شرف بلاستيكي


تسابقُ بعض كبار التجار في الدار البيضاء على حجز «كراطين» من البكارة البلاستيكية صينية الصنع، قبل بدء تسويقها في المغرب، لهو أكبر دليل على أننا في هذه الأمة الإسلامية أصبحنا نعيش أسمى تجليات زمن الزيف والكذب والنفاق. وهكذا، سيكون قريبا بمستطاع كل من تريد ترقيع بكارتها أن تنزل إلى الأسواق وتشتري قطعة مطاط لزج مبلل بسائل أحمر داخل كيس بلاستيكي يشبه حلوى «جبان كول وبان»، مكتوبة عليه طريقة الاستعمال البسيطة والسهلة للغاية. في مصر، تسابق علماء الأزهر على إصدار الفتاوى الدينية بخصوص جواز استعمال الفتيات لهذه البكارة من عدمه. وخلص الفقهاء الأجلاء إلى أن استعمال هذه البكارة المطاطية، التي يتجاوز ثمنها 120 درهما مغربية، سيساهم في نشر الدعارة وتشجيع الانحراف وتساهل الفتيات مع فقدان البكارة الأصلية وتعويضها بأخرى بلاستيكية بدون حاجة إلى إجراء عملية ترقيع غشاء البكارة المكلفة. الحكومة المصرية ووزارة الصحة ونقابة الأطباء والصيادلة ثارت ضد هذه البكارة الصينية المستوردة، وثار إلى جانبها علماء الأزهر؛ هذه الحكومة وهؤلاء العلماء الذين ابتلعوا ألسنتهم عندما ظلت القوات الإسرائيلية تفتض بكارة قطاع غزة طيلة شهر كامل، ولم يصدر عنهم أي رد فعل ضد هذا الاغتصاب الهمجي للقدس. وكم هي بليغة قصيدة الشاعر مظفر النواب وصادقة عندما أنشد قائلا: «القدس عروس عروبتكم فلماذا أدخلتم كل زناة الأرض إلى حجرتها ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها وسحبتم كل خناجركم وتنافختم شرفا وصرختم فيها أن تسكت صونا للعرض في أي قرون أنتم أولاد قراد الخيل كفاكم صخبا». هذه البكارة العربية لم تعد تهتم كثيرا لمن يغتصبها، المهم في هذا العالم العربي هو بكارة العذرية التي لازال كثيرون يضعونها كشرط أساسي للزواج. هذا الحنين القديم إلى الدم، والذي لا يوجد في الكتاب أو السنة ما يشترط وجوده لإتمام الزواج. المغاربة والعرب عموما يربطون البكارة بالعفة والطهارة، مع أنه يمكن أن تجد فتيات كثيرات يحتفظن ببكارتهن لليلة الدخلة، ومع ذلك ليس بينهن وبين العفة سوى الخير والإحسان، وأغلبهن يطلبن من أصدقائهن أن يفعلوا بهن ما يحلو لهم، شرط أن يتركوا لهن ذلك الغشاء سالما لكي يصعدن به فوق العمارية ويرفعن فوقه سراويلهن الملطخة ببقع الدم الذي سيشهد لهن بالعفة والطهارة أمام الحساد. هناك أيضا فتيات كثيرات يحرصن على عفتهن وبكارتهن عن قناعة، ويتجنبن الوقوع في هذا النفاق الاجتماعي والديني. وهذا لا يقتصر على المسلمات فقط، بل هناك اليوم تيارات وجماعات في أوربا وأمريكا تدعو إلى الالتزام بالعفة والمحافظة على البكارة إلى يوم الزواج. مع أن الشباب في هذه المجتمعات الغربية والعلمانية لا يواجه نصوصا قانونية تجرم العلاقات الجنسية خارج الزواج كما هو واقع في المجتمعات العربية والإسلامية، مما يعني أن الشباب عندهم عندما يقرر الالتزام بالعفة فإنه يلتزم بها عن اقتناع، لأن كل الظروف عندهم مساعدة على «خرجان الطريق». لذلك، فغشاء البكارة الصيني الذي يستعد التجار لإدخاله إلى المغرب، مثلما يتهافتون على إدخال «الزبالة» الصينية التي يحاربها العالم بأسره اليوم، يكشف عن وصول النفاق والكذب والزيف في مجتمعنا إلى مستويات قياسية. وفيما قبل، كانت الفتيات الراغبات في ترقيع غشاء بكارتهن يلجأن إلى بعض العيادات الخاصة التي تجري لهن عمليات ترقيعية بثلاثة آلاف درهم للترقيعة يومين قبل ليلة الدخلة. وعندما يقترب موسم الصيف وتكثر الأعراس، يكثر الطلب أيضا على الترقيع، فتبدأ بعض هذه العيادات في منافسة شديدة في ما بينها ويلجأ أغلبها إلى «الصولد» إلى أن وصلت الأسعار إلى 1500 درهم للترقيعة. فبعض الفتيات، اللواتي لازالت عائلاتهن يحرصن على تلك الطقوس البدائية والمتخلفة التي من بين أهم لحظاتها التلويح بسروال العروس المنقط بالدم، لا يجدن من وسيلة لإشباع هذا الجوع الدموي سوى اللجوء إلى هذه العمليات الترقيعية لإنقاذ زواجهن من الفشل. فإلى اليوم، لازال كثير من الرجال، خصوصا في البوادي، يغادرون خيمة العرس بعد أن يهدموها على رؤوس المدعوين عندما يكتشفون غياب الدم. دون أن يشكوا لحظة واحدة، بسبب جهلهم، في أن الشرف والعفة لا يقاسان بغشاء قد تولد الفتاة بدونه أصلا، أو قد تفقده دون أن تشعر بذلك بسبب آخر غير الاتصال الجنسي. واللواتي لا يستطعن جمع تكاليف العملية يلجأن إلى حل آخر أقل تكلفة، وهو الاستعانة ببعض النقط من «الدوا لحمر»؛ ولذلك نسمع في بعض الأعراس أمهات العروس يحملن سراويل بناتهن بافتخار فوق رؤوسهن وهن يصرخن «هاهوا فوق راسي لا تكولو فرماصي»، يعني أن النقط الحمراء التي يشاهدها الضيوف حقيقية وليست نقط «الدوا لحمر» الذي يباع في «الفارماصيان». وأسباب اللجوء إلى ترقيع البكارة ليست كلها بدافع التدليس والنصب على عريس «الغفلة»، فهناك أسباب تجارية أخرى مرتبطة بسوق الدعارة التي تحركها رؤوس أموال خليجية في الفنادق المصنفة والإقامات المحروسة في كبريات المدن المغربية. وبين من تطلق عليهن محترفات الدعارة بالمغرب «الحوالا»، أي زبائن الجنس الخليجيين، من هم مستعدون لدفع ما بين ثلاثين وخمسين مليون سنتيم مقابل قضاء ليلة مع فتاة عذراء. وفي أروقة المتاجر الفاخرة وغرف الحمامات التركية الباهظة وصالات تصفيف الشعر المشهورة بالرباط والدار البيضاء، يمكن أن نعثر على وسيطات محترفات يبحثن عن الجوهرة المفقودة، أي عن أولئك المراهقات اللواتي يستدرجنهن عن طريق الإغراء بالمال والهدايا نحو أسِرّة هؤلاء الزبائن الميسورين والأسخياء. وجولة بسيطة بين أروقة بعض هذه المراكز التجارية الفاخرة كافية لملاحظة العدد الكبير للمراهقات اللواتي يتغيبن عن مدارسهن ويذرعن أروقة المراكز التجارية طيلة النهار ويمسحن بأعينهن المنبهرة واجهاتها الزجاجية حيث تعرض الهدايا الباهظة. هناك بالضبط، تنشط محترفات صيد القاصرات اللواتي يغريهن المال السهل وركوب السيارات الفارهة واقتناء الألبسة الباهظة. هؤلاء الوسيطات سيكنّ أول من سيقبلن على اقتناء «سطوك» من غشاء البكارة صيني الصنع هذا، حتى يحولن «بناتهن» إلى عذراوات أبديات يرقعن بكاراتهن بعد كل «حولي» جديد. لكن موضة ترقيع غشاء البكارة لا تقتصر فقط على خداع العريس أو زبائن العاهرات الباحثين عن الدم، بل إن هذه الموضة اخترقت حتى بعض الأوساط المخملية، فبسبب التخمة المالية التي «يعاني» منها البعض وبسبب مللهم من الهدايا التقليدية، أصبحوا يطلبون من زوجاتهن أن تهدينهم في ذكرى عيد الزواج ليلة دخلة جديدة يعيد فيها كل زوجين ذكريات لقائهما الأول. هكذا هو المغرب، هناك بعض الأثرياء الذين يجدون المال لترقيع بكارة زوجاتهم من أجل المتعة، وهناك من لا يجد حتى ثمن ترقيع وجهه عندما يمزقه اللصوص بسيوفهم المسلولة. «كلها وفين جاتو». الخطير في موضوع غشاء البكارة الصيني، الذي يستعد التجار لترويجه في الأسواق المحلية تحت شعار «أحلى من الشرف ما فيش»، هو أن هذا المنتوج الصيني الرخيص سيضاف إلى لائحة المنتوجات الصينية الرخيصة المصنوعة من بقايا البلاستيك المكرر المستخلص من المتلاشيات السامة والقذرة، والتي تغرق أسواقنا الشعبية. وهذه مناسبة لكي تبادر وزارة الصحة ووزارة التجارة إلى إخضاع كل اللعب والأدوات الصينية المصنوعة من البلاستيك إلى تحقيق دقيق كما تفعل أوربا وأمريكا، خصوصا بعد اكتشاف العلاقة بين لعب أطفال من صنع صيني وبين أمراض الحساسية التنفسية والجلدية عند الأطفال الذين يلعبون بها. أما وزارة الصناعة التقليدية المنشغلة بالترويج للمنتوج المغربي الأصيل في التلفزيون، فيبدو أنها غير معنية بقرصنة «البلاغي» المغربية من طرف التجار الصينيين الذين أصبحوا يجلبون من بكين بلغة مغربية تباع بعشرة دراهم في الأسواق، صالحة للاستعمال لمدة ثمان وأربعين ساعة قبل أن يكتشف مستعملها إطلالة أصابع رجليه منها.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى