زادو فيه


الذين كانوا يتوقعون زيادة في الحد الأدنى للأجور في القانون المالي الجديد ما عليهم سوى أن «يكبو» الماء على كروشهم ويبردوا «خواطرهم»، فليس هناك في القانون المالي الجديد، الذي طبخه وزير المالية، ما يلمح إلى أية زيادة. فيبدو أن عباس الفاسي استمع أخيرا إلى نصيحة الجواهري، والي بنك المغرب، الذي حذره من مغبة الانسياق وراء أحلام زعماء النقابات الذين وعدوا موظفي الطبقات المسحوقة بالزيادة الموعودة. فالزيادة في هذه الظروف المالية الحرجة ستكون زيادة «من راس الحمق». وعباس، طبعا، أعقل من أن يكون ذلك الأحمق الذي يوزع أموال الدولة على الموظفين. وإذا كان القانون المالي الجديد لا يتوقع زيادات في الأجور، فإنه بالمقابل يقرر زيادة على الضريبة المفروضة على «الروج» و«البيرة»، تضاعفت في القانون المالي للسنة المقبلة بحوالي خمسين في المائة. وحدها «البيرة» حلال أفلتت من هذه الزيادة. لكن ليس بضرائب «الروج» و«البيرة» ستحقق مديرية الضرائب التوازن المالي، فالعجز المرتقب في الميزانية العمومية سيصل إلى أربعة في المائة، أي بزيادة نقطة واحدة على عجز السنوات الماضية. سمعنا والي بنك المغرب يحذر الوزير الأول من مغبة الرضوخ لمطالب النقابات العمالية المطالبة بالزيادة في الحد الأدنى للأجور، وسمعنا أطرافا في المعارضة وأخرى في الحكومة تتهم والي بنك المغرب بممارسة الوصاية على عباس. والحق أنه بحاجة إليها. ثم سمعنا الأرقام الأولية لقانون المالية الجديد، حيث لا أثر للزيادة الموعودة. فهل، فعلا، تراجع عباس ووزيره في المالية ووالي بنك المغرب عن فكرة الزيادة في الحد الأدنى للأجور؟ «أسيدي الزيادة فالأجور كاينة» وأنا هنا سأعطيكم الدليل على أن الزيادة ليست قادمة في الطريق بل تقررت وسيتوصل بها أصحابها ابتداء من الشهر المقبل، وهي ليست زيادة بسيطة بل وصلت إلى حدود عشرة في المائة. وقبل أن تقفزوا على هواتفكم المحمولة وتشرعوا في إرسال الرسائل النصية القصيرة إلى معارفكم لكي تزفوا إليهم خبر الزيادة التي قرأتم خبرها في بداية هذا العمود، تريثوا قليلا حتى تأخذوا الخبر كاملا غير منقوص. الزيادة التي نتحدث عنها لا تعني عشرات الآلاف من الموظفين «الكحيانين» الذين ينتظرون بالريق الناشف زيادة 190 درهما في رواتبهم، بل تعني 86 سفيرا من سفراء المغرب في العواصم العالمية، مما يعني أن الوزارة الوحيدة التي استفادت من زيادة بمرسوم خاص، خارج قانون المالية، هي وزارة الخارجية التي يوجد على رأسها الطيب الفاسي الفهري. كم يربح، إذن، سفير مغربي شهريا؟ عليكم أن تعرفوا أن أصغر راتب يتقاضاه أصغر سفير مغربي لا ينزل عن 60 ألف درهم في الشهر، أي ستة ملايين للذين يحبون الحساب بالسنتيم. أما بالنسبة إلى السفراء الذين يتقلدون مهمات على رأس سفارات في بلدان الاتحاد الأوربي، فإن رواتبهم لا تنزل عن ثمانية ملايين في الشهر، أي أكثر من راتب وزير في الحكومة. دون أن نتحدث عن مصاريف السيارات وتعويضات الأثاث الذي تزين به زوجة السفير إقامة زوجها، ورواتب المستخدمين الذين تضعهم وزارة الخارجية رهن إشارة السفير، وبطاقات السفر بالطائرة المجانية التي يتفاوض بشأنها السفير مع وزارته بحسب عدد أبنائه، وأحيانا بحسب الهدايا التي يجلبها معه لبعض «مسامر الميدة» المسمرين في قدم وزارة الخارجية «هادي قرن وزمارة». وبفضل الزيادة الجديدة التي وافق عباس الفاسي على مرسومها الوزاري، فإن سفراء المغرب في الخارج سيتقاضون، ابتداء من الشهر المقبل، عشرة آلاف درهم زائدة في رواتبهم. منهم واحد لا أحد يسمع له حسا أو يرى له نشاطا، يوجد على رأس سفارة المغرب في طوكيو باليابان، كان يتقاضى 12 مليون سنتيم فأصبح اليوم، بموجب الزيادة الجديدة، يتقاضى 13 مليون وربعين ألف ريال لا غير، أي أكثر مما يتقاضاه الوزير الأول نفسه. أما سفراء المغرب بكل من واشنطن ونيويورك والأمم المتحدة، فإنهم سيرون رواتبهم تتحول من تسعة ملايين في الشهر إلى عشرة ملايين و«شي تقرقيبة». وهكذا، فوزارة المالية وبنك المغرب، اللذان يحذران عباس الفاسي من زيادة «جوج فرنك» في رواتب «المزاليط»، لا يتورعان عن الإمضاء بالموافقة على المراسيم الوزارية التي تهدف إلى زيادة عشرة آلاف درهم دفعة واحدة في رواتب موظفي الدولة الكبار. وكل من سيسمع بهذه الزيادة المجزية في رواتب السفراء سيقول في نفسه «وعلاش زعما، على خدمتهم الزينة»، خصوصا بالنظر إلى الأداء السيئ لكثير من السفراء المغاربة في العواصم التي يمثلون فيها المغرب، خاصة على مستوى قضية الصحراء. ففي الوقت الذي تستغل فيه عناصر البوليساريو كل المناسبات لفرض حضورها في تلك العواصم والترويج لأطروحتها الانفصالية، ينشغل كثير من سفرائنا بحفلات «الملاوي» و«كعب غزال» والصفقات الشخصية. لذلك فقد كان الأولى بوزارة الخارجية أن تقلص من أجور بعض هؤلاء السفراء عوض أن تزيد فيها، خصوصا في الدول التي كانت تساندنا في ملف الصحراء سابقا وتحولت لمساندة البوليساريو. عباس الفاسي يرفض الزيادات التي تقترحها النقابات العمالية ويقبل بالزيادات التي يقترحها ابن عمه الطيب الفاسي الفهري عليه، وكأن هذه الزيادات لن تؤثر على الميزانية العمومية، فهو أحسن من يطبق المثل القائل «دقة الخو ما تضر». أما والي بنك المغرب، الذي يبدي حرصا كبيرا على احتياطي العملة الصعبة في خزائنه ويرفض رفضا قاطعا تضخيم كتلة الأجور بزيادات جديدة في رواتب «المزاليط»، بحجة الحفاظ على التوازنات المالية وعلى احتياطي السيولة الذي يتناقص بالتدريج، فقد كان الأجدر به أن يكون أول من يعترض على الزيادة في رواتب السفراء والتي ستخرج من خزائن بنك المغرب بالعملة الصعبة. وحتى إذا عجز الجواهريون عن الوقوف في وجه «زيادات» الفهريين، فعلى الأقل كان على الجواهري، حرصا على احتياطي العملة الصعبة، أن يقف في وجه العثمانيين، وعلى رأسهم كبيرهم عثمان بنجلون الذي كلف بنكُه اللندني «ميدي كابيتال»، الغارق في الخسارة منذ تأسيسه، بنك المغرب تحويلا من العملة الصعبة قدره 400 مليون درهم منذ 2007 إلى الآن. «ومازال العاطي يعطي»، لأن بنك بنجلون اللندني شبيه بالبئر التي لا قرار لها، إذ لا يفعل غير التهام الأموال التي تحول إليه من المغرب بالعملة الصعبة، فبنجلون وقع له ما وقع لذلك الشاطر الذي ذهب إلى «رحبة فليو» وأراد أن يتعلم العطس. فبسبب الأزمة المالية العالمية لم تفلح حتى البنوك الأوربية القوية في المحافظة على وجودها، فبالأحرى أن يحافظ على هذا الوجود بنك مغربي يتلمس طريقه مثل الأعمى وسط ضباب لندن الكثيف. وإذا كان والي بنك المغرب لم يقرأ التقرير الخاص بأنشطة بنك بنجلون اللندني برسم سنة 2008، بسبب حرص أصحابه على نشره «حسي مسي» في جريدة فرنسية مغمورة في عز عطلة الصيف الأخيرة، (باش ما يشوفو حد)، فإن خسائر هذا البنك برسم سنة 2007 وصلت إلى 109 ملايين درهم، ووصلت إلى 96 مليون درهم برسم سنة 2008، «والله يحفظ من 2009». وكل هذه المبالغ التي يخسرها البنك اللندني لعثمان بنجلون يتم استخلاصها من ظهر بنك المغرب الذي يسمح بإخراج كل هذه الملايين من الدراهم بالعملة الصعبة في هذه الظرفية الاقتصادية الصعبة. «الناس دايرين البانكات باش يجيبو العملة للمغرب وشي وحدين دارو بنك باش يخرجوها، طفرناه بكري». وكل هذه الخسارة المالية لإمبراطورية عثمان بنجلون ولبنك المغرب تهون في سبيل حصول بنجلون على لقب «سير» الذي تمنحه بريطانيا للمواطنين الذين يقدمون إلى التاج البريطاني خدمات جليلة. فعثمان بنجلون أصبح يتخيل نفسه إمبراطورا حقيقيا، ولذلك فضل عدم الحضور مؤخرا إلى مناظرة الصخيرات التي نظمتها «المجموعة المهنية للأبناك» بشراكة مع بورصة الدار البيضاء حول «الأسواق المالية»، وفضل مكان ذلك إرسال رسالة «سامية» تلاها على الحاضرين بدلا عنه المدير العام التنفيذي للبنك المغربي للتجارة الخارجية، التويمي بنجلون إبراهيم. ففهم بنشعبون، مدير البنك الشعبي، «الرسالة» وغادر القاعة. فالرسائل الوحيدة التي يتم تعيين من يتلوها على الحاضرين في مثل هذه المناسبات هي رسائل الملك. يبدو أن بنجلون لم يفهم أن رئاسته للمجموعة المهنية للأبناك انتهت منذ خمس سنوات، وأن عدم استدعائه للأعضاء من أجل الحضور إلى الجمع العام لا يعني أنه سيظل رئيسا لهذه الهيئة مدى الحياة. سيكون مفيدا جدا أن يهمس له أحد معاونيه بهذا التذكير خلال الحفل الأسطوري الباذخ الذي يستعد بنجلون لإحيائه في الخامس والعشرين من هذا الشهر بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس بنكه. ما أشبه بعض الوضع المالي في المغرب بالتيتانيك. بنك المغرب يغرق في الديون والبنوك تستغيث بسبب نفاد السيولة، والطبقة العاملة تستغيث بسبب رفض وزارة المالية الزيادة في الحد الأدنى للأجور، والسي بنجلون يبدد الملايير في بنكه اللندني ويحتفل ويقرع كؤوس الشامبانيا ويرقص على أنغام الموسيقى في الدار البيضاء، وكأن لا شيء يحدث في المغرب. صدق من قال «محاس بالمزود غير اللي مخبوط بيه».

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى