الضحك الحامض


في تونس، البلد الذي ينافس المغرب في السياحة وقطاع الخدمات، تفعل الدولة كل شيء لاقتناص المستثمرين من فنادق الخمس نجوم في الدول الجارة. تونس لديها قناصة محترفون يستهدفون رجال الأعمال خارج بلدهم. وعندما يظفرون بأحدهم، فإنهم يسألونه عن الامتيازات التي ستوفرها له الدولة التي سيستثمر فيها أمواله. وإذا قال لهم إن الدولة ستمنحه تخفيضا على ثمن الأراضي، فإنهم يقترحون عليه نقل مشروعه إلى تونس، وهناك ستعطيه الدولة الأرض مجانا. وإذا كان سيضيع نصف سنة في المغرب، مثلا، في إنجاز الوثائق وإخراج سلعته من الميناء، فإنهم في تونس يتكفلون بإرسال موظف إلى غاية مكتبه لكي ينجز له الوثائق المطلوبة ويرسلون موظفي التعشير إلى بيته لكي يوقع لهم على وثائق تعشير السلع. ولهذا أصبحت تونس تستقطب استثمارات في مجال الخدمات كان المغرب، إلى حدود الأمس، «دايرها فكرشو». سأعطيكم مثالا بسيطا ربما يفيد رضا الشامي، وزير التجارة والصناعة والتكنولوجيا الحديثة، لكي يستفيق من نومه. خلال الأسبوع الأخير، فقدت إحدى شركات النداء العاملة في الدار البيضاء عقد عمل مهم مع شركة HP كانت الشركة تشغل بفضله 250 موقعا للنداء لديها، بمعنى أن 250 مستخدما سيكون عليهم مغادرة الشركة رفقة فريق عملهم. فقد قررت شركة HP أن تفسخ عقدها في المغرب وتوقع مع شركة تونسية للنداء. ولم يجد مدير المركز الفرنسي في المغرب سوى أن يعمم بلاغا على مستخدميه يخبرهم فيه بأن شركة HP قررت أن تتخلى عن التعامل معهم لصالح منافسيهم في تونس. فتونس وضعت برنامجا خاصا لتفادي تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على قطاع مراكز النداء. تعرفون ماذا صنعوا في المغرب لتجنيب هذا القطاع تداعيات الأزمة العالمية؟ لقد كلفوا نرجس النجار بإنجاز سلسلة تلفزيونية اسمها «كول سانتر» يعرضونها الآن في رمضان، حيث يتهكمون على حوالي 20 ألف شاب وشابة يشتغلون في قطاع مراكز النداء بالمغرب. فهذا أقصى ما استطاعت الحكومة تحقيقه للعاملين في هذا القطاع لتحسين أوضاعهم المادية والمعنوية. وكل من يتابع هذه السلسلة السخيفة يعتقد أن مستخدمي مراكز النداء جميعهم أشخاص أغبياء وسطحيون وتافهون ويقضون ساعات العمل في اللعب وارتكاب الحماقات والنوم أمام شاشات الحواسيب، ولا شيء يشغل بالهم سوى البحث عن ربط علاقات بينهم وبين زميلاتهم في العمل. وهؤلاء الزميلات لا همّ لديهن سوى تعديل ماكياجهن في دورة المياه ووضع رجل فوق رجل والابتسام بغباء طيلة الوقت. والحال أن العشرين ألف شاب وشابة الذين يشتغلون في مراكز النداء بالمغرب يجلبون لميزانية الدولة سنويا رقم معاملات يصل إلى حوالي مليارين من الدراهم. وقد كانت خطة إدريس جطو هي إحداث 20 مركزا للنداء سنويا لتشغيل 250 شخصا كل أسبوع. وبالنسبة إلى المستخدمين الذين يشتغلون في مركز النداء البيضاوي الذي فقد عقده المهم مع شركة HP، والذين أصبحوا بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية واشتداد المنافسة التونسية يخشون على مناصبهم، فإن سلسلة «كول سانتر» تعتبر شتيمة في حقهم. وبمجرد أن تلقى أحدهم رسالة مدير المركز التي «يزف» فيها إليهم خبر ضياع الصفقة، قال معلقا على السلسلة «طلعو لينا المورال بكري». إن واقع العمل في مراكز النداء بالمغرب ليس بالسخافة التي حاولت نرجس النجار تصويره بها. فظروف العمل داخل هذه المراكز مضنية وتبعث على الشفقة وليس السخرية والتندر. ومن حق نرجس النجار أن تسخر من مستخدمي هذه المراكز، فهي بسبب انحدارها من أسرة ثرية لم تكن مجبرة على وضع شهادة إجازتها داخل دولاب الثياب، والقبول بالعمل بثلاثة آلاف درهم في الشهر أمام شاشة الحاسوب بـ«كاصك» فوق الرأس لثماني ساعات متواصلة في اليوم لكي تتلقى اتصالات هاتفية ثلثها «تعراق وسبان». لقد كان ممكنا جدا أن تستثمر نرجس النجار مآسي ومشاكل هؤلاء العشرين ألف شاب وشابة الذين يشتغلون في مراكز النداء لكي تخرج لنا في النهاية عملا كوميديا ساخرا ينتقد استغلال الفرنسيين لليد العاملة المغربية الرخيصة في هذه المراكز. لكن مخرجة «العيون الجافة» فضلت أن تسخر من هؤلاء الشباب والشابات عبر تحويلهم إلى مجرد «كلونات» يتقافزون في مكان العمل ويقولون أشياء سخيفة ولا معنى لها. مع أن أغلب هؤلاء الشباب يحملون شهادات جامعية ويجيدون التحدث بأكثر من لغة، ويستوعبون أدوات العمل التقنية بسرعة، رغم أنهم يتقاضون ربع ما يتقاضاه أمثالهم في فرنسا. ولعل هذا بالضبط ما شجع الفرنسيين على استثمار أموالهم في الطاقات المغربية. إن الجانب المضحك في وضعية هؤلاء الشباب العاملين في مراكز النداء هو أنهم مضطرون إلى تقمص شخصيات فرنسية خلال ساعات العمل. كما أن أغلبهم يحمل أسماء فرنسية، فالعربي يتحول إلى «جاك» وفاطمة تتحول إلى «ساندرا»، من أجل إقناع الزبائن الفرنسيين بأن مخاطبيهم يتصلون بهم من نفس مدينتهم، إذ ليس من المقبول أن تحتفظ مستخدمة باسم حنان، مثلا، وتقدم نفسها إلى الزبائن الفرنسيين الذين تتصل بهم ناطقة اسمها بالفرنسية «أنان»، وكلكم تعرفون ماذا تعني كلمة «أنان» بالفرنسية، أعزكم الله. هناك مواقف طريفة كان يمكن أن تستغلها نرجس النجار لكي تكشف للمغاربة الوضع الحقيقي الذي يشتغل داخله مستخدمو مراكز النداء. كاستعمال الخرائط على شاشة الحاسوب لتحديد جغرافية المكان الذي يتصلون به عبر الهاتف. فأحيانا «يطيحون» في زبون في إحدى القرى الفرنسية «مسالي قبو» يفعل كل ما بوسعه لإحراجهم وإسقاطهم في الفخ. فيشرع في سؤالهم عن الشارع الذي يسكن فيه وهل توجد به حديقة أم لا، وكم يبعد عن أقرب مدينة وما إلى ذلك من الأسئلة التي يحتاج الجواب عنها إلى امتلاك جهاز «جي. بي. إس». وهكذا أصبح كثير من العاملين في هذه المراكز يعيشون بشخصيتين، واحدة مغربية يحملونها في بطاقتهم الوطنية، والثانية فرنسية ينتحلونها بمجرد ما يضعون «الكاصك» فوق رؤوسهم ويتقابلون مع شاشة الحاسوب. ولعل استثمار هذه المفارقة فنيا كان سيجعل المغاربة يكتشفون العالم السري لمراكز النداء بطريقة ساخرة، من شأنها أن تعرف بظروف العمل الشاقة التي يشتغل فيها 20 ألف مغربي اليوم. وعكس ما تصوره سلسلة «كول سانتر» من كون العاملين في هذه المراكز يقضون سحابة يومهم في الثرثرة ومحاولة ربط العلاقات الغرامية، فإن الواقع يقول العكس، فمستخدمو مراكز النداء يعملون بالتوقيت الفرنسي ويعملون خلال أيام العطل، وحتى في عيد الأضحى وعيد الفطر يشتغلون، ببساطة لأن الشركات الفرنسية التي فوتت خدمات الاتصال إلى هذه المراكز المستقرة بالمغرب، لا تعرف شيئا اسمه العيد الكبير أو العيد الصغير. مشكلة المسلسلات المغربية الرمضانية أن مضمونها فارغ ولا يحمل أية قيمة اجتماعية أو دينية أو ثقافية، فالمتأمل لما يعرضه التلفزيون هذا الشهر يكتشف خواء هذا المنتوج من المعنى أصلا.. مجرد صراخ وثرثرة وضحك حامض وحوارات لا رأس لها ولا ذيل. وكم كان موفقا ذلك الشخص الذي فتح صفحة في «الفيسبوك» يطالب فيها بمقاطعة القناة الثانية بسبب ما تعرضه من سخافات، ووضع «حامضة» صفراء كرمز جديد للقناة. أحدهم قال لي إن الإعلام العمومي المغربي يدفع المغاربة نحو التشيع، فسألته كيف؟ فقال إن هزالة المنتوج الذي تقدمه القناتان دفع بكثير من المغاربة إلى متابعة المسلسل الإيراني «يوسف» على قناة المنار، وهو المسلسل الذي تتسلل من بعض حواراته ومشاهده طقوس شيعية. فهل ستبادر الداخلية، يا ترى، إلى منع إنتاج الرداءة في القناتين التلفزيونيتين بتهمة تشجيع المغاربة على الإقبال على المنتوج الدرامي الإيراني، كما صنعت عندما أقفلت وحدة الدراسات اللغوية الفارسية بالجامعات المغربية وسفارة إيران وأزالت الكتب الشيعية من رفوف المكتبات. نتمنى ذلك، ولو من باب محاربة التشيع.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى