أن نكون مغاربة أو لا نكون


لا يحتاج الخطاب الملكي الأخير إلى محللين لكي يشرحوا مضامينه للشعب المغربي. فالملك كان واضحا أكثر ما يكون الوضوح. يعني بالعربية تاعرابت «شرح ملح ما يخناز».
وبغض النظر عن الأهمية القصوى لكل محاوره، سواء تلك المتعلقة بإعادة النظر في تركيبة المجلس الاستشاري لشؤون الصحراء، والذي «تعطل» خمسة عشر يوما قبل أن يدين سفر الانفصاليين التسعة إلى تندوف لملاقاة العدو، أو ما يخص مراجعة عمل «وكالة تنمية الجنوب» التي تشتغل مثلها مثل «وكالة تنمية الشرق» بالماكيط والصفحات والإعلانات في الجرائد والمجلات الصديقة والشقيقة أكثر مما تشتغل على الأرض، فإن ما أريد الحديث بشأنه اليوم هو المحور الخامس من محاور الخطاب، أي تلك النقطة التي يطالب فيها الملك «الهيئات السياسية والنقابية والجمعوية والإعلامية والقوى المنتجة والمبدعة، بواجبها في تأطير المواطنين وترسيخ قيم الغيرة الوطنية والمواطنة الحقة».
من هم المعنيون بهذه الرسالة. ببساطة، كل الذين يتحملون مسؤولية سياسية ونقابية وإعلامية، أو مسؤولية على رأس إحدى المؤسسات التي ترعى الإنتاج الإبداعي.
ليلة الجمعة الماضية، لم تستطع الممثلة وعضو الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، نعيمة المشرقي، أن تكتم غيظها مع نهاية عرض الشريط السينمائي المؤثر «مكلومو تندوف» لمخرجه الشاب ربيع الجواهري، في مقر «حركة لكل الديمقراطيين». وحملت بشدة على مدير المركز السينمائي المغربي الذي لا يخصص جزءا من أموال الدعم لتمويل أفلام ذات بعد وطني حول الأحداث التاريخية الكبرى التي ميزت تاريخ المغرب.
فالمتأمل في مواضيع الأفلام، التي يمولها مدير المركز السينمائي المغربي بأموال دافعي الضرائب المغاربة، يجدها لا تخرج عن مواضيع الجنس والسخرية من الرموز الدينية والكلام الساقط الذي يستحيل أن يسمعه أو يشاهده الأبناء مع آبائهم. أما السيناريوهات التي من الممكن أن ترسخ قيم الغيرة الوطنية، كالمسيرة الخضراء ومعركة أنوال وشخصية عبد الكريم الخطابي أو شيخ الإسلام مولاي بلعربي العلوي أو علال الفاسي أو عبد الله كنون أو الرايس بلعيد أو غيرهم من النماذج المشرقة في تاريخ المغرب المعاصر، فلا يلتفت إليها أحد في المركز السينمائي المغربي.
ولا يكتفي المركز السينمائي المغربي بالتزام الصمت حيال هذه المواضيع الوطنية، بل يذهب إلى حد تمويل أفلام تظهر فيها خريطة المغرب بدون صحرائه، كما وقع مع فيلم «فرنسية» لسعاد البوحاطي الذي عرض في طنجة «بلا حشمة بلا حيا». كما أنه يستدعي مخرجين إسبانا لا يتورعون عن الصعود إلى المنصة وإشهار علم البوليساريو كما صنع أخ الممثل العالمي «خابيير بارديم» في سينما كوليزي بطنجة السنة الماضية.
وعوض أن يدعم المركز السينمائي المغربي هؤلاء المخرجين الشباب الذين يصنعون أفلاما، مثل فيلم «مكلومو تندوف»، تدافع عن القضية الأولى للمغاربة وتفضح أكاذيب الانفصاليين، يفضل دعم مخرجين فاشلين «يكلخون» الجمهور بأفلام تخفي سخافتها وراء قناع الواقعية السينمائية التي تنقل أجواء وحوارات الشوارع إلى الشاشة الكبرى، وكأن السينما تحولت عندهم إلى غرفة تسجيل وعرض ما يتم تداوله في الشوارع والحانات من سخافات على الجمهور الواسع.
وعوض أن يشكر المركز السينمائي المغربي المدرسة السينمائية التي أسسها المخرج محمد العسلي بوارزازات وتخرج منها «ربيع الجواهري»، صاحب الشريط، والمخرجة جهان البحار التي أحرز فيلمها «الفصل الأخير» على جوائز في لبنان ونابولي وطنجة، ومهندسو صوت وصورة نالوا جوائز في أكثر من دولة أوربية، أرسل رسالة إلى وزارة التكوين المهني يطلب فيها وقف التعامل مع المعهد لأنه يدرس بالإيطالية وليس باللغة الفرنسية، اللغة الرسمية للمركز السينمائي المغربي.
فكان جزاء المخرج محمد العسلي هو الحجز على معدات تصويره واضطراره إلى إقفال المدرسة السينمائية الوحيدة في المغرب التي كانت تتحمل مصاريف إقامة الطلبة وتدفع لهم منحة شهرية من أجل أن يدرسوا فنون السينما.
اليوم في فرنسا، هناك نقاش واسع حول «الهوية الوطنية» طرحته الحكومة الفرنسية، أي ما معنى أن تكون فرنسيا اليوم. فعندما تختلط الدماء والأفكار والقيم والتقاليد والمعتقدات يصبح ضروريا أن يتساءل المرء عن هويته الحقيقية.
ونحن في المغرب بدورنا ملزمون بطرح هذا السؤال الحارق: ما هي الهوية المغربية وكيف السبيل إلى تقويتها وحمايتها من الاختراقات التي تتعرض لها يوميا عبر «وسطاء» و«لقطاء» تم تخصيب بعضهم في مختبرات أجنبية وتعديلهم جينيا لكي يندسوا بيننا وينفثوا سمومهم وسط العائلات المغربية ببطء قاتل.
إن الأساس الصلب الذي تقوم عليه الهوية هو اللغة. واللغة الرسمية للمغرب هي العربية. وهذا لا ينفي أن المغاربة يتحدثون ألسنا أمازيغية مختلفة، وهذا أمر يجب التعامل معه كثراء ثقافي للمغرب وليس كإشكال ثقافي.
ولعل أول من يجب عليهم احترام استعمال اللغة العربية أثناء أدائهم لمهامهم هم الوزراء المغاربة. وقد وجد الجميع في المجهود الجبار الذي بذلته بنخضرا، وزيرة الطاقة، وهي تتهجى مداخلتها أمام ضيفة الملك هيلاري كلينتون، مجهودا محمودا. «اللهم العمش ولا العمى». على عكس زميلها وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري الذي خطب باللغة الفرنسية دون أن يرف له جفن. ولماذا سيرف له جفن وقد سبقه إلى ذلك وزير التربية والتعليم عندما قدم مداخلته في أكادير أمام الملك بالفرنسية.
على هؤلاء الوزراء أن يفهموا أن الغيرة الوطنية تبدأ، أولا، بالغيرة على اللغة الوطنية. وإذا كان بعض وزرائنا محتاجين إلى دروس ليلية لتقوية لغتهم العربية، فلا حرج في أن يأخذوا هذه الدروس. فلعل وزير الخارجية يستفيد من هذه الحصص وينصح ابنه رئيس مؤسسة «أماديوس» بإضافة اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية التي يكتب بها مواضيع مؤتمراته فوق اللافتات والدعوات، فهو في آخر المطاف ينظم «نشاطه» في طنجة المغربية وليس في باريس الفرنسية.
ولعل الأغلبية الساحقة من ضيوف الملياردير عثمان بنجلون، الذين حضروا الحفل الخرافي الذي نظمه في الصخيرات قبل أيام بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس بنكه بأكثر من خمسة ملايير سنتيم، استغربوا كيف أن بنجلون، الذي ينحدر من مدينة عريقة كفاس، لم يضمن حفله ولو فقرة فنية مغربية أو عربية أو أمازيغية واحدة. ومقابل ذلك، كان الحفل من بدايته إلى نهايته باللغة الفرنسية وبمنشطين فرنسيين وبأكل معد في فرنسا، وحدهم «السربايا» كانوا مغاربة. ولعل ما حز في قلوب الكثيرين هو تجاهل بنجلون للمدراء السابقين الذين قادوا البنك المغربي للتجارة الخارجية، ونسيان مؤسسه الحقيقي عبد الرحيم بوعبيد الذي أراد له أن يكون، إلى جانب صندوق الإيداع والتدبير وبنك المغرب، دعامة من دعامات المغرب المستقل مع حكومة الراحل عبد الله إبراهيم. فكان جزاء هؤلاء المغاربة المقاومين الأحرار هو النسيان مقابل الاحتفال بالمستعمر السابق وثقافته وفنه وأكله.
الهوية الوطنية تتغذى بمجموعة من الأشياء، منها الافتخار باللغة الوطنية واللغات الأخرى التي تتواصل بها شرائح واسعة من الشعب، ثم الافتخار بالانتصارات التاريخية التي يلوذ بها الشعب ساعة الشدة للنهل منها من أجل مواجهة الانهزامية واحتقار الذات واستصغار النفس.
ولعل واحدا من أكبر مصادر الانهزامية التي يجب الحسم فيها اليوم في المغرب هو المنتخب الوطني لكرة القدم. فالكرة ليست مجرد رياضة، بل هي أيضا قميص وراية ونشيد وطني، يعني أن الوطن يتم اختزاله في هذه اللعبة الشعبية التي تشد إليها أنظار وقلوب الملايين من المشاهدين. وعندما يحترف المنتخب الوطني جمع الهزائم أمام الخصوم ويفشل في رفع العلم المغربي عاليا، فإنه ينقل إلى المواطنين إحساسا مرا بالهزيمة والخذلان ويؤثر على معنوياتهم وثقتهم في مؤهلاتهم وقدرتهم على التنافس وتحدي الخصوم. يجب أن نستحضر، بهذا الخصوص، الفرح العارم الذي اجتاح مواطني الهندوراس عقب تعادلهم في المباراة التي جمعت فريقهم الوطني بنظيره السلفادوري، فقد نسي الشعب أنه بدون حكومة، وأن الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة لم تمر عليه سوى أيام قليلة. وهنا مثال حي على تفضيل شعب بكامله التأهل للمونديال على تنصيب حكومة.
الكرة، إذن، في ملعب الهيئات السياسية التي انشغلت بالتسابق نحو الحقائب الوزارية ونسيت واجبها في تأطير المواطنين وترسيخ قيم الغيرة الوطنية لديهم. والكرة في ملعب النقابات التي كنا نسمع بياناتها النارية حول فلسطين وكل مكان رفع فيه الأحرار راية النضال في العالم، فإذا بها لم تعد قادرة حتى على إصدار بيان تضامني مع المستخدمين الذين تمثل (عليهم). والكرة في ملعب نور الدين الصايل الذي يصرف أموال المغاربة على أفلام تحتقر هوية الشعب وتسخر من عقيدته وتتجاهل أعلامه وتقدم عنه، في المهرجانات الدولية، صورة البلد المنحل والمتفسخ، وتزور تاريخه كما وقع مع «موضة» أفلام هجرة اليهود المغاربة نحو إسرائيل.
والكرة في ملعب الصحافيين الذين لازال بعضهم يصف سبتة المحتلة بالمدينة «المستقلة»، كما صنعت مجلة «تيل كيل» في عددها الأخير، أو كما تصنع مجلة «لوجورنال» عندما تتهم الصحف التي تدافع عن ثوابت البلاد بـ«الملكية»، وكأن الملكية أصبحت تهمة ثقيلة في نظر فاضل العراقي، صاحب المجلة، الذي نصّب الملكُ والدَه بظهير واليا على ديوان المظالم، أو كما تصنع المجلة ذاتها عندما تطلق على الانفصاليين لقب «الناشطين الصحراويين»، كما لو أن الأمر يتعلق بمناضلين حقوقيين وليس بأعضاء في البوليساريو. هؤلاء «الناشطون الصحراويون» الذين يستطيع علي المرابط أن يكشف لكل من سيحمل الهاتف ويتصل به أسماء الصحافيين الذين كانوا يتصلون به ويطلبون منه تمرير أخبار «التامك» ومن معه في مجلته، لأنهم لا يستطيعون تمرير أخبار البوليساريو في الجرائد الخضراء التي كانوا يشتغلون معها.
التحدي المطروح علينا جميعا، اليوم، هو أن نكون مغاربة أو لا نكون.
الباقي كله تفاصيل.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى