اللي ما عرفك خسرك


أول سؤال تفضلت إحدى الزميلات الصحافيات «المفرنسات» بطرحه على رضا بنشمسي، خلال الندوة الصحافية التي عقدها في مقر مجلته حول مصادرة العددين الأخيرين من «تيل كيل» و»نيشان»، كان هو: «هل هناك علاقة لما كتبه رشيد نيني حولك بالمنع الذي تعرضت له مجلتاك مؤخرا؟». فكان جواب بنشمسي كالتالي: «رشيد من؟». فأجابته: «رشيد نيني...». فقال لها: «لا أعرف من يكون هذا الرجل. السؤال الموالي من فضلكم». لكن بنشمسي الذي ادعى أنه لا يعرفني، «واللي ما عرفك خسرك» كما يقول المغاربة، سيسترجع ذاكرته بمجرد ما نشرنا أمس في «المساء» تغطية أمينة لما قاله في ندوته الصحافية، خصوصا تلك الجملة الدارجة التي قال فيها: «إذا كنا قلنا إن 91 في المائة من المغاربة يعتبرون حصيلة الملك إيجابية ومع ذلك اعتبروا أن في الأمر عدم احترام للملك، فماذا ينبغي أن نقول باش نحتارمو هاد خاينا». فاتصل أحد أعضاء هيئة تحرير بنشمسي وقال إن هذا الأخير لا يقصد الملك وإنما وزير الداخلية بنموسى، وإنهم سيرسلون إلينا ببيان حقيقة يؤكدون فيه ذلك، وإذا لم ننشره كما هو فإنهم سيتابعوننا أمام القضاء، يعني «بنشمسي يديرها ونيني يمشي فيها». وبما أن ذاكرة السي بنشمسي قصيرة إلى هذا الحد فيمكننا إنعاشها بالعودة إلى الوراء، وبالضبط إلى مثل هذا الوقت بالذات من السنة الماضية، حين كتب افتتاحية يخاطب فيها الملك وعنونها كالتالي «فين غادي بينا خويا»، وكانت هذه الافتتاحية سببا في حجز جميع أعداد مجلتيه وإتلافها، تماما كما حدث الأسبوع الماضي. وحتى لا يضطر بنشمسي إلى الاعتذار من جديد ويكتب افتتاحية يكون عنوانها «الله يبارك فعمر سيدي»، كما صنع السنة الماضية، فإنه لجأ هذه المرة إلى إنكار نعته للملك في ندوته الصحافية بـ»هاد خاينا». ولأن بنشمسي حريص على عائدات الصفحات الإشهارية التي تشكل 50 في المائة تقريبا من مجلته (القانون لا يسمح بأكثر من 25 في المائة)، فإنه بمجرد ما يتم الحجز على مجلتيه يسارع إلى حذف المقال الذي يتسبب له في الحجز ويعيد طبع العدد بدونه حتى لا تضاف خسارة تدمير العدد إلى خسارة المعلنين الذين لن يدفعوا لشركة بنشمسي الإشهارية الموازية التي أسسها لاستخلاص عائدات الإشهار دون المرور عبر الوكالات. وربما يتساءل أحدكم عن سبب إحجام بنشمسي عن مجرد التهديد بالقيام بإضراب عن الطعام احتجاجا على الحجز المتكرر لمجلتيه، كما صنع قبله بوبكر الجامعي عندما منع «المجاهد الأكبر» عبد الرحمان اليوسفي «لوجورنال»، أو علي المرابط الذي دام إضرابه عن الطعام 43 يوما وشارف على الموت، دفاعا عن حقه في التعبير بعد منع مجلتيه ورميه في السجن ومنعه من الكتابة لعشر سنوات. فبنشمسي ليس من طينة هذين الصحافيين، فهو دائما يكتفي بعد الحجز على مجلاته بندوة صحافية باردة يتعهد فيها بحذف المقال «المزعج» الذي تسبب له في «صداع الراس»، وإعادة طبع العدد منقحا ومشذبا بعناية، أي أنه عوض أن يتمسك بما يراه حقه في التعبير ويدافع عن هذا الحق إلى النهاية، يفضل الحل السهل، حرصا على 100 مليون التي ترتعد فرائص بنشمسي خوفا من ضياعها. ورغم كل شيء، فهذا الحادث المؤسف الذي تعرض له بنشمسي بسبب ما رأت فيه الداخلية خرقا للقانون، ساهم في الكشف عن مجموعة من التناقضات على مستوى الحكومتين المغربية والفرنسية، وساهم في إخراج «وليدات فرانسا» المقيمين بيننا في المغرب من مخابئهم. وإليكم التفاصيل: أول تناقض استرعى انتباهي هو ذلك التناقض المفضوح الذي وقع فيه الناصري، وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة. فالرجل عبر، في بلاغه الحكومي، عن وجهة نظر الداخلية، وكان شديد الصرامة واللهجة وهو ينتقد لجوء بنشمسي إلى القيام باستطلاع رأي حول الملك. لكن المثير للاستغراب هو موقف مولاي إسماعيل العلوي الذي رأى في الحجز عملا غير مقبول. وإذا كان مولاي إسماعيل العلوي قد نسي من يكون خالد الناصري، فإننا نتطوع لكي نذكره بأن الرجل ليس سوى زميله في الديوان السياسي للتقدم والاشتراكية، الحزب الذي باسمه يوجد الناصري في الحكومة. وهذا المعطى ينتج عنه أمران منطقيان، إما أن يقيل مولاي إسماعيل العلوي رفيقه الناصري من الحزب، أو أن يبادر الناصري إلى الاستقالة من الحزب، ما دام وزير الاتصال وعضو الديوان السياسي للتقدم والاشتراكية قد شارك في اتخاذ قرار سياسي يسير في الاتجاه المعاكس لموقف أمينه العام في الحزب الذي يشارك باسمه في الحكومة. التناقض الثاني والخطير، الذي وقعت فيه الحكومة المغربية بسبب قضية بنشمسي، هو أن وزير الخارجية استدعى السفير الفرنسي بسبب مجرد رسالة بعث بها نائب برلماني من العدالة والتنمية للمطالبة بتدخله من أجل إسعاف مستشار مغربي يحمل الجنسية الفرنسية، في الوقت الذي لم تتحرك شعرة واحدة في رأس الطيب الفاسي الفهري عندما أصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بيانا رسميا تنتقد فيه قرار وزارة الداخلية المغربية القاضي بحجز مجلتي بنشمسي. والأخطر، في نظري، ليس هو لجوء برلماني مغربي إلى السفارة الفرنسية طالبا تدخلها لإنقاذ حياة زميله، وإنما لجوء الخارجية الفرنسية إلى التدخل بالنقد في قرار سيادي، قد نتفق أو نختلف بشأنه، اتخذته الحكومة المغربية. عندما أرسل أفتاتي الرسالة إلى السفير الفرنسي اتهمه الجميع بإقحام الأجنبي في الشؤون الداخلية للمغرب، أما عندما أقحم الأجنبي نفسه في شأن حكومي داخلي، ببلاغ رسمي، فإن سعادة وزير الخارجية لم ير في ذلك أي تدخل للأجنبي في السيادة المغربية. والمفروض، حسب الأعراف الدبلوماسية، أن تمتنع الخارجية الفرنسية عن إقحام نفسها في شأن داخلي يخص المغرب، تماما مثلما امتنعت عن انتقاد الحكم على «المساء» بأكبر غرامة في تاريخ الصحافة المغربية والعربية. والمعروف في مثل هذه القضايا التي لها علاقة بحرية التعبير والنشر أن تنتقد «منظمة مراسلون بلا حدود» والجمعيات الحقوقية القرارَ المغربي، أما وزارة الخارجية الفرنسية فهذه ليست مهمتها. وحتى الخارجية الأمريكية عندما تنجز تقارير سنوية حول حرية التعبير في المغرب فإنها تنجزها اعتمادا على تقارير الجمعيات الحقوقية وليس اعتمادا على قراءتها الخاصة. إن أول شيء كان على الطيب الفاسي الفهري أن يسارع إلى القيام به، بعد صدور بلاغ الخارجية الفرنسية، هو استدعاء السفير الفرنسي بالرباط لاستفساره حول أسباب هذا التدخل الفرنسي غير الدبلوماسي في الشؤون الداخلية للمغرب. وحتى موقف الخارجية الفرنسية المنتقد لمنع جريدة «لوموند» يبقى غير مفهوم، فجريدة «لوموند» ليست ناطقة باسم قصر «الإليزيه»، وإنما هي جريدة تصدرها شركة خاصة. وإذا منعت في بلد ما فإن من يتكفل بانتقاد هذا المنع هو منظمات الدفاع عن حرية التعبير وليس الخارجية الفرنسية. وحتى لا يعطينا أحد الدروس في حرية التعبير دعونا نراجع سجل فرنسا، حيث يسجل التاريخ سوابقها في مجال منع ومصادرة وحجز الجرائد والمجلات والكتب. سنة 1991، ومع بداية حرب الخليج الأولى، قرر وزير الداخلية الفرنسي الاشتراكي «بيير جوكس» منع مجلة «الوطن العربي» من الطبع والنشر في فرنسا بسبب خطها التحريري المساند لأفكار صدام حسين. هكذا، منعت فرنسا الاشتراكية على عهد «فرانسوا ميتيران» مجلة عربية من الصدور على أرضها واشترطت، من أجل عودتها إلى الأكشاك، تغيير خطها التحريري وضخ أموال سعودية وكويتية في رأسمالها. وهكذا، غيرت المجلة اتجاه خطها التحريري بضغط فرنسي، وأثر هذا في رئيس تحريرها اللبناني «وليد أبو ظهر» إلى أن مات مؤخرا بسبب المرض. وفي السنة ذاتها، منع وزير الداخلية الفرنسي مجلة «كل العرب» التي كانت تصدر من باريس، للأسباب والدواعي نفسها. وفي 30 نونبر 2004، طالبت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري الفرنسية ومجموعة من البرلمانيين مجلس الدولة بمنع التقاط قناة «المنار» اللبنانية في كل التراب الأوربي بتهمة معاداة السامية. وفي 13 دجنبر من السنة نفسها، أصدر مجلس الدولة أمرا بمنع القمر الصناعي «أوتيلسات» من بث قناة «المنار». في مارس من سنة 1987، قرر وزير الداخلية الفرنسي «شارل باسكوا» منع دخول الجريدة الجزائرية «البديل» والتي كان يصدرها معارضون جزائريون لاجئون في أوربا. وسبب المنع كان هو أن ما تنشره هذه الجريدة يمكن أن تكون له عواقب سيئة على العلاقات بين باريس والجزائر؛ أو بعبارة أخرى، تم منع دخول الجريدة استجابة لما يسمى «Raisons d Etat» أو»منطق الدولة». سنة 1997، حجز وزير الداخلية الفرنسي «جان بيير شوفينمان» كتابا علميا من رفوف المكتبات عنوانه «مذبحة «أورادور»: نصف قرن من التمثيل»، والتهمة كانت هي التشكيك في المحرقة النازية. ولو أردنا أن نحصي سوابق الدولة الفرنسية مع حجز الصحف والمجلات والكتب التي لا تتماشى ومصالحها العليا لاحتجنا إلى أكثر من عمود؛ لكننا نكتفي بهذا القدر، لعل الذين يعتقدون أن قدرنا كمغاربة هو أن نستمر في تلقي الدروس من الخارج ونجلس، مثل تلاميذ كسالى، بانتظار شهادات حسن السيرة والسلوك من «تيكوا» و»سيمبريرو» وأشباههما من الصحافيين الذين يكتبون عن المغرب من باريس ومدريد. زمن الحجر والوصاية يجب أن ينتهي يا سادة، وآن الأوان لكي يصنع المغاربة حاضرهم ومستقبلهم بأيديهم.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى