دير الخير يرجع ليك بومزوي



الموضة هذه الأيام في المغرب هي أن كل مسؤول عمومي كتبنا عنه في «المساء» يهددنا في اليوم الموالي باللجوء إلى القضاء والمطالبة بتعويضات. وكل واحد لديه طريقته في التعبير عن هذا التهديد. هناك من يكتب بيانا ويعممه على وسائل الإعلام يصرخ فيه «شدوني عليه راه غادي ندعيه»، وهناك من يفضل البحث عن «كاري حنكو» لكي يقوم مكانه بهذه المهمة.
وبالنسبة إلى الكولونيل الذي كتبنا، الأسبوع الماضي، حول خادمته التي لجأت إلى الضابطة القضائية التابعة لأمن أنفا بالدار البيضاء لوضع شكاية بسبب المعاملة السيئة التي تقول إنها تعرضت لها على يد زوجته، فطريقته في إظهار تهديداته كانت طريفة للغاية.
فقد ذهب سعادة الكولونيل، مباشرة بعد صدور خبر وضع خادمته لشكايتها ضد زوجته عند الأمن، إلى أحد المقاهي بشارع الزرقطوني، وأقسم بأغلظ أيمانه بأن يرسل كاتب هذه السطور إلى السجن وأن يغلق هذه الجريدة التي بين أيديكم.
ولكي يدخل الكولونيل أسلوب «التشويك» على تهديداته، قال لأحد مرافقيه، وهو يتعمد إسماع بقية الزبائن الذين كان بعضهم يطالع خبر شكاية خادمة الكولونيل، إن وزير الداخلية مولاي الطيب الشرقاوي «من عائلتو». ولم يقف عند هذا الحد، بل أضاف أن أحد أفراد عائلته يشغل منصبا مهما في جهاز الاستعلامات بالرباط، وأن الصحافي الذي كتب الخبر سيدفع الثمن غاليا.
أي ذنب ارتكبناه في «المساء» حتى يهددنا هذا الكولونيل بالويل والثبور وعظائم الأمور؟ لا شيء سوى أننا حصلنا على خبر وضع خادمته لشكاية لدى أمن أنفا تتهم فيها زوجته بالمعاملة القاسية والمهينة والعنيفة، إضافة إلى الاستغلال المهني، بحيث تشتغل في البيت ثم تنتقل إلى مقهى الزوج لكي تكمل الشغل. وفوق هذا وذاك، لم تتقاض الخادمة أجرتها لشهرين متتابعين.
رغم أن حصارا أمنيا ضرب على الشكاية، فإن «المساء» استطاعت الحصول على الخبر بطرقها الخاصة. وبمجرد صدوره، قامت القيامة وفقد الكولونيل أعصابه وبدأ يطلق تهديداته الهوجاء معريا فروع شجرته العائلية أمام الملأ.
وخلال هذا الوقت، لا أحد يعرف الجهة التي اتصلت بالخادمة وأقنعتها بضرورة سحب شكايتها والتنازل عن المتابعة وكأن شيئا لم يحدث. وهكذا، عوض أن يفتتح تحقيق في ما قالته الخادمة أمام الأمن وينتهي الملف بين أيدي القضاء في حالة ثبوت الضرر والاعتداء والاستغلال، فإن الذي سينتهي مرة أخرى أمام القضاء هو مدير «المساء» بتهمة نشر خبر زائف.
لكن سعادة الكولونيل لن يستطيع الذهاب إلى القضاء، لسبب بسيط، وهو أننا نتوفر على نسخة من الشكاية التي تروي فيها الخادمة ألوان العقاب والعذاب الذي تقول إن زوجة الكولونيل أذاقتها إياه، بمعنى أننا لم ننشر خبرا كاذبا وإنما خبرا حقيقيا، وحتى لو تنازلت الخادمة عن الشكاية فإن هذا لا يعني أنها لم تسجلها.
عندما تناهت إلى علمي تهديدات الكولونيل «برادي»، لأن الأمر يتعلق به، ونيته مقاضاتنا بسبب الخبر الذي نشرناه دون إشارة إلى اسمه أو نسبه، قلت مع نفسي إن الإدارة العامة للأمن الوطني إذا لم تر ضرورة لفتح تحقيق مع سعادة الكولونيل بسبب شكاية الخادمة، فعلى عبد العزيز السامل، مدير الموارد البشرية بهذه الإدارة، أن يهتم على الأقل بملف استثماراته التجارية. ففي حدود علمنا، فراتب كولونيل في الأمن لا يتعدى تسعة آلاف درهم في الشهر. وطبعا، راتب مثل هذا بالكاد يسمح لصاحبه بتلبية حاجياته الأساسية في مدينة كالدار البيضاء ترتفع فيها تكاليف العيش إلى مستويات قياسية.
إننا نتحرق شوقا لبدء العمل بقانون التصريح بالممتلكات بعد انتهاء المصادقة على أطواره النهائية. ولا بد أن «النوطيرات» في الرباط والدار البيضاء لاحظوا أن «الشغل كثر عليهم» في الأيام الأخيرة بسبب رغبة مسؤولين عموميين كثيرين في «التخلص» من ممتلكاتهم وتسجيلها في أسماء الأهل والأحباب حتى لا يضطروا إلى إثباتها في لائحة الممتلكات التي سيصرحون بها للمجلس الأعلى للحسابات.
وفي الأسبوع الماضي بالضبط، توصلت مختلف الإدارات، ومن ضمنها طبعا الإدارة العامة للأمن الوطني، بمذكرة التصريح بالممتلكات. تشوقنا لبدء العمل بهذه المذكرة سببه رغبتنا في معرفة ممتلكات بعض المسؤولين الأمنيين الذين ظهرت عليهم علامات الثراء أثناء مزاولتهم لمسؤولياتهم على رأس الأقسام الأمنية التي يديرونها في الدار البيضاء، كما في المدن الأخرى. هم الذين بدؤوا مشوارهم المهني شبه عراة، فانتهوا ببطون منتفخة وحناجر سمينة، ومعاصم تتدلى منها ساعات ذهبية «تفضح» النعيم الذي أصبحوا يتقلبون فيه.
إنه الفضول الصحافي وليس شيئا آخر غيره هو ما يدفعنا إلى انتظار تصريح بعض كبار الأمنيين بممتلكاتهم، حتى نستطيع معرفة في اسم من سيسجل الكولونيل «برادي» الشقتين الفاخرتين اللتين يملكهما في شارع الزرقطوني، حيث المتر المربع الواحد يصل إلى 25 ألف درهم.
الفضول الصحافي يدفعنا أيضا إلى انتظار الاسم الذي سيسجل به مقهاه الفسيح بالقرب من ساحة «باستور» والذي يدر عليه الملايين كل شهر. ولأن الكولونيل «برادي» دارس جيد للقانون، فهو يعرف أنه لا قانون الوظيفة العمومية ولا القانون الجديد الذي ينظم وظيفة رجال الأمن، يسمحان له بالمزاوجة بين وظيفته في الأمن وبين مزاولة نشاط تجاري آخر. لذلك فكل «مشاريعه التجارية» مسجلة بأسماء أفراد من عائلته.
الفضول الصحافي دفعنا أيضا إلى الاقتراب أكثر من سعادة الكولونيل لفهم تصرفه الفاقد لحس المسؤولية، خصوصا وأنه في غمرة تهديداته أتى على ذكر علاقة عائلية، لا أحد يؤكدها غيره، مع وزير الداخلية.
فاكتشفنا أن الكولونيل، فعلا، لديه مقرب من عائلته يشغل منصبا مهما في أحد أجهزة الاستعلامات. لكن المفاجأة هي أن هذا المسؤول، الذي «يتعنى» به الكولونيل، مشهود له بالجدية والمهنية والصرامة، الشيء الذي جعل مرؤوسيه مرتاحين لأدائه وتفانيه المهني.
وربما لا يعلم هذا المسؤول المقرب من الكولونيل أن هذا الأخير يستعمل اسمه كفزاعة يخيف بها مرؤوسيه في الدار البيضاء والرباط في كل مرة يقترف فيها ما يستوجب التنبيه أو العقاب. ولعل هذا بالضبط ما جعل الكولونيل يتلقى أكثر من مرة تنبيهات بسبب أخطاء مهنية، لكنه يخرج منها في كل مرة مثل الشعرة من العجين، مما يترك انطباعا لدى زملائه ومرؤوسيه بأن الرجل «عندو ضلعة صحيحة فالرباط».
إن ممثلي الأمن والسلطة والقضاء يجب أن يكونوا أحرص الناس على تطبيق القانون وضمان الحقوق لخدم بيوتهم، لا أن ينتظروا ذهاب هؤلاء الخدم لوضع شكايات لدى الأمن ضدهم لكي يسارعوا إلى مطالبتهم بسحب شكاياتهم، وفوق هذا يهددون الصحف التي تنشر الخبر بالمتابعة القضائية والسجن في المقاهي أمام الملأ.
إن ما يشجع هؤلاء المسؤولين على تهديد الصحف التي تتناول أخبار الشكايات التي تسجل ضدهم من طرف مستخدميهم، هو أحكام البراءة التي يحصلون عليها من القضاء إذا ما وقفوا أمامه ذات يوم.
وما حدث مؤخرا في وجدة عندما حكم القضاة على زميلهم قاضي وجدة بالبراءة من كل التهم التي وجهتها إليه خادمته السابقة «زينب»، والتي لازالت آثار التعذيب بادية على جسدها، يصب في اتجاه تحصين القضاة وكبار المسؤولين الأمنيين من المتابعات القضائية التي يسجلها ضدهم خدمهم.
وبينما سيغادر قاضي وجدة المحكمة منتصرا، بعد أن برأته من المشاركة في تعذيب الخادمة رفقة زوجته التي تقبع في السجن، سيأخذ مدراء الجرائد الذين تابعوا جريمة الاعتداء على طفلة بريئة الطائرة لكي يحضروا جلسات المحاكمات بسبب القضايا التي يهدد القاضي برفعها ضدهم أمام محكمة زملائه بوجدة.
ولكم أن تتأملوا هذه المفارقات العجيبة، طالبنا بمحاسبة المسؤولين العموميين الذين اتهمهم تقرير المجلس الأعلى للحسابات بتبذير المال العام، وعوض أن يحاكم هؤلاء حاكمونا نحن.
نشرنا خبرا حول شكاية تقدمت بها خادمة كولونيل تتهم فيها زوجته بالاعتداء عليها لفظيا وجسديا، وعوض أن تفتح الإدارة العامة للأمن الوطني تحقيقا في الموضوع، سمعنا كيف تم تهديدنا على رؤوس الأشهاد بالمتابعة القضائية ومطالبتنا بتعويض عن الضرر.
كتبنا عن مأساة الطفلة الخادمة زينب، وطالبنا بتحميل القاضي نصيبه من المسؤولية في ما لحق الطفلة زينب من تعذيب وحشي بالقضبان والزيت المغلى، فبرأته المحكمة وجمعت ملفه في انتظار أن تعرض ملفنا أمام أنظارها استعدادا لإصدار أحكام تنصف القاضي المظلوم وترد إليه شرفه وكرامته التي مرغتها الصحافة في الوحل. أما كرامة وشرف الطفلة زينب فلا قيمة له، فهي مجرد طفلة في نهاية المطاف.
«هاذي هيا دير الخير يرجع ليك بومزوي».

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى