واش معانا ولا مع الخرين؟

حادثتا وفاة وقعتا الأسبوع الماضي أخرجتا ملفين كبيرين إلى الضوء. الأولى لها علاقة بملف سوق الجملة بالدار البيضاء، الذي توفي الشاهد الرئيسي فيه في ظروف ملتبسة، وقال تقرير الشرطة إن الحادث ناتج عن اختناق الضحية بغاز «الريشو» عندما كان في إحدى الشقق مع خليلته التي توفيت معه.
وبمجرد ما دفن الشاهد الرئيسي في القضية، «بعث» قاضي التحقيق الملف من الأدراج وعين له جلسته المقبلة، وتم تسريب أسماء المتابعين إلى إحدى الجرائد التي تعود بعض القضاة استعمالها عند الحاجة، في الوقت الذي ارتفعت فيه أصوات تطالب بفتح تحقيق مضاد حول وفاة الشاهد الرئيسي في الملف في هذا الوقت بالذات الذي يشهد فيه ملف سوق الجملة توترا كبيرا، وليس في وقت آخر.
الوفاة الثانية التي أخرجت ملفا كبيرا إلى الواجهة هي الوفاة المفاجئة للسمار، سفير المغرب في السعودية، بجلطة قلبية في إحدى مصحات الرياض، ساعات قليلة بعد توصله بمكالمة من الخارجية تطلب منه الدخول إلى المغرب فورا. وقد سلطت هذه الوفاة الضوء على زاوية معتمة من زوايا الخارجية والدبلوماسية المغربية في بعض الدول العربية والغربية.
ولعل العارفين بما يجري ويدور في سفارة المغرب في الرياض قد فهموا سبب إصابة السفير بالتوتر والقلق الشديدين بعد نشر أخبار تتحدث عن تحكم «الهانم» المصرية في دواليب السفارة المغربية بالرياض، إلى الحد الذي جعلها تتدخل من أجل إيقاف صرف مرتب أحد قناصلة المغرب لثلاثة أشهر لأن هذا الأخير رفض التدخل لدى السلطات السعودية من أجل الإفراج عن شابة مغربية كانت رهن الاعتقال. والجميع يعرف الأسباب التي تنتهي بالشابات المغربيات إلى الاعتقال في السعودية ودبي والإمارات العربية والبحرين وسائر إمارات الخليج العربي. فهؤلاء الشابات يذهب معظمهن للعمل كفنانات بوساطة من «حاجة» رباطية مشهورة تأتي بهن من سلا ومكناس والدار البيضاء، وتحصل لهن على تأشيرات عمل من السفارة السعودية كمصففات شعر وطباخات ووصيفات، فينتهي الفن بأغلبهن في العفن ثم في السجن بتهمة الإخلال بالآداب العامة والفساد والإقامة غير الشرعية.
لكن سر اعتقال الشابة المكناسية، التي طلبت زوجة السفير من القنصل المغربي التدخل للإفراج عنها، لم تكن معتقلة بسبب الفساد أو الإقامة غير الشرعية وإنما هي من لجأت إلى مقر الأمن برجليها بعدما هربت من قبضة مشغلها السعودي الذي حاول اغتصابها.
وبمجرد أن علم السفير المريض، الذي كان يخضع لمراقبة طبية يومية بالمستشفى التخصصي بالرياض، برفض القنصل الانصياع لأوامر زوجته المصرية حجز له على حسابه ووقع على قرار يقضي بالتحاق القنصل بالإدارة المركزية بالرباط، دونما تفكير في مصير أبنائه الأربعة الذين يدرسون بالسعودية. فقضى ربك أن يلتحق السفير بدار الحق ويبقى القنصل في الرياض إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وقد اندهشت عندما رأيت كيف أن وزارة الخارجية المغربية، التي ظل يشتغل معها السمار منذ 34 عاما، لم تنشر تعزية في الصحف إكراما لروح سفيرها، فيما تكفلت بهذه المهمة سفارة السعودية بالرباط وحجزت، لتعزية الفقيد، صفحة كاملة في إحدى اليوميات المغربية.
قليلون هم الذين يعرفون أن سفير المغرب بالسعودية لم تكن تسمح له ظروفه الصحية بالقيام بواجباته الدبلوماسية كما ينبغي. فالفقيد أجرى عمليتين معقدتين على القلب، وكان من المنتظر أن يدخل إلى المغرب قبل سنتين، فقد وصل سن التقاعد منذ سنوات. ورغم سنواته الخمس والسبعين، فقد ظل منسيا في سفارة الرياض بفضل ضغوط دبلوماسية سعودية «حبية» نجحت في الإبقاء عليه هناك. وقد لعبت «الست» المصرية دورا كبيرا في تليين مواقف وزارة الخارجية وإعطاء زوجها «شبر التيساع» والاحتفاظ به في سفارة المغرب بالرياض. تلك السفارة التي تديرها «الهانم» مثل خاتم في أصبعها الصغير، إلى درجة أن بعض المهاجرين المصريين أصبحوا يسخرون من المهاجرين المغاربة ويقولون لهم إنهم بفضل «حرم» السفير المغربي أصبحوا يتوفرون في الرياض على سفارتين، واحدة تابعة للجمهورية المصرية والثانية تابعة للمملكة المغربية تسيرها «مدام فايزة».
واضح، إذن، أن العلاقة بين الدبلوماسية وزوجات بعض السفراء المغاربة ليست جديدة، بل ربما كانت هي السبب في تردي أوضاع بعض السفارات المهمة بالنسبة إلى الدبلوماسية المغربية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بسفارات في بلدان تعتبر القلعة الحصينة لجبهة البوليساريو، كما هو الشأن بالنسبة إلى سفارة روما التي تركها المغرب بدون سفير بعد اندلاع فضيحة التلاسن السليط بين زوجة وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري وزوجة السفير نبيل بنعبد الله على أحد الكراسي الأمامية في سهرة فنية، والتي انتهت بإدخاله إلى الرباط، وانتهت بعودة زوجته إلى إحدى مقاطعات كندا الباردة.
لهذا كله، أظن أنه لم يكن اعتباطيا ذلك الهجوم الذي شنه رئيس الفريق البرلماني للأصالة والمعاصرة بالغرفة الثانية حكيم بنشماش ضد الطيب الفاسي الفهري وطريقة تدبيره لوزارة الخارجية. والأعطاب الكثيرة التي تسم عمل الخارجية المغربية والتي تحدث عنها بنشماش كنا قد عددناها وتحدثنا عنها مليا في هذا الركن. وبسببها فقد ترك المغرب المقعد لخصوم وحدته الترابية بعد أن تفرغ بعض السفراء لجولات «الشوبينغ» في العواصم العالمية. ومنهم من تفرغ لفض نزاعات زوجته مع الضيوف، ومنهم من تفرغ لإعداد قوائم بأسماء أصدقائه القدامى من كتاب وصحافيين يدعوهم إلى أمريكا اللاتينية، ومنهم من يقترح اصطحاب صديقته معه في الرحلة، فيوافق له سعادة السفير على الرحب والسعة.
مثل هذه «الهرفة» التي تنتاب محدثي العهد بنعم وزارة الخارجية يمكن أن تكون مفهومة، إذ لا تتعدى هذه «الهرفة» شهوتي البطن وما تحته على حواف مسابح الفنادق الفخمة. أما الخطير في الأمر فهو الإبقاء على حالة الفراغ في سفارات مهمة بالنسبة إلى القضية المصيرية للمغاربة. فهل يعقل أن تبقى روما بدون سفير، وهي معقل الانفصاليين والعاصمة التي يتواجد بها أكبر عدد من عناصر المخابرات الأمريكية المنتشرين خارج التراب الأمريكي.
لقد ضخ وزير الخارجية زيادة قدرها 10.000 درهم في رواتب السفراء، وقد توصلوا جميعهم بـ«الرابيل» المجزي مؤخرا، دون أن نلاحظ أي تغيير في طريقة عملهم الدبلوماسي. فكل ما نلاحظه هو تفجر فضيحة جديدة في سفارة من سفارات المغرب في العالم. وآخرها فضيحة تسيير «مدام فايزة» لسفارة المغرب في الرياض واكتشاف الرأي العام لسن السفير الذي تجاوز عند وفاته الخامسة والسبعين من العمر. أهذا هو التشبيب وضخ الدماء الجديدة الذي يتحدث عنه الفاسي الفهري في خطبه الرنانة؟
يبدو أن التشبيب الوحيد الذي يؤمن به الفهري هو وضعه لابنه الذي لم يتعد الخامسة والعشرين على رأس معهد «أماديوس» واستعمال سفارات المغرب في العالم للاتصال بالشخصيات المرموقة من أجل دعوتها إلى حضور أنشطة معهد الولد المحظوظ.
هذا العبث يجب أن ينتهي. فالخطاب الملكي الأخير وضع النقاط على الحروف. الوحدة الترابية هي القضية الأولى للمغاربة، ويجب على الجميع الانخراط في الدفاع عنها، وعلى رأس هذا الجميع وزارة الخارجية وسفراؤها الذين يكلفون جيوب المغاربة أكبر قدر من المصاريف.
ومثلما يجب أن ينتهي هذا العبث بالمصالح العليا للوطن من طرف الخارجية، فإنه يجب على بعض الذين تورطوا سابقا في دعوة أو تمويل مشاريع فنية يعادي أصحابها وحدة المغرب، أن يراجعوا أوراقهم ويعدلوا عن المضي في غيهم.
أما آخر هؤلاء الذين يجب عليهم أن يقدموا استقالاتهم بسبب اعترافهم بالاحتلال الإسباني لسبتة المحتلة، فهو النائب الثالث لبلدية المضيق الذي استقبل، بشكل رسمي، في الذكرى الثالثة لزيارة الملك خوان كارلوس لسبتة المحتلة، رئيسَ غرفة التجارة والصناعة لسبتة وأشاد بالعلاقات «المتينة التي تربط المغرب بسبتة»، رغم أن حزب الاستقلال الذي ينتمي إليه سعادة النائب لا يعترف بسيادة إسبانيا على سبتة ومليلية ويعتبرهما مدينتين سليبتين ويطالب باسترجاعهما.
يبدو أن الوقت حان لتوحيد المصطلحات، فإما أن نتفق حول تسمية سبتة ومليلية مدينتين محتلتين، أو أن نسميهما مدينتين مستقلتين كما تكتب «تيل كيل». وإما أن نسمي التامك وأمثاله انفصاليين وخونة أو نسميهم «ناشطين صحراويين» كما تكتب «لوجورنال». وإما أن نقول «مرتزقة البوليساريو» أو نقول «مقاتلي البوليساريو». وإما أن نقول الصحراء المغربية أو «الصحراء الغربية» كما يكتب أحد الزملاء.
علينا أن نعرف أن استعمال كل مصطلح من هذه المصطلحات يحمل دلالة سياسية عميقة ويحمل موقفا سياسيا محددا. ليس هناك أي مجال للاستعارة، فالمصطلحات هنا تعني الموقف.
منطقيا، يمكن لأي كان أن يتخذ الموقف الذي يناسبه، فقط يجب عليه أن يملك الجرأة لكي يعلن عنه ويتوقف عن اللعب على المصطلحات.
«واش معانا ولا مع الخرين». هذا هو السؤال.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى