سعدات اللي عندو جداتو فالعرس


عندما كان عباس الفاسي محاميا متمرنا كان يتعلم دروسه الأولى في مكتب محاماة الأستاذ محمد بوستة، الأمين العام لحزب الاستقلال. فأغلب الأمناء العامين السياسيين للأحزاب المغربية خرجوا من مكاتب المحاماة، ومنهم من لم يعش قط من عائدات المحاماة بل من عائدات السياسة. فعبد الرحمان اليوسفي بدأ محاميا وعبد الرحيم بوعبيد بدأ محاميا، والدستوري المعطي بوعبيد بدأ محاميا، وعبد اللطيف السملالي الذي جاء بعده بدأ محاميا.
وأغلب هؤلاء كان لديهم مكتب للمحاماة يتولى الإشراف عليه محامون متدربون. وإلى جانب المحامي المتدرب عباس الفاسي، كان هناك محام آخر اسمه رشيد لحلو.
بعد إنهاء مدة التدريب، أصبح لعباس الفاسي مكتب محاماة خاص به. لكن بحكم أن عباس الفاسي «سرطته» السياسة وأصبح سفيرا للمغرب في باريس، فقد عهد بمكتب محاماته إلى زميله وصديقه رشيد لحلو لكي يدير له أشغاله.
في مدرسة ديكارت بالرباط، كان هناك تلميذ اسمه هشام لحلو يتباهى دائما بين زملائه بكون عباس الفاسي «حبيبو». إلى درجة أن التلاميذ كانوا مقتنعين بأن عباس الفاسي هو خال التلميذ.
وعندما سيصبح عباس الفاسي وزيرا أول، فأول شيء سيقوم به هو توظيف هشام لحلو، ابن صديقه والمشرف على مكتب محاماته رشيد لحلو، في ديوانه كمستشار براتب يصل إلى 20 ألف درهم في الشهر.
في فرنسا، هناك اليوم نقاش حاد حول رواتب بعض مستشاري الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، رغم أن هؤلاء المستشارين يشتغلون بدون توقف.
أما عندنا نحن، فيستطيع مستشار كالشاب هشام لحلو أن يتقاضى رواتب أربعة موظفين لوحده دون أن يكون مجبرا حتى على الحضور إلى ديوان الوزير الأول الذي وظفه إلى جانب ثلاثين مستشارا يتقاضى أقلهم أجرا قدره 12 ألف درهم في الشهر دون أن يعرف أحد ماذا يصنعون في ديوان الوزارة الأولى.
هذا دون أن نتحدث عن مستشاري الوزير الأول أصحاب الرواتب السمينة كمصطفى حنين، مدير ديوان الوزير الأول الذي يتقاضى 46 ألف درهم، أو الكراوي الذي يتقاضى 50 ألف درهم، أو خليل بوستة، ابن محمد بوستة والذي يجمع بين وظيفته كمهندس يشتغل في مكتب هندسته الخاص ووظيفة مستشار في ديوان الوزير الأول بأجرة تصل إلى 30 ألف درهم في الشهر، أو شيبة ماء العينين الذي يجمع بين وظيفته بالبرلمان ووظيفته كمستشار عند عباس بعشرة آلاف درهم في الشهر.
توظيف الأهل والأحباب والأصحاب هو السمة المميزة لتسيير العباسيين والفاسيين الفهريين للوزارات التي في قبضتهم.
وعندما كتبت قبل أيام أن الشاب إبراهيم الفاسي الفهري، صاحب معهد «أحباب الله» AMADEUS، الذي استفاد من دعم سفارة المغرب بفرنسا عندما نظم ندوة حول «الوضع المتقدم للمغرب مع الاتحاد الأوربي» بشراكة مع جامعة العلوم السياسية بباريس، نسيت أن أشير إلى أن السفير فتح الله السجلماسي، الذي لم يذخر جهدا لمد المعهد وصاحبه بكل ما يحتاجه، لم يكن في الحقيقة يساعد «البراني»، وإنما كان يساعد واحدا من أفراد العائلة، فزوجة السجلماسي ليست سوى عمة الطيب الفاسي الفهري، وبالتالي فالسجلماسي «واخذ عمة بّات براهيم الفاسي الفهري ولد وزير الخارجية».
وطبعا، فالعائلة العباسية متضامنة في ما بينها، و«خير» السجلماسي «فالولد» لم ينسه الطيب الفهري ولا عباس الفاسي، ولذلك فبعد انفجار فضيحة تسريب زوجة السفير السجلماسي لوثائق تخص السفارة وظهورها على موقع «بقشيش»، جاء قرار بإدخاله إلى الرباط.
لكن أمثال السجلماسي، الذين لديهم ليس فقط جداتهم في العرس، وإنما الجدات والعمات والخالات، لا يبقون في البطالة طويلا، فالشوماج لم يخلق لأمثالهم. ومنذ أن أوصى محمد بوستة مراد الشريف خيرا بالسجلماسي عندما كان هذا الأخير مجرد إطار بسيط في البنك المغربي للتجارة، وهو يتسلق المناصب، فقد انتقل من إطار إلى مدير السياسات التجارية الخارجية بالبنك المغربي للتجارة، وبعدها سيقتحم الخارجية بفضل هذه الالتفاتة المرادية الشريفة.
والسجلماسي، الذي بدأ خطواته الأولى في السفارة عندما كان أبو أيوب سفيرا في باريس، والذي يشهد كل من عرفه بتواضع مستواه، استطاع أن يترقى إلى منصب سفير وأخذ مكان أبو أيوب الذي لم يشفع له مستواه المهني وتجربته الدبلوماسية وحنكته ومستواه الثقافي المتميز في أن يكون أكثر من سفير متجول.
وبعد «فقدان» آل الفاسي الفهري لسفارة باريس كان ضروريا أن يتدبروا «للنسيب» وظيفة تليق بالمقام.
فاكتشفوا أن هناك مديرية في وزارة المالية اسمها مديرية المالية والاستثمارات الخارجية، تحولت إلى مديرية تابعة لوزارة التجارة والصناعة، تصلح لكي تكون وكالة مستقلة اسمها الوكالة الوطنية للاستثمار. وهكذا، تم اقتراح السجلماسي لكي يصبح مديرا عاما لهذه الوكالة المحدثة على المقاس. وكذلك كان.
ما يثير إعجابي، فعلا، في طريقة استحواذ هذه العائلة الأخطبوطية على المناصب هو أنها طريقة علمية ومنظمة ومدروسة بشكل دقيق لا أثر فيه للهواية.
أعطيكم مثالا بسيطا: قبل خمسة عشر يوما، صدر مقال في جريدة «ليكونوميست»، الموجهة إلى الباطرونا وصانعي القرار الاقتصادي والسياسي، أرسلته مراسلة الجريدة من لندن عنوانه هكذا «هؤلاء المغاربة الذين نجحوا في لندن». عندما تقرأ المقال تكتشف أنه لا يتحدث عن المغاربة بصيغة الجمع، وإنما يتحدث عن مغربية واحدة اسمها صافية الفاسي الفهري.
الذين لا يعرفون الاسم سيقرؤون المقال وسيقتنعون، فعلا، بأن مغربية اسمها صافية الفاسي الفهري استطاعت أن تنتزع مكانا تحت الشمس في مدينة الضباب، وأن تحصل على عمل كمحامية في واحدة من أهم البنوك العالمية، بنك الأعمال «كاليون»، في الوقت الذي «ينش» فيه محامون إنجليز «الدبان». ومن خلال الحوار الذي أنجزته الصحافية مع صافية الفاسي الفهري، نكتشف أن المحامية المغربية تحلم بالعودة إلى المغرب لتطوير مجال «محاماة الأعمال»، خصوصا بعد استقرار شركات أجنبية بالمغرب تحتاج إلى خبرة محامي الأعمال ونصائحهم.
«ملي جينا نشوفو آش لقينا»، وجدنا أن الآنسة صافية الفاسي الفهري ليست سوى ابنة وزيرة الصحة ياسمينة بادو وعلي الفاسي الفهري «مول الما والضو والكورة»، وأنها لا تشتغل مع بنك «كاليون» كمحامية رسمية وإنما كمتدربة، يعني «سطاجيير».
وليس في الأمر أدنى غرابة، فهذه طريقة الفهريين في «تطلاع الشان» لبعضهم البعض، وإعداد ذريتهم لمناصب المسؤولية. ومن يدري، فربما نسمع غدا أو بعد غد عن تعيين صافية الفاسي الفهري مستشارة في وزارة من وزارات حكومة عباس، أو مديرة في واحدة من المؤسسات العمومية،
تماما مثلما حصل قبل ثلاثة أشهر مع عمتها لينا الفاسي الفهري، أخت الطيب الفاسي الفهري وعلي الفاسي الفهري، التي جاءت مباشرة من فرنسا، حيث قضت 15 شهرا كمتدربة في أحد «الكابينيهات» بباريس، لكي تحط بالمظلة فوق وزارة الشبيبة والرياضة كمديرة للموارد البشرية براتب لا يقل عن 30 ألف درهم. «قرا نتا».
ولكي تعرفوا حجم استغلال العائلة الفاسية الفهرية لنفوذها، ما عليكم سوى أن تعودوا إلى التحقيق الذي بثته القناة الثانية قبل يومين ضمن تحقيقات برنامج «زاوية كبرى». فقد كرم البرنامج بشكل متأخر زوجة الطيب الفاسي الفهري، الرسامة (كون شفتو آش كاترسم) فتحية الطاهري التي شاركت في بينالي البندقية بإيطاليا، وهو المعرض الذي «خرج» لنبيل بن عبد الله «على بلاصتو» بسفارة المغرب بروما بسبب «التعراق» الذي وقع بين زوجة السفير كوثر وزوجة الوزير فتحية.
وهكذا وبعد مرور أشهر على هذه الحادثة غير الدبلوماسية، نكتشف أن سميرة سيطايل، المشرفة الحقيقية على برنامج «زاوية كبرى»، قد أرسلت، من أجل سواد عيون زوجة وزير الخارجية، فريقا صحافيا لتخليد مشاركة هذه الأخيرة في بينالي البندقية.
وطبعا، فسميرة تعرف من أين تؤكل الكتف، فهي «لم تتهلا» في فتحية لأنها تحب «خرمزاتها» التشكيلية، وإنما لأن زوجها، سمير، يشتغل تحت إمرة وزير الخارجية وزوج الفنانة كسفير ببروكسيل.
العشرات من الفنانين التشكيليين يعرضون في مختلف قاعات العرض في الزوايا الأربع للعالم، ومع ذلك لم تفكر القناة الثانية في تخصيص طاقم صحافي يرافقهم ويصور معارضهم.
السبب بسيط وواضح، هؤلاء ليس لديهم «جداتهم فالعرس».
المشكلة أن أصحاب هذا العرس لا يعرفون أنهم إذا استمروا في احتكار العشاء لوحدهم سينتهون ذات يوم بردم خيمة العرس فوق رؤوسهم.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى