منتخب الفقصة


كل تعيسي الحظ الذين شاهدوا المباراة الحبية الأخيرة، التي خاضها المنتخب المغربي ضد منتخب الكونغو، فهموا أن الحل الوحيد لإصلاح أحوال الكرة المغربية ليس هو تغيير المنتخب بأكمله بمنتخب جديد. فقد غيروا رئيس الجامعة حسني بنسليمان بعلي الفاسي الفهري، وغيروا المدرب لومير بأربعة مدربين مغاربة، وغيروا مدرب الحراس بمدرب جديد، وغيروا المعد البدني، وغيروا الإطار الذي يشرف على «نفخ الكواري»، وغيروا حتى قوات الأمن التي تحرس المنتخب خلال تداريبه في المعمورة. فخلال فترة وجود الجنرال حسني بنسليمان على رأس الجامعة، كان أفراد الدرك الملكي هم من يتولى مهمة تأمين الحراسة، أما اليوم عندما آلت الأمور إلى آل الفاسي، فإن رجال الجنرال العنيكري هم الذين أصبحوا يقومون بالحراسة. ورغم كل هذه التغييرات، فإن مستوى لاعبي المنتخب ظل ضعيفا، بل مخجلا في كثير من الأحيان. إن ما يقع لنا مع المنتخب المغربي هو نفسه ما يقع لصاحب حافلة متوقفة في الطريق بعد عطب مفاجئ؛ وعوض أن نغير المحرك فإننا نغير المسافرين والسائق. ولهذا، ستبقى هذه الحافلة المعطلة متوقفة في الطريق ما دمنا لم نفهم أن العطب في المحرك، أي في هؤلاء اللاعبين الذين تنقص معظمَهم الروحُ الوطنية التي تخلق لدى اللاعبين الروح القتالية المطلوبة لربح المباريات. وفي الوقت الذي غادر فيه المشجعون المغاربة مدرجات ملعب الأمير مولاي عبد الله قبل إعلان الحكم عن نهاية المباراة «مفقوصين»، احتجاجا على المستوى الهزيل الذي ظهر به المنتخب، توجه أغلب محترفي هذا المنتخب، بعد «الدوش» مباشرة، نحو مراكش للاحتفال بهذا التعادل الحبي في مرقص أحد أفخم الفنادق المراكشية. وقد استمرت السهرة إلى ساعات الصباح الأولى من يوم الخميس الماضي. ويبدو أن الغموض الذي كان يكتنف إصرار بعض اللاعبين المحترفين في المنتخب المغربي على حجز تذكرة العودة من الدار البيضاء عبر مراكش المنارة، قد زال الآن. فهم يخططون للمرور بمراكش للسهر وإزالة التعب وتحريك المفاصل في مراقص مراكش الفخمة، قبل الهبوط في مطارات أوربا الباردة. وإذا كان بعض هؤلاء المحترفين قد لبوا نداء الواجب الوطني وجاؤوا لكي يدافعوا عن ألوان العلم المغربي، فإن لاعبين آخرين أصيبوا، فجأة وبشكل شبه جماعي، إصابات حالت دون مجيئهم للمشاركة في المباراة الحبية ضد الكونغو. وبعضهم معه حق، مثل الحمداوي، هداف أوربا، الذي لم يستطع أن يسجل أي هدف مع المنتخب المغربي؛ فالرجل، من شدة «العكوس» الذي يلازمه، كلما لعب للمنتخب المغربي فشل حتى في تسجيل ضربة جزاء ضد مرمى فريق الطوغو. أما اللاعب الزهر، فيبدو أنه «ماعندو زهر» مع المنتخب المغربي هو الآخر، فقد أصيب بتوعك منعه، في آخر لحظة، من اللعب تحت ألوان العلم المغربي. دون أن نتحدث عن زمامة الذي توعك في «سكوتلاندا»، ويوسف حجي وكريسيان بصير اللذين توعكا معا «دقة وحدة» في «نانسي» بفرنسا. فكل هؤلاء اللاعبين المحترفين أرسلوا شواهد طبية، منحها إياهم أطباء النوادي التي يلعبون فيها، إلى علي الفاسي الفهري. وإذا فكر الفهري في الطعن في هذه الشواهد والاستعانة بخبرة طبيب المنتخب الرسمي، طبيب العظام السي الهيفتي، فإنه سيعرض هذا الأخير للمتابعة من طرف مجلس الأطباء. وبما أن الدكتور الهيفتي يحمل الجنسية الفرنسية، فإن الفهري سيسهل على مجلس الأطباء الفرنسيين مهمة مقاضاته كفرنسي. والظاهر أن «العربون» قد «بان» منذ أول حصة تدريبية للمنتخب قبل مواجهة نظيره الكونغولي، خصوصا عندما اكتشف الجمهور الذي حضر التداريب أن ستة لاعبين فقط استجابوا لنداء المدربين الأربعة وجاؤوا لكي يضربوا «كويرات» قبل موعد المباراة. أحد الحاضرين علق ساخرا: - ياكما شي ماتش ديال الميني فوت هاذا؟ فأجابه متفرج آخر: - هوما ستة والمدربين ربعة، هيا عشرة... وبما أن لاعبي المنتخب الوطني جميعهم يأتون من الخارج، إلا اثنين محليين، فإن الأفضل لميزانية جامعة الكرة هو نقل معسكرات التداريب عند هؤلاء اللاعبين إلى أوربا. فهذه أحسن طريقة لتقليص المصاريف وضمان حضور اللاعبين «المتوعكين» للتداريب. ما سينقص في هذه العملية هو مراقص مراكش التي سيفتقدها بعض محترفي المنتخب. وبقليل من الخيال، يمكن للجامعة أن تجد حلا لهذه المعضلة، كأن «تخزن» لهؤلاء اللاعبين «حقهم من الشطيح» حتى ينهوا مبارياتهم ويأتوا إلى مراكش ليتسلموه كاملا. مشكلة المنتخب المغربي ليست هي «تمرضين» بعض لاعبيه فقط، وإنما غياب الانسجام ما بين مجموعاتهم. والذين رأوا في رفض عميد الفريق الوطني يوسف السفري مصافحة الشماخ، الذي مد إليه يده أثناء عملية التغيير خلال المباراة الأخيرة ضد الكونغو، مجرد خلاف بسيط بين اللاعبين، فهم واهمون، لأن الخلافات بين محترفي المنتخب أعمق من ذلك بكثير. وفي قاعات الأكل بمعسكر المعمورة أو في الفنادق التي ينزلون بها، يمكن أن ترى هذا الانقسام بوضوح، خصوصا عندما ترى الحمداوي وأحمدي، المحترفين بهولندا، جالسين حول «طبلتهم»، بينما الشماخ وحجي وكريسيان بصير، المحترفين بفرنسا، جالسين في «طبلة» أخرى، وبقية المحترفين القادمين من دول أوربية أخرى جالسين حول «طبلة» ثالثة. وهذا الانسجام الغائب بين اللاعبين، المتعودين على مدارس لعب مختلفة وأساليب لعب متباينة، هو ما يجعلهم بمجرد ما يلعبون تحت راية واحدة، هي راية المغرب، «يتلفون السبرديلة» ويعجزون عن اللعب بخطة موحدة. والكارثة، اليوم، أن المنتخب عوض أن يكون له مدرب واحد أصبح له أربعة مدربين، لكل واحد منهم خطته. ولعل الفاسي الفهري هو أحسن من يطبق المثل المغربي القائل «الحمية تغلب السبع»، فقد شكل «حمية» من المدربين غلبت أسود الأطلس. ويبدو أننا نفهم، اليوم، مبادرة ذلك المغربي المقيم في بلجيكا والذي انطلق يجمع التوقيعات لرفع دعوى قضائية ضد المنتخب المغربي عقب هزيمته في غانا، بتهمة انتحال صفة. فحسب هذا المشجع «المفقوص»، فلاعبو المنتخب لا يستحقون لقب «أسود الأطلس» وتجب مقاضاتهم لإسقاط هذا اللقب عنهم، لأن انتحالهم لهذه التسمية فيه إهانة للأسود ولجبال الأطلس الشامخة. مشكلة المنتخب الوطني هي أنه يعتمد بنسبة ثمانين في المائة على لاعبين محترفين، يلعبون ضمن نوادٍ أوربية. وبخلاف حارسي المنتخب، المياغري وفكروش، اللذين يلعبان للوداد، فبقية اللاعبين يلعبون كلهم ضمن نوادٍ أوربية. وهذه النوادي تصرف الملايير سنويا على هؤلاء اللاعبين الذين اشترتهم لكي يلعبوا معها. ولذلك فمن حقها أن تعرقل، بشواهدها الطبية، مجيء هؤلاء اللاعبين للعب ضمن فريقهم الوطني. فهي لم تشتر هؤلاء اللاعبين ولم تدربهم وتصرف عليهم الميزانيات الضخمة لكي يذهبوا في الأخير للعب مع منتخبهم ويعودوا متوعكين إليها. لذلك، فالحل هو خلق منتخب وطني مائة في المائة، كما هو الحال بالنسبة إلى منتخب مصر الذي لا يوجد ضمن صفوفه سوى محترف واحد يلعب في الخارج، والذي لم يمنعه ذلك من الانتصار على المنتخب الإيطالي مؤخرا في جوهانسبورغ، أو منتخب تونس الذي يلعب أكثر من ستين في المائة من لاعبيه ضمن فرق محلية، أو منتخب الجزائر الذي يلعب أكثر من سبعين في المائة من لاعبيه ضمن البطولة الجزائرية. نريد منتخبا وطنيا مثل منتخب الثمانينيات الذي خرج كل لاعبيه من الطبقات العميقة للمجتمع، منتخب يتقاتل لاعبوه حتى الرمق الأخير من أجل النصر بروح وطنية عالية، منتخب لا يمضغ لاعبوه «المسكة» عندما يقفون لتحية النشيد الوطني، فيما يحرك الباقون «شلاقمهم» بشكل عشوائي حتى يعطوا الانطباع بأنهم يحفظون كلماته. إن الاستمرار في الاستهانة بضرورة تحقيق المنتخب الوطني للانتصارات، يعتبر سببا رئيسيا في إضعاف الشعور الوطني لدى شرائح واسعة من الشعب المغربي. فكرة القدم كانت دائما عامل استقرار سياسي، قبل أن تكون عامل استقرار اقتصادي لمدراء النوادي والمعلنين وسماسرة المدرجات. والذين يتجاهلون هذا المعطى، عليهم أن ينزلوا من حافلة المنتخب ويتركوا «الشخوشا» يقودونها بعد تغيير محركها؛ فهم موجودون ولا ينتظرون سوى أن يفسح لهم «الطوكارات» طريق المرور.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى