تأملات مهاجر مغربي من موريال


هناك رسائل تصل أحيانا على شكل استغاثة، وأخرى تصل على شكل جرعة هواء نحتاجها جميعا لكي نرى الأمور بمنظار مغاير. تلك النظرة الخارجية على الأشياء، على البلد، وعلى مواطنيه. هناك رسائل يمكن أن نتفق معها، وأخرى يمكن أن نختلف معها كليا، لكن هناك رسائل أخرى تثير لدينا السؤال أكثر مما تقدم إلينا الإجابة. هذه واحدة منها وصلتني من موريال بكندا. فيها يستعرض كاتبها رؤيته الخاصة للعمل الذي تقوم به مؤسسات الهجرة المغربية والإعلام المغربي لصالح المغاربة المقيمين في الخارج، لنستمع إليه: «دعوني أشكو إليكم قليلا. فمؤخرا تطورت لدي حالة مزمنة من القرف بسبب الانفصام الذي تعيشه مملكتنا الشريفة. أريد أن أفهم، مثلا، كيف وصلنا إلى وضعية أصبح فيها الشذوذ الجنسي حقا تتجند له الجمعيات والمناضلون في هذا البلد.. كيف يمكننا بناء نظام سياسي يحتل فيه الدين مكانة متميزة بيد وباليد الأخرى نهدم ذلك، بإعطاء هذه المجموعة المتحررة من القيم الأخلاقية الحق في المطالبة بمثل هذه الحقوق. لقد أصبح المغرب بلدا لا يحترم مواطنيه.. بلدا منبهرا أمام الأجنبي، بحيث أصبح يفرش البساط الأحمر للغرب ولو كان ذلك على حساب أجساد مواطنيه. «المغرب يسير»، كما يقول الروبورتاج التلفزيوني، لكن إلى أين، والأهم من ذلك لحساب من؟ متى سنتوقف عن تلبية خطط الاستعماريين الفرنسيين والإسبان، تلك التي فشلوا في تطبيقها عندما كانوا يحتلون أراضينا؟ لماذا ضحينا بكل هؤلاء الشهداء من أجل الاستقلال؟ ألم يكن من الأنسب تركهم عندنا؟ فالأكيد أنهم يحظون اليوم بمعاملة تفضيلية أكثر من السابق عندما كانوا معمرين. الإسلام الذي يريدونه لنا اليوم في المغرب هو إسلام الدروشة و«تابوهاليت». الإسلام الذي لا يدعو الفرد سوى إلى الاهتمام بنفسه، والإعراض عن النظر من حوله.. أن يمشي المسلم حافي القدمين حتى يقولوا عنه إنه بسيط ومتواضع، بينما الآخرون، الذين يعتبرون المغرب لهم لا لغيرهم، يسيرون على متن «الرونج روفر»، و«الهامر» التي تستهلك أكثر من 20 لترا من الغازوال في كل 100 كلم. يبدو واضحا أن هناك أطرافا تستثمر أموالا ضخمة لتدمير قيمنا. وهاهو الإنتاج «الفني» الذي ينتجه التلفزيون العمومي المفروض فيه أن يساعد أطفالنا في المهجر للمحافظة على حبل السرة مع البلد، يستعد لبث سلسلة «كول سانتر» خلال رمضان. وهي السلسلة التي أنتجت بفضل أموال الشعب، وحيث الممثلات في الإعلان الذي يمر 24 مرة ما بين البث الفضائي والأرضي على ثلاث دقائق، يكشفن عن مفاتنهن. وإذا كان الإعلان عن السلسلة الذي يستمر ثلاث دقائق كاملة يحتوي على كل تلك المفاتن فما بالك بالسلسلة التي ستدوم شهرا كاملا. وليس خافيا على متتبعي الصناعة «الفنية» في المغرب أن صاحبة سلسلة «كول سانتر» ليست سوى نرجس النجار التي أنتجت سلسلة لرمضان الماضي تم سحبها في آخر لحظة اسمها «ماضموزيل كاميليا» تم تصويرها بحوالي 500 مليون من أموال دافعي الضرائب لكي تنتهي في الأخير داخل أدراج أرشيف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون. إن منتجي مثل هذه المسلسلات يجب أن يفهموا أن المغاربة ليسوا جميعهم راضين عن عرض المرأة المغربية بهذه الطريقة المستفزة، خصوصا في شهر الصيام. فالمغاربة ينتظرون برامج دينية وثقافية وترفيهية تحترم ذكاءهم وقيمهم، لا إلى مسلسلات تسير في نفس التيار الاستفزازي العاري الذي تسير فيه القنوات اللبنانية المرتهنة كليا للمستثمرين الخليجيين الباحثين عن الربح على حساب جسد المرأة الذي يتفننون في تصوير تفاصيله. كما سيعرضون خلال هذا الشهر سلسلة «المجذوب»، فيبدو أن «الدروشة» وجدت لها أخيرا منتجا يصورها ويعرضها كثقافة مغربية خالصة. لا أعرف إن كان هؤلاء الناس قد فقدوا البوصلة أم ماذا، وهل هم واعون بأنهم يبنون مغربا بإسلام يشبه إسلام الكاثدرائيات، إسلام فلكلوري بدون عمق فكري، إسلام «تقدمي» كما تقول في فرنسا فضيلة عمارة، وزيرة ساركوزي. هذا ما يريدونه لهذا البلد، يريدون الفلكلور، لأنه سيعجب الغربيين والسياح. إذن، «فلكروا» الإسلام، ولا تستغربوا بعد ذلك لماذا تعامل الحكومات الغربية المهاجرين المغاربة بهذه الطريقة التي تعامله بها الآن. وماذا عن المغرب الرسمي يا ترى؟ إنه منشغل بوضع طريقتين من التعامل مختلفتين مع مواطنيه. واحدة خاصة بالمغاربة المحليين «العاديين» الذين ليست لديهم بطاقات إقامة أو جنسيات أجنبية، وأخرى خاصة بالمغاربة المقيمين في الخارج. وهنا أطرح سؤالا بسيطا في ضوء هذا التقسيم غير العادل: بأي حق تستفيد طبقة المغاربة المقيمين في الخارج من تسهيلات بنكية وقانونية وإدارية، دون أن يكون مسموحا بهذه الامتيازات أيضا للمغاربة المقيمين داخل المغرب؟ إنهم بهذا الشكل يقسمون المغاربة إلى مغاربة «درجة أولى» يحظون بالتسهيلات الضرورية، ومغاربة «درجة اقتصادية» يعانون يوميا مع البنوك والإدارة والمحاكم. لماذا سيستفيد مغربي مقيم في الخارج، مثلا، من نسبة فائدة تفضيلية لدى البنوك، بينما ليس من حق مغربي «عادي» مقيم في المغرب الاستفادة من نفس الفائدة؟ بأي حق يستفيد مغربي مقيم في كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قيمة أجر ساعة من العمل تصل إلى ثمانية دولارات، من قيمة فائدة مخفضة في البنك الشعبي أو البنك المغربي للتجارة الخارجية، فيما يحرم منها المغربي المقيم في بلده حيث الحد الأدنى للأجور لا يتعدى 250 دولارا في الشهر؟ ما أنتظره أنا شخصيا من المؤسسات التي تهتم بشؤون الجالية المغربية المقيمة بالخارج، هو أن تدافع عن الهوية الثقافية وليس الفلكلورية للمغاربة.. أن تدافع عن القيم التي ضحى أجدادنا بدمائهم من أجلها، وأن يقدم إلينا إعلامنا ما يخدم صورتنا الحقيقية وصورة ثقافتنا الأم، لا القشور والمظاهر السطحية والتمادي في تمويل الأعمال «الفنية» التي تخدش الحياء والذوق السليم في شهر العبادة والصيام. أنا شخصيا لست محتاجا إلى الاستفادة من تخفيض في نسبة الفائدة البنكية، لأنني كمغربي مقيم في الخارج إذا احتجت إلى قرض بنكي فإنني أستطيع الحصول عليه بسهولة من البنوك الأوربية وبنسب فائدة جد منخفضة وبشروط تفضيلية. أنا محتاج إلى مركز ثقافي مغربي أستطيع أن آخذ إليه أبناني نهاية كل أسبوع لكي يشاهدوا ثقافة بلدهم ويحضروا ندوات ومحاضرات تربطهم بتاريخ بلدهم العريق وبقضايا عصرهم كشباب مغربي ولد في المهجر. أنا محتاج إلى مدرسين مغاربة يعلمون أبنائي اللغة العربية والثقافة المغربية، حتى يظل ارتباطهم بهويتهم الأصلية أقوى من أية هوية أخرى مكتسبة. هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يجب أن تنخرط فيه البنوك والمؤسسات الرسمية حتى يظل هناك في المستقبل شيء اسمه المغاربة المقيمون بالخارج. هناك شيء آخر أريد إضافته، وهو أننا هنا في موريال بمقاطعة «نوتردام دوغراص»، لدينا مسبح بلدي يخصص فترات زمنية محددة خاصة بالرجال أيام الأحد والاثنين والخميس، حيث لا يمكن أن تعثر ضمن الطاقم المشرف على المسبح سوى على الرجال. كما يخصص المسبح فترات زمنية خاصة بالنساء. ثم هناك فترات خاصة باختلاط الجنسين. والسؤال الذي أطرحه هو لماذا كلما أردت أن أسبح مع ابني في مسبح عمومي ببلد مسلم كالمغرب أجد نفسي مجبرا على السباحة إلى جانب نساء شبه عاريات. وحتى زوجتي إذا أخذتها معي إلى مسابح الدار البيضاء الخاصة تجد في أبوابها حراسا يطلبون منها أن تنزع حجابها إذا أرادت الدخول، وأن تلبس «المايو» إذا أرادت السباحة. هل هناك مسؤول مغربي يمكن أن يتطوع ويشرح لي لماذا علي أن أعيش هذه المفارقة؟».

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى