ضريب الطر


بعدما تعالت الأصوات المنتقدة للصور التي نشرتها الصحافة حول تطويف عناصر من شرطة فاس لأربعة متهمين بأعمال إجرامية، بادرت إدارة الأمن الوطني إلى نفي خبر التطويف، وبررت اقتياد المتهمين الأربعة في الشارع برغبتها في مساعدة الذين وضعوا شكايات ضدهم للتعرف على ملامحهم. واضح أن الإدارة العامة للأمن الوطني وجدت نفسها في موقف حرج بمجرد صدور صور رجال الأمن وهم يقتادون هؤلاء المتهمين الأربعة حفاة وشبه عراة عبر شوارع المدينة. ومن خلال ملامح بعض أفراد رجال الأمن المنشرحة يظهر جليا أن خلفية التشفي كانت واردة، مع أن المفروض في رجال الأمن بمجرد ما يعتقلون مبحوثا عنه هو أن يصفدوه ويقتادوه داخل سيارة الأمن نحو المفوضية، لا أن يجردوه من ملابسه وحذائه ويتجولوا به في الشوارع بحثا عن ضحاياه من أجل التعرف عليه كما جاء في بلاغ إدارة الأمن. فلكي يتعرف الضحايا على المعتدين عليهم، يتم استدعاؤهم إلى مفوضية الأمن حيث يستعرضون أمامهم صور الموقوفين لكي يساعدوهم على التعرف على ملامحهم، أو يستعرضونهم أمامهم مباشرة داخل أسوار مخفر الأمن، لا في الشارع أمام أنظار المواطنين وتحت عدسات المصورين. هناك تناقض غريب في بلاغ الإدارة العامة للأمن الوطني، فهي من جهة تقر بأن الموقوفين تمت محاصرتهم في حالة تلبس بارتكاب جرائم السطو على المواطنين، ومع ذلك فالأمن محتاج إلى أن يثبت الأفعال المنسوبة إليهم بتعرف الضحايا عليهم، ولذلك اقتيدوا عراة وحفاة كل تلك المسافة في الشارع العام. أليست كافية بهذا الصدد حالةُ التلبس التي ضبطوا فيها؟ لماذا سيحتاج رجال الأمن إلى التأكد من مسؤولية الموقوفين عما حدث رغم أنهم وجدوا بحوزتهم السيوف والخناجر التي نفذوا بها اعتداءاتهم؟ ثم هل نفى هؤلاء الموقوفون التهم الموجهة إليهم حتى تتم مواجهتهم بضحاياهم؟ في أمريكا وبعض الدول الأوربية يتم فعلا تشويه المجرمين، لكن بعد صدور الأحكام النهائية ضدهم. وأكبر ضحايا التشويه هم المتورطون في جرائم اغتصاب الأطفال. وفي أمريكا، هناك صحف ومواقع إلكترونية ومحطات تلفزيونية متخصصة في نشر صور هؤلاء المجرمين حتى يحفظ ساكنو المنطقة التي يشملها البث ملامحهم ويحموا أطفالهم من شرهم. عندنا في المغرب يحدث العكس، فالمتورطون في جرائم اغتصاب وتعذيب الأطفال هم الأكثر استفادة من الأحكام المخففة.. هذا إذا حوكموا أصلا. وهذا ما يشجع هؤلاء المنحرفين على الاستمرار في جرائمهم. وأمامنا مثال قاضي وجدة وزوجته اللذين كيّفت النيابة العامة التهمة الموجهة إليهما من جناية إلى مجرد جنحة. وحجة النيابة العامة في ذلك أن التعذيب الوحشي الذي تعرضت له الطفلة زينب لن يتسبب لها في عاهة مستديمة، مع أن الجهاز التناسلي للطفلة محروق بالكامل بالزيت المغلى. وهكذا، فاستعباد طفلة في الحادية عشرة من عمرها وجلدها بسلك كهربائي وصب الزيت المغلى فوق أعضائها الحساسة وكي فمها بالقضبان الحامية ليس -في نظر النيابة العامة الموقرة- سوى جنحة، ونسيت النيابة العامة أن العاهة المستديمة الحقيقية التي لن تشفى منها الطفلة زينب هي العاهة النفسية التي تسبب لها فيها هذا القاضي وزوجته. لذلك فقد كان من اللازم متابعتهما بجناية إلحاق عاهة مستديمة وبنفسية مستقبل طفلة بريئة. أمثال هؤلاء المسؤولين الذين يتمتعون بالامتياز القضائي والحصانة البرلمانية هم الذين يجب تعميم صورهم بعد الحكم عليهم من طرف القضاء عبر الجرائد والمواقع ووسائل الإعلام المرئية حتى يراهم الجميع ويكونوا عبرة لغيرهم. وليسوا وحدهم فقط من يجب تعميم صورهم وفضائحهم على العموم، وإنما كل اللصوص الكبار الذين سرقوا صناديق الدولة ولازالوا أحرارا مع ذلك. وإذا كان من «شوهة» حقيقية يجب أن يقوم بها القضاء والأمن في المغرب فهي تشويه هؤلاء اللصوص الكبار بنشر صورهم والأحكام التي ستصدر في حقهم حتى يخاف كل مسؤول على اسمه وسمعته فلا يضع يده في جيوب الناس وصناديق الدولة. والشيء نفسه بالنسبة إلى المتورطين في قضايا الرشوة، فالحل الأمثل لإخافة الموظفين ورجال الأمن من تلقي الرشاوى هو نشر صورة كل من يتم ضبطه في حالة تلبس بالارتشاء؛ وعليه أن يعتبر نفسه سعيدا وهو يرى صورته منشورة في الجرائد، لأنهم في الصين يطلقون رصاصة نحو رأس المرتشي، وفوق ذلك فعائلته هي التي تؤدي ثمن الرصاصة؛ فالمرتشي في الصين يعتبر في مرتبة مرتكب جريمة الخيانة العظمى، لأنه يحطم الاقتصاد الذي تعيش منه مئات الملايين من المواطنين، ولذلك فإن هذا الميكروب لا يستحق أن يعيش. وحتى في الديمقراطيات الأوربية هناك طرق كثيرة لتشويه المجرمين والمخالفين للقانون والمتهربين من دفع ديونهم. وفي إسبانيا، مثلا، لازالت كثير من الشركات والبنوك تلجأ إلى خدمات شركة تأسست أيام فرانكو اسمها «موروسو» تخصصت في إرسال موظفيها بلباسهم الأسود وطربوشهم الطويل ليتعقبوا الأشخاص الذين لا يريدون تأدية ديونهم، بمعنى أن البنك أو الشركة التي لديها ديون تلجأ إلى تشويه سمعة الأشخاص الذين يتلكؤون في تسديد ديونهم بتسليط هؤلاء الأشخاص بلباسهم المميز الذي يعرفه الجميع عليهم منذ خروجهم من البيت في الصباح وإلى حين عودتهم إليه في المساء؛ وهم لا يتحدثون مع «ضحاياهم» ولا يحتكون بهم، بل فقط يرافقونهم طيلة النهار مثل ظلالهم، وهكذا يشوهون سمعتهم، بحيث يعرف الجميع في مدينتهم أن الشخص المطارد لا يسدد ديونه، وبالتالي يفسدون عليه جميع معاملاته التجارية، فلا أحد سيرغب في التعامل مع شخص «مديون». لماذا تلجأ شرطة وقضاء بعض الدول إلى استعراض صور المجرمين وعتاة القتلة في وسائل الإعلام، إذن؟ ألا تنص المواثيق الدولية التي اخترعتها هذه الديمقراطيات نفسها على احترام حقوق الإنسان حتى ولو تعلق الأمر بالقتلة والمجرمين الأكثر دموية؟ أحيانا، لا يكفي القانون لردع بعض السلوكيات البشرية الحيوانية، خصوصا في الجرائم التي يكون ضحاياها من القاصرين، لذلك تلجأ المجتمعات إلى الدفاع عن أطفالها وحلقاتها الأكثر ضعفا باستعمال سلاح التخويف والتشهير. وقديما كان السلاطين والحكام يعلقون رؤوس معارضيهم والثائرين ضدهم على أسوار المدينة لإخافة الأعداء؛ وباب محروق في فاس شاهد على ذلك، مثلما هي شاهدة عليه أسوار مكناس ومراكش ووجدة. وعندما كنت في أمريكا، أدمنت على مشاهدة برنامج تلفزيوني مباشر ينصب معدوه على مغتصبي الأطفال ويستدرجونهم عبر مواقع الدردشة إلى بيت الضحية، وعندما يصلون يجدون الطفل أمام الباب، فيستقبلهم ويدخلون لكي يصادفوا معد البرنامج الذي يستقبلهم بدوره عبر الهواء مباشرة. فينهار أغلب من يقع في الفخ ويشرع في البكاء والعويل، لكن دموعه لا تشفع له للإفلات من المحاسبة، فيخرج رجال الشرطة من الغرفة المجاورة ويلقون عليه القبض ويقتادونه مباشرة إلى المحاكمة. وطيلة حلقات البرنامج، شاهدت كيف سقط في الفخ جنود في المارينز وموظفون كبار وأساتذة في الجامعات.. كلهم كانت فضيحتهم بجلاجل، كما يقول المصريون. مثل هذه البرامج تجعل هؤلاء المجرمين يفكرون ألف مرة قبل محاولة استدراج طفل لاغتصابه، فهم يرون كيف ينهار مستقبل وسمعة أشخاص كان الجميع يعتبرهم محترمين، وفجأة يفقدون مناصب عملهم وعائلاتهم وكل شيء. أما استعراض أربعة متهمين تعساء بعد تعريتهم وانتزاع أحذيتهم في فاس قبل إدانتهم من طرف القضاء، فلن يفيد سوى في تأجيج حقدهم على المجتمع ومضاعفة رغبتهم في الانتقام من كل من شاهدهم على تلك الحالة الحاطة بالكرامة. فهؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه والسجن بالنسبة إليهم ليس سوى محطة للاستراحة يغادرها أغلبهم بعفو يجدون دائما الطريقة المناسبة للاستفادة منه. لقد جرب معنا بعض أساتذتنا، سامحهم الله، خلال سنوات السبعينيات هذه الطريقة العقابية القاسية عندما كانوا يعلقون على ظهور التلاميذ الكسالى ورقة مكتوب عليها «أنا حمار» ويأمرونهم بالطواف على أقسام المدرسة لكي يقرأ جميع التلاميذ اللافتة التي على ظهورهم. طبعا، كان هدف الأساتذة هو دفع التلاميذ إلى المثابرة والجد حتى لا يضطروا إلى حمل تلك اللافتة المهينة ويصبحوا «ضحكة» لأقرانهم. لكن آثار تلك اللافتة على نفسيات الأطفال الذين أجبروا على حملها لن تمحى أبدا، بل ستظل عالقة بأذهانهم إلى الأبد، وربما تتحول إلى عقدة تدفع الطفل في كبره إلى الرغبة في الانتقام من المجتمع بأسره.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى