الزنزال


أيقظني هاتف على الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل ليخبرني بأن زلزالا «زار» الدار البيضاء وأخرج كثيرا من سكانها إلى الشوارع. في الصباح، تلقيت مكالمات كثيرة من أصدقاء ومعارف في الرباط وتمارة الصخيرات يسألونني هل شعرت بالزلزال. أحدهم قال إنه «مشا وجا» فوق سريره، وآخر قال إنه سقط من فوق «السداري» من شدة الرجة.
في المدينة القديمة بالدار البيضاء غادر المئات، وربما الآلاف، بيوتهم وتجمعوا في ساحة مسجد الحسن الثاني حيث تقام صلاة التراويح خلال رمضان، وشرعوا في ترديد اللطيف.
وعندما سألني أحدهم هل شعرت بالزلزال قلت له إنني أعود إلى البيت منهكا مهدود القوى بحيث لو هوت العمارة التي أسكن فيها فإن ذلك لن ينجح في إيقاظي، فبالأحرى أن توقظني خمسة فاصلة خمسة على سلم «ريشتر».
في الدار البيضاء، يتحدثون عن هروب الناس إلى الشوارع بلباس النوم. وقد تساوى في ذلك مواطنو الطبقتين الفقيرة والمتوسطة ومواطنو الطبقة «المرفحة». هؤلاء خرجوا أمام عمارات السكن الاقتصادي، والآخرون خرجوا أمام بيوتهم العشوائية، بينما الأثرياء خرجوا أمام فيلاتهم. وهناك من جمع أطفاله في السيارة ووقف ينتظر ويفكر «فين غادي يعطيها». بينما الجميع «يقفقف» من الخوف. فأمام الموت يستوي الفقراء والأغنياء. والحمد لله أن «الكفن ما فيه جياب».
في مثل هذه المواقف واللحظات العصيبة التي يقف فيها الإنسان عاجزا أمام كارثة طبيعية مثل «الزنزال»، يسترجع الواحد منا بسرعة قياسية شريط حياته، وينسى كل شيء ولا يعود تفكيره مركزا سوى على خلاصه. الخوف من الموت والهروب من النهاية الطبيعية للكائن، هذا هو مرض العصر.
عندما قرأت على الصفحة الأولى من موقع وكالة المغرب العربي للأنباء قصاصة تكذب إشاعة دخول الملياردير والوزير الأول الأسبق كريم العمراني المستشفى، ظلت في الموقع لأربعة أيام متتالية، حيث يؤكد للرأي العام أنه يتمتع بصحة جيدة ويدير أشغاله بنفسه، قلت مع نفسي إن هذا الرجل الذي تجاوز الثمانين من عمره لم يكن بحاجة إلى استغلال وكالة أخبار رسمية يمولها المغاربة من ضرائبهم لكي يكذب خبرا، كان يكفي أن يرسل تكذيبه إلى المجلة التي نشرته. عادل إمام الذي يتقدم به العمر يوما بعد يوم ويعاني من أمراض مزمنة في القلب، اختار أن يلجأ إلى رفع دعوى قضائية ضد جريدة مصرية نشرت خبر موته. وقبله، لجأ الرئيس المصري حسني مبارك، الذي تخطى الثمانين من عمره، إلى إيداع صحافي السجن لأنه تجرأ ونشر خبرا عن معاناة الرئيس من مرض اضطره إلى السفر إلى ألمانيا طلبا للعلاج.
إلا أنني عدت وتساءلت عن السبب الحقيقي الذي يجعل الناس، حتى وهم في أقصى لحظات ضعفهم الإنساني، مشغولين بإعطاء صورة «سوبرمان»، أو الرجل العنكبوت «سبايدرمان» في حالة بعضهم الآخر، خصوصا عندما يصلون إلى مرحلة متقدمة من العمر يكونون خلالها قد وضعوا رجلا في الدنيا ورجلا في الآخرة. ببساطة، إنها الرغبة المستحيلة والكاذبة في الخلود. تلك الرغبة التي تراود بعض الذين يستطيعون خلال حياتهم الطويلة العريضة تحقيق كل طموحاتهم وشراء كل ما يرغبون فيه بأموالهم. فيذهب اعتقادهم إلى أنهم قادرون على اقتناء كل شيء بما في ذلك خلودهم، إلى أن يكتشفوا ذات يوم أنهم مدعوون إلى مغادرة هذه الحياة ملفوفين في مترين من الثوب لا غير.
وهكذا، عوض أن يشكر كل هؤلاء الناس الذين شارفوا على الثمانين كل من يذكرهم بالمرض والموت، يختارون بدل ذلك اللجوء إلى مقاضاتهم وتكذيب أخبارهم وإشاعاتهم في وسائل الإعلام العمومية، ولو أن بعضهم ككريم العمراني لم يعد شخصية عمومية منذ مغادرته الحكومة.
لذلك، أعتقد أن الزلزال الذي ضرب المغرب ليلة أمس مناسبة لكي نتذكر جميعا أننا مجرد كائنات ضعيفة لا حول لها ولا قوة. وشخصيا، أدمن هذه الأيام على التفرج على سلسلة من الأفلام الأمريكية التي اختار لها مخرجوها، في الآونة الأخيرة، موضوع «القيامة» ونهاية العالم. وقد شاهدت مؤخرا فيلم «2012» لمخرجه «رولان إمريش»، والذي يحكي عن نهاية العالم بطريقة مرعبة عندما ستغمر مياه المحيطات أجزاء كاملة من الكرة الأرضية مغرقة إياها بسكانها وناطحات سحابها وبيتها الأبيض وكنيسة «سان بيير» وحجاجها. ولحسن الحظ أن المخرج انتبه إلى الضجة التي كان سيحدثها تركه لقطة في فيلمه تظهر فيها الكعبة المشرفة وحجاجها مجروفين بموجة عملاقة. وعندما سألت جريدة «لوجورنال دي ديمانش» المخرج عن سبب حذفه لهذه اللقطة في آخر لحظة، قال إنه فعل ذلك لأنه لا يريد أن يعيش بقية حياته محاطا بحراس شخصيين بسبب فتوى تهدر دمه يصدرها أحد الشيوخ.
الحسنة الوحيدة لمثل هذه الأفلام، أنها تذكر مشاهديها بحتميةٍ اسمُها النهاية. فمن كثرة ما انغمس الإنسان المعاصر في مباهج الحياة وملذاتها، نسي أن العالم سائر نحو نهايته بسبب هذا الإنسان نفسه. وقمة «كوبنهاغن» حول التحولات المناخية التي يعرفها العالم ليست سوى جرس إنذار تقرعه حكومات الدول الأكثر تلويثا للكرة الأرضية لإعلان دخول الحياة على الأرض، في السنوات القليلة المقبلة، تحولا حاسما ومصيريا.
نحن في المغرب لازلنا نعتبر أنفسنا بعيدين عن هذا النقاش البيئي بحكم انشغالنا بأمور أخرى نراها أهم. وهكذا، ننسى أن الأهم بالنسبة إلى المغرب هو مدى استعداده لسنة 2020.
والذين سيطيل الله لهم في العمر إلى أن يشهدوا هذه السنة سيرون كيف ستتحول الرباط والقنيطرة وسلا وكل هضبة بورقراق إلى كتبان رملية. فبسبب تدهور حالة غابة المعمورة، التي تحولت، من منطقة «بلاد الدندون» إلى مشارف الرباط، إلى زبالة محاطة بالأشجار، ستزحف الرمال من الشاطئ نحو المدن.
وفي نظري الشخصي، إذا كانت ستكون هناك من حسنة لهذا الزحف الرملي فهي أنه لأول مرة سيغلق باب البرلمان.
سيعرف المغرب بعد أقل من عشر سنوات، «وما بعيدا غي تادلة»، ارتفاع درجة الحرارة بدرجة واحد مائوية، وستتراجع التساقطات المطرية بأربعة في المائة، وسيرتفع معدل التصحر في الجنوب والجنوب الشرقي، كما ستعرف التساقطات الفصلية خللا كبيرا.
الماء بدوره سيقل بنسبة 15 في المائة عما هو عليه اليوم، أما الحبوب فستعرف نقصا في الإنتاج يصل إلى خمسين في المائة. وفي هذه الحالة، لا خوف علينا من الجوع، لأن الشعب الذي عرف المجاعة وعاش على جذور «إرني» يستطيع أن يتحمل غياب الخبز من مطبخه. «الكية كية اللي موالفين بالبارزيان المستورد ديال «شي بول» والفوري ديال «لابريوش دوري»!
في سنة 2020، سيكون لدينا سبعون في المائة من «المزاليط» يعيشون في العالم القروي، وسيكون لدينا ما لا يقل عن 400 منطقة مهددة بالفيضانات ولا قدرة لها على مجابهتها. «وراكم شفتو العام الفايت آش وقع فمنطقة الغرب» عندما لم تجد الحكومة من حل لإنقاذ منكوبي الفيضانات سوى ترحيلهم إلى غابة المعمورة جنب «الحلوف».
لدينا في المغرب، كما تعلمنا جميعا من خلال درس السدود والأنهار في أقسام الابتدائي، ثمانون سدا، أكبرها على الإطلاق سد «سد فمك» كما يعرف الجميع، تخزن ما يقرب من عشرة مليارات من الأمتار المكعبة من المياه، تضيع منها سنويا لسوء الحظ خمسون مليون متر مكعب هباء منثورا بسبب تآكل أرضيات الصهاريج التي تتجمع بها هذه المياه، ربما بسبب بنائها بـ«المسوس» أو بسبب تحميلها أكثر من طاقتها الاستيعابية. أما بالنسبة إلى الغطاء النباتي، فإنه يتراجع بنسبة ثلاثين ألف هكتار سنويا.
«آش ظهر ليكم ندوزو للزنزال».
رصدت الشبكة الوطنية لمراقبة الزلازل ما لا يقل عن 20.589 زلزالا ما بين 1993 و2003. تتراوح ما بين ثلاث وخمس درجات على سلم «ريشتر». هذا طبعا دون احتساب الزلازل الارتدادية التي تحدث في رواتب الموظفين كل شهر بسبب الزيادات والاقتطاعات المتتالية في كل شيء، فمثل هذه الزلازل لا تسجل على سلم «ريشتر» وإنما فقط على السلم الإداري!
المغرب إذن، كما هو الحال بالنسبة إلى دول أخرى، يوجد في منطقة معرضة للكوارث الطبيعية نتيجة للتغيرات المناخية التي يعرفها العالم بشكل متسارع. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما الذي أعده المغرب للتصدي لتداعيات هذه الكوارث؟
الناس في الدار البيضاء لم يملكوا من شيء يواجهون به خوفهم ونقص معلوماتهم حول ما يجب القيام به في حالة التعرض للزلزال سوى اللجوء إلى ساحة مسجد الحسن الثاني وترديد اللطيف.
وبسبب جهل أغلب المغاربة باحتياطات السلامة كلما تحركت بهم الأرض، فإنهم لا يعرفون من حل لتجنب الخطر سوى الخروج من عماراتهم والوقوف تحتها. دون أن يدور بخلدهم أن أول ما «سيتفرشخ» في حالة سقوط العمارة هو رؤوسهم.
والناس معذورون، فلا أحد في وسائل الإعلام العمومية يخصص برنامجا لتوعيتهم حول الكوارث الطبيعية المرتبطة بالتغيرات المناخية التي تنتظرهم، وكيفية التصرف في حالة وقوعها.
سيقول قائل متسائلا: «كيف تريد من حكومة وزير أول، هو في حد ذاته كارثة، أن تتوفر على برنامج واضح لمكافحة الكوارث؟».
صحيح، «اللي عندو عباس الفاسي وزيرا أول يحمد الله اللي باقية البلاد واقفة على رجليها».

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى