ماطيشاتو


أعتقد جازما أن الشعب المغربي بأسره لم يفهم ما الذي وقع حتى تنتقل وكالة المغرب العربي للأنباء من الحديث عن «المدعوة أميناتو» إلى الحديث عن «السيدة أميناتو».
كثيرون لم يفهموا أيضا كيف يمكن لامرأة أن تضرب عن الطعام 32 يوما ولا تفقد من وزنها سوى ستة كيلوغرامات. وعندما تخرج من الغرفة التي كانت معتصمة فيها تجد الطاقة لكي تتحدث إلى الصحافيين قبل أن تركب سيارة الإسعاف نحو المطار. أنا شخصيا لم أفهم، لأنني عندما أصوم شهر رمضان أفقد ستة كيلوغرامات من وزني، مع أنني أتناول طعام الفطور والعشاء والسحور.
وزير الخارجية المغربي، الطيب الفاسي الفهري، قال لنا قبل شهر إن الجواز المغربي ليس «جفافا» لكي يسمح المغرب ببهدلته كما صنعت أميناتو في مطار العيون، ولذلك فإنهم لن يسمحوا لها بالعودة إلى المغرب إلا إذا اعتذرت واعترفت بمغربيتها، لنكتشف بعد 32 يوما صدور بلاغ مقتضب عن وزارة الخارجية يقول إن المغرب قرر السماح بعودة أميناتو إلى العيون لظروف إنسانية بعد قيامها بكافة الإجراءات الإدارية في الجمارك. ثم قرأنا في أماكن أخرى أن أميناتو لم تعبئ أي مطبوع ولم تعترف ببلد اسمه المغرب.
في الصحافة الرسمية، قرأنا أن أميناتو التزمت بشروط معينة مقابل العودة إلى المغرب. وفي القناة الثالثة الكطلانية، سمعتها تقول، قبل أن تستقل الطائرة نحو العيون، إنها عائدة من دون شروط، وإن عودتها انتصار لقضية «الشعب الصحراوي».
وبمجرد ما وصلت، أجرت معها قناة إسبانية حوارا بالهاتف قالت فيه إنها لن تطلب المسامحة من النظام المغربي، وإن النظام المغربي هو الذي يجب أن يطلب المسامحة منها ومن «الشعب الصحراوي».
الداخلية المغربية، من جهتها، لم تجد شيئا آخر ترد به سوى قولها إنها ستستمر في سياسة الحزم مع الانفصاليين إذا خرقوا القانون المغربي. ماذا يسمي السيد شكيب بنموسى، يا ترى، هذا الذي صرحت به أميناتو قبل وبعد وصولها إلى العيون. هل هو دعوة واضحة إلى الانفصال أم خيانة للوطن أم مجرد رأي سياسي يحترم؟
نطرح هذه الأسئلة لأننا حائرون. وقد انتظرنا أن يأتي وزير الداخلية أو وزير الخارجية أو الناطق الرسمي باسم الحكومة لكي يعقد ندوة صحافية ويشرح لنا ما الذي وقع بالضبط حتى تراجع المغرب عن موقفه ورضخ لمطلب أميناتو والآلة الجهنمية الجزائرية والإسبانية والأمريكية التي كانت وراءها، إلا أن أحدا من هؤلاء لم ير ضرورة للظهور أمام المغاربة من أجل إطلاعهم على مستجدات ملف يتعلق بقضيتهم المصيرية الأولى. عباس الفاسي غائب في قمة «كوبنهاغن» وشكيب بنموسى مشغول مع الأفارقة في مراكش. وبينما غابوا جميعهم، فقد كلفوا الصحافة الرسمية والإعلام العمومي بتكييف هذه الهزيمة الدبلوماسية إلى انتصار «إنساني» أظهره المغرب في هذه «العواشر» الميلادية.
لكن، هل كان أمام المغرب خيار آخر غير القبول بعودة أميناتو بدون شروط؟ لا أعتقد.
شخصيا، فهمت أن الخارجية المغربية انهزمت في هذه الجولة عندما رأيت «النمس ديال» وزير الخارجية الإسباني، أنخيل موراتينوس، يرفع إحدى جلسات لجنة برلمانية عندما تلقى ورقة صغيرة من أحد معاونيه تحمل إشارة عاجلة إلى أن البرلمان الأوربي على وشك التصويت على قرار ضد المغرب بضغط من البرلمانيين الأوربيين الإسبانيين المنتمين في أغلبهم إلى اليسار. هذا في الوقت الذي كانت فيه كل القنوات الفرنسية تتناقل ما عبرت عنه برلمانية أوربية فرنسية من أصل مغربي اسمها رشيدة داتي، عبر ميكروفونها الذي نسيته مفتوحا، من تذمر بسبب إجبارها على البقاء في «ستراسبورغ» لحضور جلسات البرلمان الأوربي المملة. «عولنا على رشيدة بكري توقف معانا»، هي التي عندما تأتي إلى المغرب يخصصون لها فيلا للسكن المجاني في عين الذياب. وحتى عندما نظم وزير الهجرة الفرنسي «إريك بيسون»، قبل يومين، مأدبة عشاء على شرف الأعضاء المقربين إلى الجالية المغربية في فرنسا، قررت رشيدة داتي أن تقاطع هذا العشاء، فهي تتجنب دائما أن يخلطها الفرنسيون بالمغرب والمغاربة.
في تلك اللحظات القليلة التي تلت رفع «موراتينوس» للجلسة في البرلمان الإسباني، سيحسم موضوع أميناتو وسيقبل المغرب بعودتها إلى العيون. ماذا كان سيفقد المغرب لو تشبث برفضه عودة الانفصالية إلى أراضيه؟
الجواب جسده الأمين العام للحزب الشعبي الإسباني، ماريانو راخوي، يوم أمس، أحسن تجسيد في أحد لقاءاته الحزبية. فقد اتهم حكومة ساباطيرو بإهداء المغرب امتيازات فلاحية على طبق من ذهب، وعلى حساب الفلاحين الإسبان مقابل حل قضية أميناتو. ولكي يشرح وجهة نظره جيدا أخرج غصنا من الطماطم الحمراء ولوح به بيده.
القضية، إذن، «ما فيهاش غير أميناتو، فيها حتى ماطيشاتو». وليست «مطيشة» وحدها وإنما لائحة طويلة من المنتجات الفلاحية التي كانت «غادي تخماج» في الموانئ والطرق السيارة الإسبانية لو أن المغرب استمر في التشبث بموقفه الرافض لعودة أميناتو.
واضح، إذن، أن المفاوضات بشأن حل هذا الملف لم تكن سياسية أو حقوقية فقط، وإنما اقتصادية بالأساس.
المغرب إذا كان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يتنازل ويعيد أميناتو، وإما أن يتمسك بموقفه الرافض ويفقد اتفاقية التبادل الفلاحي التي كانت في صالحه، ويسحب الاتحاد الأوربي، الذي ستتسلم إسبانيا بعد أسابيع رئاسته، وضع الشريك المتقدم من المغرب ويعود هذا الأخير بالتالي إلى وضعه السابق.
سيقول أحدكم «وملي المغرب ما قاد على زحام آش داه يمشط للقرع راسو». الجواب هو أن الهزيمة الدبلوماسية التي تعرض لها المغرب كانت ضرورية لكي يكتشف نقاط ضعفه، وهذه في نظري هي الجوانب الإيجابية لهذا الفشل، وكم هي كثيرة.
ولعل أحسن من وجد العبارات الملائمة لوصف طريقة تدبير المغرب الرسمي لملف الصحراء هو «جوليانو أندريوتي»، رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق والبرلماني الحالي، عندما زار العيون قبل ثماني سنوات واندهش بسبب الفرق الكبير بين الواقع على الأرض وبين ما يردده البوليساريو في روما، فقال لمضيفيه المغاربة: «عندكم قضية عادلة بمحام فاشل».
أول درس يجب استخلاصه من هذه الهزيمة هو القدرة الهائلة لوسائل الإعلام على حسم المعارك السياسية لمصلحة من يعرف استغلالها أحسن من الآخر. أميناتو لم تكن مضربة عن الطعام. هذا ليس سرا. وحتى الصحافيون الإسبان، الذين غطوا توقيفها المزعوم للإضراب وأخروجها من «البريتش» الذي منحه لها الإسبان في المطار وعي تغطي وجهها حتى لا تلتقط عدسات المصورين آثار النعمة البادية عليه، كانوا يدارون ابتسامة محرجة عندما كان يسألهم مقدمو نشرات الأخبار عن الحالة الصحية لأميناتو. إحداهن «خرجت لها نيشان» وقالت إن أميناتو بصحة جيدة للغاية ولا يبدو عليها أي أثر للعياء رغم الـ32 يوما من الإضراب عن الطعام.
هكذا، اكتشفنا أن هذه المسرحية تم الإعداد لها جيدا من طرف الجزائر وإسبانيا والبوليساريو، والمغرب طبعا لم يفهم أنه سقط في الفخ إلا عندما شارفت المسرحية على النهاية ووجد أنه شارك فيها رغما عنه.
على الأقل، خلال هذه المعركة الدبلوماسية اكتشفنا ضعف وكسل وغباء الإعلام العمومي بقنواته التلفزيونية والإذاعية ووكالة أنبائه. وفي عز المعركة، نزل «بوزردة»، مدير الوكالة، إلى قاعة التحرير وأسمع رؤساء التحرير «خل ودنيهم»، مما اضطر ثلاثة منهم إلى تقديم استقالاتهم.
وبينما كان الإعلام الإسباني يخصص برامج يومية لقضية أميناتو ويشن حربا لا هوادة فيها ضد المغرب، استمرت قنوات القطب العمومي «المتجمد» في عرض مسلسلاتها المكسيكية والتركية المدبلجة، وفي سهرات «شيخاتها» ونشرات أخبارها المملة التي يستميت ضيوفها في إقناعنا نحن «خوتهم المغاربة» بعدالة قضيتنا، «بحال إلى حنا هوما العدو».
وإذا كان لهذه الهزيمة الدبلوماسية من مكرمة فهي أنها كشفت لنا جميعا أن دبلوماسية الفاسي الفهري سائرة بالمغرب نحو الحائط مباشرة، فقد صدم المغاربة وهم يكتشفون أن الجميع وقف ضدهم في هذه المعركة. وحتى بعض الدول العربية كقطر ذهبت بعيدا عندما سمحت لموقع قناة «الجزيرة» بتسمية العيون بـ«عاصمة الصحراء الغربية» عندما نسبت إلى وزير الاتصال تصريحا ينفي فيه وجود «أية صفقة وراء عودة الناشطة الصحراوية أميناتو حيدر إلى العيون عاصمة الصحراء الغربية». «هادو راه غير خوتنا المسلمين وشوف آش دايرين فينا»، أما الدول التي كنا نعتبرها صديقة فقد تحركت برلماناتها للتصويت على قرارات تطالب المغرب بالرضوخ لمطالب الانفصاليين، كالبرتغال وإيطاليا وإسبانيا، بينما الخارجية المغربية بقيت «تالفة» لا تعرف «باش تبلات».
ولعل الدرس الذي يجب أن يستفيد منه البرلمانيون المغاربة بفضل ما حدث، هو أنهم يملكون في أيديهم سلطة حقيقية لا يعرفون كيفية استعمالها، فالبرلمان الإسباني والبرلمان الأوربي ومجلس الشيوخ الأمريكي هي الأماكن الحقيقية التي مورس فيها على المغرب الضغط الأكثر إيلاما لكي يتراجع ويقبل بعودة أميناتو. البرلمان هو القلب النابض للديمقراطية. وإذا كان الهامش الديمقراطي الذي يلعب فيه المغرب بدون روح، فلأن قلب هذه الديمقراطية كف عن النبض بسبب نفور نواب الأمة من حضور جلسات البرلمان. هل يوجد برلمان في العالم يحترم نفسه يصوت فيه ستة مستشارين على ميزانية للمالية. أشرفُ لبرلمان مثل هذا الذي عندنا أن يحل نفسه ويوفر مصاريفه على الدولة.
لذلك كله لا يكفي أن نقول إن قضيتنا عادلة وننصرف إلى النوم، بل يجب أن نكلف بالدفاع عنها محامين أذكياء متيقظين وطنيين صادقين ومناضلين، يعرفون متى يشدون الحبل ومتى «يرخفون».
هذه في نظري هي أسباب سماح المغرب بعودة أميناتو، وأسباب فشل المغرب في التمسك بموقفه، وربما هذه «أيضا بعض أسباب نجاحه في إنقاذ صادراته الفلاحية نحو أوربا والمحافظة على وضع الشريك المتقدم مع الاتحاد الأوربي. «والله أعلم عاود ثاني».

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى