداء اعتقدوا أنها ذهبت إلى غير رجعة.
ولذلك فقبل أن يعطينا وزير الاتصال الدروس في الوطنية واحترام القانون والحق في الفرجة الكروية، عليه أولا أن يعطي المثال بنفسه ويقدم استقالته ويرحل عن هذه الحكومة، لأنه لا يستحق أن يبقى فيها يوما واحدا بعد الذي حدث، فبالأحرى أن ينطق باسمها.
وقبل أن يحاول وزير الخارجية إقناعنا بجدية موقف وزارته من الهمجية الإسرائيلية عليه أولا أن يقنع ابنه بالتوقف عن استفزاز مشاعر المغاربة بتوعدهم وتهديدهم باستضافة المزيد من الصهاينة على أرض المغرب الطاهرة.
وقبل أن ينظم عيوش مؤتمرات حول اللغة والديمقراطية والحداثة عليه أولا أن ينصح أبناءه بتعلم لغة المغاربة والاطلاع على هويتهم العميقة والحقيقية، إذا كانوا يريدون إنتاج أفلام للمغاربة وبأموال المغاربة. أما إذا كانوا يريدون إنتاج أفلام مفككة سينمائيا تروج لهويات غربية بأموال المغاربة موجهة لضرب ثوابت المغاربة وقناعاتهم الدينية واللغوية، فيجب أن يبحثوا لهم عن ممول آخر غير جيوب دافعي الضرائب المغاربة.
فأبناء عيوش، كحاملين للجنسية الفرنسية، من حقهم أن يحصلوا على دعم المركز السينمائي الفرنسي، مثلهم مثل بقية المخرجين السينمائيين الفرنسيين.
آنذاك لن يحاسبهم أحد على الرسائل والقيم والأفكار السياسية والأخلاقية التي تدافع عنها أفلامهم، لأنها ستكون ممولة من جيوب أخرى غير جيوبنا.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى